تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

أخوه إبراهيم

هذا الجناب الأفضل، والمحل الأمرع الأخضل.

مكان القول فيه ذو سعة، والألسنة كلها على مدحه مجتمعة.

فمن يتقدم فليقل ما شاء في وصف شمائله، وحق على المدح أن يتباهى بمخائل خمائله.

وحسبك من امرئٍ لم تر له ذاماً ولا شانيا، ولا ذاكرا يعلم الله أن له في الفضل ثانيا.

فقد جمع إلى كرم أصله، أعظم مزية من باهر فضله.

فقضى الحق الواجب عليه، واستدعى حيازة التفضيل بالحجة إليه.

فالدر ينثر من يديه وفيه، والخير مجموعٌ لديه وفيه.

وهو ريان من كل فن، سمح من غير تبجحٍ ومن.

مجلسه يأرج أرج الزهر، وسماحه يفيض فيض النهر.

وعينه في اكتساب المحامد ممنوعة السنات، وصحيفة وجهه كلها قربات وحسنات.

وهو وحيد الدهر في الأدب وفريده، وألمعيه الذي وفى البلاغة كل ما تريده.

ببنان قد قبض على أزمة البيان، ولسان قد امتطى صهوة الإحسان.

وله من النظم بدع جلائل، إلا أنها في العدد قلائل.

والنجوم أجلها أعلاها، والمعادن أقلها أغلاها.

فمن شعره قوله.

إن يكن زاد في الحسانِ جمالٌأكَّد الحسن فيهمُ تأكيدَا
فلقد أسَّس العذارُ بخدَّيمُنْيَتِي رَوْنقاً ولطفا مَزِيدَا
وهْو عَمْرِي لا شك أزْهَى وأبهىحيْثُما قد أفاد معنىً جديداً

وقوله:

يا مليحاً قد حاز كلَّ الجمالِوحبِيباَ تفْديه رُوحي ومالِي
كلما زدْتُ في هواك غراماًقلَّ صبْري وزاد فيك انْتحالِي
آهِ من حسنِ مَبْسمٍ لك كالدُّرِّ ولحظٍ يَرْوِي عن الغزَّالِي
جُدْ لعبدٍ غدا قتيلَ عيونٍقد رمْته لحاظُها بِنبالِ
لك خَصُرٌ قد صار مثلي نحيلاًحمَّلته الأرْدافُ ثُقْلَ الجبالِ
لك وجْه قد أخجل الشمسَ نوراًلك جِيدٌ قد فاق جِيدَ الغزالِ
لك قدٌّ كالرمح يهْتزُّ تِيهاًقد رماني بأسْمَرٍ عسَّالِ
فترفَقْ بعبدِ رِقٍّ عميدٍقد غدا في هواك رَقَّ الخلالِ
نحلتْه الأسقامُ شوقاً ووجداًفغدا جسمُه من السُّقمِ بالِي
كلّ ما مَرَّ شَرْحُه بعضُ حاليوهو عندي إن كان يُرْضيك حالِي

وقوله من قصيدة، أولها:

ما رياضٌ حِيكتْ بأيْدِي الغمامِباكَرَتْها بصَوْب مُزْنٍ هامِي
عَلَّها وابلُ الحيَا بعد نَهْلٍفأماطت عن ثَغْرها البَسَّامِ
وتحلَّت بنُورِ نَوْرٍ نضيرٍمن عَرارٍ ونرجِسٍ وبَشامِ
فعليلُ النسيم مِنها إذا هبَّكَفيلٌ بصحةِ الأجسامِ
فهْي نوراً كبهجة الشمس حسناًوهْيَ لطفاً كالبُرْء للأسقامِ
كمُحيَّا الأستاذ مولاي يحيىدام يَحْيا على مدى الأيَّامِ

وكتب إلى والدي، وهما بدار الخلافة، قوله:

إليك أخي نصيحةَ ذي اخْتبارِله حزمٌ وزَنْدٌ فيه وارِي
إذا جار الزمانُ وكلُّ دهرٍعلى أحرارِه في الجَوْر جارِي
وأكْسَبك اغْتراباً وانتزاحاًفكُن متغرِّبا في أسْكدارِ
ترى فيه ظباءً سانحاتٍبألحاظٍ يَصِدْنَ بها الضَّوارِي
وطوراً تلتقي غصناً رطيباًعلاه حَدِيقة من جُلَّنارِ
فقَضِّ العمرَ فيها في سرورٍوصِلْ ليلَ التَّواصُلِ بالنهارِ
وخَلِّ الأهْلَ عنك وقلْ سلامٌعلى الأوطانِ منِّي والديارِ

فراجعه بقوله:

أتتْك نصيحة من ربِّ فضلٍإمامٍ في الفضائل والفخارِ
له في كل علمٍ طِيبُ مَجْنىًوفضلٌ زَانه كَرَمُ النِّجارِ
ونظمٌ يُعْجِز البلغاءَ لفظاًونثرٌ كاللآلي والدراري
يقول وقولُه لا شكَّ صدقٌعليك إذا اغْتربتَ بأسْكدارِ
نعم هي جَنَّةٌ حُفَّتْ بحُورٍووِلدانٍ حَلَتْ شمسَ النهارِ
ولكن لم أجدْ فيها خليلاًيُعِين أخا الغرامِ على اصْطبارِ
يساعدني على كَلَفِي بريمٍيُعذِّب عاشِقيه بالنِّفارِ
له لحظٌ يصولُ به دلالاًفيفْتِنُ رَبَّ نُسْكٍ ذا وقارِ
وقدٌّ إن تثنَّى فهْو غُصنٌيُحرِّك من هوى نائِي الديارِ
فمالي والقَرار بها وأنَّىيطيبُ ليَ القرارُ بلا قرَارِ
قضاءٌ من إلهي ليسَ يجْريعلى قدرِ الإرادة باخْتيارِي

وطلب من والدي تأليفه " الرحلة الرومية "، فبعثه إليه، وكتب معه:

تبسَّم عن ثغْرِ الأقاحِي لِثامُهاوغنَّتْ على الأفْنان صُبْحاً حمامُها
وغرَّدتِ الأطيارُ من بهجةِ الرُّبَىفمالتْ لها الأغضانُ وهْو سلامُها
وحيَّتْ بخَدٍّ كالشقيق مُورَّدٍورقَّةِ خَصْر لان منه قَوامُها
فأحْيَتْ عليلاً طال وقتُ انْتظارِهووافتْ فَوافَى بالصباح ابْتسامُها
تقلَّدت الزُّهْرَ الدَّرارِي كأن منثنايَ على ربِّ المعالي نظامُها
هُمامٌ أطاعتْه يَراعُ بَراعةيُراعُ مُعادِيها ويُرْعَى ذِمامُها
فحضْرتُه العَلْيا إذا انْحطَّ قدْرهاغدا فوق فِرْقِ الفَرْقَديْن مَقامُها
وهابِنْتُ فكرٍ قد أتتْ نحو بابِكمْبغير يديْكم لم يُفَضَّ خِتامُها
وصُحْبتُها منِّي الدعاءُ ورحْلتيتُشرَّف بالأنْظار وهْو مَرامُها
وها هي قد جاءتْك تشْكو من الظَّمابأدْنى ابْتسامٍ منك يُرْوَى أَوامُها
فما القلبُ يصفُو إذ تزيد همومُهولا الشمسَ تَبْدو إذ يُحيط غَمامُها
فلا زلْتَ تبْقى كلما رنَّحَ الصَّباغصوناً وقد غنَّى عليها حَمامُها
مدَى الدهرِ ما أهْدَى لبِيبٌ رسالةًلرَوْضة فضلٍ فاح منها بَشَامُها

فأجابه بقوله:

أروضةُ زهرٍ جاد سَحًّا غَمامُهافأهْدَى لنا نَشْرَ العبير خُزامُها
أم الرَّاحُ في الأقْداحِ لاحتْ فأسْكرتْفؤادي ولمَّا فُضَّ منها خِتامُها
تطوف بها ذاتُ الوشاح خَرِيدةٌيروقُك مَرْآها ويحلو كلامُها
مريضةُ أجفانِ اللِّحاظ سليمةٌوما صحةُ الأجْفان إلاَّ سَقامُها
مُثقَّلةُ الأرْدافِ خَفَّ وِشاحُهامُرنَّحةُ الأعطافِ لَدْنٌ قَوامُها
مُضمَّنَةٌ من ذِي وفاءٍ قَصيدةًبليغةَ ألفاظٍ بديعٌ نِظامُها
أخي فِطْنةٍ رقَّتْ وراقتْ عذوبةًفلله منها لُطْفُها وانْسجامُها
أطاعتْه أبْكارُ المعاني وعُونُهابفضلٍ فأضْحَى في يديْه زِمامُها
وذلك فضلُ الّله يُؤتيه مَن يشاويمْنحه نفساً عزيزاً مَرامُها
تُحاول منِّي أن أرُدَّ جوابَهاوفِكْرتيَ اسْتولى عليها قَتامُها
وقد لعبتْ أيْدي المشيب، بمَفْرقِيوتوَّجَنِي دُرًّا يسوءُ انْتظامُها
رعى الّلهُ أيامَ الشبابِ وعهدَهوأوقاتَ أُنْسٍ ليت عمريَ عامُها
وحيَّى لُيَيْلاتٍ مضتْ وتصرَّمتْلياليَ أُنْسٍ كان صُبحاً ظلامُها
يغازلني فيها أغُّن مهَفْهَفٌلواحظُه وسْطَ الفؤاد سهامُها
وبِتُّ يُعاطيني كؤوسَ حديثهِفلله من خمْرٍ حلالٍ حَرامُها
وطوراً يُحيِّيني بوردةِ خدِّهوآونةً من خمر فيه مُدامُها
فرِيقتُه نَفْسُ الشَّمولِ وثغْرُهحَبابٌ لها يطْفو ومن فيه جَامُها
وقد عِفْتُ أبيات القريضِ ونظْمَهوقُوِّض من بين الفؤاد خيامُها
ولكن بحمْد الله جادتْ قريحتيوما خلتُ يوماً أن تجود جَهامها
فدونكَها يا ابن الكرامِ بديعةًتؤُمُّ ذَرَى نادِيك يُهْدَى سلامُها
ودُمْ وابْق ما أنْشأ بليغٌ قصيدةًتضوَّعَ مِسْكاً بالثَّناء خِتامُها

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول في ذكر محاسن شعراء دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.