تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

خير الدين بن أحمد الحنفي

بقية السلف، وخير الخلف.

ذاته كاسمه، والفضل كله برسمه.

وعلمه كلمة إجماع، ومدحه عطر أفواه وحلى أسماع.

فهو في الفقه عالم الشرع، ومحرر الأصل والفرع.

وعلم الشهرة المنشور، إلى يوم البعث والنشور.

وأما في الفرائض فله السهم والنصيب، وإذا اقتسمت فريضة الشكر فله الحظ والتعصيب.

إلى علوم غيرها أخذ جلَّ خيرها، وسار فيها سيرةً اقتدى الجهابذة بسيرها فهو من منذ حلَّ في الكون، مدده التوفيق والعون.

رمقته عين العناية، فدلت عليه كلمة الفضل بالصريح والكناية.

فسمت هممه، وكرمت ذممه، وانتعشت به من الفضل رممه.

وشغله علمٌ يفيده، وفخرٌ يشيده.

ورياسةٌ يتفيَّأ وارفها، وطهارةٌ يلتحف مطارفها.

إلى وقار ترزن به الأرض، ومقدارٍ له النافلة من الحظوة والفرض.

فطار صيته في الأقطار، وتغنَّى به راكب الفلك وحادي القطار.

وصرفت الأعنَّة إلى التماس خيره، وطارت القلوب بجناح العزيمة تيمُّناً بطيره.

وكلن على اعتنائه بعلوم الشريعة، واختصاصه منها بالمرتبة الرفيعة.

يعني بالآداب فيصيرها رونقا متسقا، وينظم لآلى نكاتها في أسلاك الإجادة نسقا ويقول الشعر في المرتبة العالية، ولا يختار من الثناء إلا القيم الغالية.

وقد أوقفني صاحبنا إبراهيم بن عبد العزيز الجينيني على ديوان نظمه، فجردت منه أشياء حظها الإصابة ونصيبها، وسهم الانتقاد لا يصيبها.

فمن مطوَّلاتها قوله في الغزل:

أمِن ذِكْر جارٍ بذات السَّلَمْأرقت دموعا جرَت كالعَنَمْ
وأم هاجتِ الرِّيحُ من جانبٍبه شادنٌ أهْيَفٌ قد ألَمّ
أتحسَب أن الهوى مُخْتفٍودمُعك منه جرى وانْسَجَمْ
عجبتُ لخَصْرٍ له ناحِلٍعلى حَمْل رِدْفَيْه أنَّى الْتأمْ
إذا ما رَنا باهْتزازٍ فقدربَا عنده هَيَجانُ الألمْ
فلا عجبٌ إن نأَى مُعرِضالأن الظّبا لم تزلْ فيه لمْ
وأُدْعَى فصيحاً لدَى عتْرتيوأُدْعَى لديْه بِداءِ البَكَمْ
ترفَّق بقلبٍ غدا في يديْكَرقيقاً وفَوِّق بتلك الشِّيَمْ
وضاهيْتُ خَصْرا له ناحلاًولازَمَني في هواه السَّقَمْ
فذُبْ يا فؤادي بنارِ الجوَىفكم ذا نهيْتُك عن ذا فلَمْ
أما آن أن يْنقضي ذا القِلَىوما آن منك أوَانُ الكرَمْ

وكتب إليه بشير الخليلي، يسأله عن بيتين للمتنبي، بقوله:

أيا مَن غدا في البَرايا فريداوفي العلم رُكْنا مَنِيعاً مَشِيدا
ومَن صار قُسُّ الذَّكا باقِلاًلديْه وأضْحى لَبيدٌ بَليِدَا
يقول أبو الطيِّب المُجتَبىوأعنى الإمامَ المجيدَ المُجِيدَا
طلبْنا رِضاه بتَرْك الذيرَضِينا له فتركْنا السجودَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»
ومنها له آخر بعدهوجدْناه صعبا لدينا عَنِيدَا
كأن نَوالَك بعضُ القضاءِفما نُعْطَ منه نَجِدْه جُدودَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»
فأوضِح لنا وجه معناهمابقيتَ على الدهر صَدْرا مُفيدَا
ولا زلتَ تُوضِح للمشكلاتِ ما نظَم الناظمون القَصِيدَا

فأجابه بقوله:

رِضاهُ السجودَ لممدوحِهوممدوحُه ليس يرضى السجودَا
ومعنى السجودِ الخضوعُ كماأتى لغةً مستفيضا وُرودَا
فمن حُسْن أخلاق ممدوحِهخضوعَ الأنام له لن يُريدَا
وعِزُّ مَقام له مقتضٍيكون الخضوعُ وجوبا أكيدَا
ولكن أرى تركَه للرِّضابه لابذاك صوابا سديدَا
وبيتُ النوالِ جديرٌ بأنتميل إليه فؤادا وفودَا
فمعْنى الجُدود الحُظوظ التيتسيءُ بُخوتا ويَعني السُّعودَا
فما يُعْطَ ليس بحقٍّ لهولكن يراه اعتقاداً جُدودَا
وإن القضاءَ لكل الورىعلى مقتَضى تلك فضلاً وجُودَا
وقبل العطاءِ بلا مُوجبٍهو الفضلُ إن تَبْغِ منه الورُودَا
فشابَهَ نفسَ القضا فعلُهوهذا بليغٌ فخُذْه مُفِيدَا

وله من قصيدة مدح بها مفتى الروم يحيى بن زكريا:

أقَرِيحتي لَمن الخطابُ تنهبَّنِيوتثبَّتي في القول لا تتبلَّهِي
هو للذي الأكابدُ تُضرَب نحوهمن كل فَجٍّ تْنتهي إذ تْنتِهي
وبه استوى صُلْبُ الشريعة قائمافي كلِّ إقْليم وصُقْع فْهىَ هِي
مهلاً رُويداً رائدَ الروم اتَّئِدْوبِه بِه لك إذْ تراهُ بِه بِه
واحملْ ثَنائي إنَّ وَهْني عاقنِيعن أن أكون أبا المَضا بتوجُّهِي
مع أنني مع ذاك لا أدعُ الذييُرْضِى الإلهَ وفيه عينُ تفكُّهِي
فحديثُه المَرْوِىُّ فيه وإن نأَىما أكْتفِي ما أشْتفِي ما أشتهِي

قوله: فهي هي، أي عين الشريعة.

وهذا الأسلوب، إما يختلف فيه الضمير فيرجع الثاني إلى المذكور سابقا كما هنا، وإما أن يعاد بعينه.

قال الشريشي: الأسباط إخوة يوسف ﵇، وهم وهم.

أي، وهم أنبياء لم يتغيروا عن مراتبهم.

ويقال: هو هو أي كما عهدته لم يتغير، انتهى.

وقوله: فحديثه إلخ، في هذا البيت أسلوب لطيف، وهو أن تذكر لفظاً بعده ألفاظ يتعلق كل منها به، مع اختلاف المعنى، فالتقدير فيه: ما أكتفى فيه، ما أشتفى فيه، ما أشتهى فيه، وهو من البدائع.

والأصل فيه قول الصاحب ابن مطروح:

لا أرْعَوِى لا أنْثني لا أنتهِيعن حبِّه فْليَهْذِ فيه من هَذَى

ومن مقتطعاته قوله في تشبيه الزنبق الذي يوجد في ساحل البحر الشامي، ونواره أبيض، قطعة واحدة ليس متفرقا:

وزَنْبَقةٍ قد أشبهتْ كأسَ فضةٍبرأسِ قضِيب من زُمُرُّدةٍ عَجَبْ
سُداسِيُّ شكلٍ كلُّ زاويةٍ بهعلى رأسِها الأعلى هلالٌ من الذهبْ

وقوله متغزلاً في الخال:

بالخدِّ منه شَقِيقٌ جلَّ واضِعُهُأعْيَى الورى فيه شاماتٌ بحُمْرتِهِ
أقولُ هذا ولا عِيٌّ ولا عجَبٌقلبُ الشَّقِيق الذي في وسْط وَجْنِتِه

هذا معنى استعمله الشعراء كثيرا، ومن أجوده قول الحاجري:

لا تُنكروا الخالَ الذي في خدِّهكلُّ الشَّقِيق بُنقطةٍ سوداءِ

وقوله في العذار:

عندما جَدَّ بالحبيبِ عِذارٌأظهرتْ لَاُمه لفَتْكِ البَرِيَّهْ
قالتِ الناسُ عند ذلك فيهقمرٌ تلك لاَمُه القمَريَّهْ

وله:

مُهَفْهفُ القَدِّ مذ كَوانِيبحُمْرةِ الخدِّ منه في الحَيّ
فقلتُ بي أنت دَاوِنِي قال آخرُ الطبِّ عندنا الْكَىّ

وقوله:

مَن شارَك الإنسانَ في اْسِمهِفحقُّه قطعاً عليه وَجَبْ
لذاك مَن سُمِّىَ مِن خلقِهمحمداً فاز بهذا السَّبَبْ

ولقد أجاد الأبوصيرىّ، حيث قال:

فإنَّ لي ذمَّةً منه بتسْميتيمحمَّداً وهْو أوْفَى الخلقِ بالذِّمَةِ
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «مالي أراك أخا الإيناس والسلم»

وسمع قول القائل:

مُحِبُّك يرعَى هواك فهلْتعود لَيالٍ بضدِّ الأمَلْ
فمنْقُوطها قد بدا نَحْسُهومُهمَلُها فهو سعدٌ حصَلْ

فقال منشئاً:

من الشهرِ حاذِرْ ثالثا ثم خامساًوثالثَ عَشْرٍ ثم سادسَ عَشْرِهِ
كذا واحدٌ من بعد عشرين رابعٌيليها وتالِيه تنَلْ مَحْضَ يُسْرِهِ

وكتب إلى آل العماد بدمشق، في صدر رسالة:

أيا مَن عَجَّ من لَغَبٍفلم تظهرْ له نِيَّهْ
نصَحْتُك فاعتمِدْ أبداًمُراجعةَ العِماديَّهْ

فراجعوه بقولهم:

أمولايَ خيرَ الدين يا شيخَ عصرِناومَن فيه لا زلتَ الزمانَ اعتمادُنَا
فأنت عمادُ الدين بالحقِّ قائماًفشَاد إلهي مِن دُعاكَ عِمادَنَا

فكتب إليهم:

يا ربّ خيرُ الدين يدعو ضارعَامُتذلَّلاً لك خاضعاً مُتواضعَا
بِصفَا فؤادٍ للعِمادِ وآلِهفهمُ الكرام سوابقاً وتوابِعاَ

فكتبوا إليه:

سألت إلهي خاضعاً متواضعَاولا شكَّ مَن يجدعوه يلْقاه سامعَا
بقاءَك خيرَ الدين للناسِ عُمدةًومكثَك يا مولايَ في الأرض نافعاً

وفيهم يقول أيضاً:

يا مَنْ هُم أعمِدةٌكلُّ عمادٍ وحدَهُ
إن نزلتْ نائبةٌبنا قصَدْنا قَصْدَهُ

والجينينىّ المذكور، هو ببركاته اعتد، وبأسباب فوائده اشتد.

فتقلَّد به من الأدب ما تقلد، وبقي له ما دام ذكره وتخلد.

وهو الآن غرة الزمن البهيم، تكلف الألباب بخصاله الحميدة وتهيم.

كما قلت فيه:

لابن عبد العزيز إبراهيمَاخُصَلٌ كم بهِنَّ أبْرَاهِيمَا
أدبٌ يُخجِل الرياضَ ولفظٌهِمْتُ فيه وحُقَّ لي أن أهِيمَا
وكمالٌ يهْفو له كل فهمٍطبْع منه يطلب التَّفهيمَا
رأيُه الصبحُ والصباحُ إذا لاح جَلا بالضِّياءِ ليلاً بَهِيمَا

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول في ذكر محاسن شعراء دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.