تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

فصل (٤)

ألمَّ في هذه القطعة بقول السري الرفاء، في وصف الكتب:

عندِي إذا ما الرَّوضُ أصبحَ ذابِلاتحفٌ أغضُّ من الرياضِ شمائِلا
خُرسٌ يحدِّثُ آخرٌ عن أولٍبعجائِبٍ سلفتْ وكنَّ أوائِلا
سُقيتْ بأطرافِ اليراعِ ظهورهاوبطونُها طلاَّ أجمَّ ووابِلا
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عندي إذا مالروض أصبح ذابلا»
وتُريكَ ما قد فاتَ من دهرٍ مضىحتى تراهُ بعينِ فكرِكَ ماثِلا
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عندي إذا مالروض أصبح ذابلا»

وله في الشيب:

يقولُ ليَ الشَّيبُ وقد راعنيمنه سنًا قد أبادَني الوسَنا
للشاعر يوسف البديعي، اقرأ القصيدة
إلى مَ لا ترعوي ألستَ ترىقد لبستْ كلُّ شعرةٍ كفنا
للشاعر يوسف البديعي، اقرأ القصيدة

وله فيه أيضاً:

وسائِلةٍ حالي وقد ودَّع الصِّباولاحتْ نجومُ الشَّيبِ في الرأسِ تُزهرُ
للشاعر يوسف البديعي، اقرأ القصيدة
وما حالُ من يغدو ومن فوق رأسِهِمدى عمرِه لا زالتْ البيضُ تشهرُ
للشاعر يوسف البديعي، اقرأ القصيدة

محمد بن نور الدين الشهير بابن الدرا هو لمشامِّ الأرواح شمامة، وكأنَّه زهرةٌ تفتحت عن كمامة. بزع في أفق دمشق وبها برع. وما أتحققه إلا في بحبوحة الترف ترعرع.

فمرة يتشبه بالبدر إذا أقمر، وتارةً يتمثَّل بالغصن إذا أثمر.

وهو في لطف الشمائل، بمثابة نور الخمائل. ترقرق عليه ماء القبول، فنظم ما هو أرقُّ من نسيم القبول.

وشعره يكاد من كثرة مائه يتقطر، ويكاد القلب من غرامياته يتفطر. ولأجل أنَّه من أشعار الصِّبا، وهي كما قيل التمر باللِّبا. رق رقة دين الفاسق، وشقَّ عليه قلبه العاشق.

وأنا من منذ ولعت بالشعر، وساومت منه من سوق الرقيق كلَّ غالي السِّعر.

شغِفٌ به وبشعرِهشغفَ المحبِّ بمن يحبْ

أتفكه بيانع ثمره، وأعدُّه من ليلي ومن سمرِه. وقد أتيتُ منه بما أسأل في وجنة الدهر غرةً ماء الحسن فيها مترقرق، وحسبك من شعرٍ إذا ما غنَّى به النبت الهشيمُ يورق.

فمنه قوله في قصيدةٍ، مطلعها:

ساقٍ أغنُّ وروضةٌ غنَّاءُومُدامَ كرخِيَّةٌ صهباءُ
يسعى بها طوراً ويجلس تارةًفيديرُها من لحظِه الإيماءُ
رشأٌ تجاذبتِ المحاسنُ خلقهُحتى لودَّتْ أنَّها أعضاءُ
خطَّار قامتِه الرطيبةِ ما انثنَىإلا استلذَّتْ فتكةَ الأحشاءْ
وشموسُ طلعتِ حسنِه مذ أسفرتُحمدتْ أُفولَ عقولِها العقلاءُ
في جنحِ طرَّتهِ وصبحُ جبينِهنعمَ الصَّاحُ وحبَّذَ الإمساءُ
أفديهِ إن أخذَ الطِّلا منهُ وقددعتِ الكرَى أجفانُه الوطفاءُ
يحبوكَ من تحفِ الحديثِ لطائِفاًهي عنديَ الأكوابُ والنُّدماءُ

منها:

حتى إذا أذكى الحياءُ بخدِّهِلهباً بهِ تتلهَّبُ الأحشاءُ
واحمرَّ قلبُ عقاربِ الصُّدغينِ وانهلَّتْ بلؤلؤِ عقدِها الجوزاءُ
فوقفتُ أحيرَ من مناطِق خصرِهمتوسِّلاً ودعائِي استصحاءُ
فانزاحتِ الجوزاءُ نحوَ غروبِهاوبدا لشمسِ جبينِه لألاءُ
ورنا إليَّ ملاطِفاً بعتابِهويزينُه أدبٌ له وحياءُ

منها:

فوحقِّ إفحامِي بما أملاهُ ليولأنَّني تعنو ليَ الفصحاءُ
لم أعدو ما أسدَتهُ لي حسناتُهأنَّى وكلِّي في هواه وفاءُ
لا بل عليَّ من العفافِ وصونِهوعلوِّ منصبِ حسنِه رقباءُ
ما ثمَّ غير تلاثمٍ وتعانقٍويديَّ مفرشُ جيدِه وغطاءُ
وفمي على فه وأشكوهُ الظَّماظمأٌ جناه لقلبيَ الإرواءُ
حتى إذا أفضتْ أفاويهُ الصَّباوأتتْ تكلِّلُ ذيلها الأنداءُ
وبدا الكرى يسطو على إحساسِهورقى إلى أجفانِه الإغفاءُ
عطسَ الصَّباحُ فهبَّ يمسح نعسةًلم يشفِها من مقلتيهِ لقاءُ

قلت: قال المرزوقي في شرح الفصيح: عطِس: فاجأ من غير إرادة، ومصدره العطس، والعُطاس الاسم، جعل كالأدواء. يقال: أرغم الله معطِسه. وعطِس الصبح والفجر، على التشبيه.

قلت: كما في قول ابن الوردي:

قلتُ لهُ والدُّجَى مولٍّونحنُ في الأنسِ والتَّلاقِي
قد عطِس الصُّبحُ يا حبيبيفلا تشمِّتْهُ بالفراقِ

ومثله عطاس الدهر، كما في قول الغزي:

كم من بكورٍ إلى فخرٍ ومنقبةٍجعلتَهُ لعطاسِ الدَّهرِ تشميتا

وله من أبيات، أولها:

عطفتُ على ودِّ الهوَى وولاتِهوأخلصتُ أسراري لحفظِ إخائِهِ
وما ذاك إلا أن حبانِي بشادنٍيقطِّعُ أكبادَ الجفا بوفائهِ
رخيمُ معانِي الدلِّ أدمثُ من رُوانعيمِ خدودِ الغانياتِ ومائهِ
سقيمُ حواشِي الطرفِ والخصرِ عزَّ أنيلوحَ لرأيِ العينِ بندُ قبائهِ
غلامٌ كأنَّ الله ألبسَ خدَّهُلِثامَ ورودٍ مذهباً بحيائهِ
وأودعَ جفنيهِ من السِّحرِ صارماًتلوحُ المنايا منهُ عندَ انتضائهِ
فكم من فؤادٍ في وطيسِ غرامهِجريحٍ بهِ مخضوبةٍ بدمائهِ
وللحسنِ بل لله بانة قدِّهِإذا عبثتْ فيها طلا خيلائِهِ
يصوِّبها نحوي فيوهمنِي المنَىأداءَ سلامٍ خصَّني بأدائِهِ
وما هو إلا أن تحقَّقَ أنَّ ليبقية روحٍ سلَّها باثْنائهِ
إلى اله أشكو أرقمَاً فوقَ جيدهِيجوسُ خلالَ الفكرِ حال اختفائهِ
ومهما بدَا من وكرِه وهو يلتَويلوى كلَّ عضوٍ مستهاماً بدائهِ

وله من قصيدة في الغزل، مستهلها:

إليكَ شقيقي في الصَّبابةِ أندبُأواناً به كنَّا نلذُّ ونطربُ
أوانَ امتطينا فوقَ زهوٍ مضمَّراًله قصباتُ السَّبقِ أيانَ يلعبُ
حملْنا على جيشِ الهمومِ فلم ندعْبه منه إلا ما يوارِيه مهربُ
ولا رمحَ إلا من قوامٍ مهفهفٍولا سهمَ إلا ما أراشتْهُ أهدبُ
ولا مرهفٌ من غير ساجٍ مدعَّجٍولا درعَ إلا ثوبُ حسنٍ مذهَّبُ
نصِرنا به مذ منَّ بالوصلِ شادنٌصدوقُ الأمانِي في ترجِّيهِ يكذبُ
رقيقُ حواشي الحسنِ لولا مهابةٌله كادَ بالألحاظِ حاشاهُ ينهبُ
لطلعتِه في كلِّ قلبٍ مشارِقٌوللعقلِ منها حين تشرقُ مغرِبُ
خبيرٌ بأحكامِ الهوَى فجميع ماينمِّقهُ الواشي لديهِ مكذَّبُ
وإذ كانَ مجبولَ الخلالِ على الوفَاخليلكَ فاللاَّحِي عليهِ معذَّبُ

وله مضمِّناً بيت المهيار:

فتنتُ بهِ والصُّبحُ من فرقِ شعرِهبدَا ولشمسِ الرَّاحِ فيها غروبُ
فكدتُ لِما شاهدتُ لولا طُلوعُهابمشرقِ أفقِ الخدِّ منه أذوبُ
ولولا طلوعُ الشمسِ بعد غروبِهاهوتْ معها الأرواحُ حين تغيبُ

وله مضمِّناً:

لقد علقتُ ببدرٍ زانهُ حورُفي مقلتيهِ بهِ يسطو على المهجِ
وأهلهُ لم تزلْ تغريهِ في تلفيوكلَّما زادَ تيهاً زاد بِي وهجِي
فليصنعوا كلَّما شاءوا لأنفسِهِمهمْ أهلُ بدرٍ فلا يخشونَ من حرجِ

تذكرت هنا قول أيمن بن محمد السعدي، من موشَّح أودع فيه هذا البيت:

لولا هواكَ المرادُما كنتُ ممنْ يُصادُ
ولا شجانِي البعادُيا بدرُ أهلُكَ جادوا
غلِطتُ جاروا وزادَالكنَّهم بكَ سادُوا
فليفعلوا ما أرادوافإنَّهم أهلُ بدرُ

ومن مبدعاته قوله:

ليس إلى الكيمياءِ منتسِباًمن باتَ من حرِّ نارِها موهَجْ
حتى استحالتْ أجزاؤها ذهبَاًبل من يعيد العقيقَ فيروزجْ

قلت: لله درُّه، ما أبدع درَّهُ! وقد أخذ هذا المعنى شيخنا عبد الغني النابلسي، فقال:

قولوا لأهلِ الكيميا إن تدَّعواجعلَ اللُّجينِ كما زعمتُمْ عسجدَا
بالله هل في وُسعكمْ أن تصبِغواحجر العقيقِ فتجعلوهُ زبرجدَا

وللإشبيلي ما يقارب هذا في نار:

لابنه الزَّندِ في الكوانين جمرٌكالدَّراري في اللَّيلة الظَّلماءِ
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة
خبِّروني عنها ولا تكذبونيأسِواها يكونُ للكيمياءِ
سبكتْ فحمُها صفائحَ درٍّرصَّعتها بالفضَّة البيضاء

وله خمسة أبيات، كالخمسة السيارات، يخرج من أوائلها اسم عثمان، وهي:

على كلِّ عضوٍ فيَّ دارت لحاظهُكؤوس غرامٍ قد مُلئن من السِّحرِ
ثملْتُ بها وجداً ولم أصح صبوةًفها أنا بين الصَّحو حيرانُ والسُّكرِ
معاذ الهوى أن يُرتجى من يدِ الهوىخلاصي وأن يُقضى بغيرِ الهوى عمري
أإن كان لي عن مذهب الحبِّ مذهبٌفلا برحت روحي تعذَّبُ بالهجرِ
نعمتُ بهذا العيش والموت دونهُإذا كان يرضيه ولو كنتُ في أسرِ

وله من رائية ملئت بنوافث السحر، وغازلت عيون المها بين الرصافة والجسر:

أما وظبا الألحاظِ أرْهفها السِّحرُوجال فرنداً في جوانبها الخمرُ
فصالت بفتكٍ جاوز الحدَّ حدُّهاعلى أنَّها مرضى وأجفانها فترُ
وزانةِ قدٍّ ثقَّفتْها يد الصِّباولم يُثنها إلا من الصَّلف السُّكرُ
فجارت على الأحشاء فتكاً وإنهالعادلةٌ بل لا يُلمُّ بها وزرُ
وعهدٍ بأيدي الوصل كان لنا بهمبايعةٌ حيَّ مرابعه القطرُ
وحقِّ مواثيق الهوى بين أهلهوعذب إشاراتٍ لهم دونها السِّحرُ
لقد وضحتْ للحسن في التُّرك آيةٌعلى من عداهم مثل ما ابتسم الفجرُ
فكم فيهم من كل أحورَ إن رناأصاب فؤاد النُّسك يتبعه الصَّبرُ
له حركاتُ الظَّبي يمرح عابثاًويمشي الهوينى ثمَّ يدركهُ النَّفرُ
وذي طرَّةٍ من فوق صلتٍ كأنهاحواشي الدُّجى قد عنَّ من تحتها البدرُ
تبدِّدها منه الرُّعونة غافلاًولكن على تبديدها جُمع الشَّرُّ
وخصرٍ ولكن لا مسمَّى لكنْههمناطقه حيرى وما تحتها مرُّ
يُناجي معانيه الدَّفين من الهوىفينهضُ من بعد الممات له نشرُ
تعلَّقتهُ من بعد ما اندمل الحشاولم يبق نَهيٌ للغرام ولا أمرُ
فيا ويح هذا القلب كم طعن الهوىويعلم أن الحلوَ منه هو المرُّ
فياربِّ إما لجَّ في غُلوائهفصبِّره للبلوى فقد برَّح الضرُّ

وجمعته مع مليحٍ ليلة، يشتهي الفلك في شبهها نيله.

والمجلس بتزاحم الرقباء شرق، وكلٌّ منهم من فرط غرامه صبٌّ أرق.

فلاحت من المليح إيماءة مفتقد، أعقبتها وجلةٌ من ناظرٍ منتقد.

فلم يتمالك الشيخ أن صوب النظر، حتى كاد يفضي به إلى الأمر المنتظر.

فلما استشعر الغلام عطف عطفة مشفق، وأراه في ضمن إغضائه موعد مرفق.

مشيراً للكتمان تارةً بانطباق جفنٍ ملئ سحراً، وآونةً بإظهار ثنايا أبانت فوق ياقوت الشفاه درًّا. فقال:

قلتُ له والهوى بيننايطوف بالكأس الهنيِّ المري
اكفف حسامَ اللَّحظِ عن مهجةٍذابت لريَّا ريقكَ السُّكري
فأغمد الهنديَّ من جفنهورصَّع الياقوت بالجوهرِ

وله، ويخرج منه اسم بكري بطريق التعمية:

لوى واوَ صدْغٍ خاله الخال عقرباًأصاب بها كبدي الصَّديع ولا يدري
ولا بدَّ من رشفٍ يبلُّ غصونهافما شفَّ قلبي غيرُ منع لمى الثَّغرِ

طريقة حله، أن الواو بالحساب الهندي بستة، وترسم هكذا وأراد بليها قلبها، فتصير هكذا، وهذا رسم الاثنين؛ وله الباء.

وأراد بقوله كبدي ولا بد، الكاف والياء؛ ورشفٍ يبل غصونها الراء، وبالتنصيص عليه بقوله: فما شفَّ.

وكون العمل في البيت الأول دون الثاني، أو الآخر، أو فيهما، مما يعاب عند أهل هذا الفن.

لك الله دعني من حديثك إنَّهمتى غبت تشقى من سواه المسامعُ
وصنْ رونقَ الوجه البديع جمالهفإن لحْت حاضت في الجفون المدامع

المعنى: أنك إذا لحت سالت العيون دماً، لشدة شغفها بك، ففيه استعارة تبعية أو مكنية.

شبه المدامع بالنساء، والمرأة إذا اشتدت شهوتها وأفرطت سال حيضها.

وأصله قول المتنبي:

خفِ الله واستُر ذا الجمال ببرقعٍفإن لحتَ حاضت في الخدود العواتق. والعواتق: هي الشَّوابُّ من النساء.

وله:

لحاظٌ كأن الله أودع جفنهاحياةً لأرباب الهوى وهلاكا
إذا فوَّقت سهماً يخطُّ دم الحشاعلى نصله أهلاً جعلت فداكا

وله:

رأت نمل عارضه مقلتيتحوم على الثغر من غير نهلِ
فسالتْ دماً ثم قالت لناذَبحْت كراي على بيت نملِ

وله:

وقد زعموا أن القلوب بحبَّةٍتصاد وقالوا إنها حبَّة الخالِ
ولكنَّه قد صاد قلبي بحبِّهبلا حبَّةٍ ربُّ الولا صاحب الخالِ

وله:

ويح قلبي من ظالمٍ لم يبالبذَهاب النفوس تحت النِّعالِ
ما بدا للعيون إلا رأتهمرهفاتٍ وأسهماً وعوالي
لا ترم وصله فقد قطعت بيضُ سرار الجبين رأس الوصالِ

تناوله من قول الأمير المنجكي:

ألا دعني وشأني يا ابن وديومحوي كلَّ شخصٍ من خيالي
أيقصد من أسرَّته سيوفٌطبعن لضرب أعناق السُّؤالِ
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «لعمري ليس بالإشعار فخري»

ولي من أبيات:

أمواج إحسانٍ أسرَّة وجههلصديقه وسيوف بأسٍ للعدى
للشاعر المحبي، اقرأ القصيدة

وله:

وكنت أصون الدَّمع عن أن أذيلهإلى أن دنا يوم التَّرحُّل لا كانا
فقلَّدتها يوم الوداع بلؤلؤٍأحالته أنفاس التَّحرُّق مرجانا

وله:

ألزمت نفسي الصَّوم عن شادنٍكالبدر يستوعبه النَّاظرون
آليت لا أفطر إلا علىوجه هلالٍ ما رأته العيون

وله:

وحقُّ هوى مصافحةِ المناياأخفُّ عليَّ منه باليدينِ
إذا فكَّرتُ فيه لمست رأسيكأني موقنٌ بهجوم حيني

أصل هذا قول أبي نواس في الأمين بن الرشيد:

إنِّي لصبٌّ ولا أقول بمنأخاف من لا يخاف من أحدِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إني لصب ولا أقول بمن»
إذا تفكَّرت في هواي لهألمس رأسي هل طار عن جسدي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إني لصب ولا أقول بمن»

وهذا النوع من البديع سماه المبرد في الكامل والتبريزي في شرح ديوان أبي تمام الإيماء.

وهو إما إيماءٌ إلى تشبيه، كقوله:

جاءوا بمذقٍ هل رأيت الذِّئب قط

أو إلى غيره.

قال الشهاب في كتابه الطراز: وكنت قبل هذا سميته طيف الخيال، وهو أن ترسم في لوح فكرك معنًى صوَّرته يد الخيال، فتصبه في قالب التحقيق، وترمز إليه بجعل روادفه وآثاره محسوسة ادِّعاءً، كما أن ما يلقى إلى المتخيلة في المنام يرى ذلك، ولا يلزم من ابتنائه على الكناية والتشبيه أن يعد منهما، لأمرٍ ما يدريه من له خبرةٌ بالبديع.

وفي كتاب الإشارة لابن عبد السلام، من المجاز تنزيل المتوهم منزلة المحقق، كقوله: تغرب في عينٍ حَمِئَةٍ، أي في حسبان رائيها.

ومثله من الشعر قول أبي نواس. وأنشد البيتين.

وللمتنبي في منهزم:

ولكنَّه ولَّى وللطَّعنِ سورةًإذا ذكرتها نفسه لمس الجنبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

المنازي:

تروع حصاهُ حاليةَ العَذارىفتلمس جانبَ العِقدِ النَّظيمِ
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة

المنجكي في وصف خط:

لو شامَ ذو الخالِ نقط أحرفهِلراح باليدِ لامسَ الخدِّ

ولشهاب:

للهِ نهرٌ صفا فأبصرَ منيقوم في جنبِ شطِّه سمكه
يمدُّ كفًّا له ليأخذهايظنُّ نسجَ الصَّبا لها شبكه

وهو مأخوذ من قول عمر المحَّار:

انظر إلى النَّهرِ في تطرُّدِهوصفوهِ قد وشَى على السمكِ
توهَّم الرِّيح صفوهُ فغداللنَّسجِ فوق الغديرِ كالشبكِ

قلت: ثم رأيت الشهاب ذكر بيت أبي نواس في آخر الريحانة، وقال: لقد تلطَّف وأغرب في قوله أمسُّ رأسي؛ لجعله ما يترقبه واقعاً به، حتى فتش عن رأسه، وجسها بيده، ليعلم هل قطعت أم لا.

وهذا كقول المنازي. وأنشد البيت. وفيه التعبير عن المقال بالفعال، كقوله:

ويشتمُ بالأفعالِ قبل التكلمِ

ومثله قول ابن رشيق:

قبَّلني محتشِماً شادنٌأحوجُ ما كنت لتقبيلِهِ
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
أومأَ إذ حيَّا بنا رنْجةًعرفتُ منها كنهَ تأويلِهِ
لما تطيَّرتُ بمعكوسهاضمَّت بناناً نحو تقبيلِهِ
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

قال: وهذا لم أر من ذكره، وهو مما استخرجته، وسميته نطق الأفعال. انتهى.

ولابن الدَّرَّا مذيِّلاً بيتي الحتاتي، اللذين أعار بهما ساحة الشرفين صفحه، وساق بهما إلى الورد العالي نفحه.

ومما قاله:

بصبا المرجةِ المبلَّلِ ذيلُهعلِّلِ القلبَ علَّ يبردُ ويلهْ
وادَّكرْ يومنا بيومي حبيبٍسلفا والسُّلاف تركض خيلهْ
ونديمٍ رقَّت حواشيه لطفاًوبحكم الهوى تحجَّب نيلهْ
سمهريِّ القوامِ ما ماسَ تيهاًأو دلالاً إلا وأتلفَ ميلهْ
ذي محيًّا كالبدرِ في جنحِ ليلٍباختلاسِ العقولِ قد جنَّ ليلهْ
جئت من تحتِ ذيلهِ مستجيراًوالتَّجنِّي عليَّ يسحب ذيلهْ
قلت يا من في حلبةِ الحسنِ قد حازَ السَّبق حيث الجمال تركض خيلهْ
الأمان الأمان من حربِ إعراضِكَ عن مغرمٍ تراكم ويلهْ

ومن مجنونه المستغرب، قوله:

لنا صاحبٌ مغرًى بعونِ ذوي الهوىيشاركهم في وجدِهم والتَّولُّهِ
إذا عزَّ أن يلقى محبًّا رقى على الشَّواهقِ يستقري دخان التَّأوُّهِ

وله في المنزلة المعروفة بالوجه، في طريق الحاج المصري:

شكا أهلُ وجهٍ قلَّة الماء بأرضهموأنَّ الحيا شحَّت عليهم سماؤُهُ
فقلت لهم قولاً لهم فيه سلوةٌإذا قلَّ ماء الوجهِ قلَّ حياؤُهُ

المصراع الأخير مضمنُ من قول القيراطي في هذا المحل:

أقول وقد جِئنا إلى الوجهِ جمعناعطاشاً وكلٌّ خاب فيهِ رجاؤُهُ
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
إذا قلَّ ماءُ الوجهِ قلَّ حياؤهُولا خير في وجهٍ إذا قلَّ ماؤُهُ
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

قلت: ووجه الهجو للوجه، بسبب قلة مائه هو الوجه.

وللقطب المكي في مدحه:

أقولُ ووادي الوجهِ سال من الحياوقد طابَ فيهِ للحجيجِ مقامُ
على ذلك الوجهِ المليحِ تحيَّةٌمباركةٌ من ربِّنا وسلامُ

وللقيراطي فيه:

أتيتُ إلى الحجازِ فقلتُ لمَّاتبدَّى وجههُ لي وارتويتُ
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
وكم في الأرضِ من وجهٍ مليحٍولكن مثلُ وجهكَ ما رأيتُ
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

وهذا قد ظهرت فيه الوجهة، واندفعت عنه الشبهة. وبهذا تعلم مذهب العرب، وأهل الأدب، في مدح الشيء وذمه، كما فعل الحريري في الدِّينار.

وقد ألف الثعالبي، وابن رشيق في ذلك. قال ابن رشيق: أكثر ما تجري هذه المحامد والمذام على جهة المسامحة، لا من باب المشاححة؛ وإلا فالشيء لا يوافق ضده، فيكون الحسن قبيحاً والقبيح حسناً في حالٍ واحدة لمعنى واحد، لكن لكل شيءٍ كما ذكر الجاحظ مساوٍ ومحاسن، كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله ﷺ، وقد استشهده الزبرقان ابن بدر على ما ادعاه من الشرف في قومه.

قال عمرو: أجل يا رسول الله، إنه مانع حوزته، مطاعٌ في أدنيه، شديد العارضة.

فقال الزبرقان: أما والله لقد علم أكثر مما قال، ولكن حسدني وشرفي.

قال عمرو: أما وقد قال ما قال، فوالله ما علمته إلا ضيق العطن، زمر المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى.

فرأى الكراهة في عين النبي ﷺ لما اختلف قوله، فقال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى ولا قد صدقت في الثانية.

فقال النبي ﷺ: " إن من البيان لسحراً، وإنَّ من الشعر لحكمةً ".

ولقد أحسن ابن الرومي، حيث قال:

في زخرفِ القولِ تزيينٌ لباطلهِوالحقُّ قد يعتريهِ بعضُ تغييرِ
تقولُ هذا مجاجُ النَّحلِ تمدحهُوأن تعبْ قلتَ ذا قيءُ الزَّنابيرِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «في زخرف القول ترجيح لقائله»
مدحاً وذمًّا وما جاوزتَ حدَّهماسحرُ البيانِ يُري الظلماءَ في النُّورِ

عبد الباقي بن أحمد، المعروف بابن السَّمَّان زهرة النَّاظر المتنشِّق، وزهرة المجتلِي المتعشِّق.

مسَحتْ خلالُ قذى العيون؛ فما رأته إلا وهي نقيَّة الجفون. تتستَّر الملاحةُ في غلائله، وتتقطَّر الرَّجاجةُ من شمائله.

يَعشقُه من كمالِه غَدُهُويكثِر الوجدَ نحوه الأمسُ

وله طبع كالروض صقلت يد الصَّبا ديباجة وجهه الوسيم، تتلَّقى النُّفوس من قبوله تلقِّي المخمور برد النَّسيم.

غرائب حديثه نُزه العقول ونجع الأسماع، يتجاوز بها غاياتٍ لم تختلج في خواطر الأطماع. وشعره يفعل بالألباب فعل بنات الدِّنان، وما السحر سحر مِراض الأجفان، ولكنَّما هو سحر البيان. وذكر مبدأ أمره، ومطلع قصيدة عمره. أنه تعاطى الاشتغال وخط غداره ما بَقَل، ثم خرج إلى مصر وروضه على أول ما ينزه المقل. ثم تتابعت عليه الرحل يميناً وشمالاً، وهو يترقى في المعارف استيلاءً واشتمالاً. ولم يبق بلدةً إلا جنى ثمرها، واستفاد وقائعها وسمرها. ولا رئيس إلا فاز بنعمه، وحصل على غرائب قسمه.

حتى وصل إلى مجلس السلطان في خاتمة المطاف، فأقام برهةً في مبراتٍ وألطاف. وقد خطبته الحظوة، وما قصرت له الخطوة. ولحظته السعادة بأبصارها، وتواردت لحفايته بأنصارها.

ثم كثر فيه المخلط واللاغي، واشرأبت النفوس إلى ما في طبائعها من التباغي.

فأبعد بعد ذلك التقريب، وأوشك أن يجفوه البعيد والقريب. وجربه الدهر بالأقدار، تجربة الياقوت بالنار.

ثم أعطي مدرسةً بدار الخلافة، فطاوعه البخت بعدما أراد خلافه. واستقر الأمل لديه، استقرار الطِّرس في يديه. ولما كنت بأدرنة وردها فلقيته برهةً، لا أعدها من عمري إلا نزهة.

وكنت من الاغتراب، في نهاية الوحشة والاضطراب. فأنست به بعد التوحش، وأنسيت مورداً أرواني من التعطش. ولما كان مقامه بها كنغبة طائرٍ على وجل، لاهتمامه بالعود إلى مقره على عجل.

لم أستتمَّ عناقهُ للقائهِحتى ابتدأت عناقهُ لوداعهِ

فكتبت إليه عند الوداع، رقعةً محكمة الإبداع. وهي:

إمامك التَّوفيق والرُّشدُوخدنك التَّأييدُ والسعدُ
وكلَّما حلَّيت في منزلٍقابلك الإقبالُ والجدُّ

مولاي من ذكره أنيسي، في وحشتي وغربتي، وخيال لطفه جليسي، في وحدتي وكربتي.

أنت الكرى مؤنساً طرفي وبعضهمُمثل القذى مانعاً طرفي من الوسنِ

لا زالت مقاليد السعادة طوع يديك، ومرقاة السيادة مشغوفة بلثم قدميك. والعمر المديد، والطالع السعيد.

هذا حشو ثيابك، وذا خادم ركابك.

فارحلْ لك البشرى فأيمنِ طالعٍوعلى السلامة والسَّيادة فانزلِ

يشهد الله أنني من منذ شدَّت الركاب، وأزفَ البين بفراق الأحباب. صرت مقسَّماً بين نفسٍ مقيمةٍ بكربها، وروحٍ رهينةٍ في ركابها. على أن النَّفس وإن أقعدها الدهر قسراً، لم تقعد عنك ساعةً فكراً. ولا غبت إلا على عيون الإقبال في إغماضها، وعلى نفوس الآمال في انقباضها. حيث رماني الزمان، بسهام الحرمان.

وإنَّ من أعظمِ البلوَى أخا لسَنٍيبيتُ ضيفاً لعجمٍ في الورَى خُرَسِ

والى الله أرفع قصتي، وأبتهل إليه في دفع غصَّتي.

عسَى اللهُ إنَّ الله ليس بغافلٍولا بدَّ من يسرٍ إذا ما انتهى العسرُ

فاسأله سبحانه أن ييسر نيل المنى، ويزيل عنَّا هذا العنا.

ويطفئ نار الجوى، على رغم أنف النوى. لنكفر سيئة أليم الفراق، بحسن نعيم التلاق.

إن عادَ شملي بمن أهواهُ مجتمعاًلا أعتِبُ الدَّهرَ يوماً بالذي صنعَا

ثم قدمت إلى القسطنطينية فأْتَلفت به ائتلاف روح، بجسد بالٍ مطروح. وامتزجت معه امتزاج، راحٍ بماءٍ قراح. ومضت لي معه أوقاتٌ عددتها من حسنات الزمان، وجعلتها تاريخ الأماني والأمان.

والأوقات لا تتفاضل بالذات، ولكن أوقات اللَّذَّات لذَّات. أتمتع من لفظه بائتلاف العقود، ومن مغناه بسلاف العنقود. حتى تولاه مولاه بعفوه ورضوانه، وقضى بتفريق شمل أخدانِه وإخوانِه. فأضحى كالظَّن المرجمِ، وخبره كاللفظ المرخَّمِ.

وقد فقدت به الوطر في نضرته، والعيش الذي يشفُّ عن نبي الرَّبيع في خضرته. وكان أعارني من فوائده صدراً وافياً، وأهدى إليَّ من فرائده قدراً كافياً. فعدمت من فضل ربيعها وورداً، وبقيت يعدها كالسَّيف فرداً.

فمما أخذته عنه من أشعاره التي أخذت بأطراف الحسن، وإذا تليتْ على محزونٍ سرتْ عن فؤاده الحزن، قوله من قصيدة، مستهلها:

يشوِّقنَا للدَّارِ ذِكرُ الحبائبِوينطقنا بالحمدِ فيضُ المواهبِ
وإنَّا لقومٌ لا نرى الحبَّ سبَّتاًإذا ما رأتهُ سبَّتاً آل غالبِ
ولا نرهبُ الأقدارَ إلا إذا رمتْسهامَ المنايا من قسيِّ الحواجبِ
ولا نعذلُ الأحبابَ في الصَّدِّ والجفاولا نرتجي سلمَ العدوِّ المحاربِ
إذا كانَ قلبُ المرءِ ليسَ يطيعُهفأجدرُ بالعصيانِ قلبُ الأجانِبِ
وليلٍ كقلبِ السَّامريِّ وظلِّهِكوكبُه لا تهتدي للمغاربِ
قطعتُ وأصحابي سُكارى من الكَرىوقد ضمَّنا والزُّهرَ ثوبُ الغياهبِ
على ضامرٍ كالسَّهمِ سيراً ورقةًفأبعدُ مطلوبٍ وأقربُ طالبِ
أحاول سبقَ الشُّهبِ في كلِّ حالةٍيداوِي بنعماهِ جروحَ النَّوائبِ
دفعنا بجدواهُ الخطوبَ وجودِهوقد يدفعُ الدِّرياقُ سمَّ العقاربِ
همامٌ أتى في مجدِهِ وصفاتِهوأفكارِه دونَ الورى بالعجائبِ
ومولًى يكادُ البحرُ يشبه جودَهولكنَّه كالشُّهدِ عذبُ المشاربِ
به تفخرُ الأيَّامُ والمجدُ والعُلاإذا افتخرتْ أمثالُه بالمراتبِ
وتخشى نهاياتُ العواقبِ رأيهُإذا خافَ أهلُ الرأيِ سوءَ العواقبِ
وعلاَّمةٌ لو كانَ من قبلِ مالكٍلما اختلفتْ أقوالُ أهلِ المذاهبِ
بفكرٍ دقيقِ الفكرِ في كلِّ مشكلٍمن الأمرِ كالسَّيفِ الرقيقِ المضاربِ
بعثتُ إليه بالقوافي كأنَّهامقانبُ شكرٍ تهتدي بمقانبِ
ولولا صروفُ الدَّهرِ أهديتُ ضِعفهامرصَّعةً بالنَّيِّراتِ الثَّواقبِ
ولكنَّها جهدُ المقلِّ وحملةُ الجبانِ على ضعفٍ ونارُ الحباحبِ
فسامِح وعامِل بالتي أنتَ أهلهُفعفوك عندي من أجلِّ المطالبِ

وقوله من أخرى يمتدح بها أخا الوزير الفاضل، وهو بتكريت:

بالنَّفسِ يسمحُ من أرادَ نفيساوالحبُّ أولُ ما يكونُ رسيسَا
وأطارَ عنِّي النَّومَ طيفٌ طارقٌقطع القِفارَ وجاوزَ القاموسا
أفلحْتَ كيفَ وصلتَ لِلْوَنَدِيكِ منأقصَى البلادِ وجئتَها جاسوسا
أم كيف خلَّفتَ الشَّآمَ وأهلَهُوتركتَ وادِي النيْيرَبِ المأنوسا
أرضٌ إذا سرَّحتْ طرفكَ خِلتهاروضاً يقِلُّ على الغصونِ شموسا
أن كانَ غيَّرها الزمانُ فإنَّنيأمسيتُ منِّي قبلها مأيوسا
والحبُّ أمرٌ حارَ فيهِ أٌلُو النُّهىوأضَل بقراطاً وجالينوسا
كالدَّهرِ يلعبُ ما يشاءُ بأهلِهيضعُ الرئيسَ ويرفعُ المرؤوسا
لا سامحَ الله النَّوى من كافرٍعبدٍ ولا رحِمَ الرَّحيمُ العيسا
ومهامةٍ قفرٍ يضِلُّ بها القطاويرى الدَّليلُ بسهلِها التَّغليسا
للجِنِّ في أقدارِها زجلٌ فلاتلقى بها إنساً وليس أنيسا

العرب إذا وصفت المكان بالبعد جعلته مساكن الجن، كقول الأخطل:

ملاعبُ جِنَّانٍ كأنَّ تُرابهاإذا اطَّرَدَتْ فيها الرِّياحُ مُغَربَلُ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «عفا واسط من آل رضوى فنبتل»

وقول ذي الرُّمَّة:

للجِنِّ باللَّيلِ في حافاتِها زجلٌكما تجاوَبَ يومَ الرِّيحِ عَيْشومُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أعن ترسمت من خرقاء منزلة»

وهو نبت، أو شجر.

سايرتُ فيهِ النَّيِّراتِ بسابقٍيحكِي المهاةَ ويشبهُ الطَّاووسا
كالبرقِ مَرًّا والغَمامِ تأوُّباًوالمِسكِ نفحاً والنَّقا ملموسا
يُلقي الصَّواعقَ من حوافِرِه إذاوَطِئَ الجنادلَ حين لاتَ وطيسا
نشوانُ كالبرجِ المشَيَّدِ فوقهبطلٌ يجرُّ من المهابِ خميسا
متقلِّدٍ زُرقَ النِّصالِ كأنَّماخُلِقتْ لتردِي الضَّارياتِ نُفوسا
نهبتْ من الأعمارِ ما بقيتْ بهوتجرَّعتْ ماءَ الحِمامِ بَئيسا
ترمي بها حَنْيَ الضُّلوعِ قواضِبٌكحواجبِ الغيدِ الخرائدِ شوسا
لو خالها الكُسَعِيُّ سحرة ليلةٍذمَّ الحريصَ وأحمدَ التَّعريسا
أو صادمتْ صمَّ الجبالِ تصدَّعتْوبنتْ لكلِّ حديدةٍ ناووسا
وتسابقُ الأقدارَ منها أسهمٌتَفرِي الرُّجومَ ويرهب القابوسا
من حاذقٍ أو طارقٍ أم حاذمٍأو زاهقٍ لا يقبلُ التَّلبيسا
فكأنَّها أقلامُ أفضلِ من مشىفوق الثَّرى وحوى الفخارَ رئيسا
فَرعُ المعالي خيرُ من بلغَ السُّهىمجداً وسامى في العلا إدريسا
والفارسُ الكرَّارُ مغوارُ الوغىومعيدُ سعدِ المشركين نُحوسا
بالفضلِ أكدَّ ما الأوائلُ أسَّسواوأفادنا التَّأكيدَ والتَّأسيسا
ندعو بسطوتِه الزَّمانَ فيرعويفرقاً ونطرد باسمِه إبليسا
ونخطُّ أحرفهُ الكريمةَ رقيَةًلشفاءِ ما أعيَى أرسطاليسا
يردِي الحسامَ بجسمِ من أردى بهَويردُّ مبتسم الكُماةِ عبوسا
قد أنطقَ الإسلامَ صامتُ سيفِهبعد السُّكوتِ وأخرسَ الناقوسا
يا من ثملتُ على السَّماعِ بحبِّهوقرأتُ فيهِ من الغرامِ دُروسا
أنا من علمتَ وِدادهُ وجهِلتَهُوسيصحبنَّ لدى عُلاكَ جليسا
أغرقته بالجودِ قبل ورودِهثقةً ومثلكَ لا يكون خسيسا
لا زلتَ صدراً للصُّدورِ مقدَّماًأبداً بحفظِ إلههِ محروسا
في عزِّ داودٍ ودولة يوسفٍوعلا سليمانٍ ورفقةِ عيسى

وقال يمدح الوزير الفاضل، وهو بتكريت، وكان دخوله إليها لأجل مدحه:

أخفُّ النَّوى ما سهَّلتهُ الرَّسائِلُوأحلى الهوى ما كدَّرتهُ العواذلُ
ولا ملحَ في عيشٍ إذا لم يكن لهحبيبٌ يجافي تارةً ويوصِلُ
ولا خيرَ فيمن حوَّلَ البعدُ قلبهولا في ودادٍ غيَّرتهُ العوامِلُ
وقفنا على الأطلالِ واللَّيلُ شائبٌوأعناقنا فوق المطايا موائِلُ
ولما رآها الدَّمعُ والَّدمعُ حائرٌأناخَ وحيَّا تربها وهو راجِلُ

هذا من قول أبي الطيب:

ولما رأينا رسمَ من لم يدعْ لنافؤاداً لعرفانِ الرُّسومِ ولا لبَّا
نزلنا عن الأكوارِ نمشي كرامةًلمن بانَ عنهُ أن نامَّ به رَكبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

قال ابن بسَّام في الذَّخيرة: أول من بكى الربعة ووقف واستوقف الملك الضَّليل، حيث يقول:

قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ

ثم جاء أبو الطيب فنزل، وترجَّل، ومشى في آثار الدِّيار، حيث يقول:

نزلْنا عن الأكوارِ نمشي كرامةً

البيت، وما قبله.

ثم جاء أبو العلاء المعري فلم يقنع بهذه الكرامة حتى خشع وسجد، حيث قال:

تحيةُ كِسرى في الملوكِ وتُبَّعٍلربعِك لا أرضى تحيةَ أربُعِ
وليس بنا حبُّ الدِّيارِ وإنَّمالنا بها والسُّكانِ شغلٌ وشاغلُ

هذا من قول الآخر:

أحبُّ الحِمى من أجلِ من سكنَ الحِمىومن أجل أهليها تحبُّ المنازِلُ

وقوله:

وما حبُّ الدِّيارِ شغفنَ قلبيولكن حبُّ من سكنَ الدِّيارا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمر على الديار ديار ليلى»
خلِقنا وحفظُ الودِّ منا سجيَّةٌوحسنُ الوفا طبعٌ ونعمَ الشَّمائلُ
ونفغرُ عوراءَ الحسودِ وإن جنَىونعلم أنَّ الخصمَ ما شاءَ قائِلُ
يعيِّرني قومٌ بقومي ومحْتِدِيكما عِيبَ بالعضبِ الصَّقيلِ الحمائلُ
أجلْ حسدونِي حيثُ فضِّلتُ دونهمْوكم حُسِدتْ في النَّاسِ قبلي الأفاضلُ
وما الفخْر بالأجسامِ والمالِ والعُلىولكن بأنواعِ الكمالِ التَّفاضُلُ
ومن يكُ أعمى القلبِ يلزم بقولِهكما يحذرُ الأعمى العصا إذ يقاتِلُ
وما يصنع الإنسانُ يوماً بنورهِإذا عادلتْ فيه النُّجوم الجنادِلُ
وفيمَ نضيعُ العمرَ في غيرِ طائلٍإذا ما استوى في النَّاسِ قسٌّ وباقلُ
وأصعبُ ما حاولتَ تثقيفُ أعوجٍوأثقلُ شيءٍ جاهلٌ متعاقلُ
إذا جاءَ نقَّادُ الرِّجالِ من الوغىتميَّز عن أهلِ الكمالِ الأراذلُ
عنيتُ الوزير ابن الوزيرِ الذي بهتذلُّ وتعنو للشَّعوبِ القبائلُ
جوادٌ إذا استوهبْتهُ السَّيفَ في الوغىوأنت له خصمٌ فإنَّك نائل

هذا من قول أبي الطيب المتنبي:

كريمٌ متى استوهِبْتَ ما أنت راكبٌوقد لقحَتْ حربٌ فإنَّك نازلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وأصله خبرٌ عن حاتم الطائي، أنه بارز عامر بن الطفيل، وقد رمح عامراً، فخافه، فقال له: لأُبخِّلَّنكَ.

قال: بماذا؟ قال: ادفع إليَّ رمحك أقاتلك به.

فرمى إليه برمحه، ورجع مولِّياً. وقال بشار ما ينظر إلى هذا المعنى:

لو كانَ لي سيفٌ غداةَ الوغىطبتُ بهِ نفساً لأعدائِي

وأحسن ما قيل فيه قول البحتري:

ماضٍ على عزمِه في الجودِ لو وهب الشَّبابَ يوم لقاءِ البيضِ ما ندِما
للشاعر البحتري، من قصيدة «بالله أولي يمينا برة قسما»

أبو إسحاق الغزِّي:

متيَّمٌ بالذي لو قالَ سائِلهُهبْ لي جميعَ كرَى عينيكَ لم ينمِ
إليه مصيرُ الأمجدينِ وإنَّماتصبُّ إلى البحرِ المحيطِ الجداولُ

وهذا أيضاً من قول أبي الطيب:

أرى كلَّ ذي مُلكٍ إليك مصيرُهُكأنَّك بحرٌ والملوكُ جداولُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

وهو أخذه من قول ابن المعتز:

ملكٌ تواضعتِ الملوكُ لعزِّهِقَسراً وفاضَ على الجداولِ بحرُهُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «طال الفراق فبان عنه صبره»
ويهتزُّ قلبُ الأرضِ خوفاً إذا مشىفتحسبُ أنَّ الرُّعب فيه زلازِلُ
له نعمٌ تُفتِي المديح وهمَّةٌلها كلُّ قدرٍ شامخٍ متضائِلُ
يُيَممهُ الجبَّارُ والكبرُ بُردهفتلقاه في أعتابه وهو راجلُ
أتى مُشركي قصرٍ وكانوا جراءةًيظنُّون أن الحصنَ للقوم حائلُ
وسارَ بجيشٍ آصفيٍّ عرمرمٍهو البدرُ فيهم والنجومُ الجحافلُ
فما وجدوا إلا الأمانَ وسيلةًإلى عفوِ من تخشى علاه الوسائلُ
ولا ملجأ من سيفه غيرُ سيفهوكلُّ نصيرٍ غيره فهوَ خاذلُ
فجاد عليهمْ بالنُّفوسِ تفضُّلاًوعفواً ولم يخط العَطا منه سائلُ
وعاد بتأييدٍ وعزٍّ ودولةٍلها فوق فرقِ الفرقدين منازلُ
يموج به البحرُ الخضمُّ تفاخراًوتحسدُ أعلامَ الجواري الرَّواحلُ
أفصَّ ختامِ المُلكِ والخاتمُ الذيأتانا بما لم تستطعهُ الأوائلُ
فلو كان بدراً لم يلحْ قطُّ كوكبٌولو كان بحراً لم يحدِّدهُ ساحلُ
إليكَ عقوداً يكسفُ الشَّمسَ نورهاوتخجلُ بدرَ الأفقِ والبدر كاملُ
أتتك تجرُّ الذيلَ تيهاً ورفعةًبأنك ممدوحٌ وأني قائلُ
وهاتيك أبياتٌ لها فتفطَّرتوأنت لها بالبرِّ والجودِ واصلُ

وهذا معنًى حسن، وقد اختلسه من قول السيد محمد العرضي، وهو الفاتح لهذا الباب:

هابَ القريضُ مديحهُفانشقَّ أنصافاً سطورهْ

وتبعه البابي، في وصف قصيدة فقال:

أوهمتها مدح السِّوىفتميزتْ بالغيظِ وهْما
للشاعر مصطفى البابي الحلبي، اقرأ القصيدة

تتمة القصيدة:

ومثلكَ من لا يظهرُ المدحُ قدرهُولكنَّ من لم يشكرِ الفضلَ جاهلُ
ألم ترَ أنَّ الروضَ يثني على الحيابنشرٍ إذا ما باكرتهُ الحواملُ
فكيفَ بمن أحييته، ولسانهُصقيلُ الشَّبا والجود بالحمدِ كافلُ
سأوليك مدحاً ينقضي الدهرُ دونهتسيرُ به رُكباننا والقوافلُ
وأصدحُ بالحمد الذي أنت أهلهكما صدحتْ فوق الغصون البلابلُ
ألا كلُّ مجدٍ غيرُ مجدك عاطلٌوكلُّ مديح لم يكن فيك عاطلُ

وله لامية عارض بها امرأ القيس، الذي انتسب إليه حسن السبك، وبشعره ترنمت ورق البلاغة، وذاك أشهر من قفا نبك.

ومطلعها:

توكل على الرحمن حقَّ التوكُّلِ

وهي طويلةٌ جداً، وقد ذكرتها في تاريخي، ولا إفادة في الإعادة.

واتفق بيني وبينه مراجعات، أقطعها جانبه الظرف، وتردت كالنسيم بين الروضتين طيبة الشميم والعرف.

اكتفيت بذكرها في التاريخ، كما وقع غليه الاختيار؛ لأنها من قسم الخبر، والتاريخ موضوعه الأخبار.

وذكرت عنده يوماً بعض الموالي ممن أكاذيبه في قلب الأماني قروح، ووعده كخلَّب برقٍ يلوح.

وكنت ممن اغتر بزخارفه، وطمع في عارفةٍ من عوارفه.

فنشد ضالةً له في ذمة مطلِه، وأنشد ما قاله في مخيلة وعد مثله:

ولا تركننَّ إلى غادةٍولو خادعتكَ بزورِ المحالِ
ففتكُ الظُّبا دون فتكِ الظِّباوعهدُ الغواني كعهد الموالي

ولعمري لقد أنصف، في الذي وصف.

وحكم حكماً يشهد به العيان، وليس بعد العيان، حاجةٌ إلى البيان.

ولما ولي المدرسة المعروفة بزال باشا، وهي آخر ما وليه من المدارس. وهشت له الأماني، وتاهت به التهاني.

وظن أنه سالمته الخطوب، وجلت عن وجه رجائه القطوب. ولم يدر أن القدر عليه بالمرصد، ويد المنون تخترمه دون المقصد.

نظم قصيدةً مطلعها:

ألم ترَ أنَّ الهمَّ زال بزَالاوأحسنَ آمالاً لنا ومآلا

فلما رأيته لم أشك في استحكام الفال؛ وألقي في روعي الطيرة من لفظة زال. وفارقته عشيَّة يوم أردِّد الفكر، وأجدِّد في ليلتي ذلك الذكر.

حتى جفا جنبيَّ الضجعة، وجانب جفنيَّ الرقدة والهجعة. فما انشق الفجر عن حبيب الظلام، حتى أتاني مخبرٌ بأنه يعالج الحمام.

فبادرت إليه فوجدته أخذه الشرق، وهو يلفظ آخر الرمق. ونفسه الباقي، قد بلغ التراقي. ثم قضى نحبه، ولقي ربه.

فالله يستثمره عائدة الأخرى آجلاً، كما استنجزه فائدة الأولى عاجلاً.

وقد قلت أرثيه من قصيدةٍ، مطلعها:

كلُّ حيٍّ على البسيطةِ فانِغيرَ وجهِ المهيمن الرحمن

إلى أن قلت فيها:

أين روحُ الزمان من كنتُ حيناً وإيَّاه نخلتيْ حلوانِ

نخلتا حلوان يضرب بهما المثل في طول الصحبة.

وكان المهدي خرج إلى أكناف حلوان متصيداً، فانتهى إلى نخلتي حلوان، فنزل تحتهما وقعد للشرب، فغناه المغنِّي:

أيا نخلتيْ حُلوان بالشِّعبِ إنَّماأشَذَّ كما عن نخْل جوخَى شقاكُما
إذا نحنُ جاوزنا الثنيَّة لم نزَلعلى وجلٍ من سيرِنا أو نراكما

فهمَّ بقطعهما، فكتب إليه أبوه المنصور: مه يا بني، واحذر أن تكون ذلك النحس الذي ذكره الشاعر في خطابهما، حيث قال:

واعلما إن علِمتُما أنَّ نحساًسوفَ يلقاكُما فتفترِقانِ

تتمة المرثية:

كان فينا كالوردِ في وجناتِ الغيدِ والسِّحرِ في عيونِ الحسانِ
عاجلَ الدَّهرُ نيِّر الفضلِ الكسفِ وبدرَ الكمالِ بالنُّقصانِ
رجع الجوهر النَّفيسُ إلى الأصلِ وأضحى مقرُّه في الجنانِ
ليتَ شعرِي وليس يُجدي أعن عمدٍ رمتْهُ الخطوبُ أم نسيانِ
كيف دكَّيتَ أيها الخطبُ رضوىونقلْتَ الهِضاب من ثهلانِ

منها:

يا صديقي تركْتني لهمومٍينقضي قبلها زمانُ الزَّمانِ
لست أرضى عليك حكم لبيدٍمذهبي في الوفاءِ حكمُ ابن هاني
عيلَ صبرِي وإنَّما أتأسَّىبعمومِ المصابِ في الأعيانِ
أسعدُ الصَّاحبينِ من ماتَ من قبلُ وأبقى الصَّديقَ للأحزانِ
إنَّما هذه مراحِلُ تطوىوالبرايا تُساقُ كالرُّكبانِ

ومردي بحكم لبيد قوله:

إلى الحملِ ثم اسمُ السَّلامِ عليكماومن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذرْ

وبحكم ابن هانئ:

سأبكي عليهِ مدةَ العمرِ إنَّنيرأيتُ لبيداً في الوفاءِ مقصِّرا

عبد الحي بن أبي بكر، المعروف بطرَّز الرِّيحان أديب طرزه تطريز الرقاع بوشي تحبيراته، وفنه تحلية جيد الكلام بجواهر تعبيراته. تنتهي إليه محاسن الألفاظ، وترنو معانيه عن غمزات الألحاظ.

وله من الشعر، ما يسخر بالسحر. فلو كان لسواه في حيز الإمكان، استحقَّ أن يصلب عليه الملكان. إلى ظرف ريحانه يرف، وطبع هواه يشف. ومحاضرة مع الراح تتفق، ولا تفترق. وتأتلف، ولا تختلف.

إلا أنه كان عليه للهوى وثبات، لا يرجى له فيها قرارٌ وثبات.

فإذا عارضته رأيت غمرات بواعث طافحة، وجمرات لواعج لافحة. وهموماً على جوانح جوانح، وآلاماً منها في جوارح جوارح.

وكنت عاشرته لأستمطر ديمته، وأختبر في هذا المعرض شيمته. وكان عفَّ عن الصبوة ونسك، وكفَّ عن الشَّهوات وأمسك. ولم يبق فيه إلا بقية، تخلَّت على بيضاء نقية.

فرأيته مغلوب سورة طباعه، وقد استولت النَّفرة على طرف انطباعه. إلمامه فلتة غبي، وإغبانه فترة نبي.

فكنت معه على أحسن فطرة، لم تلحقني في هواه فترة. واختلست منه أوقاتاً كلمة شارق، وخطفة سارق. ونقر العصافير، خوف النواطير. وأنا من منذ فقدته لم أرَ عنه بدلاً، وأعطافي مملوءةٌ به ترنُّماً وجذلاً.

وكان في آخره حج ورجع رفيق زهدٍ وإنابة، فلم يلبث حتى دعاه الدَّاعي الذي لا بدَّ له من إجابة. فيا له من حجٍ وعمرة، ختم بطابع النقاء عمره. والحمد لله الذي أحسن له الاختيار، فقبضه إليه قبض الأخيار.

وقد أوردت من أشعاره التي هي فروع أماليه، ما يحرِّك الجمادات إذا ما تحرك تاليه.

فمن ذلك قوله في الغزل:

خلِّياني ولوعتي ونحيبيليسَ إلا صابٍ بدمعٍ صبيبِ
وابكِياني فإنَّ من جرحَ اللَّحظُ قتيلٌ وما له من طبيبِ
أيُّ صبٍّ سمعتما علِقتهأعينُ الغيدِ فهو غيرُ سليبِ
بأبي معرِضٌ ألوف نفارٍذو اختلاقٍ نفنُّناً للذُّنوبِ
فِعله كلُّه حبائِل فتكٍقد أعدَّت لصيدِ كلِّ القلوبِ
تتحرَّى مقاتلَ الصَّبِ عيناهُ برشقِ النِّبالِ في التَّصويبِ
ذو وقارٍ أهابه أن أحيِّيهِ إذا ما بدا بلفظِ حبيبي
فهو لم أدرِ جاهلٌ خبرَ حاليأم يُريني تجاهلاً كمرِيبِ
أبداً دأبه ودأبيَ هذاكلانا في الحالِ غيرُ مصيبِ
ليته لو أقرَّ قلبي على الحبِّبلا ريبةٍ ووجهٍ قطوبِ
وإذا شاء بعد ذاكَ تَجنَّىلذَّةُ الحبِّ غصَّة التَّعذيبِ
ما يبالي من استهلَّ عليهمن سماءِ الغرامِ غيثَ اللَّغوبِ
جابَ كلَّ البلادِ يحسبُ أنَّ الحظَّ شيءٌ يُعطى لكلِّ غريبِ

وأنشدني قوله في الغزل:

سقتْكَ الغرُّ يا عهدَ الشَّبيبهترنِّح منك أغصاناً عسيبهْ
وإلا فالنَّواقعُ من جفونِيوإن يكُ لا رواءَ ولا عذوبهْ
فكم لي في ظلالِك من مقيلٍحسوتُ به الهوى كأساً وكوبهْ
بكلِّ نديِّ جسمٍ كنتُ أظمي النَّواظِر عنه خشيةَ أن تُذيبهْ
كأنَّ بكلِّ عضوٍ منه بدراًمنيراً أو مدبِّجَةً خصيبهْ
وكلِّ مرنَّحِ الأعطافِ يخطوفيكْتسبُ الصَّبا منه هبوبهْ
إذا ما رامَ يبعثُ بي دلالاًيقطِّبُ والرِّضا يمحو قطوبهْ
فمن لكَ بالسَّلامةِ إن تثنَّىوهزَّ قناة عطفيهِ الرَّطيبهْ
وأبلجَ مستديرِ الشَّكلِ أبدتْبه الأصداغُ أشكالاً عجيبهْ
يُريكَ بسيمياءِ الحسنِ روضاًحذاراً منه أن تصلى لهيبهْ
وفاحمَ طرَّةٍ شكراً لأيدي الرُّعونةِ كم بها أمستْ لعوبهْ
تبدِّدُها كذوبِ المسكِ طوراًعلى غصنٍ تجسَّد من رطوبهْ
وطوراً يظهرُ الشربوشُ منهاكأطرافِ البنانِ غدتْ خضيبهْ
وآونةٍ يُري منها زباناًيلوح وكم به كبدٌ سليبهْ
فأنَّى يطرقُ السُّلوان قلباًحمتْه جيوشُ خضراءِ الكتيبهْ
ولا كنواعسٍ أرشقنَ قلبيصوائبَ غادرتْه أخا مصيبهْ
شهرْنا ظُباً وقلنا ألا صبورٌفكانتْ مهجتي أولى مجيبهْ
لحاها الله أيُّ عناً تلقَّتْتقمَّص منه جثماني شُحوبهْ
ولم أكُ ألحَها إلا اضطِّراراًفلم تكُ بالذي فعلتْ معيبهْ
هي الأحداق ما مستْكَ إلاوفزْتَ من الشَّهادةِ بالمثوبهْ
جرى قلمُ القضاءِ لنا بهذاولا يعدو امرؤٌ أبداً نصيبهْ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول في ذكر محاسن شعراء دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.