من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
فضل الله بن شهاب الدين
الفضل التام له منه جله، والحسن للناس بعضه وله كله.
والزيادة من فضل الله لا تنتهي، والنعم لديه منها ما يشتهي
وقد ولد في طالع عنه الإقبال يترجم، فكاد يقضي له بالسعد من لم يكن ينجم.
والحر تكفيه عن تنجيم وتقويم، تسنحة خُلُق وخَلْق له في أحسن تقويم.
فاقترن باليمن باستهلاله، حتى كأن نونه خطت من هلاله.
فودت الجوزاء لو كانت قلادة تراقيه، والزهرة لو غدت عوض ذؤابته التي تراقيه.
ونشأ في نعمة تتملى اقتبالا، وكرامةٍ تسبغ سربالا.
ووقاية الله تحفظه، وعيون الألطاف تحفه وتلحظه.
حتى جمع أريحية الشباب، ونجابة الكهول، وحل من الفضل المحل السامي والمربع المأهول.
وتقدم إلى دقائق العلوم فتغلغل في شعابها، وتميز على نظرائه بحل رموزها وتسهيل صعابها.
وهذه دعوةٌ شاهدها من كان مثلي برياً من الريب، ولست أخبر عن الموتى ولا أستشهد الغيب.
وقد بلغني من بدائع فكره المتلهب الوقد، وروائع شعره الخالي من التكلف والنقد.
ما تتناثر على مذهباته الدرر، وتتكاثر على محاسنه الغرر.
فمن ذلك قوله:
مُذْ مال خرَّتْ له الأغصانُ ساجدةًخُوط به من رحيق الثغرِ إسْكارُ
حَطَّ اللِّثام فغاب البدرُ من خَجَلٍوقد بدا في الدُّجَى للصبح إسْفارُ
أضحى كجسمى منه الخَصْر ليس يُرَىومَنْطقَتْه من العشاق أبْصارُ
وِشاحُه مثلُ قلبي خافقٌ أبداًولَحْظُه الفاتك الفتَّانُ سَحَّارُ
كأنَّما شعرُه في خالِ وجْنتِهدخانُ قطعةِ نَدٍّ تحتها نارُ
قلت هذه القطعة قطعة عمادية، والقول بأنها تماثل نزعة عنادية.
ولابن سناء الملك فيما يشبه هذا التشبيه، وإن لم يكن منه:
سمراءُ قد أزرتْ بكلِّ أسمرٍبلَوْنها ولِينها وقَدِّهَا
أنفاسُها دخانُ نَدِّ خالِهاوريقُها من ماء وردِ خدِّهَا
وأقرب منه قول السيد محمد العرضي:
على وجَناتِه خالٌ عليهتبدَّتْ شعرةٌ زادتْه لطفَا
كقطعةِ عنْبرٍ من فوق نارٍبدَا منها دخانٌ طاب عَرْفَا
ومثله للسيد باكير بن النقيب:
في خدِّه القانِي المضَرَّجِ شامةٌقد زِيد بالشَّعرات باهرُ شأنِهَا
كلهِيبِ جمْرٍ تحت قطعةِ عنبرٍقد أُوقِدتْ فبدا ذَكِيُّ دُخانِهَا
وله:
ومُدير لنا المُدام بكأسٍمثل عِقْدٍ حَبابُه منْظومُ
هو بدرٌ وفي اليمين هلالٌفيه شمسٌ وقد علتْها النجومُ
من دنَا دَنَّه يشمُّ عبيراًمن شَذاه رحيقُه مختومُ
حَيِّ يا صاحِ بالفلاح عليهاواصْطحِبْها تنْفكُّ عنك الهمومُ
ودعِ العمرَ ينْقضي بالتَّصابِيوكذاك الوُشاةَ دعْهُم يلومُوا
قوله: هو بدر، إلى آخر البيت، قد أحسن فيه، لكن تشبيه الكأس بالهلال محل نظر، والمتعارف تشبيهه بالبدر، كما في قول ابن الفارض:
لها البدرُ كأسٌ وهي شمسٌ يُديرُهاهلاللٌ وكم يبدو إذا مُزِجتْ نَجْمُ
إلا أن يكون قصد الزورق، فإنه شبه به الهلال، كما في قول ابن المعتز:
وانْظُرْ إليه كزورقٍ من فضةٍقد أثْقلتْه حمولةٌ من عَنْبَرِ
فعكس التشبيه.
ويمكن أن يقال: إنه شبهه بالهلال، بالنظر إلى هيئته، إذا أمسكه الساقي، كما يفعل الأعاجم في مناولة إناء المشروب؛ وذلك أنهم يقبضون بالإبهام والمسبحة على الإناء من فوق، فينستر نصف الكأس بالأصبعين، ويبقى النصف ظاهراً كهيئة الهلال. انتهى.
وله:
ذَممْتُ النَّوَى من قبلُ منِّي جهالةًولم أدْرِ أن البَيْنَ أصلُ شفائِي
فحِبِّيَ لمَّا حازه البعد حازَنيسَقامٌ فأخْفانِي عن الرُّقباءِ
وصرتُ إذا شاء الزيارةَ زُرْتُهولم ترَني عينٌ لفَرْطِ خَفائِي
أخذه من قول كشاجم:
ومازال يَبْرِي أعْظُمَ الجسم حبُّهاوينْقُصها حتى لَطُفْنَ عن النَّقْصِ
فقد ذُبْتُ حتى صرتُ إن أنا زرتُهاأمِنْتُ عليها أن يَرى أهلُها شخصِي
وله:
أطار الهوى مِن جمر خدَّيْه جَذْوةًفأصْلَى بها قلبي الذي ضم أضْلُعِي
وصعَّده مِنْ بعد ماقو قد أذاقَهُوقطَّرِهُ من مقلتي دَرَّ أدْمُعِي
أحسن منه قول ابن النبيه:
تعلّمتُ علمَ الكيمياء بحبِّهغزالٌ بجسمي ما بعيْنيه من سُقْمِ
فصعَّدتُ أنفاسي وقطَّرتُ أدْمُعيفصحَّ من التَّقْطير تصغيرةُ الجسمِ
وللشهاب الخفاجي:
في بُكائِي راحةٌ من شجَنِيبعد يأْسٍ من أمانٍ يُطمعُ
فكأن الحزنَ من نار الجوَىذاب حتى اسْتقْطَرتْه الأدْمُعُ
وله:
أيا شاهراً سيْفاً يُشابه لحْظَهيصُول به ضَرْباً وموقعُه القلبُ
دعِ السيفَ وانظر نحْو مَنْ رُمْتَ قتْلَهفعيْناك كلٌّ منهما صارمٌ عَضْبُ
وله:
دَائِيَ الحبُّ والأماني طبيبيوالنَّوى والفِراقُ من عُوَّادِي
ودوائي ذكرُ اللِّوَى وسَميريضَيْفُ طيفٍ مُوكَّل بسُهادِي
وله:
بِي ظَبْيُ إنْسٍ لاح في قُرْطُقٍقد فضح الدُّرَّ سنَا ثغْرِه
ما فيه من عيْبٍ سوى أنهأشْبَهَ جسمِي بِضنَى خَصْرِه
وله:
تحجَّب البدرُ من غَيْمِ الصدودِ وفيليلٍ من الهجرِ عن مأسورِ ألْفاظِه
ومرَّ يبخلُ حتى بالسلام ترىمِنْ خَوْفهِ لَقْط سمعي دُرّ ألْفاظِه
وله:
كأنَّ مَبْدَأَ نَبْت الشَّاربَيْن وقدبدا على شفَةٍ شطَّتْ عن الدَّنِفِ
زُبانَيَا عقْرَبَيْ صُدْغَيْه قد حمَتَارحيقَ ريِّقهِ عن رشْفِ مُرْتشِفِ
وله:
فديْتُك رَابني الإعراضُ عنِّيولم أعرفْ له سببتاً وحقِّكْ
سوى أنِّي المقيمُ على وِدادِيوأنِّي يا حبيبي عبدُ رِقِّكْ
وله:
إذا زارني ليلاً مَخافةَ عاذلٍوأسْفر وجْهاً صار صبحاً بغُرَّتِهْ
وإن زارني صُبْحاً وأرْخى غدائراًعلى الوجهِ صار الصبحُ ليلاً بطُرَّتِهْ
وله:
وبدرٍ حكَتْه الشمسُ عند شروقِهاإذا غرُبتْ في فِيه والليلُ سابلُ
إذا ما تثنَّى قَدُّه وَسْطَ روضةٍتخِرُّ له الهِيفُ الغصونُ الموائلُ
وله:
لمَّا غدا جِيدُك الحالي بعِقْدِك منقلائدٍ وعقودٍ عاطلَ الْخالِ
دمِي تقلَّده ظلْماً ألسْتَ ترىنَقْطاً عليه دمى سَمُّوه بالْخالِ
وله:
ودَّعَني مَن نواهُ أوْدَعنِيشَوْقاً يزيد الفؤادَ نِيرانَا
وقال لي والبكاءُ يغلُبهياليت يومَ الفِراق لا كانا
؟
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع