من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
أحمد بن ولي الدين
الأديب الأريب، واحد الخبرة والتجريب.
نظم الشهب في الكتب، ورفع النقب عن أسرار الحقب.
وهو من كل المشارب شارب، ومن كل المسارب سارب.
فطوراً له طورٌ لجِدّ مُدافعٍووْقتاً له سَمْتٌ لهزْلٍ مُجانبُ
ولله منه جانبٌ لا يُضِيعُهولَّلْهو منه والخلاعِة جانبُ
واتفق أن ضرب الدهر على صماخيه بصمام من الصمم، فزاده ثقل تلك الحاسة خفة تنشط الرمم.
فما برح يشرب صرف الهنا من أدنانه، ويهصر غصن المنى في أفنانه.
حتى أثرت في ذوائبه أفاويف الشيب، ودعاه الداعي الذي لا يعترض إجابته الريب.
وهو شاعر لشعره حظٌّ من الحسن، كأنما تغازله الجفون الوسن.
أثبت له ما يهيج الطرب، ويحلو في الأفاوه كما يحلو الضرب.
فمن ذلك قوله في مراجعة العمادي المفتى، وقد كتب إليه قصيدةً، لم أر منها إلا قوله:
مَن لي بظَبْيٍ كُحِّلتْأجفانُه بالسَّقمِ
يفترُّ عن ثغرِ بدَاعذْبَ الثنايا شَبِمِ
أجْرى دموعي في الهوىكمُغدِقات الدِّيَمِ
وسَلَّ سيفَ لَحْظِهوهزَّ قَدَّ لَهْذَمِ
واخْتال في ثَوْب الصِّبايْسحب كلَّ مُعْلَمِ
مصائبٌ ما جُمِّعتْإلا لقْتل المغرمِ
يا قاتلَ اللهُ الهوىبدَّل دمعي بالدمِ
فكم له في خَلَدِيسرائِرٌ لم تُعلَمِ
وهذا ما رأيته في جوابه:
دُرٌّ سَمتْ في القِيَموسُمِّيت بالكَلِمِ
أم روضةٌ دامتْ عليْها هاطلاتُ الدِّيَمِ
فلاح منها نُورُ ثَغْرِ نَوْرِها المبتسِمِ
أم غادةٌ قلبي كَلِيمُ لَحْظِها المكلَّمِ
من بَيْضها وسُمْرِهافي الطِّرْش قَتْلُ المغرَمِ
حيَّتْ فأحْيت بالِّلقاقلبا إليها قد ظَمِى
لِمْ لا ومُهْديها كريمٌ لكرامٍ ينْتمِي
ألْفاظُه كالسحرِ إلَّاأنها لم تحرُمِ
مُهذَّب أخلاقُهبحُسْن تلك الشِّيَمِ
كنَشْرِ روضٍ قد سرَىغِبَّ حَياً مُنسجِمِ
وكان بينه وبين أحمد بن شاهين صحبة وردها شرع لا ينسخ، وعهدها عقد لا يفسخ.
وكلاهما من أول مرباه، كالغصن يترنح في رباه.
متعاكفان على تعاطف وائتلاف، ومتعارفان على تهارج واختلاف.
فعلقا فتى ألحم بينهما بسحره الألفة، وأماط فيما بينهما حجاب الكلفة.
وبقيا سنين متلازمين تلازم الدليل بالمدلول، والعلة بالمعلول.
ومتصلين أتصال الأرواح بالأشباح، والمساء بالصباح.
حتى اكتسى خد الفتى بالعذار، وطلع الشيب في عوارضهما متهماً بالإنذار.
هناك تيقظ الفرفوري من سناته، وعدى عما كان فيه هناته.
وكتب إلى الشاهيني:
ولَّما أن بدا شَيبٌ بفَوْدِىخلُصتُ من الصبابِة باحْتيالِ
وصرَّفتُ المحبة كيف شاءتْكأن الحبَّ لم يخطُر ببالِي
فأحسنُ ما يقال بأن قلبيسلَا يسلُو سلُوًّا فهْو سالِي
فكتب إليه قصيدة هز بها إلى رعى حقوقه، واستدفاع عقوقه.
وموافقته فيما إليه جنح، متيمنا بما إليه طير رشاده سنح.
سيما وقد تبين الرشد من الغي، وصار النشر إلى الطي.
والقصيدة المذكورة، ومن أحاسن أشعاره المشهورة.
إلا أنها طويلةٌ جداً، فاقتصرت من وابلها على الطل، واكتفيت عن أكثرها بالأقل.
ومطلعها:
أقصيدتي مُورِي بجَهْدك مُورِىوتيمَّمي خِدْنَ العُلى الفُرْفُورِي
يا ألْفَ مولايَ ولستُ بقائِلٍغيرَ الصوابِ لصاحبي وسميرِي
مالي أراك مُفرِّطاً في صُحْبتيفكأنني عِقْد بكفِّ صغيرِ
خفِّض عليك فلستَ أوَّلَ قاذفٍمن جوِّ شاهِقَةٍ لجوْف شَفِيرِ
أوَ قد زعمتَ بأنني مُتهالكٌفي إثْرِ روض ليس بالمَمْطورِ
ما الروضُ فيما قد حويْتَ مُحتَّمٌكّلا ولا للغْيرِ فضلُ خَضِيرِ
هيَ دِمْنةُ خضراءُ لم يأنَسْ بهارِيم وليس سَرابُها بعَبيرِ
أنَّي تقول ولا أَخالُك قائلاالعَيْرُ عَيْرِى والنَّفِيرُ نفيرِي
صدقتْ بناتُ الفكر فيما ألَّفتْإن العَباءةَ عندكم كحَبِيرِ
ما للفِراسةِ لم تُصدَّق فيكمُوالألْمَعيَّةِ لم تُعَنْ بنَصِيرِ
ومنها، وهو محل الشاهد:
فوَ حقِّ سَلْوتِيَ التي قد أصبحتْبَرْداً على كبدي لكل عَسِيرِ
هذا فؤادي مِلْءُ صدري حُزْنُهوافَى بِجَفْن في السُّلُوِّ قريرِ
ومَناكِبى أمْسَتْ تلائم مضْجعيثم ارْعَويتُ فما استعنْتُ زفيرِي
وغدوتُ أضحك مِلْءَ فِيَّ تعجبُّباًحين استمَرَّ على البِعاد مَرِيرِي
وتصافحتْ يُمْنايَ باليَسَر التيقد كانتا في غِلِّ خيرِ خبيرِ
وتبدَّلتْ عيْنَايَ أحسن مَنظراًوهي الصحائفُ في دُجًى وبكُورِ
لّلِه أنتَ وما صنعتَ فإنماأنْقذْتني من هُوَّةٍ وسعيرِ
وكذاك ينْجُو ذو الصداقِة في الهوىوكذا بذنْبٍ ينْثنِي مغْفورِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع