من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حافظ الدين العجمي
فارس مجال، ورب روية وارتجال.
تؤخذ الفصاحة عن لفظه، وتستملى فنون البلاغة من حفظه.
وله حظٌ من الأدب عظيم، واختصاص بنثير ونظيم.
إلا أن شعره أمل الكثرة، وهي كما عرفت متواخيةٌ مع العثرة.
وكان نبا به من حداثته وطنه، وضاق ببعض الحوادث عطنه.
فطار كل مطار، ولم يعرج على أوطانٍ واوطار.
ومع أنه يراقبه من الجلالة حافظ، وهو له في كل شؤونه مطالع ملاحظ.
كان كلفاً بالغلمان، معنىً بهم في كل زمان.
وعشق بدمشق فتى اتخذه للخدمة، واهم به هيمان ذي الرمة.
وتحمل فيه أنواع المشاق، وشهد حتى مصارع العشاق.
وشرب بالفتى، ولم يقل السلو متى.
وكان قد فضح النهار ليله، وأفعم الهرم في لهاته سيله.
فمضغته أفواه التشنيع، وعضته أضراس الندامة على هذا الصنيع.
ثم خرج عنه الفتى مجانباً، وخلاه هو وكمده جانباً.
واتفق له أنه كان في جمعٍ من الأعيان، ممن يضيق عن وصف تيقظهم نطاق البيان.
إذ سقط الفتى سقوط الندى، وحل حلول الأمل في ذلك المنتدى.
فلم يتمالك الشيخ أن وقع مغشياً عليه، وفمه على ظاهر قدميه.
فاغتنم تلك الفرصة، وأطفا بتقبيلها تلك الغصة.
والفتى يظهر امتناعه، والحيا حط عليه قناعه.
حتى زايل مكان زلة القدم، هناك قرع الشيخ سن الندم.
وشرع يطلب العفو، وينسب ما وقع منه إلى الغفو.
ثم لم يقر به القرار، دون أن عزم على الفرار.
وخرج إلى الروم حامل أثقال، وهو بريد ترحل وانتقال.
وانتهى أمره إلى أن صار قاضياً بصوفيه، وبها انتقل من ظل العافية، إلى ظل الرحمة الوافرة الوافية.
وقد أثبت من شعره ماله في إصابة شاكلة الصواب اشتهار، فإنه إن كان حاطب ليل فأنا في انتخاب أحاسنه قاطف نهار.
فمن ذلك قوله:
رأى ما حلَّ من فَرْط الْتهابِيومن مَيْل الجفون إلى انْتهابِي
فمال إلى انْعطاف العِطْف نحوِيوأحْيَى القلب من رَشْف الرُّضابِ
وقام لنشْر بُرْدِ الوصل يطوِيبأيدي اللُّطف أردِيَة العِتابِ
غزالٌ كالغزالة قد غَزانِيبأجْفانٍ أصابتْ كلَّ صَابِي
صَبا قلبي إليه فكلُّ صَبٍّسليمُ الطبع مأسورُ التَّصابِي
جرحتُ بنظْرتي خَدَّيْه وَهْمافقابلَني بأنْواع العقابِ
أرى تعْذيبَه للقلبِ عَذْباًلأُسْقَى من مَراشفِه العِذابِ
متى حسَر النِّقابَ عن المُحيَّاسَبَى العقلا ويسْبِي في النِّقابِ
بكأسِ الثغرِ منه عِقْدُ دُرٍّتكلّل مثلَ حَبَّات الحَبابِ
إذا أتْبعتُه في المشْيِ طَرْفِيفلا أدْري الضلالَ من الصوابِ
أدار على صباحِ الجِيد شعراًكلَيْلٍ جَلَّ حسنا عن خِضابِ
وسَيَّبه على الأرْدافِ يسْعَىكأفْعى في الْتِفاتٍ وانْسيابِ
قسا قلْباً ولكن لاَن عِطْفاًأما هذا مِن العَجَب العُجابِ
قضى بالقتْل للعشَّاق قطعاًبحُكْمٍ منه قَطْعِيِّ الجوابِ
وذلك حين أدْمَوْا منه خَدَّاًبنَظْرتهم له خلفَ الحجابِ
ولم يُقِمِ الشهادةَ حالَ قتْلٍلكيْ يحتاج فيها للنِّصابِ
يُصيب إذا رمى في القلبِ سهماًوكم بالْجَفْن منه مِن مُصابِ
قد اسْتلَب النُّهَى باللطفِ منِّيوبالَغ في فُنون الإسْتلابِ
فنارُ القلب منِّي في الْتهابٍوطَرْفي الصَّبُّ منه في انْصبابِ
وقوله في الغزل:
أيامَن يُحيِّي الحسنَ منه بدورُوقد جذبتْه للخُدورِ بدورُ
أراك تجُوز الحيَّ بالقلب خائفاًرقيباً ومِن شأن المحبِّ يزورُ
أمالَك أن تَثْنِي العِنانَ لحَيِّ منيُزار فمحبوبُ القلوبِ مَزُورُ
فكن مُصْيغاً سمعاً فإن لسانَهيقول لأرْباب المحبَّةِ زُورُوا
إذا زرتَ أحْياء الأحبَّة زُرْهُموإلاَّ فدَعْواك المحبَّةَ زُورُ
وقوله:
وأهْيَفٍ زارني والليلُ مُعتكِرٌفأشْرقتْ من سَنا لأْلائِهِ دورُ
قالت عقاربُ صُدْغَيْه ندُور علىلَسْعِ الحشا قلتُ ها كُنَّ الحشَا دُورُوا
وهذا في باب التورية مستظرف.
ومثلع قول بعضهم:
هَويْتُ غصناً لأطْيارِ القلوب علىقَوامِه في رياض الوجدِ تغْرِيدُ
قالتْ لَواحظُه إنا نَسُودُ علىبِيض الظُّبا قلتُ أنتم أعينٌ سُودُوا
وقوله من قصيدة، مطلعها:
هو الوجدُ في روضِ القلوب مَنازلُهْيترجمُ عنه أين حَلَّ مُنازِلُهْ
وأين خَلِيُّ السرِّ من عارف الهوىفَذَا عالمٌ فيه وذلك جاهلُهْ
ولولا الهوى ما مال قلبٌ إلى الهوىولا غرّدت من فوق غصنٍ بَلابلُهْ
فهل حافظ فيه حديثاً مُعَنْعَناًيُسائلني عنه وعنه أسائلُهْ
فمالي وللأطلالِ لا طال ظِلُّهاأُناشدُها عمَّن ترُوح رواحلُهْ
ومالي وذِكْرِى للمَشِيبِ سَفاهةوقد فعل التَّشْبيبُ ماهو فاعلُهْ
ومالِي وللبَيْداءِ أقْطع مَتْنَهاعلى ظهرِ يَعْبوبٍ تناءتْ مَراحلُهْ
ومالي ورَسْمِ الدارِ والرسمُ قد عفَىوماذا عسى يوماً يُجاب مُسائلُهْ
ومالي ووصفِ الشيبِ لا بان صَحْبُهولا ظهرتْ في العارِضَيْنِ مَخائلُهْ
ولا انْفكَّ طِرْفُ اللهوِ يجرِي على الصَّفابمِضْمار شوقٍ لا تكِلّ جحافلُهْ
ولا قصُرتُ يوماً خُطاه ولا انْثنتْقوائمُه في السَّبْق عمَّا تُحاولُهْ
ولا زِلْتُ في ليل الشَّبيبةِ والصِّباتُضيءُ علينا بالسرورِ مَشاعلُهْ
ولا عُطِّلتْ أوقاتُ صَفْوٍ ولا خلَتْمن الأُنْسِ ساحاتُ الهوى ومنازلُهْ
وما زال غصنُ العمرِ بالعِزِّ مُورِقاًومَنْشؤُهُ صافِي المَناهلِ آهلُهْ
ولا برحت في الدهر مرآةُ عيْشِناصَقِيلةَ وجهٍ لا تراه نوازِلُهْ
ولا هجرَتْ ذاتُ السِّوارِ مُتيَّماًيقابلُها يوم اللقا وتقابلُهْ
ولا صَدَّ خالي العارِضيْن ولا ثَنَىولا مال عنِّي مائلُ القَدِّ مائلُهْ
غزالٌ متى ما رُمْتُ أُفْهِمُه الجوَىيغازلُني من جَفْنِه وأغازلُهْ
منها:
عواملُه في القلب قَدٌّ وحاجبٌوجَفْنٌ وكم في الخلْقِ صالَتْ عوامِلُهْ
فذلك رُمْحٌ والحواجبُ قَوْسُهوذلك سيفٌ قد حَمَتْه حواملُهْ
به صِرْتُ أوْهَى من خيالٍ إذا سَرَىلذلك جسمى زائدُ السُّقْمِ ناحِلُهْ
ورأى بدار الخلافة سربا من الظّباء الغيد، قد اعتلوا النّواعير في أيام العيد.
فدارت تلك الأفلاك، بهاتيك النجوم الممثّلة بالأملاك.
فقال يصفهم:
ما شاهدتْ مُقلتي في غُرْبتي حسَناًإلاَّ بُدورا بدارِ الرُّومِ قد سُلِبُوا
كأن نَاعورةً دارتْ بهم طَرَباًقلبي فهم كيف ماشاءُوا به انْقلبُوا
وقال أيضاً:
ويومِ عيدٍ كساه الأُنسُ حُلَّتَهُكم من جميلٍ به في صُورةِ المَلَكِ
بُدورُ تِمٍّ بأُفْق الحسنِ قد طلَعوافزال ما كان في الأكْوان من حَلَكِ
كأنهم في نَواعيرٍ تدُورُ بهمنجومُ أُفْقِ السَّما في دَارَةِ الفلَكِ
ووقفت على ديوان جمعه لنفسه، وكتب على ظهره من نظمه، قوله:
ستفنى الليالي واللآلِي بحالِهاوما هي إلا النظمُ من حافظ الوُدِّ
فإن عشتُ أنْعشْتُ الزمانَ وإن أمُتْفلى شاهدٌ بالنظمِ والنثرِ من بعدِي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع