تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

دَوْر (٢) (٢)

وله:

قسماً بالعفافِ في الحبِّ عمَّايُغضِبُ اللهَ من كِلا الطَّرفينِ
لمْ يُغيِّر ما بيننا البُعدُ إلاأنَّ طيبَ الرُّقادِ فارقَ عينِي

أحمد بن محمد، المعروف بابن المنقار هو من عرف بكرم الشيمة، من منذ تنصَّل من المشيمة.

فجاء كما شاءت الظنون، متحقِّقاً بجميع الفنون.

وأعاد رسماً من بيته دثر، ونظم شملاً كان قد انتثر.

وما استعار مجدا، ولا أضافَ إلى جدِّه جدَّا.

ثم دخل الروم، فحظِي من الأمانيِّ بما يروم.

متفيِّئاً من النشوة وارفها، وملتحفاً من الصَّبوة مطارفها.

فأذهلته لذة لدَدِه، عما كان بصدده.

وعبثتْ به السوداء من عيون ظباها، والضُّعفاء من الجفون التي سقيت بماء السِّحر ظُباها.

فآل أمره إلى جنون أضرَّ عقله، واقتضى إلى وطنه الأصليِّ نقله.

فحلَّه وجيدُه مطوَّق بطوق، وهو محمولٌ على أدهم لا يجهده سوقٌ ولا شوق.

وبقيَ على تلك الحالة، وقد غيَّر الدَّهر سمته وأحاله.

إلى أن فارق دنياه، وخلص من قيد الحياة.

وقرأت بخط البوريني، أنه زاره، وحيَّا بفم الوجد مزاره.

وهو في تلك السلسلة، وأحاديث حاله عنه مسلسلة.

وهو يظنُّ أن ماء رويَّته جمد، وشرر ذكائه بالكلِّية خمد.

فلما لمحه، لم يدع ملحه.

قال: فأومأ إلى حالته، وأودعني بيتي الوداعي، ثم خلاَّني أجيب سائل دمعي وأنا الدَّاعي.

والبيتان هما:

إذا رأيْتَ عارِضاً مُسلسَلاًفي وجنةٍ كجنَّةٍ يا عاذِلي
للشاعر علاء الدين الوداعي، اقرأ القصيدة
فاعلمْ يقيناً أنَّنا من أمَّةٍتُقادُ للجَنَّةِ بالسَّلاسِلِ

وهذه نبذة من شعره أيام إفاقته، وهو يتَّخِذ شهب السَّماء من رفاقته.

فمن ذلك قوله من قصيدة:

أتَى ينْثَنِي كاللُّدنِ بلْ قدُّهُ أسْمىغزالٌ بفعلِ الجِفنِ يُلهِيكَ عنْ أسمَا
فريدُ جمالٍ جامعُ اللُّطفِ جُؤْذُرٌأمينُ كمالٍ أهْيَفٌ أحْورٌ ألْمَى
إذا ما بدَا أو ماسَ تِيهاً وإن رنَاترى البدرَ منهُ والمُثَقَفَ والسَّهمَا
له مقلةٌ سيَّافةٌ غِمدُها الحشاونبَّالةٌ قلبي لأسهُمِها مَرمَى
تجسَّم من لطفٍ وظرْفٍ أما ترَىتَغيُّره لمَّا تخيَّلْتَه وَهْما

هذا من قول بعضهم:

نظرتُ إليهِ نظرةً فتحيَّرتْبدائِعُ فكرِي في بَديعِ صِفاتِهِ
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «نظرت إليه نظرة فتحيرت»
فأوْحى إليه الطَّرفُ أنِّي أُحِبُّهُفأثَّرَ ذاك الوهمُ في وجناتِهِ

وأبلغ منه قول النَّظَّام:

توهَّمه طرفِي فآلَمَ خَدَّهُفصارَ مكانَ الوهمِ من نَظرِي أثْرُ
للشاعر إبراهيم بن سيار النظّام، اقرأ القصيدة
ومرَّ بفكرِي خاطِراً فجرَحْتُهُولمْ أرَ خلقاً قطُّ يجرحُه الفِكْرُ
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

ولخالد الكاتب:

لوْ لحظَتْهُ العيونُ مُدمِنَةًلذابَ من رِقَّةٍ فلم يجدِ

وللمنقاري من قصيدة، مطلعها:

قلْبي بِنيرانِ المحَبَّةِ مُصطَلِمْخوفَ الفِراقِ لمن به حالِي عُلِمْ

منها:

يا ويحَهُ من جَوْرِ ظَبْيٍ أهيَفٍسُلطانِ حُسْنٍ منه صبٌّ ما سَلِمْ
قد حجَّبَتْهُ من الأسِنَّةِ مُقلةٌغزلَتْ فحاكَتْ للورَى ثوبَ السَّقَمْ
جيدُ الغزالةِ منه إلاَّ أنَّهالمْ تحكِهِ نوراً إذا هو قد بَسَمْ

فيه استخدام، وقد يقع كثيراً في لفظ الغزالة بهذين المعنيين.

وانتقد بما قاله الصفدي في شرح لاميَّة العجم: إنه لم يسمع إلا بمعنى الشمس في أول النهار إلى الارتفاع، وأما في مؤنث الغزال فلا يقال غزال، بل ظبية.

وقد غلَّطوا الحريري في قوله: فلما ذرَّ قرنُ الغزالة طمر طُمور الغزالة.

وقالوا: لم تقل العرب الغزالة إلا للشمس، فإذا أرادوا تأنيث الغزال، قالوا: الظَّبية.

وقد ردَّ هذا الدماميني في حاشيته، وأورد له شواهد.

واعتمده الشِّهاب الخفاجي في شفاء الغليل، حيث قال: غزالة مؤنث الغزال، واسمٌ للشمس مطلقاً، أو في وقت شروقها.

قال التبريزي: سمِّيت بذلك لأنها تطلع في غزالة النهار، أي أوَّله.

وقال المعرِّي: سمِّيت بها، لأنها تمدُّ الشُّعاع ما هو كالغزْل، فهي مشدَّدة في الأصل، خُفِّفَتْ.

وقال فيه:

الرَّدْنُ والغَزْل للغوانِيخُلقانِ عُدَّا من الجزالَهْ
والشَّمسُ غَزَّالةٌ ولكنْخُفِّفَتْ الزَّايُ في الغزالهْ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أزل هموم الفؤاد واصبر»

عبد اللطيف الجابي هذا الأديب تميَّز بنفسه، وتخيَّر من جنسه.

فزاحم الكواكب بالمناكب، وقد نسجت دهراً على اسمه العناكب.

وظهر كاسياً من مطمورة الخفا، وما كان خلاَّه في القبر إلا الحفا.

وعزم لا يتخلَّى ولا يستريح، ولا يسكن إلى راحةٍ بل يقلع كل ريح.

فاتحاً عينيه إلى كلِّ مطلب بأقدام هائمٍ مستبق، كأنه صورةٌ ممثَّلةٌ ناظرها الدَّهر غير منطبق.

فهو من القوم الذين أنفقوا عمرهم تملُّقاً وتجملاًّ، واصطلحوا على أن سمُّوا تجرُّع السَّمِّ تحمُّلاً.

وكان له في النَّظم أوفر نصيب، إلا أنه يخطئ تارةً وتارةً يصيب.

وقد رأيت أشعاره في سفينةٍ عامَ في بحرها وهام، وأودعها من خطِّ الملائكة ما لا يفهم إلا بمَلَك الإلهام.

فلم يقع اختياري إلا على أبياتٍ تأنَّقتُ في استخراجِها، وهاهي كما نُظِمت اللآلي في أدراجها:

ما كانَ يخطُرُ قطُّ في أوْهاميأنَّ الأُسُودَ مصائِدُ الآرامِ

مما ينبغي أن ينبَّه عليه ما ذكره المبَرِّد في كامله أن الآرام مهموزُ ما بعد الرَّاء واحدُها رِئم، مثل بئر وآبار، فإذا لم تهمز فهي الأعلام، واحدها أرم، وهي العلامات في الطَّريق.

قِفْ حيثُ فوَّقَتِ اللِّحاظُ سِهامَهاوانظُر لِمرمِيٍّ هناكَ ورامِ
وسَلِ الأمانَ فكم خَلِيٍّ فارغٍأمسى قتيلَ محبَّةٍ وغَرامِ
للهِ ما بالقلبِ والأحشاءِ منْحُزْنٍ وما بالجسمِ من أسْقامِ
ومدامِعٌ تَهْمي فيَحرِقُ لَذْعُهاخدِّي ومن يقوَى لِلذْعِ هوامِ
وبمُهْجَتِي البدرُ الَّذي وجَنَاتُهوعِذارُه كالوردِ والنَّمامِ
القاتل الآلاف من عشَّاقِهِعمْداً بلا حرج ولا آثامِ
إنْ لم يكنْ بمحدَّدٍ ومُثَقَّلٍفبِسحرِ ألفاظٍ وسِحرِ كلامِ
باللَّحظِ منه غَنِيتُ عن زَهرٍ وعنخمرٍ فمِنه نرْجِسي ومُدامي
في خَدِّهِ لامٌ تجُرُّ إلى الهوىفالقلبُ مجرورٌ بتلكَ اللاَّمِ
ظَبْيٌ من الأتراكِ مُرعاهُ الحَشَاوالمورِدُ العذبُ العزِيزُ الهَامي
عرَفَ المُرادَ من الدُّموعِ فلم يزلْيَرنو لِعاشقِهِ بِطرْفٍ ظامِي

محمود المجتهد مجتهد المذهب الكلامِيّ، يقوِّم منه ما اختل، ويصحِّح من تراكيبه التي دخلها الجهل المركَّب ما اعتل.

بسانٍ ينقِّي الكُلف، إلا أنه كلِف بتلك الكُلف.

وهو في تقييده وضبطه، وحلِّه لتشبُّك الغرض وربطه.

في حدٍّ لا يأتي عليه تحديد، ولا يعبِّر عنه لسانٌ حديد.

وله حديثٌ يُزري عذوبةً بالرُّضاب، وتحلُّمٌ يستخفُّ راسية الهِضاب.

فلذا هو بطيبِ العشرة مذكور، وبألسنة الظُّرفاء محمودٌ ومشكور.

والرَّغبات إليه نازعة، وعلى معاشرته متنازعة.

تستدعي إيثاره وإدناه، وتملأُ بماء النَّعيم إناه.

وهو لا يؤثر الرَّجعة، إلا إذا اسْتَمرَعَ النُّجعة.

وإذا حضر ارتمى قبل الاقتداح شرارُه، وفرَى قبلَ الانتضاء غُرارُه.

ولا يقرع منادمه على فراقه سنَّ النَّدم، حتى يمتلئَ طرباً من الفرقِ إلى القدم.

وقد رأيت له أشعاراً، أكثرها في ذمِّ الزَّمان، وقد رماه في مطالبه بسهام الحرمان.

فمنه قوله:

ألِفَ الزَّمانُ مساءتِي وبِعاديورمَى بسهمِ البَيْنِ عينَ فُؤادِي
فألِفتُ ما ألِفَ الزَّمانُ وما أرَىإلا تنغُّصَ عيشتِي وكَسادِي
والذُّلُّ في أبوابِ من لا يرْعوِيحال الفقير وسُؤْدد الأوْغادِ

وقوله معارضاً أبيات الحريري، في المقامة الثامنة والأربعين، وهي:

عِشْ بالخِداعِ فأنتَ فيدهرٍ بَنوهُ كأُسدِ بيشَهْ
وأدِرْ قناةَ المَكرِ حتَّىتستَدِيرَ رحَى المعيشَهْ
وصِدِ النُّسورَ فإن تعذَّرَ صيدُها فاقنع بريشَهْ
واجنِ الثِّمارَ فان تَفُتْكَ فَرَضِّ نفسكَ بالحَشيشَهْ
وأرِحْ فُؤادكَ إنْ نبَادهرٌ من الفِكَر المُطيشَهْ
فتَغايرُ الأحداثِ يُؤذِنُ باسْتِحالةِ كلِّ عِيشَهْ

وأبياته هي هذه:

قال الدِّمشقيُّ الذيكَرُّ النَّوائبِ حَصَّ ريشَهْ
كيفَ الخِداعُ ودهرُناأبناهُ صادوا أُسْدَ بيشَهْ
وقناة مكري ى تدورُ فتسْتديرَ رَحى المُعيشَهْ
والطَّيرُ في أفقِ السَّماءِ فكيفَ أبلغُ منهُ ريشَهْ
ورِياضُ آمالِي جفَاها الْخِصْبُ حتَّى لا حشِيشَهْ
ومَعيشتِي ضَنْكاءُ فيبلَدِي استحالَتْ كلُّ عِيشَهْ

وله:

ومن البليَّة أن ترَى ما لا يُرىوترومَ بذلَ المجدِ من غيرِ المَلِي
وتبيعَ مخزونَ العلومِ لجاهلٍوتجودَ بالعلياءِ عند الأرذَلِ
وتزين من درِّ الخطابِ فرائِداًقد شِنتَها بِخطابِ من لمْ يعقِلِ
أُوَّاهُ من نكدِ الزَّمانِ وجَوْرِهِوترفُّع الأنذالِ والمُتسَّفِلِ
ومن الرَّزيَّةِ لا ترَى من مُنْصِفٍأوْ مُسْعِفٍ إلا وبالأهوَا مَلِي
وَالَهْفَ قلبي من زمانٍ شأنُهُرَمْيُ الأفاضلِ بالعناءِ المُعْضَلِ
وتعزُّزِ الوغدِ اللَّئيمِ أخِي الأذَىوتذلُّلِ العزِّ الكريمِ المأمَلِ
فاضَ اللِّئامُ وغاضَ كلُّ مُمَنَّعٍوسطَا بِسطوِ البأسِ كلُّ مُجَهَّلِ
وتوزَّعتْ نُوَبُ النَّوائبِ وانثنَىفيها الكِرامُ بِذِلَّةٍ وتملمُلِ
وارتاحَ منها كلُّ خَبٍّ جاحدٍوبها رَقَى العلياء كلُّ مُعلِّلِ

محمد بن تقيِّ الدين الزُّهيرِيِّ زهرة الأدب ونزهته، وخلسة الحظِّ ونهزته.

ومن تخمَّرت طينته بماء اللَّباقة، فأفرغن جِسماً في قالب اللَّياقة.

أدركته وقدُّه من الهرم يرتعش، لكن بمنادمته الرُّوح تنتعش.

وسمعتهم يقولون: إنه في ريعان غضارته، كان محسود الغصن الفَيْنان في نضارته.

ثم مَحَا سِنُّه محاسِنه، ولكن يعزُّ على ذي لسَنٍ أن يلاسِنه.

وعهدت أبي بوَّأهُ الله دار رضوانه، يميِّزه بالفضل عن أخدانه وإخوانه.

ويقول: هو تامُّ في آلته، لو أن قلبه متماسكٌ متمالكٌ، كاملٌ في حالته، إلا أن مدد صبرِه متفانٌ متهالك.

وقد رأيت له شعراً قذف به بحر طبعه، فذكرت منه ما يدلُّ على فضله دلالة الماء على صفاء نبعه.

فمنه قوله:

إذا زرتَ الصَّديقَ الشَّهرَ يوماًيرى إكرامَ مثواكَ الثَّوابا
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
وإن كرَّرته يوماً فيوماًولم تحُزِ السَّلامَ ولا الخِطابَا
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
فإنَّكَ أُبْتَ للطَّاغي مآباًجزاءً لا عطاءَ ولا حِسابَا
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة

وقوله:

صدِيقُكَ إن تزُرهُ بِصدقِ وُدٍّفقلٍّلْ من زِيارتِكَ الزِّيارهْ
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
فزُرْ غَبًّا إذاً تزدادُ حُبًّاوخفِّفْ فالزِّيارة قيل غارَهْ
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة

هذا الباب، مما حرَّض فيه أولو الألباب، والحديث المذكور فيه دستور العمل بين الأحباب.

وفي عقده جمعٌ كثير، في نظِيم لهم ونثِير.

فمن ذلك:

إذا شئتَ أنْ تُقْلَى فزُرْ متواتِراًوإن شئتَ أن تزدادَ حبًّا فزُرْ غَبَّا
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

ومنه: الزيارة زيادةٌ في الصَّداقة، وقلتها أمانٌ من الملالة، وكثرتها سببٌ للقطيعة، وكلُّ كثير عدوُّ الطَّبيعة، وما أحسنَ ما قال صاحِب الشَّريعة: " زُّرْ غَبًّا تزدد حُبًّا ".

ومن هذا الباب قول الآخر:

عليكَ بإقلالِ الزِّيارة إنَّهاإذا كثُرتْ كانتْ إلى الهجرِ مسلَكَا
فإني رأيتُ القَطْر يسأَمُ دائِماًويُسأَلُ بالأيدِي إذا هوَ أمسَكَا

وقوله:

أقلِل زِيارَتك الصَّديقَ تكون كالثَّوبِ استجَدَّهْ
إنَّ الصَّديق يُمِلُّهُأن لا يزال يراك عنْدَهْ
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

وقول أبي تمَّام:

وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخلِقٌلِديباجَتَيْهِ فاغترب تتجدَّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
فإنِّي رأيتُ الشَّمسَ زِيدتْ محَبَّةًعلى النَّاسِ إذ ليستْ عليهم بسرمَدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

وكان للبهاء السنجاري صاحبٌ، وكان بينهما مودةً أكيدة، واجتماع كثير، ثم جرى في بعض الأيام عتاب، وانقطع ذلك الصاحب عنه، فسيَّر إليه يطلبه؛ لانقطاعه، فكتب إليه بيتي الحريري، اللَّذين في المُقامة الخامسة عشرة:

لا تزُرْ من تُحِبُّ في كلِّ شهرٍغيرَ يومٍ ولا تزِدْهُ عليهِ
فاجتلاءُ الهِلالِ في الشَّهرِ يومٍثمَّ لا تنظُرُ العيونُ إليهِ

فكتب إليه البهاء من نظمه:

إذا حقَّقتَ من خِلٍّ وِدادافزُرهُ ولا تخف منه مَلالا
للشاعر البهاء السنجاري، اقرأ القصيدة
وكُّن كالشَّمسِ تطلُع كلَّ يومٍولا تكُ في زيارتِهِ هِلالا
للشاعر البهاء السنجاري، اقرأ القصيدة

قلت: هذا قليل، والكثير يدعو في الزِّيارة إلى التَّقليل.

وللزُّهيري:

ألا رُبَّ من تحنو عليه تلطُّفاًويُعجبكَ القولُ الذي منه صادرُ
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
وإن تختبرْ منه طويَّته إذاًوناشدْتها ساءتكَ منه الضَّمائرُ
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
فلا تغتررْ في لينِ قولٍ وتأمننْإذا لم تطب منه لديكَ المخابرُ
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
فما الصِّلُّ إلا ليِّنُ اللَّمسِ ظاهراًوباطنُه سمٌّ ومنه التَّحاذرُ
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة

ألمَّ في هذه الأبيات بقول عبد الحق الحجازي:

ألا رُبَّ من تحنو عليه ولو ترىطويَّتهُ ساءتكَ منه الضَّمائرُ
فلا تأمنن خلاًّ ولا تغتررْ بهإذا لم تطب منه لديكَ المخابرُ

وقوله: فما الصِّلُّ إلا من قول بعض البلغاء، الدنيا كالحية ليِّنٌ مسُّها، قاتلٌ سمُّها.

ومن فصول الصاحب: مسُّ السيف ليِّن، ولكن حدُّه خشن، ومسُّ الحية ليِّنٌ ونابها أخشن.

ومن نوادر ابن الجزَري، قوله من قصيدة:

ولئنْ خبرْتَ بني الزَّمانِ وخِسَّةُ الآباءِ تُنتجُ خِسَّة الأبناءِ
إيَّاكَ تركنُ منهمُ لمماذقٍيُبدي الوفاءَ ولاتَ حين وفاءِ
للشاعر ابن الجزري، من قصيدة «يا ابن السرى والليل والبيداء»
وتجنَّبنْ من لينِ ملمسِ عطفهفالعضبُ يصدأُ متنهُ بالماءِ

وللحصري في هذا المعنى:

كم من خليلٍ عندي شهدهُحتى بلوتُ المرَّ من أخلاقهِ
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة
كالملحِ يُحسبُ سكَّراً في لونهِومجسِّه ويحولُ عندَ مذاقهِ
للشاعر ابن هارون الأصبحي، اقرأ القصيدة

وللزُّهيري:

يا من تلبَّس في الفخارِ بلُبسهِوالجهلُ منه مركَّبٌ من لُبسهِ
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
الفضلُ عند المرءِ يكسيه سناًوسناؤه يكسيه رونقَ حسنهِ
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
لا تزدري برثيتِ خلقة ثوبهِعند التنفُّسِ في الكلام لنفسهِ
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
من كان من نوعِ الكمالِ مُكمَّلاًنال الغنى من فضلهِ مع جنسهِ
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة

وله:

يا من إليَّ قد وشىبنقلِ سوءٍ ولغا
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
مذمَّتي سمعتُهامن الذي قد بلَّغا
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة

في المثل: مبلِّغ السوء كباغيه.

وقيل أيضاً: " ما غاظك إلا من بلغك "، " وسبَّك من بلَّغك السَّبَّا " و " المبلِّغ أحد الشَّاتمين ".

وراوية الهجاء أحد الهاجين، والسامع للغيبة أحد المغتابين.

وله:

إنَّما القاضي لمُستثقلٌفي اللفظِ يا صاحِ مع المعنى
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة
يظهرُ فيه النَّصبُ من جرِّهوحظُّه في السم كالمعنى
للشاعر ابن تقي الدين الزهيري، اقرأ القصيدة

أورد هذين البيتين في شرحه على لامية ابن الوردي، عند قوله:

إنَّ للنَّقصِ والاستثقالِ فيلفظةِ القاضي لَوَعظاً ومثلْ

أمين الدين بن هلال الصالحي أحد الشُّهود العدول، لكنه عن الخير من العدول.

فهو إن لم يكن في دين الصابي، فقد نزع بسلبه الأعراض منزع المتصابِي.

فكم حرٍّ مدحه ثم ثلبه، وكم عرضٍ كساه ثم سلبه.

فهو شاعرٌ تنمُّ أفكاره عن أسرار العيوب، وكاتب يرشحُ بمداد قلمه ذنوب الذُّنوب.

إلا أنَّ كلِمه وقلمه لم يرميا قطُّ بكلال أو ملال، وإذا كتب أو أنشأ أراك يد ابن هلال، تنقل عن فم ابن هلال.

فمن أهاجيه قوله في بعض الأدباء:

يخوضُ بعِرضٍ من غدا عارَ دهرِهِومن هو أدنَى من سجاحٍ وأكذَبُ
ومن أقعدتْهُ همَّةُ المجدِ والعُلاوطارتْ بهِ للخِزيِ عنقاءُ مُغرِبُ
ومن كانَ في عهدِ الحداثةِ ناقةًيُقادُ إلى أردَى الأنامِ ويُركبُ
وقدْ كانَ قصدِي أن أبيِّنَ وصفهُولكن إهمالُ القبائِحِ أنسَبُ

ومما ينسب إليه من المجون الذي يزري بسلافة الزَّرجون، أنه دخل على الرئيس أبي السُّعود بن الكاتب، فأنشده بديهاً:

يا من بهِ رقَّ شِعريوجالَ في الفِكرِ وصفُهْ
قدْ مزَّقَ الدَّهرُ شاشيوالقصدُ شاشٌ ألفُّهْ

من هذا، وهو أحسن ما سمعت في طلب حلَّةٍ قول الشِّهاب:

حالِي يستنجِزُ الأمانيويطرُدُ الخُلفَ من وعودِهْ
وحلَّتي كلُّها عيونٌترنُو إلى مجدِهِ وجودِهَ

وكان بينه وبين عبد الحق الحجازي عهودٌ موثَّقة، ومودِّة كمائمها عن أذكى من الزَّهر غِبَّ القطر معتَّقة.

ثم انقطع أمين الدين، فكتب إليه يستعطفه:

طالَتِ الأشواقُ وازدادَ العَناوتمادَى الهجرُ فيما بينَنَا
فامنحوا القُربَ محِبًّا مخلِصاًفلعلَّ القُربَ يشفي ما بِنا
ليسَ في هذا عليكُم كلفةٌإنَّما نطلبُ شيئاً هيِّنَا

فراجعه بقوله:

أنا في البعدِ وفي القربِ أناليسَ في الحالينِ لي عنكُم غِنى
أفضلُ الأشياءِ عندِي حبُّكموهو في وَسْطِ فؤادِي مكِّنَا
لكنِ الأيَّامَ أشكوها لكُمجوْرُها قد أورَثَ الجِسمَ الضَّنى

وكان هو أحد الشُّهود بالمحكمة الكبرى، فنظر يوماً إلى قضاتها وشهودها وهو منهم، ثم قال:

قالت لنا الكُبرى أمَاآنَ لكُم ما توعدونْ
قضاتُنا أربعةٌلكنَّهم لا يعلمونْ
شهودُنا عِدَّتهمْتسعةُ رهطٍ يُفسِدونْ
والكتخُدا والتَّرجُمَانُ في الجَّحيمِ خالِدونْ

وله يهجو عنَّه ولي الدين:

إذا رأيتَ وليَّ الدِّينِ مفتكِراًمنكِّساً رأسهُ إنسانُه ساهِي
فذاكَ من أجلِ دُنيا لا لآخرةٍخوفاً من الفقرِ لا خوفاً من اللهِ

عبد الكريم الطاراني كاتب قسمة، ومن اتخذ المعيشة من الموت قسمه.

وما بالك بمن يجوب فناء كلِّ حي، ويتمنى فناء كلِّ حي.

فهو طير الشُّوم، والتطير به فرخ التَّطير بالبوم.

وله نزعاتٌ في الخُلق والخَلق، هي قذًى في العين، وشجاً في الحلق.

ينعجن بطينة الإساءة، وتعمُّ في العالم منه المساءة.

فمه ممزوجٌ بصابْ، وقلمه ساطورٌ في يد قصَّاب.

فلهذا رُميَ برفضه، ومقِتَ باعتزاله ونقضه.

وهو شيخٌ من بقايا أول الزَّمان، يعدُّ فرخاً عنده نثر لقمان.

أكل الدَّهر عليه وشرب، لكن وعاه من الآداب غير سرِبْ.

وله شعرٌ ليس له في الكثرة منتَهى، إلا أنَّه أبردُ من أمردٍ لا يُشتهى.

فممَّا وصلني من مرغوبه، قوله:

أشكو إلى اللهِ من زمانٍقدْ ماتَ فيهِ ذوو الصِّلاتِ
وكلُّ من كانَ ذا وفاءٍمضَى إلى اللهِ بالوفاةِ

وقوله، في تضمين مثل مشهور:

هذه الدُّنيا بلاءٌ وعنَاوهمومٌ تُسقِمُ الجِسمَ الصَّحيحْ
أيُّ شيءٍ يبتغي منها الفَتَىوهي دارٌ ما عليها مُسْتريحْ

ومثله لبعضهم:

كلَّما أشكو صباباتِ الهَوَىلم أصادِف غيرَ ذي قلبٍ جريحْ
يشتكِي لي مثلَما أشكو لهُيا لعُمرِي ما عليها مُسْتريحْ

قلت: طابُ الرَّاحة في الدُّنيا محال، وتلك دعوى دليلها على جميع الورى محال.

وقد أعي على الأخباريِّين والنَّقلة، أن يجدوا مستريحاً إلا من لا عقل له.

قال رشيد الدين الوطواط، في أمثاله: أنا أقول: من لا عقل له في المستراح موضع النَّجاسة.

ونظمه الشِّهاب في قوله:

ما يبتَغي من دهرِهِ عاقلٌوما يرجِّي منهُ أهلُ الصَّلاحْ
ورزقُ دُنيانا لجهَّالِهاوجنَّةُ الخُلدِ لبلهٍ مِراحْ
من لا لهُ عقلٌ ولا فطنةٌفي المثلِ المشهورِ قالوا اسْتراحْ
وإنَّما الدُّنيا لهُم منزِلٌمن لا لهُ عقلٌ بهِ مسْتراحْ

وقوله: وجنَّة الخلد لبلهٍ مِراح إشارة إلى الحديث، " أكثر أهل الجنَّة البُلُهْ " يريد: الأكياس في أمر الآخرة، البله في أمر الدنيا.

ويقولون في بقر الجنة: البله؛ لأنَّها لا ترمح ولا تنطح، ولضدِّهِ: بقر سقر.

وللطبراني، ويخرج منه اسم عمر بطريق التَّعمية:

أفدِي غزالاً بقلبِيما زال يرشُق نبلا
وعنه ما مالَ يوماًللغيرِ حاشَا وكلاَّ
وعزَّ صبرِيَ لمَّابالعينِ مرَّ محلَّى

وقعد إلى جانبه غلامٌ، والقمر في ليل التَّمام، فقال له: انظر البدر أمامك. فقال له: أمامِي على أيِّ حالة. فخجل لما قاله.

فأنشده بديهاً:

وذي قوامٍ رشيقٍدنَا لبدرِ التَّمامِ
فقالَ والثَّغرُ منهُحالٍ بحسنِ ابْتِسامِ
غدا أمامَكَ بدرٌفقلتَ بدرِي أمامِي

وكتب إلى الإمام يوسف الفتحي، وقد وعده بعود:

مولايَ كمالَ بهجةِ الأيَّامِقدْ أخجلَ جودُكَ الرَّبابَ الهامِي
أنعُمْ لمُحِبِّكَ الكريمِ عجلاًبالعودِ تفُزْ بِبَثِّ شكرِي النَّامِي

فبعث إليه بحصَّة منه، وراجعه بقوله:

يا جوهرةً يتيمةً بالشَّامسفَّهَتْ بها مقالةُ النَّظَّامِ
قسمتُكَ في بقيَّةِ العودِ علىأن ليسَ لكُم في الفضلِ من قسَّامِ

وقوله:

لا تجزعنَّ إذا نابَتْكَ نائِبةٌفسوفَ تُلقَى قريرَ العينِ جزْلانَا
فالبدرُ بعد محاقِ الجِرمِ تبصرُهُقدْ اكْتسى النورَ بالتَّكميل وازدانَا

وهو من قول ابن السَّاعاتي:

لا تجزعنَّ لأمرٍ سوفَ تُدرِكُهُفليس في كلِّ حينٍ ينجحُ الأملُ
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «لا تجزعن لأمر سوف تدركه»
والبدرُ في كلِّ شهرٍ لا لمنْقَصَةٍبه يصيرُ هِلالاً ثم يكتملُ
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «لا تجزعن لأمر سوف تدركه»

محمد بن زين العابدين الجوهري هو من جوهرٍ منتقى، وما فوق مرقاته مرتقى.

وآباؤه بتجارة الجوهر مشهورون، وبكلِّ ثناءٍ في الألسنة مذكورون.

وهو لك يكن يحترف بالصِّناعة، أو يتَّجر بهذه البضاعة.

بل كان مستغنياً عن جواهر الأحجار بجواهر الكلام، ومكتفياً عن جامد العسجد والنُّضار بالذَّائب من رشحات الدُّوِيّ والأقلام.

وله أشعار نثر في أرض الذَّهب جُمانها، وأطلع من سِلك السُّطور ياقوتَها وبهرمانَها.

فمما ينسب من صِحاحِها للجوهري، ويروى من تهذيب مفرداتها عن الأزهري قوله:

باكِر رياضَ النَّيربين وماسِهاوانظُر إلى الأزهارِ في أجناسِها
ما بينَ زنْبقَها الأنيق ووردِهاوبديعِ نرجِسِها الغَضيضَ وآسِهَا
وترنُّمِ الأطيارِ فوقَ غُصونِهاتروِي لطيفَ اللَّحنِ عن عبَّاسِهَا
جمعتْ كعانِي اللُّطفِ في ألحانِهاوبيانِ منطِقها وحُسنِ جِناسِهَا
تُغنيكَ عن صوتِ المثَانِي عنْدمَاتشدو بِرَوْنقِها على جلاَّسِهَا
فترَى الغُصونَ لِما بِها من نشوةٍتهوِي إليكَ من السُّرورِ براسِهَا
طافَ الغديرُ بِها فأثمَرَ فرْعُهاوغدا يُخَبِّرُنا بأصلِ غِراسِهَا
وسرَتْ بها ريحُ الصَّبَا فتأرَّجَتْجُلَساؤها بالطِّيبِ من أنفاسِهَا
فانهضْ نَدِيمي نصطَبِحُ في ظِلِّهاودَعِ المناصِبَ في الزَّمانِ لِناسِهَا
وأجِلْ لِحاظَ العينِ في أرجائِهاواجْلِ القلوبَ الصُّدْيَ من وسواسِهَا
واسْتخلِ باللَّذاتِ بين رِياضِهاواسْتَجْلِ بِكراً أُفرِغَتْ في كاسِهَا
عذراءُ واقَعَها المِزاجُ فأنْتَجَتْأطفالَ دُرٍّ لم تُشَنْ بِنِفاسِهَا
شمسٌ تُريكَ سَناً إذا ما أُغرِبتْفي فيكَ أوْلتكَ القُوَى بِشماسِهَا
تَذَرُ الذَّليلَ عَزِيزَ قومٍ في الورَىبلطيفِ مَسْراها وشدَّةِ باسِهَا
من كفِّ مُعتدِلِ القوامِ إذا مشَىبينَ الغُصونِ قضَى على ميَّاسِهَا
أو ماسَ في أهلِ البَهَا ضُرِبَتْ لهأخماسُها بالقهرِ في أسداسِهَا
ما جيدُ غِزلانِ الصَّريمِ إذا انْثَنَىوإذا رَنَا ما لحظُ ريمِ كِناسِهَا
للعينِ فيه تَفَكُّهٌ لكنْ إذابصُرتْ بِه غابتْ جميعُ حواسِهَا
قمْ يا حبيبي لا برِحْتَ مُمَتَّعاًداوِ القلوبَ من السِّقامِ وآسِهَا
واسْمحْ وآنِسْ باللِّقا يا منْيَتِيما زالتِ الأيَّامُ في إينَاسِهَا

وقوله:

بالَّذي أودَعَ لحظيْكَ حبيبَ القلبِ حَتْفَا
وسقَانِي منْهُماكأساً سريعَ السُّكرِ صِرفَا
وحَبَا خَدَّكَ ورداًوحَبَا شكْلَك ظرْفَا
جُدْ على صَبٍّ كئِيبٍذِي أُوارٍ ليسَ يُطفَا

ولمحمد الحرفوشي من هذا الأسلوب:

بالَّذي أنشاكَ فردَاوكسَا خَدَّيكَ وردَا
والَّذي أعطاكَ حُسْناًفاتَ أهلَ الحُسنِ حَدَّا
والَّذي أوْلَى فُؤادِيمِنكَ إعراضاً وصَدَّا
صِلْ مُعَنًى فيكَ يقضِي اللِّيْلَ تسهيداً ووَجدَا

وهذا على أسلوب أبيات عبد المحسن الصُّوري المشهورة، وهي:

بالَّذي ألهَمَ تَعْذِيبِي ثناياكَ العِذابَا
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «بالذي ألهم تعذيبي»
والَّذي ألبَسَ خَدَّيْكَ مِن الوردِ نِقابَا
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «بالذي ألهم تعذيبي»
والَّذي صَيَّرَ حَظِّيمنكَ هجراً واجتِنابَا
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «بالذي ألهم تعذيبي»
يا غَزَالاً صادَ باللَّحْظِ فُؤادِي فأَصابَا
ما الَّذي قالَتْهُ عَيْنَاكَ لقلبي فأجابَا
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «بالذي ألهم تعذيبي»

محمد بن حسين، المعروف بابن عين الملك، بالقاق لعوبٌ بأطراف الكلام، مُفوِّقٌ لسهام الأقلام.

يستفيد من القطا فضل هداية، وهو في اللوم أضلُّ من ابن داية.

زيُّه غريب، وكلُّه أسود غربيب.

أوحش حالاً من الليل، وأكثر انفراداً من سهيل.

طالما جاب السَّباسب أردية، وخاض النَّوائب أودية.

متنقِّلاً من بقعة إلى بقعة، وطائراً من رقعة إلى رقعة.

حتى حصَّ جناحه الكبر، ووقف من سوء بخته على يقين الخبر.

هناك كرّ على وكر عشيرته وحاميته، ومعشَّش قاذفته بهُجرها وراميته.

وقد رأيته وشعره شاب، لكن شِعرَه ما شاب، وهو في الشِّعر نصيب الوقت، وحاله حاله في الإقصاء والمقت.

ومناظيمه لا تخلو من ألفاظٍ عذاب، إلا أهاجيه فإنها سوط عذاب.

وقد بلغني أشياء منها، عارضتْني لكثرة فحشها فأعرضت عنها.

وأما غيرها من لوامعه فما أوردته أوردته، وإذا استهجنتُ شيئاً إليه رددته.

فإني كفوَّارة الماء، لا أقبل إلا السَّيَّال الرقيق، وغيري كالمنخل، يمسك النُّخالة ويخرج الدقيق.

فمن شعره قوله في دولاب ماء:

ودولابِ روضٍ قد شجانا أنينُهوحرَّك منَّا لوعةً ضِمنَها حبُّ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «ودولابِ روضٍ قد شجانا أنينُه»
ولكنَّه في بحرِ عشقٍ جهالةٍيدورُ على قلبٍ وليس له قلبُ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «ودولابِ روضٍ قد شجانا أنينُه»

وقوله، من قصيدة مطلعها:

سقى الخُزامَى باللَّوى والأقاحْمن عارضٍ أبلجَ سجْلِ النَّواحْ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «سقى الخُزامَى باللَّوى والأقاحْ»
حتَّى تراها وهي مُخضلَّةٌتغصُّ ريَّا بالزُّلالِ القُراحْ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «سقى الخُزامَى باللَّوى والأقاحْ»
معاهدٌ للأنسِ كانت وهلْلي وقفةٌ بين جنوبِ البطاحْ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «سقى الخُزامَى باللَّوى والأقاحْ»
أيَّام في قوسِ الصِّبا مَنزعٌوللملاهي غدوة لا رواحْ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «سقى الخُزامَى باللَّوى والأقاحْ»
والظَّبيةُ الأدماءُ لي منيةٌوحبَّذا مرضى العيون الصحاحْ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «سقى الخُزامَى باللَّوى والأقاحْ»
لم أنس يومَ الطَّلحِ إذ ودَّعتْوأدمتِ القلبَ بغير الجراحْ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «سقى الخُزامَى باللَّوى والأقاحْ»
يا وقفةً لم يُبقِ فيها النَّوىإلا ظنوناً ليس فيها نجاحْ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «سقى الخُزامَى باللَّوى والأقاحْ»
يا قلبُ حدْ بي عن طريقِ الهوىففي مناجاةِ المعالي ارتياحْ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «سقى الخُزامَى باللَّوى والأقاحْ»
قالرَّاحُ والراحةُ ذلُّ الفتىوالعزُّ في شربِ ضريب اللِّقاحْ
للشاعر ابن عين الملك، من قصيدة «سقى الخُزامَى باللَّوى والأقاحْ»

القاضي إبراهيم الغزَّالي فتى مداعبةٍ ومجون، طبعه بالخلاعة معجون.

إذا تكلم ببنت شفة، تعدُّ من غيره سفه.

لا يستفزُّه قيلٌ ولا قال، وكل عثرةٍ منه تقال.

وله جامعيَّة بنانٍ وبيان، وهو فيها سفينة نوحٍ أو جامع سفيان.

إلا أنه كان في شعره متخلِّفاً، وعن أهل طبقته متخلفاً.

لأنه ينبو عن السهل القريب، ولا يستعمل إلا المتنافر الغريب.

وربما ندرت له أبياتٌ في مرام، فكانت كرميةٍ من غير رام.

أستغفر الله، نعم هو في هجائه، مجيدٌ ولو بازدراء حجائه، لعوبٌ حتى بيأسه ورجائه.

يطلع هزله جدًّا، ويرهف حديدته حدًّا.

فمما استخرجته من حلوه وحامضه، وصرَّحت فيه بأمر واضحه وغامضه. قوله:

يا من ملكوا جوانحي مع لبِّيما اعتدتُ شكايةً فحالي يُنبي
لا زلتُ مشاهداً بحالي تلفاًإن كان سواكمْ ثوى في قلبي

ومن أهاجيه، قوله في إسماعيل بن جمال الدين الجُرشي:

بالله قلْ لغليظِ الطَّبعِ عنِّيَ ماأنكرتَه من فلانٍ كي ترى عجبا
فلم تجد غير أنِّي لم أنِكهُ لماقد عفتهُ منه قدماً كان ذا سببا
ولو أجشِّمه أيْري وأمنحهُإياهُ ما عدَّ لي ذنباً وما رقبا
لكنَّني الآن أكوي قرحَ فقحتهِبنارِ أيري وأرقى عنده الرُّتبا
أكلِّفُ النَّفس تغييراً لمذهبهاقبلي كثيرٌ لهذا الأمرِ قد ذهبا
لا سامحَ الله مأبوناً يكلِّفنيلغيرِ طبعي ويبغي غاسقاً وقبا

وله في والد إسماعيل المذكور، وكان مؤذِّناً يؤذي الآذان:

إنَّ الجمالَ الجُرشيمثلُ المغنِّي القُرشي
يَودُّ من يسمعهُلو ابتلي بالطَّرشِ

المغني القُرشي معروف بقبح الصوت، وفيه يقول المُهلَّبي:

إذا غنَّانيَ القُرشيدعوتُ الله بالطَّرشِ
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
وإن أبصرتُ طلعتهُفوالَهفي على العمشِ
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

ولابن العميد فيه:

إذا غنَّانيَ القُرشي يوماًوعنَّاني برؤيتهِ وضربِهْ
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
وددتُ لو أنَّ أذني مثل عينيهناكَ وأنَّ عيني مثلُ قلبهْ
للشاعر أبو الفضل بن العميد، من قصيدة «إذا غناني القرشي يوما»

الشيء بالشيء يذكر، والمناسبة حقُّها لا ينكر.

ذكرت هنا فصلاً قلته في مغنٍّ بارد النغمة: جمعني وفلاناً المغني مجلسٌ فاستقريَّت مكرهاً، وسمعت ورأيت مكرها. فقلت: قبَّحه الله من مغنٍّ سماع صوته غمٌّ، كيف ولفظ غم في نغمه مدغم؟ فإذا أدَّى آذى، وإذا غنى عنَّى.

لا مرحباً بمغنٍّطوى المسرَّةَ عنَّا
قال النَّدامى جميعاًلما تغنَّى تعنَّى
يا ليته ما تغنَّىيا ليته مات عنَّا

فما أحقُّه بقول بعض الكبراء، وقد غنى مغنٍّ فقيل له: كيف ترى؟

ويحسبُ النُّدمانُ في حلقهِدجاجةً يخنقها ثعلبُ

وقيل لآخر ما قيل لهذا، فقال:

وكأنَّ جُرذانَ المحلَّةِ كلَّهافي حلقه يقرضنَ خبزاً يابسا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وكأن جرذان المحلة كلها»

غير أني اختبرته اختبار عارفٍ أريب، فرأيته في صنعة الضَّرب ماله ضريب.

فضربه أوقع من الضريب والضرب، وإن كان غناه كالضرب على الركب.

فبالجملة يستحقُّ على ضربه غناه، ويستوجب ضربه على غناه.

فمن ابتليَ به فلا يدعه يفتح فاه، إلا وهو نازلٌ بالصَّفع على قفاه.

وللغزَّالي، والبيت الأخير مضمَّن:

أضحى التصبُّرُ حبله مقطوعالمَّا رأيتُ معذِّبي ممنوعا
وحديث وجدي مُسنداً ومُعنعناًأمسى لديه معلَّلاً موضوعا
وفقدتُ قلبي عنده وأظنُّهلبليَّتي قد ساء فيه صنيعا
فغدوتُ أنشدُ واللَّهيبُ بمهجتيوالبينُ جرَّعني الأسى تجريعا
بالله يا أهلَ الهوى وبحقِّهلا زال قدرُكم به مرفوعا
قولوا لمن سلبَ الفؤادَ مصحَّحاًيمنُنْ عليَّ بردِّه مصدوعا

وله من الرباعيات:

القلبُ إلى سواكمُ ما مالاوالدَّمعُ لغيرِ بعدكمْ ما سالا
إن كان حسودنا أتاكمْ ووشىبالله بِلُطفكمْ دعوا ما قالا

القاضي عمر الدُّويكي هو في الفلك، منوِّر الحلك.

بمرأى يشفُّ أحسن الشُّفوف، حلية لحيته كالقطن المندوف.

وقد أُلبست المهابة إهابه، فلو رآه الأسد الوارد في غابه لهابه.

وقد كحلتني الأيام بطلعته، فوقفت على صبغته وصفته.

ورأيت شخصاً مروَّق الشِّيم، تنفح أخلاقه عن الزَّهر بعد الدِّيَم.

وله أشعار نظمها دراريَّ في أسلاك، وأطلع منها كواكب سابحةً في أفلاك.

فمنها قوله من قصيدةٍ، مطلعها:

جازتْ عليَّ تهزُّ في أردانِهيفاءَ رمحُ قوامها أرداني
تُركيَّة الألحاظِ لمَّا أن رنتْنحوي بصارمِ ناعسٍ أصماني
غرْثى الوشاحِ ترنَّحتْ أعطافُهامن ذا الذي عن حُبها ينهاني
في خدِّها الورديِّ نارٌ أضرمتْفعجبتُ للجنَّاتِ في النِّيرانِ
لما انثنتْ تختالُ في حللِ البَهاسجدتْ لقامتها غصونُ البانِ
جارتْ على ضَعفي بعادلِ قدِّهاعجباً فهل ضدَّانِ يجتمعانِ
لولا جعيدَ الشَّعرِ مع فرقٍ لهاما كان لي ليلٌ وصبحٌ ثانِي
قسماً بطلعتها ولفتةِ جِيدهاوبثغرها وبقدِّها الرَّيانِ
وبنونِ حاجبها وروضةِ خدِّهاوبلطفها وبحسنها الفتَّانِ
لم أنسَها لما أتتْ بملابسٍقد طرِّزتْ بمحاسنِ الإحسانِ
وافتْ وثوبُ اللَّيلِ أسبل سترهُحتى غدا كالثَّوبِ للعريانِ

هذا التشبيه عارٍ من لطف المعنى، وما أحقُّه أن يشبَّه بتشبيه الماء بالماء.

فضَممتُها ورشفتُ بردَ الثَّغرِ كيأُطفي بذلك حرقةَ الأشجانِ
باتتْ تعاطيني كؤوسَ حديثهاوتُشَنِّفُ الأسماعَ بالألحانِ
بتنا على رغمِ الحسودِ بغبطةٍوبفرحةٍ ومسرَّةٍ وأمانِ
حتَّى دنا الفجرُ المنيرُ فراعنيشيبٌ برأسِ اللَّيلِ نحوي دانِ

قلت: هذا شعر دعاني إلى إيراده صدق العهد، والعناية بالود الذي هو خلقي من حين لفظني المهد.

أبو بكر، المعروف بغصين البان ما لقِّب بالغصين إلا لنضرة نمائه، ورقَّة طبعه الذي يكاد يقطر من كثرة مائه.

وهو المعنيُّ بكثرة الموشَّحات، التي يتغنَّى بها في كل حضرة، والمطلع منها ما يستغني به مشاهدة الشكل الحسن عن الماء والخضرة.

وليس يحضرني من شعره إلا ما تراه، وتتمايل به طرباً كالغصن يتمايل للصَّبا عند مسراه.

فمن ذلك قوله، ويخرج منه اسم داود بطريق التعمية:

رنا فأثبتَ سهماً من لواحِظهِفي مُهجتي ذو قوامٍ يافعٍ نضرِ
وراحَ يسحبُ ذيلَ العجبِ مُلتفتاًفي تيههِ ومضى والقلبُ في خطرِ

وقوله في اسم رمضان:

وشادنٍ من بني الأتراكِ مُعتدلٍوافى وفِي وجههِ خالٌ لمن رَمقا
له عِذارٌ بنارِ الخدِّ مُمتزِجٌقد هِمتُ فيه ولا عارٌ لمن عشِقا

عمر بن محمد، المعروف بابن الصُّغَيِّر خليفة أبي بكر العمري وحليفه، وزميله في التَّعارض بالقريض وأليفه.

ومن اغترف من محلِّ غرفه، وهبّ عاطر الأنفاس بعرفه.

والنَّسيم يطيب إذا مرَّ بروضٍ أنضر، ومن صحب العطار لا يخلو من أن يتعطَّر.

وهو في الشعر مكثر مجيد، ومحلِّي نحرٍ للأدب وجيد.

إلا أنه أعربت محاسنه عن ناطقٍ مُعرِب، وطارت بأغلب أشعاره عنقاء مُغرب.

فمما بلغني من شعره. قوله معمِّياً باسم خالد:

مذْ رقَّ ماءٌ للجمالِ بوجنةٍكالوردِ في الأغصانِ كلَّلهُ النَّدى
وتمثَّلتْ أهدابنا فيه فظنُّوهُ والعذارَ ولا عذارَ به بدا

وهذا المعنى متداول من قول بعضهم:

أعِدْ نظراً فما في الخدِّ نبتٌحماهُ الله من ريبِ المنونِ
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أعد نظرا فما في الخد نبت»
ولكن رقَّ ماءُ الحسنِ حتَّىأراكَ خيالَ أهدابِ الجفونِ

وزاد الأمير المنجكي، وأحسن في قوله:

لمَّا صفتْ مرآةُ وجهكَ أيقنتْأهوايَ أنِّي عُدتُ فيه خَيالا
فحسبتُ أهدابي بخدِّكَ عارضاًوظننتُ إنساني بخدِّكَ خَالا

وللمترجم، ويخرج منه اسم علوان:

فديتُ حبيباً زارني بعد صدِّهومن ريقهَ واللَّحظِِ حيَّى بقرْقَفِ
سقاني ثلاثاً يا خليلي وإنَّهاشفاءٌ لذي سُقمٍ وراحةُ مُدنفِ

وله، ويخرج منه اسم سليمان:

رأى عاذلي مُنيتي ري فيإزارٍ فحيَّد عن نَهجها
وقد لام في مثلِ عشقي لهاوما شاهدَ الخالَ في وجهها

ومما نسبه البديعي إليه، وأظنُّه مغصوباً عليه، قوله:

أفدي الذي دخلَ الحمَّامَ مُتَّزراُبأسودٍ وبليلِ الشَّعرِ مُلتحفا
دقُّوا بطاساتهمْ لمَّا رأوهُ بداتوهُّماً أنَّ بدرَ التمِّ قد كُسفا

وهذا تخيل حسن، أجاد فيه وأحسن.

وأصله ما اشتهر في بلاد العجم أن القمر إذا خسف يضربون على النُّحاس، حتى يرتفع الصَّوت زاعمين بذلك أنه يكون سبباً لجلاء الخسوف، وظهور الضوء، هكذا قاله بعض الأدباء.

والذي ثبت في أصله ما نقله غير واحدٍ، أن هُلاكو ملك التتار، لما قبض على النصير الطوسي، وأمر بقتله لإخباره ببعض المغيَّبات.

فقال له النَّصير: في الليلة الفلانية في الوقت الفلاني يخسف القمر.

فقال هُلاكو: احبسوه، إن صدق أطلقناه وأحسنَّا إليه، وإن كذب قتلناه.

فحبس إلى الليلة المذكورة، فخسف القمر خسوفاً بالغاً.

واتفق أن هُلاكو غلب عليه السُّكر تلك الليلة، فنام، ولم يجسر أحد على إنباهه.

فقيل للنصير ذلك. فقال: إن لم ير القمر بعينيه، وإلا فأصبح مقتولاً لا محالة.

وفكر ساعةً، ثم قال للمغل: دقُّوا على الطاسات، وإلا يذهب قمركم إلى يوم القيامة.

فشرع كلُّ واحدٍ يدقُّ على طاسته، فعظمت الغوغاء، فانتبه هُلاكو بهذه الحيلة، ورأى القمر قد خسف، فصدقه، وبقي ذلك إلى يومنا.

ومن اللطائف أن أديباً من العجم، وقد خفي عني اسمه واستعجم.

كان صحبته أميرٌ كبير، في روضٍ يتفتَّق عن عبير.

وبه بركة ما، أصفى من ريقة ألمى.

يحفُّها طائفةٌ من الغلمان، هذبت باللطف طباعها، وتركت بحكم صورها الجميلة في الأجسام الصقيلة انطباعها.

وفيهم فتًى زائد الاشتهار، كالبدر إلا أنه يبقى على ضوء النهار.

فحيَّاهما بجامه، ووقف يثير شَجوَها برقَّته وانسجامه.

والبركة قد انعكست فيها تلك الصور الظَّواهر، فتخالها نجوماً وهو بينها القمر الزاهر.

فخامرت الأديب من خياله سورة، وتخيل أن البدر يهديه نوره.

ففطن الأمير للأمر الذي وضح، وحرك الماء بقضيبٍ فانمحى الخيال الذي فضح.

فدقَّ ذلك الأديب على طاسٍ حتى روى غلَّة الصدر، فسأله الأمير عن سرِّ ذلك، فقال: هذه عادتنا إذا خسف البدر.

وأبدع من ذلك وأطرب، ما حكاه العمري شيخ الأدب.

أنه كان بدمشق في بيت قهوة، مُقيماً لرسم حظٍّ ونشوة.

وإلى جانبه أديبٌ يأنس الفكر بآدابه، ويتعلق الظَّرف بأهدابه.

وبينهما حديثٌ يفاوح زهر الربى، ويطارح نغم حمام الأيك مطرباً.

إذا ببدرٍ حسن فارق فلكه، وسقط لا يدري أيَّ مسلكٍ سلكه.

حتى إذا دنا منهما وقف واستوقف، واختلس الألباب جذباً إليه وما توقف.

فطفقا يسرحان في محاسنه المعابي ويجيلان الألفاظ، وبحكم الهوى يمدان الأيدي ويشيران بالألحاظ.

فما رددا وجهاً ولا عطفا، ولا جنيا ورداً بالَّلحظ ولا قطفا.

حتى غشيهما شخصٌ مهول المنظر في ذاته، إذا رأى الطَّرف شخصه، أحال الله بينه وبين لذَّاته.

فحال بينهما وبين ذلك البدر التمام، وحجبه عنهما كما يحجب البدر الغمام.

فقال ذلك النديم: هذا خسوف عسى الله يُؤذن بزواله، ونسأله أن يدفع عنا عقبى مصائبه وأهواله.

ثم نظر إلى ذلك الشخص وقد كشف رأسه، فإذا هو أقرع كأنما رأسه طاسه.

فقال العمري: الآن تم التخيُّل من كل جهة.

ثم أخذ القلم، وكتب على البديهة.

حبس البدرُ أقرعٌ عن عيونيفغدا الطَّرفُ خاسئاً مطروفا
فتناولتُ رأسهُ لِصفاعٍبنعالي، وصنتُ عنه الكُفوفا
قال لي اللاَّئمونَ كُفَّ فناديتُ دعوني وأقصروا التعنيفا
عادةُ البدرِ ينجلي ليلةَ الخسفِ بدقِّ النُّحاس دقاًّ عنيفا
وتراءيتْ طاسةٌ فجعلتُ الصَّفعَ دقاًّ فكان عذراً لطيفا

أحمد بن محمد الصفدي، إمام الدَّرويشيَّة صفد، وإن كانت صدف هذه الدُّرة، فقد طلعت في جهة دمشق منها غرة، وأحسن بها من غرة.

وبالتنقل ترتقي ذوات الأصداف إلى الأعناق، ويعلو تراب الأحجار إلى نور الأحداق.

وهذا الأديب ممن صحبته دهراً، واختبرت خلائقه سرأ وجهراً.

فلم أر مثله رجلاً مأمون الصحبة، ميمون النفس والمحبة.

حلمه هضبةٌ لا تستخفُّها الخدع، وعلمه علامةٌ لا تستفزُّها البدع.

إن هززته لمكرمة ارجحنَّ، أو ذكَّرته بحسن عهدٍ حنّ.

فكنت أتوارد معه على مفاكهة إذا جليت فما الرَّاح والتُّفاح، وإذا ذكرت فما ريحان الأصداغ إذا فاح.

وهو من مكثري شعراء العصر ومجيديهم، وإن لم يكن من مكثريهم بالعوائد ومجتديهم.

ليس لأحدٍ منهم عشر شعره، إلا أنه منفقٌ منه على قدر سعره.

وقد أطلعني على ديوانه المنتخب، الذي ضمنه نخب النخب.

فجردت منه ما يعبق عبقة المسك الفتيت، ويفوه عن ثغرٍ ألمى معسول الرُّضاب شتيب.

فمنه قوله، في الغزل:

راح يثني عِطفه مرحاأيُّ صبٍّ من هواه صحا
مفردٌ في الحسنِ ليس لهمن شبيهٍ فاق شمسَ ضُحى
ينجلي في ليلِ طُرَّتهمنه مسكُ الخال قد نفحا
خدَّه وردٌ ومقلتُهنرجسٌ يسقي النُّهى قدحَا
مهجتي في حبِّه تَلِفتْواصطباري في الهوى نزحا
ما رأينا مثله قمراًبالبَها يختال متَّشِحا
قام يسقي الراح من يدهضاحكاً مستبشراً فرِحا
لو له بدرُ السما لمَحافي ليالي تِمِّه لمحا
كلما أشكو له ترحاًفي هواه زادني ترحا
هذه روحي به ذهبتْصَبوةً والدمعُ قد سفَحَا
وعيونِي النومُ حارَبَهَابعد هِجرانٍ وما اصْطلحَا

واتَّفق له بعد ما أسنّ، أنه خلع الرَّسن، وأزاح عن جفنه الوسن.

فعشق غلاماً يدعى بربَاح هام به هيمان الوليد، وثبت ثبات الحجر الصَّليد.

فشاع فيه تولُّهُه، وما أقْصر حبُّه عن تنزُّهُه.

وقد علم أن الإذاعة، أول طبقات الإضاعة.

ولما ثار عدوه، ولم يصف رواحه وغدوُّه.

أقلع عن صبوته، واحتبى من التخلٍّي بحبوته.

واتَّخذ الفراغ سميرا، ولم يشف للسَّلوة ضميرا.

فما قاله في أيام لهوه، يتشاغل به عن فراغه وسهوه:

راق وقتُ نعِمْتَ صباحَافأدِر لي من خمرِ عينيك راحَا
عاطِنيها سُلافةً من حديثٍتُطرِب السمعَ في الرِّياض انْشِراحَا
وأعِد لي حديثَ كلِّ حديثٍذاك لا شكَّ يُنعش الأرواحَا
صاحِ طابَ الزَّمانُ فاجْنِ جنَى الْوردِ من الشَّادِن الأغنٍّ مِزاحَا
واترُكِ الشغلَ واشتغلْ بحبيبٍعلَّ تلقى من الزَّمان رَباحَا

وكتبت إليه أيام ارتباطه، ونشاطه بالصَّبوة واغتباطه.

وقد شلني ما شغله، ورأيت الرَّأي في أن أنصاع له: مولاي الأعلى، وسندِي الأغلى.

قد رُميت بسهمٍ أنت به مُصاب، وشربتُ بكأسٍ أنت بها متجرِّع صاب.

ولم أدرِ كيف فرَّطت، ولا في أي حتفٍ تورَّطت.

غير أن المقدور كائن، والحين لا شكَّ حائن.

وسبب ذلك لمحة، أعقبت محنةً في محنة.

من قمرٍ بزغ من فلك المربَّع، لم يزد على العشر غير أربع.

لو نظرَ الوجهَ منه منهزِمٌيتبعُه ألفُ فارسٍ وقفَا

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول في ذكر محاسن شعراء دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.