تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

على بن جار الله

أحد أمجادهم، ومتقاد نجادهم.

فاتهم فضلا وكرما، وأضحى لزوار المكارم مناخا وحرما.

لا يرتجع وفد الآمال عن ساحته، ولا يزول لقب الندى عن راحته.

وهو رئيس الحرم ومفتيه، وملتمس الفضل ومؤتيه.

وله القدر العلي، والفضل الجلي، وكلماته على صدور الغانيات من الحلي.

إلا أنه فسيح مدى الافتنان، ممدود حبال الامتنان.

لم يزل في شعاب الفتاك يتوغل، وفي طريق الانتهاك يتغلغل.

وطفر آخراً طفرة النظام، فتفرقت آراؤه في أمورٍ أعيت على الانتظام.

وكان أمير غزة ابن رضوان ممن كثرت عليه عيونه، وساءت فيه ظنونه.

فاحتال عليه، في استدناه إليه.

حتى إذا حصل على تلك الأغراض، فتك فيه على غرة فتكة البراض.

وذهب كأمس الذَّاهب، والدهر هكذا واهب ناهب.

فالله يسهم له مع أهل الثواب، ويلهمه عند السؤال الجواب.

وقد أثبت له من أشعاره ما تود الشمس سناه، والنسيم اللَّدن رقة معناه.

فمنه قوله، من قصيدة مطلعها:

خليلىَّ هذا الدهرُ دانتْ عجائُبهفطَمِّن فؤادا إن نشَبْنَ مخالُبهْ
ولا تْعتَبنَهْ إن تأخَّر ذو حِجاًفذا الدهرُ لم يُحْرِز سِباقاً مُعاتُبهْ
سكِرتُ بهذا الدهرِ لا من عُقارِهولكن لمِا أبْدتْه عندي عجائُبهْ
فما مُحرِم الإنسان إلا علومُهوما ذائِقُوه السَّمَّ إلا أقاربُهْ

وهذا فيه إماء إلى قول ابن العميد:

آحِ الرجالَ من الأبَاعدِ والأقاربَ لا تُقارِبْ
إنَّ الأقاربَ كالعقاربِ بل أضرُّ من العقاربْ
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة

وفي المثل: ظلم الأقارب أشد مضضا من وقع السيف وقيل: إنما أخشى سيل تلعتي.

والتلعة: مسيل الوادي، من السند إلى بطن الوادي.

ومعنى المثل، إنما أخاف شر أقاربي، ويضر به من يخاف أن يؤتى من مأمنه، ومن جهة خاصته وأقربائه.

وأما قولهم في مثل آخر: ما أقوم بسيل تلعتك.

فمعناه: ما أطيق هجاك وشتمك الذي تشتمني به، ولا أثبت له.

ولبعضهم:

جانِبْ إذا أرْشدت أهْلَ القُدس منأباعدٍ تودّ أو أقاربِ
فالقُدسُ طَسْتُ ذهبٍ لكنَّهممتلئٌ يُقال بالعقاربِ

وله من قصيدة مستهلها:

عِدْ فمُضْناك يُعادْوابْقَ فالفَانِي يُعادْ
وتلافَى مُهجةً أتْلَفها منك البِعادْ
واُبْقِ أحْشاءَ لهامنك جُرحِ وضِمادْ
أوْ فعوِّضْنيَ طَيْفاً منك قد أعْيَى السُّهَادْ
مِحْنتي فيك وهِجْرانُك قَدْحٌ وزِنادْ
قاتِلي والقتلُ ليفي جَدَدِ الحبِّ مُرادْ
كلُّ صَبٍّ لايَرَى الْهَتْكَ تعدَّاه الرَّشادْ
كدَّر العشقُ لنامن صفاءٍ وصِفادْ
سَلْوتي عزَّتْ فهلشَيْمُ عزيزٍ لا يُرادْ
صادَني لَحْظُك ياأهْيفُ والأُسْدُ تُصادْ
كنتُ قبل العشقِ لايجذِبُ آمالي عِنادْ
مُمْتطٍ صهوةَ أفْراحٍ وللدهرِ انقِيادْ
لفظَتْني شَفَةُ الدَّهرِ فخافْتني البلادْ
وكذا بما يمضُغ الْأبْخَرُ تعْفوه الجِيادْ
سامَنِي الدهرُ فآمالِيَ عكسٌ واطِّرادْ
يتمنَّى وَصلَ إرْغامي ومثلى لا يُكادْ
لا تضِق يا قلبُ فالإعسارُ لليُسرى نِجادْ
وتروَّ الصبرَ لا يحْسُنُ بالفحل حِدادْ
إن تبرَّاني فِناءُ الْخانِ بتْنا في الوِهادْ
ليَ من قومي وقوْلي ركنُ عزٍّ واعتمادْ
نحن آلَ اللطف أقْوامٌ أساورةٌ شِدادْ
حَلْيُنا اليقْظةُ إذْ مَا الْغيرُ خَلَّاهُ الرُّقادْ
كلَّ عصرٍ حضرةُ القدْسِ لنا منهما عمادْ
شيخُنا الفاروق في قِرْطاسِ إنْشاها المدادْ
عُمرُ الليث إذا صَالَ وإن طال جَوادْ
هاديءُ الخُلْق إذا ماعن طريق الحقِّ حادْ
كعبةُ الطائفِ والرَّاجي وللعافِين زادْ
من نُشورٍ غيثُ نُعماهُ ونادِيه مَعادْ
جمرةُ الكونِ ولكنليس يعلوها رَمادْ
وأخو المجدِ أبو اللطْفِ سَما الحمدِ المُرادْ
مُدرِك الغَاية إن آيسَ في السبقِ الجوادْ

وله من أخرى يمتدح بها الأمير حسين، أمير غزة:

احْفظ فؤادَك يا مُفدَّىنارُ الهوى تمْتار جدّا
هذا سهامُك في الحشاحَمْرا شَواكلُها ومَرْدَا
إن شئْتها أبدَيْتهامن مُقلتي دمعاً وسُهدَا
نعَم اهْتزازُ قَوامِك المَعْسولِ لار يختار رَدَّا
فاعْمِلْه في حركاتِهإن رمتَ أن لا تُبْقِ فردَا
أمُعذِّبي بئس الهوىإن لم يكن قرباً وبُعدَا
فامنَحْ فؤاديَ نظرةًإن شئت للتعَّذيب مَدَّا
نِعْم الشهادةُ مُنجِداًلو سوَّغتْ للوصلِ شُهدَا
لو أن فْعلك للزمانِ ردَدْتَه كَلأًً ووَرْدَا
فلَكمْ أتى بمبرِّحٍمنه اصْطبارِي كان سَدَّا
ولَكم أبان مَخالباًخَلَّيْنَ للأهدابِ نِدَّا
يا جاعلاً أحْداقَناقُرطاً ومِنطَقة وغمدَا
شخَصت لناظرِك المُكحَّلِ أنفُسٌ صيداً وأُسْدَا
في موقفٍ يدَعُ النفوسَ ذوائباً والدمعَ جَمْدَا
ويقسِّم الأكْباد حسْب الْوَصفِ سَوْسانا ووردَا
فكأنَّ سيفَ حسين يُوضِح للورى حَدّاً وحدَّا
ويُرى لكلِّ مُنابذٍإفْرِنْدَه بالرَّقْم حَدَّا
فكأنما إدريسُ أوْدعَ فيه ما أخْفى وأبْدى
بطلٌ يُشير لمْثِلهنَفْعا وللمُجْدين رِفْدَا
السابقُ الشُّمَّ الأُنُوفَ أباً وأبْناءً وجَدَّا
حامِي قِبابِ المجد مابذلُوا لها شرفاً ومجدَا
أمظلِّلَ الأبْطالِ عِقْباناً وكاسِى الفقر وُجْدَا
أيْسَرْتَ غُرَّةَ غَزَّةٍومنحْتَها للفخْرِ عِقْدَا
حتَّى سبَتْ بِنظامِهاعجَما وأتْراكا وهندَا
تِيهاً أغَزَّةُ إنماأرْباك عِزٌّ ليس يَصْدَا

وله من أخرى، أولها:

مِن دياجِي البعد هل للقربِ وَمْضُأم بمِضْمارِ التهاني ثَمَّ رَكْضُ
لا أُمَنِّي النفس ما لي والمُنىعاقَني من أدْهم الأيام رَكْضُ
كان تَسْالي مُخِلاَّ بالعَطايومَ لا نَأْيٌ دنا والعيشُ غَضُّ
يومَ كان الشَّرْبُ سَمْعا وأنابُلْبُلٌ ثمّ سَما والكلُّ أرضُ
صاحِ عاطِيني ولا تسألْ لماجَفنُ كأسِي وجفوني لا تُغَضُّ
إن تقلْ جُرحُ زماني كاتمٌمنهمُ في القلب جُرْحٌ لا يَمَضُّ
عَلِق القلبُ بلَحْظٍ إن رناقاتلٌ أو كَفَّ ظنَّ الكفَّ غَمْضُ
مَن مُجِيري من هوى مَن لُبْثُهفي عَرِين القلب زَفْراتٌ ورَبْضُ
كنت لا أعرفُ تمْزيق الكرَىفأراني كيف عَضْبَ الجَفْن ينْضُو
ورأى طُيْغان قلبي فرَناليُريه شُهُب الطاغِي تقُضُّ
فتناسيْتُ بلَمْعٍ بَرْقِهمذ بدا لي منه بَسْطٌ ثم قَبْضُ
قال لي والصَّحْو ما خامرَهواستملَّى قَدّه طولٌ وعرضُ
هل تخمَّرتُ بنُور طُرَّتيأم جفون الشَّعر دَانَاهُنَّ غَمْضُ
قلتُ شَبْي من سعيرٍ مُهْجتيأبْرزَتْه زفراتُ القلب ومْضُ
أو سِنانٌ طاعنٌ قلبَ الصَّفَاأو شهابٌ إذ لحَتْمِ العيشِ فَضُّ
ودموعي ماءُ قلبي نارُهأخرجتْها من قُرُوحِ الجَفْنِ بَضُّ
قال لي والغصنُ يثْنيه الهوىقد أتى من سائل الأجْفان عَرْضُ
فارْجِعِ الدمعَ لتطْفى نارَهحيث لي في منزل الأشواقِ عَرْضُ
حِلْيةُ العاشق قربٌ وقِلَىأيُّ وجدٍ لفؤادٍ لا يُرَضُّ

قلت: هذا شعر مقداره خطير، إلا أنه فطير.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول في ذكر محاسن شعراء دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.