من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
عبد اللطيف
فعظيم الأرومة، ورونق المزية المرومة.
أنبت خطيها وشيجه، وقوم أغصانها تخريجه.
يفترع الهضاب ببعد همة، ويصيب الأغراض بمسدد سهمه.
أصيل الرأي والحجزم، مليُّ التدبير والعزم.
ضاعف الله لهة نعما يتقبلها، ما زال يوفى على ماضيها مستقبلها.
بهمة ترى الدنيا هبات مقسومة، ونقطة من نقط الدائرة موهومة.
وفكرٍ يغرف منبحر، وعنده يصغر عمرو بن بحر.
فوصفه واسع المجال، ومثله قليلٌ في الرجال.
أسس وبنى، وعطف أعنة المدح وثنى.
وله أشعار كما اتسقت اللآلي، وسفرت وجوه حسان عن ضوئها المتلالي.
أتيت منهال بما تكتب بدائعه على الأحداق، وتتنافس كلمه الأطواق في الأعناق.
فمنه قوله من قصيدة مستهلها:
هي الدار حيَّ عهدَها مدمعِي الجارِيعفَتْ غير سُحْمٍ ماثلاتٍ وأحْجارِ
رسومٌ مَحاها كلُّ سافٍ وهاطلٍفهُنَّ كجسمي أو غوامضِ أسرارِي
أقمْنا حَيارَي سائرين فلم نجدْمُجِيباً سوى دمعٍ مع البَيْنِ مِدْرارِ
ولا عجبٌ لو أصبح الدمعُ حائراًكقلبِك في تلك المعاهد يا جارِي
معاهدُ لا أدري أمِن طِيبِ تُربْهانسيمُ الصبَّاحيَّتْ أم العنْبَرُ الدَّارِي
وقفْنا بها حتى لِطُول وُقوفناتخيَّلتُ أنَّا قد خُلِقْنا من الدَّارِ
أذَلْنا مَصُونات الدموع برَبْعهاولمَّا نَجِدْ من سَكْبنا الدمعَ من زَارِ
خلَتْ بعد ما كانت مَناخاً لراكبٍومَلعَبَ أتْرابٍ ومَجْمعَ سُمَّارِ
ومَرْتعَ غزْلانٍ ترى الصِّيد صَيْدَهافقُل في غزالٍ يْصرعُ الأسَدَ الضارِي
وعصرِ تَصاب قد فُجعتُ بفَقْدِهوماضي شبابٍ رحتُ من حَلْيِه عارِي
لِئن قصُرتْ أيامُه فلَشدّ ماتولَّت وأبْقت طولَ بَثِّ وتَذْكارِ
ألا في أمانِ الله عصرٌ لفَقْدِهمن العيش والَّلذاتِ قلَّمتُ أظفْارِي
وقلتُ لِداعِي الغيِّ نَكِّبْ فطالَمالغير رِضَى الرحمن أشْغلتُ أفكارِي
وقوله، من قصيدة أخرى، يمتدح بها أستاذه محمد بن محمد بن إلياس، المعروف بابن جوي، مفتي السلطنة:
عوَّضتَ معروفاً عن الياَسِيا خادماً باب ابن إلْياِس
فاصْغَ لما أشرحُ من حالةٍأسمُو بها ما بين أجناسِي
خدمتُ مفتى العصر وهْو الحَيَافلم يدَع بِرِّى وإيناسِي
وصرتُ في خدمتِه ناعماًفي نعمةٍ تُسدَى بلا باِس
لا اعرف الهمَّ ولا أشتِكيخَطْباُ بَلَى قلبي بوَسْواِس
فسَيْبُه سيلٌ إذا رُمتَهومجدُه كالشامخ الراسِي
إن كسَر الدهرُ فؤادَ امْرئٍتراه بالجَبْرِ هو الآسِي
إن رُمْتَ تدْري بالنَّدَى سَحَّةُفصَوْبُه مَعْ مَرِّ أنفاسِي
أما ترى رِقَّةَ مدْحي لهتُغْنيك عن دَنٍّ وعن طاِس
قد أمر الفتحُ بأمرِ عُلًىأجبْتُه طوعاً على راسِي
قل لبنِي الدنيَا ألا هكذافليصنْعِ الناسُ مع الناِس
البيت الأخير مضمن، من ثلاثة أبيات للفتح بن أبي حصينة.
ولها قصة، وذلك ما ذكر أنه امتدح نصر بن صالح بحلب، فقال له: تمن.
فقال له: أتمنى أن أكون أميراً بحلب.
فجعله أميراً، وخوطب بالأمير وقربه نصر، وصار يحضر في مجلسه في جمل الأمراء.
ثم وهبه أرضاً بحلب، قبلي حمام الواساني، فعمرها دارا، وزخرفها، وقرنصها، وأتم بناءها، وكمل زخارفها، ونقش على دائر الدرابزين قوله:
دارٌ بنيْناها وعشْنا بهافي نعمةٍ من آلِ مِرْداسِ
قومٌ مَحَوْا بُؤْسي ولم يتركواعلىَّ للأيام من باِس
قل لبني الدنيا ألا هكذافليصْنع الناسُ مع الناسِ
فلما انتهى العمل بالدار عمل دعوة وأحضر نصر بن صالح.
فما أكل الطعام، ورأى الدار، وحسنها، وحسن بنائها ونقوشها، وقرأ الأبيات؛ فقال: يا أمير المؤنين، كم خسرت على هذه؟ فقال: والله يا مولانا ما للملوك علم، بل هذا الرجل ولى عمارتها.
فلما حضر المعمار، قال له: كم لحقكم غرامة على هذا البناء؟ فقال له المعمار: غرمنا عليها ألفي دينار مصرية.
فأحضر من ساعته ألفي دينار مصرية، وثوب أطلس، وعمامةً مذهبةً، وحصاناً أبلق، بطوق ذهب، وسرج ذهب، ودفع ذلك إلى الأمير الفتح، وقال له:
قُلْ لبني الدنيا ألا هكذافليصْنع الناس مع الناس
وقد ضمن هذا البيت القاضي شهاب الدين بن حجر، في مدح البدر الدماميني، فأحسن جدا حيث قال:
نسيتُ أن أمدح بدرَ العُلَىفلم يدعْ بِرِّى وإيناسِي
قُل لبني الدنيا ألا هكذافلْيصنعِ الناسُ مع الناسِ
وله يصف منتزها في الروم، بالقرب من أق بابا:
حللت بالرُّوم دَوْحا هاج أشْجانيحَنَى علىَّ بخيْراتٍ وإحسانِ
حوَى مع الأُنْس ما يُسلِى اللبيبَ بهعن ادِّكارِ شَآمٍ أو خُراسانِ
مَجامرُ الزَّهر في أرجائه نفَحْتوالوُرْق قد صدَحتْ فيه بأفْنانِ
أشجارُه بسَقتْ أغصانُه ات؟ َّسقتْخِيامَ ظِلٍّ ولكن ذاتُ أفْنانِ
والسَّرْوُ تخْتال في أزْهَى ملابسهاكأنها الغِيدُ في قَدٍّ ومَيلانِ
ُتمِليها الريحُ إذْ تثَنْى معاَطَفهافتنهبُ الُّلبَّ من أحشاءِ وَلْهانِ
وقد رأى بَصَرِى من حسنِ رَوْنقِهأضْعافَ ما وصَفُوا في شِعب بَوَّانِ
فدَام يسْقيه في الأسْحار فَيْضُ نَدَىوصَوْبُ غيثٍ غزيرِ الهطْلِ هَتَّانِ
؟
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع