من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
نجم الدين بن خير الدين
هو من حين نجم، تهلَّل عارضة وانسجم ولم يرض بالأرض دارا، فاتَّخذ ما فوق فلك الأفلاك مدارا.
حتى النجومُ عدَت تقول تعجُّباًجاوزْتنا شرفاً فأين تُريدُ
فأجابهنَّ أُمِرتُ أن أرْقى العُلىما دام لي في الارتقاء مَزِيدُ
حتى تَرَينْي والسماءُ قواعدِيوالشمسُ أرضٌ لي وأنتِ صَعِيدُ
أطلعه الله الطلوع المطهر، وألبسه أثواب النباهة العلم المشهر.
فقام على ميعة شبابه مقام أبيه في حوزته، وراز الأمر بتوفيق الله مثل روزته.
وبنى مثل ما بنى، ومالوى يداً عن مكرمةٍ ولا ثنى.
تلافى أبوه العُلَى بالعُلىفبثَّ نَداه ووالَى جَداهْ
فلمَّا مضى وقضى نَحْبَهتلافى تَلافِى المَعالي أبَاهْ
وكان بيني وبينه مودة على الغيب، مأمونة بعون الله من الشائبة والريب.
وكنت لا أفكر في مستحسن سواه إلا أعرضت دونه، ولا أرجو لقاء غائبٍ إلا رجوت أن يكونه.
فلما مررت على الرملة عند رحلتي إلى القاهرة، كان أول طالعٍ علىّ من آفاقها الزاهرة.
ففاتحته بهذين البيتين:
لقد كنتَ في قلبي ولم يحصلِ الِّلقاوأنت به أحْلَى من المَبْسمِ العَذْبِ
فقرَّتْ بحمدِ الله عيني بنظْرةٍفلم أرَ أحْلَى منك في العينِ والقلبِ
وكان في صحبته أمين الدين القدسي وأبو الهدى الرملي، وهما ماهما، جاد صوب فضلهما وهمى.
وبينه وبينهما مصافاة تقتضي حقا يوفى، وفرضاً يؤدى، ووصفاً يصفى.
فقلت أخاطب أمين الدين:
يا أميناً ذاتُه دُرٌّ ثمينُأنت للعلْياء عينٌ ويمينُ
إن وُدّاً صادثاً أوْدَعْتنِيأنا عنه عُمْرَ دهري لا أَمِينُ
حاضراً أحْبُوك أصْناف الثَّناوعلى غَيْبك أني لا أمِين
وقلت في أبي الهدى:
هَداني النجمُ إلى مِدْحَةِ مَنتلفَّع المجدَ وبالفضلِ ارْتدَى
وكيف لا يُهْدَى إلى الرشادِ مَندليلُه النجمُ إلى أبي الهُدَى
وهو الآن في تلك الخطة رئيس الحقل، وإمام الفرض فيها والنفل.
زند مجده قادح، وما فيه طاعنٍ ولا قادح.
فالله يجعل نتائج حياته، تابعةً لأحسن مقدماته.
وكان صدر بيني وبينه محاورات، بأرق معان وألطف عبارات.
تلاحظ بها أقمارُ المنى فتشرق، وتنظر إلى أكناف الحمى فتراها بصيبها تورق.
فمما كتبته إليه هذه النونية:
رُدُّوا المسرَّة والكرى لجُفونيوهو القرارُ لقلبيَ المحزونِ
لم أدْرِ قبل هواكمُ أن النوَىيُبْدِي من الأشْجان كلَّ دَفِينِ
أو أن سلطانَ المحبِة يقتضِيأن الأسودَ تبيتُ أسْرَى العينِ
أما النفوسُ فلم يدَعْ منها الجوَىإلَّا بَقايا زَفْرةٍ وأنينِ
لما رآني الطيْفُ رَقَّ ترحُّماوبكى على بلُؤلُؤٍ مَكْنوِنِ
وسرى وأيْقَن أنه لو زارنيأُخرى لأخطأني فلا يعْدُونِي
آهٍ وهل يشْفِى العليل تأوُّهٌشوقاً لعهدٍ بالوفاء قَمِينِ
أيَّامَ يحْدُني الصِّبا ويسُوقنيقسراً إلى الَّلذاتِ غير غَبِينِ
لا أخْتشِى مَسَّ الحوادث آمِناوأخو النُّهى مَن بات غيرَ أمينِ
والآن أبْكي إن أُصِبتُ بنعمةٍقبل الزَّوالِ لفطْنتي ويقينِي
ولقد سبَرْتُ بني الزمان فلم أجدْخِلّاً إذا أرْضيْتُه يُرضيني
فتركْت مَن كنت الضَّنينَ عليه مِنفَرْط الهوى وأراه غيرَ ضَنِينِ
وغدَوْتُ فيهم كالحُسام مُجرَّداًمن غِمْدِه فرداً بغَيْر مُعِينِ
نَاءٍ عن اللذاتِ إن بَخِل الحَيَاأغنيتها عنه بغيْثِ جُفونِي
لا أرْتضي شمس النهارِ قرينةًوأعاف ظِّلى أن يكون قَرينِي
أسْتصغرُ العظماءَ حيث وجدتُهمْوأرى مقاتل والثُّريَّا دُونِي
ليس احْتقاري للأنام تهاوُنابهمُ ولا خطر الورى بظنُونِي
لكن أعُدُّ من البهائِم مَن خَلَاعن فضلِ فردِ العصر نجمِ الدِّينِ
مَولى سواه هلالُ شَكٍّ في العلىوجَنابُه المحروس شمسُ يقينِ
قد كوَّن الرحمنُ جوهرَ ذاتِهلُيرِى العبادَ عجائب التَّكْوينِ
وأظنُّه من فَرْط طاعتِه أتىللكونِ بعد الكاف قبل النونِ
بحرٌ بِحارُ الأرض تغرَق في نَدَىكَفَّيْه لستَ تُحيطُه بسَفِينِ
لا يبلُغ المِكْثارُ عُشْرَ صِفاتِهلو حُفَّ بالتأييد من جِبْرِينِ
هو نجْل خير الدين شيخ العصر منغنِيتْ مآثرُه عن التَّدْوينِ
فسقَى ضريحاً ضَمَّه صَوبُ الحيَايهْمِى عليه من الرِّضا بهَتُونِ
أمعلِّمَ الشعراءِ وصفَ ذوى العُلىفتراه يهْدِيهم إلى المَضْمونِ
أنا مَن عرفتَ وِدادَه وجهلْتَهولوسف تغنَم منه خيرَ خَدِينِ
فبقيتَ في حفظِ الإله ممتَّعابالعِزِّ والإسْعاف والتَّمكِينِ
فُعلاكَ فخرٌ للزمان وأهلِهوبَقاك أكبرُ نعمةٍ للدِّينِ
ولذاك لم أنْطِق بمدْحِك داعياًإلا أجاب الناسُ بالتَّأْمينِ
فكتب إلىّ جوابها رسالةً، وشحها من نفائس أنفاسه نثراً وشعراً، ولم يهد النجم في مطالع البدائع إلا النثرة والشعرى:
أهلاً بطيْفٍ من حبيبٍ زارَاأهدى حياةً شافهتْ أوْطارَا
أفدِيه من طيفٍ ألَمَّ بمضجِعيفأثار في أحشاءِ قلبيَ نارَا
شوقا إلى خِلٍّ تذكُّرُ عهدِهلم يُبْقِ في قلبي الخَفُوقِ قَرارَا
أصْبُوا إليه إذا تألَّق بارِقٌوأحِنُّ إن رَكْبٌ إليه سارَا
وإذا ترنَّم صادحٌ في أيْكِةًمن نحْوِه اختطف الفؤادَ وطارَا
إن أبهى ما أفصح به اليراع بيد أنه رضيع ثدي المحابر، وأسمى ما خطب به القلم وهو على منابر الدفاتر.
سلامٌ أحلى من رحيق الأفواه لدي الصباح، وهيامٌ أجلى عن عقيق الشفاه من الصباح، وأعبق من عبير ورد الخدود والتفاح، وأنشق من عبير شقيقها وقد فاح، وأنسق من المزن في فم الأقاح.
وبث أشواق يقف لسان القلم عن إحصائها، وتجف أفواه المحابر عن إرادة استقصائها.
إلى من أجمع أهل الفضل على توحده في الدهر، واتفق أهل الحل والعقد على تفرده بالفخر.
وظهرت معاليه ظهور الشمس في الإشراق، وعمت أضواء إفادته عموم ضياء البدر في الآفاق.
وهيهات تخفى في الظلام مشاعل، أو تستر على الأيام هذه الفضائل.
وقد هَّبت الشَّمال بنشرها، وسارت الركبان بذكرها.
لا برحت أنوارها مشرقةً على الأنام، وآثارها جلاءً لقلوب الإخوان من غصص الأيام.
وقد وردت القصيدة التي هي شرف الزمان، وفخر البراعة والبيان.
فلا زالت أيادي مولانا مشكورةً مقبولة، ومَبرَّاته وصلاته واصلةً موصولة.
ولا برحت الأسماع تتحلَّى بدره الثمين، آمين آمين، وبالنبيَّ الأمين.
فكتب إليه بهذه القصيدة، وهي:
أما المَشُوق فلا يُطيق قَرارَاوأراه يْقضِى عمرَه تَذْكارَا
يُصْيِبِه مُعترِض البُروقِ إذا هفَافيُحِسُّ منها في الحُشاشةِ نارَا
وَجْدٌ لقد قصُرتْ مُناه على الظِّبَاأتَرُوم منه على الهوى إقْصارَا
وأبِيك ما اخْترتُ السُّلُوَّ ولو جَفَامَن كنت أهواه وشَطَّ مَزارَا
بأبِي من النَّفَر القواتَلِ جُؤْذُرٌتركَ الأسودَ بناظريْه أَسارَى
رَقَم الجمالُ على صحيفِة خدِّهسطراً فظنَّتْه الوُشاة عِذارَا
يرْنُو بأكحلَ مُرْسِل من لَحْظِهلِمَنَّية المُضنَى شَباً بَتَّارَا
يا مُهلِك العشاقِ مهلاً في شَجٍتَخِذَ التَّهتُّك في هواك شِعارَا
لولاك لم يَهْوَ الحسانَ ولم يكنْممَّن يَذلُّ لغيرِك اسْتكبارَا
لم أنْسَ عهدك والزمانُ بحالِهوالعيشُ يمنْحُه المُنَى ما اخْتارَا
أيامَ نأخذُها كُمَيْتاً سَلْسَلاًلا مُرَّةً كلاّ ولا مُصْطارَا
في روضةٍ فُرِشتُ بِساطاً أطْلَعتْنُوَّاره عَوْضَ النِّثارِ نِثارَا
غَنَّاء نَمْنَمَها الربيعُ فأظهرتْحِكَماً لنا قد أبدعتْ أسرارَا
طابتْ فكادتْ أن تُشابِه خُلْق مَنساد الأنام فضائلاً وفَخارَا
مولايَ نجمُ الدين أفضلُ ماجدٍقد طاب فَرْعاً حيث طاب نِجارَا
شَهْمٌ إذا بَخِل الغمامُ أفاض مِنكفَّيْه بحرا بالعَطا زَخَّارَا
لو صادفتْ صُمَّ الصخورِ رَذاذةٌمنه لأنْبَتها الربيع بَهارَا
طَلْقُ المُحيَّا لو يلُوح شُعاعُهفي وَجْه حظِّي لحظةً لأنارَا
أهْدَى إلىَّ رسالةً في ضِمْنهاأهْدَى إلىَّ العمرَ والأوَطارَا
من كلِّ لفظٍ شائقٍ يبدو بهمعنًى يُدير على العقول عُقارَا
لا زلتَ تُوليني وِدادَك مُنْعِماوبقيتَ تعلُو في الورى مقدارَا
وإليك روض قد تفتَّح زهرُهفصدحتُ في عالي ذُراه هَزارَا
من كل قافيةٍ غدَتْ من حسنِهانَجْما كذاتِك في العلى سَيَّارَا
كالرَّاح تلعب بالعقول وإن تَشاكالسحرِ في حَدَقِ الحسان تَوَارَى
واُعْذُر إذا أخَّرتُ فيك مدائحيفلأنتَ ممَّن يقْبل الأعذارَا
لولاك ما نَظَّمتُ عِقداً دُرُّهينْحلُّ فيه عَسْجَداً ونُضارَا
فالسُّقمُ قد أفْنى رُواءَ قريحتيبَغْياً كأن له عليها ثَارَا
أنا مَن عرفتَ مَحَلَّه من وُدِّهوسيْغتدى لثَرَى نِعالِك جاَرَا
واسلمْ لنا ولسُؤْدَدٍ أصبحتَ فيسامِي حِماه تُزيِّن الأقْطارَا
وكتب إلى من تواليد طبعه المطبوع، قوله:
أحِبَّايَ إن شَطَّ الحبيبُ عن الحِبِّوفارقَه يحْتاج طِبّاً على طِبِّ
فإن غابَ عن عيْني خيالُ أحبَّتِيفحبُّهمُ اسْتولَى على حَبَّةِ القلبِ
وما عندكم من شِدَّة الشوقِ فهْو فيفؤاديَ فاسألْ إن شككْتَ عن الركبِ
أتاح إلهي قُربَكم ولِقاكمُليْلتئِمَ الشَّمْلُ المشتَّت بالقُرْبِ
فذاك اخْتياري ثم قصْدي وبُغْيتيألا إنَّما الدنيا اجتماعُك بالحِبِّ
فلا خيرَ في عيشٍ بغير أفاضلٍولا خيرَ فيمن مالَه صاحبٌ يُنْبِى
فعنديَ طِيبُ العيش صُحبةُ عالِمٍبصحْبتِه يَنْزاح عن خاطري كربِى
فيا أخلصَ الإخوانِ قد جاء منكمُرشاقةُ قولٍ رائقٍ رَيِّقٍ يَسْبِى
لقد كنتُ في ضِيقٍ وهمٍّ وكرْبةٍفلما أتى المكتوبُ طار به لُبِّى
ففَاح لنا من نَشْرِه طِيبُ عَنْبَرٍبه انْتعشتْ رُوحي وجسمِي مع القلبِ
أدباء صفد وصيدا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع