من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
السيد عبد الكريم
هو منهم بيت القصيد، وواسطة عقد المجد النضيد.
تجسَّم من شرف محض، وكرم لا يحتاج خيره إلى خضٍ ومخض.
إلى ما حاز من أشتات الكمال، والمعالي المربية على الآمال.
وهو بعد أبيه النقيب، ومحله فوق المعلى والرقيب.
فمهما ترقى البدر فقاصرٌ عن مراقيه، والبحر لو عذب لكان بعض سواقيه.
وله مع النباهة روح الفضل وجسمه، ومن بشر أساريره ينهض أثر المجد ورسمه.
وبيني وبينه ودٌ مورث في الأعقاب، وحب خالد ما دامت الأحقاب.
ولي في كل لحظٍ منه أملٌ ينشيه ويعيده، وفي مرأى وجهه نوروز إذا مضى أقبل عيده.
وإذا أردت مدحه أرسلت نفسي وما تجود، فلا تنتهي عند وصفٍ من أوصافه إلا وتقول أحسن الموجود.
وأنا أرجو الله تعالى في كل ما يشاؤه، وأسأل له ما هو ما يدوم به ممتلئاً رشاؤه.
ولقد أوردت له من نفثاته السحرية، ونسماته الشحرية.
ما هو أحسن من نور تفتحه الصبا، وأوقع من خلسة الوصل في عهد الصبا.
فمن ذلك قوله:
لقد دعانا إلى الرُّبي الطَّرَبُفأجبناه حسْبَما يَجِبُ
واستبقَنْا والشوقُ يجذِبُناكأن أشْواقَنا لنا نُجُبُ
وشَمْلُنا والحظوظُ تُسِعدنامُجتِمعٌ سِلْكُ عِقْدنا الأدبُ
فحَلْلنا منها بمُرتَبَعٍوهو للرَّائين مُنْتخبُ
وقد حبانا الربيعُ مقْتِبلاًبمزاياه والمُنَى نُخَبُ
فالروضُ مُخْضلَّةٌ ملابسُهتجمَّع الحسنُ فيه والأرَبُ
وقد تناغَتْ به بَلابُلهفمنهمُ فاقِدٌ ومصطحِبُ
وموكبُ الزَّهْرِ في حدائقِهمُنْتَزه بالعيونِ مُنْتهَبُ
تُظِلُّ مَغْناه وهْو مُزدهِرٌقِبابُ نَور كأنها سحُبُ
يُنْعشنا العَرْفُ من شَمِيمِهماومثل هذا العبيرِ يُكتسَبُ
والْمَرْجُ رَحْبُ الفِناء مُصْطحِبٌعليه ذَيْلُ النسيمِ مُنْسحبُ
تخاُله من زَبَرْجَد نَضِرٍبحراً غدا بالنسيمِ يضْطربُ
يشوقُنا حسنُه ومنظرُهيَسُرُّنا حيث زانَه الخصبُ
ولا نْسكابِ المياهِ حسنُ صَدًىيرقُص عند اسْتماعِه الحَبَبُ
فمُذ نَعِمْنا بذا وذاك وقدتكنَّفتْنا بفَيْئها القُضُبُ
أخصَب رَبْعُ المنى وطاب به العيْشُ لنا واسْتفزَّنا الطَّربُ
فعاد للوجْدِ مُدْنَفٌ طَرِباًوهكذا مُدنَفُ الهوى طَرِبُ
ومال وَفْقَ الهوى وحُقَّ لهذلك إذْ ليس ما به لَعِبُ
وراح يُمْلِي غرامَه ولَهاًفي غَزْلِ رَقٍّ صَوْغُة عَجَبُ
ومن يكن بالغرامِ مُمتَحَناًولا غَرْوَ بالشوقِ قلبُه يَجِبُ
يا بأبِي مُتْرَفٌ ألِفْتُ به الوَجْدَ وما غير مِحْنَتِي السَّببُ
أطعْتُ فيه الهوى ومَعْدِنُهبمِغْنَطِيسِ الجمال مُنْجذِبُ
جمالُه فتنةٌ لذِي نُسُكٍمُهذَّبٍ زان حُسْنَه الأدبُ
تمازجَ اللطفُ والعفافُ بهكذا لَمَي الثَّغْر منه والشَّنَبُ
بَدْرٌ مُحيَّاه ما به كَلَفٌبرَوْنَق الحسنِ راح ينْحجِبُ
وقَدُّه السَّمْهَرِيُّ من مَرَحٍما اهْتزَّ إلَّا ازْدَهتْ به القضُبُ
وما بطَرْفٍ رَنَا لوامِقِهِإلا وسهمُ اللِّحاظ مُنْتشِبُ
شَهِيُّ لفَظٍ تكاد رقَّتُهتسْتِرقُ الَّلبَّ وهْو مُحْتجِبُ
مَنطقُه مُسْكِر لمستمعٍوسُكْرُنا من سماعِه طَرَبُ
قد مُنِحتْ بالجمال صورتُهوقد مُنِحْتُ الهوى ولا عَتبُ
أوْسَعَنِي فيه حبه وَلَهاًوليس إلا هواه لي أرَبُ
وقد أبي غيرَ مُهجِتي سكَناًوهْي له مَرْتَعٌ ومُنْقلَبُ
فلا خَلاَ من هواه لي خَلَدٌوذاك بيْني وبينه نسَبُ
وقوله:
لا وصدق انْتِما المُحبِّ الودودِلغرامٍ سما به للسُّعودِ
ونُزولِ الحِمَى وقد طال نَأْيٌباشْتياقٍ نما من المَعْمودِ
وارْتِضاعٍ لما جلَتْها أكَفٌّخضَبتْها دِما ابنةِ العنقودِ
وارْتشافِ اللَّمَى ولَثْم الخدودِواعْتناقِ الدُّمَى ذواتِ النُّهودِ
ما الهوى بي كما يظُنُّ جَهولٌبل غرامى بما عليه شُهودي
وقوله:
لستُ إلا كَلاًّ على إشْفاقِكْفبرُحْماك جُزْ على أخْلاقِكْ
وأعِدْ نظرةَ الحنان ليَهْدَارَوْعُ من لم يزل على مِيثاقِكْ
وارْعَ وُدّاً رضِيتُه منه حاشَانَبْذُ وُدٍّ أتى على مِصْداقِكْ
إن قلباً حلَلْتَه عَرَضٌ أنْتَ به جوهرٌ على إطْلاقِكْ
كيف يرضَى دون التَّمَلِّي بلُقْيَاكَ محبٌّ إقالةً من وَثاقِكْ
وقوله أيضاً في الغزل:
امْنَحِ الطرفَ منك طَلْقَ العِنانِلاجْتلاء الورود في الأغصانِ
والثَمنْ باللِّحاظ منه خدوداًصِبْغُها من صنائع الرحمنِ
واغتنمْ طِيبَ وقْته فلَعَمْرِيإنَّه غُرَّةٌ بوجهِ الزمانِ
فانتهِزْ فيه فرصَةً لأمانِيكَ وحسْبُ الشَّجْيّْ نَيْل الأمانِي
حيث وجهُ الزمان طَلْقٌ ورَيْعان التَّصابِي إقْبالُه مُتدانِي
وبحيث المُنى يَسُرُّك منهاما تدانتْ قِطافُه للْبَنانِ
واصْطحِبْ للنّدام كلَّ مُجيدٍلقِصار الفصولِ ذات المعانِي
ألْمَعِيٍّ حُلْوْ الحديث يُجاريك بما تشْتهِيهِ ذي تِبْيانِ
واصْطَفِ للغناء كلَّ طَروبٍناعمِ الصوتِ مُتْقِن الألحانِ
يُوسِع السمعَ شَدْوُه طَرباً والْقلبَ شَجواً بأنَّةِ الألحانِ
واغْنَ يا صاحِ قبل فَوْتِك واسْتجْلِ عَرُوساً بمُطْرباتِ الأغانِي
واحْتسِيها عذراءَ كاساً فكاساَيتلاَلاَ حَبابُها كالجُمانِ
يتَهادى بها إليك غَرِيرٌخَنِثُ اللَّحْظِ فاترُ الأجْفانِ
لَيِّن العِطْفِ يسْتَبيك إذا ماقام يخْتالُ مثلَ خُوطِ الْبانِ
يُشْبه النَّوْرَ منه رَوْنَقُ وجهٍوترى الخدَّ منه كالأُرْجُوانِ
واجتنِ للْمَشامِّ من يانِع الزَّهرِ صنوفاً من روضِك الفَيْنانِ
واطْلقِ العودَ في المَجامِرِ والنُّدْمانَ حَيِّ بماءِ وردِ القِنانِ
فلَعَمْري هذا هو العيشُ فاغْنَمْفسِوى اللهِ كلُّ شيءٍ فانِ
وكتبت إليه أمدحه بقولي:
كتمتُ هواه لو يُفِيد التَّكَتُّمُوكيف ودمعُ العين عنه يُتَرْجِمُ
لك اللهُ قلبي كم تُقاسي لَواعِجاًلها في الحشَا نارٌ من العشْق تُضْرَمُ
بُلِيتُ بقاسٍ لا يزال يُذِيقنيمن الصَّدِّ ما لم يلْقَه قبلُ مغرمُ
فسلَّمتُ قلبي طائعاً غيرَ أننيأُؤخِّر رجلاً في الهوى وأقدِّمُ
وما كنْت أدري أن للعشقِ فتنةًوأن اجْتنابَ الشرِّ للحُرِّ أسْلمُ
فلما رأى وجْدي عليه تغيَّرتْخلائقُه ثم انْثنى يتحكَّمُ
وصَدَّ وجازاني على الوُدِّ بالقِلَىوأعْرض عني وهْو بالحال يعلَمُ
وبَدَّل مِيثاقي وأضْحى مُجانباًيمُرُّ فيَثْني عِطْفَه لا يسلِّمُ
وأَغْدق دمعي وهْو ماءٌ مُمنَّعٌوحَلَّلَ قتْلي وهْو أمرٌ محرَّمُ
عفا اللهُ عنه من بخيلٍ بقُرْبِهوسامحه من ظالمٍ ليس يرحمُ
أُقضِّي به عمري مع اليأسِ والمُنىولي من عَذُولي كلَّ وقتٍ مُهيِّمُ
أبِيتُ أُعاني الوجدَ ليلة لم أكُنْبغيْرِ ثَنا فَرْدِ الورى أترنَّمُ
عَنيتُ النقيبَ السيد السَّنَد الذيغدا مثلَ بسم الله فهْو مُقدَّمُ
وحيدٌ له الأفْضال طبعٌ وشِيمةٌوفيه انْتهى جودُ الورى والتَّكرُّمُ
إذا كان نُور الشمس لازِمَ جِرْمِهافطلعتُه الزهراءُ نُورٌ مجسَّمٌ
ونادِيه روضٌ بالفضائل مُزهِرٌلسانِيَ فيه البَلْبُلُ المترنِّمُ
تُعطِّر هّبَّاتِ النسيمِ خِلالهُفليْست بعَرْفٍ غيرِها تتنسَّمُ
ويفْترُّ عن لأْلاءِ بِشْرٍ كأنهمُقبَّلٍ شَادٍ ألْعَسٍ يتبسَّمُ
أمولايَ أنت الناسُ يا فوق فَوْقهملأنَّك للطلاب رزقٌ مقسَّمُ
هواك بقلبي ليس يبْرَح لحْظَةًبه أبْتدِي الودَّ الصحيحَ وأخْتِمُ
ولي في عُلاك الباهر المجْدِ في الورىعقودُ كلامٍ بالثناء تُنظَّمُ
قَوافٍ إذا ما أُنشِدتْ بين أسرةٍفقُسٌّ لديْها بالفصاحة أبْكمُ
وما هي إلا الزّاهراتُ فلو بدتْلقامتْ مقام الزُّهْرِ والليلُ مظلِمُ
تمتَّع بها من مادحٍ ليس يرْتجِيمن الدهرِ شيئاً غيرَ أنَّك تسلَمُ
وحسبُك شُكْرِي ما بقيتُ على المدىوقلبي وأعْضائي تصدِّق والفَمُ
فكتب إلي مراجعا بقصيدة على رويها، وكنت مريضا، وهي:
حسْبُ المُنى حيث الحوادثُ نُوَّمُوحواسدِي وعواذِلي واللُّوَّمُ
وافْتنِيَ الحسناءُ في دَاجِي ذَوائبِها وللأشْواقِ فيَّ مُخيَّمُ
عذراءُ وافَتْ وهي تخْترق الضِّيامن وجهِها مُذْ لاح فيه تبَسُّمُ
فتعطَّرت منها الرُّبوعُ وفاض فيأنْحائها منها السَّنا يتنَسَّمُ
ولَطالَما راقبْتُ من وَلَهِي بهاطَيْفاً يُلِمُّ بزَوْرة تُتغنَّمُ
ومن اغْتذى ضَرْعَ الهوى هل عَيْنُهيوماً بتَهْويمِ الكرَى تتنعَّمُ
كَلاَّ إِذا الأحْشاء خامَرَها الهوىقِدْماً فلاَعِجُه بها متضرِّمُ
وافتْ فحُقَّ ليَ الهناءَ بها كما الواشون حُقَّ لهم بذاك توغُّمُ
فغدوتُ ذا طَرَبٍ قريرَ العين سِلْكُ الشَّمْلِ بالاحباب لي مُتنظِّمُ
لا بِدْعَ أن أزْهُو إذاً وأجُرُّ ذَيْلَ العُجْبِ تِيهاً والهوى أتهكَّمُ
وأمِيدَ نَشْواناً بكأسِ حديثهاوثناءِ ناظِم عِقْدها أترنَّمُ
لِم لا أكنْ بثَنائِه مُترنِّماًوهو الأمينُ وبالمُنى المتكرِّمُ
الأرْيَحِيُّ المَكرُمات ومن حوَىحسنَ الحُلا فيها غدا يتوسَّمُ
رَبُّ الفصاحةِ والنباهةِ مَن غداوله من الفضل الجسيمِ تجسُّمُ
ما اللطفُ في النَّسَمات إِلا من كَرِيمِ خِلالِه وبعَرْفها تتنسَّمُ
تخِذَ التَّطوُّل بالمكارِم عادةًفكأنه كِلفٌ بذاك مُتيَّمُ
لا غَرْوُ أن ملأتْ محامدُه المسامِعَ واسْتلذَّ سماعَها المترنِّمُ
يافرعَ أبناءِ الكرام ومَن لهمفي كل مجدٍ رُتبةٌ وتقدُّمُ
بُشْراك ما أُوتِيتَ من أجْرٍ بماعاينْتَ من وَصَبٍ عِدَاك يُيِّممُ
فتهَنَّ مأجوراً ومسروراً بعافيةٍ أتتْك فلا عدَتْك تعمّمُ
وعَدَتْك أسْقامٌ عَنَتْك وللعِدَى العادِين وافتْ بينهم تتقسَّمُ
وبِقيتَ في ظلِّ التَّهانِي سالماًوالعيشُ مُخَضرّاً لديْك مُخِّيمُ
وإِليْكَها قُسِّيَّةً ألفاظُهاكالدُّرِّ في سِلْكِ الثناء تُنظَّمُ
جادت بها منِّي قريحةُ مُوقِنٍبجُمودها إِذ جاء منك مُهيِّمُ
فاعذُر وكن بثنائها متمتِّعاًحسَب المُنَى حيث الحوادثُ نُوَّمُ
فكتبت إليه معتذراً عن مراجعته بقصيدة: لعارض المرض، وما أقول إلا كما قال الديباجي: كلامي في خطابه مماثل لانعكاس الناظر، ورد الفوارة ماء الغمام الماطر:
ليس فَمي فيك يبلغ الشكرَامن بعد ما قد ملأْتَهُ دُرَّا
بعثْتَ لأي بالحياة في كَلِمٍيزيد في العمر لطُفها عُمْرَا
من كل لفظٍ في اللفظِ أحسَبُهينفُث هاروتُ منه لي سِحرَا
لم تصْطنِع جَبْرَك القلوبَ لمنيدعوك إِلاَّ وتقْتني أجْرَا
يا من هو الروضُ في خلائقِهيَعْبَق من نَسْمةِ النَّدَى نَشْرا
شَوْقى لتقْبِيل راحتْيك لقدجاوزَ حتى لم يُبْقِ لي صَبْرَا
لكنَّ عُذْرى إليك مُتَّضِحٌفاقبَلْ حَماك الإله لي عُذْرَا
فبعث إلي بهذه الأبيات:
أيُّها المُوسِعُ المنى بِشْرَادُمْتَ تْستنِطق اللَّهَي شُكْرَا
ودام ثغرُ الوِاداد يْبَسم منبِشْر مُحيَّاك لافِظاً دُرَّاً
وحبَّذا منك ذا لآملهِفْهو لَعَمْري ينافِس الشِّحْرَا
لقد منحت المُحِبَّ منك بماأثْلَج منه الفؤادَ والصدرَا
مِن كل لفظٍ في اللطفِ أحْسَبُهينفُث هاروتُ منه لي سِحْرَا
فدُمْ لنا روضةً نُسَرُّ بهاومِن رُباها نسْتنشِق العِطْرَا
وفيك ما دامتْ لنا الُمَنى أَمَمٌإن نْلتُها كان لي بها البُشْرَى
وكتب إلي يستدعيني إلى منتزه:
أنعم اللهُ للْجناب صَباحَهْوبإسْعادِه أراش جناحَهْ
وحَبانَا حَسْبَ المُنى بأماليهـ وآدابِ فضْله المستباحَهْ
وأقرَّ العيونَ منَّا بما مِنغَضِّ آدابهِ أجاد اقْتراحَهْ
يا أمينَ الكمال وابنَ ذوي الفضْلِ وخِدْنَ العُلى ورَبَّ الفصاحَهْ
لا عدِمْتُ الوفاءَ منك بأوفىصِدْقِ عهد يُجدِي إلىَّ نجاحَهْ
فأجِبْ داعياً إلى منزلِ القصْف صباحاً لكي ننال رَباحَهْ
مُسْعِداً حظَّه ببِشْرٍ ولُطفٍبهما الصدرُ راح يلْقَى انْشِراحَهْ
وابْقَ سَلْماً خَدِيمُك السَّعْدُ ما أسْعَد خِلُّ إلى خليلٍ صباحَهْ
فخطابته مرتجلاً:
أسعد اللهُ من تكون صباحَهُفمُحيَّاك للصباحِ صَباحَهْ
بأبي أنت وأمي رائِشاً لجناحيفي زمانٍ عدمْتُ فيه نجاحَهْ
كان قِدْماً جوادُ حَظِّي جَمُوحاًفلأنْتَ الذي أزَحْتَ جِماحَهْ
قد أتْتني أبياتُك الغُرُّ تخْتالُ وقد أُوِتيَتْ جميعَ الملاحَهْ
مُبْدَعاتٍ لا يبرحُ الطرفُ عنهافهْى قَيْدُ النَّواظر اللَّمَّاحَهْ
كلُّ لفظٍ منها كوُسْطَى نِظامٍزَيَّن العقْدُ منه جِيد الفصاحَهْ
قد دعتْني إلى اغْتنام عُهودٍأنا منها في غِبْطةٍ وارْتياحَهْ
ألْفُ سَمْعٍ وطاعةٍ ولك الأمْرُ الذي ما برحْتُ أرجو نجاحَهْ
وابْقَ واسْلَمْ على المَدى لمُحِبٍّلك يدْعُو غُدُوَّه ورواحَهْ
وعزم يوماً على التنزه في حديقة اتخذها مألف نشاطه، ومحل أنسه وانبساطه. فكتب إلى يستدعيني:
نتفدَّاك مُسْتماحَ الوِدادِثابتاً في حِفاظِه كودادِي
مُستباح الجَنى وطَلْقَ المُحيَّاذا جَنَانٍ رَحْبٍ وبِشْرٍ بادِى
يا كريماً خصالهُ تجْذب الآمال طبعاً لفضلِه المستفادِ
إثْمِدٌ للعيون بِشرُ مُحيَّاك فكن مُفْضِلاً بذاك مُهادِي
وأجبْ مسعداً بلُقْياك داعٍشَفَّه الشوقُ فهْو بالمِرْصادِ
وابْقَ سَلْماً ممتَّعا بأمانِيكَ على رَغْم مَعْطِسِ الحُسَّادِ
ما تداعَتْ إلى التَّدانِي أمَانٍمن مَشوقٍ أشواقُه في ازْديادِ
ولما قدمت من الحج كتب إلي، فأهدى لي البدر من بيت شرفه، والعيش في نضرة ترفه:
بُشْرَى بمَقْدَمِ خيرٍ منك مسعودِأهْدَى لنا رَوْحَ أُنْسٍ منك معهودِ
أعاد أُنْسَ تدانينا وأسْعَدنابعد التَّباعد حيناً في ذُرَا الجُودِ
فلْيَهْنِ معشرَ أحْبابٍ وحُقَّ لهمبأن يُهَنَّوا ببشرٍ منك مشهودِ
كما يحقُّ هَناءٌ للْجَناب بمارَوِيت من زَمْزم المُشْفِى لمقْصودِ
بُشْراك بشراك ما بُلِّغت من نِعَمٍوما نعِمْتَ به من فضلِ مَعْبودِ
مُخَيِّمٌ بمِنًي حيث المُنى أَمَمٌقريرُ عينٍ بموجودٍ وموعودِ
ُمتمِّماً بطَوافٍ نُسْكَ حَجِّك مَقْرُوناً بحسْنِ قَبولٍ غيرِ مردودِ
مُيَمِّما سيِّدا مَن زاره وجبتْله الشفاعةُ حقّاً غير مَجْحودِ
عليه أفضلُ ماصلَّى الأنامُ علىجنَابِه مِن صلاةٍ عِدْلَ معدودِ
تُتْلى بأوْفى سلامٍ والرضا أبداًيَنْدَى على آلهِ والصحبِ بالجودِ
مُثْنٍ عِنانَك فوراً نحو طَيْبتِهعَوْدا لأحمد إذ هُو أحمدُ العودِ
فمن تطيَّب من دَارِيِّ تُرْبتِهيَشْتَمُّ ما عاش عَرْفَ المسكِ والعودِ
واُبْشِر بَحْمدك في الأخرى سُراك غَداًفما السُّرَى عند صُبْحٍ غير محمودِ
ودُمْ حَلِيفَ مَسَّراتٍ خَدِينَ تُقيًفي ظلِّ سعدٍ نَدِىِّ العيشِ مَمْدودِ
واعْذُر أخاك بما أبْدتْ قريحتُهمن رَوْح أُنْسِك لا من مثل جَلْمُودِ
واعْذُر تأخُّر خَجْلَي دون موعدهافما القضاءُ بمنْكورٍ ومجْحُودِ
فلا برحْتَ نعبمَ البْالِ مقتنِصاًبِيضَ الأمانِي بسَعْدٍ غير مورودِ
وردت علينا سنة من سني يوسف لم تدع للأنس وقتاً، ولم تبعث إلا إساءة ومقتا.
فأقبل الربيع وولى، ولم ندر أجاء أو لا.
وقد طمست آثار المسرات، عند ما قامت نوائب المضرات.
فذكرت أوقاتي معه، حيث مآربي به مجتمعة.
تشرف بحلاه، وتبتهج بعلاه.
وكان وعدني بإرسال بعض قطع، من نظمه المبتدع.
فكتبت إليه: رقعتي إلى الحضرة الشريفة صدرت عن ذهنٍ كليل، وحدٍ فليل، وقلقٍ كثير، وتصبر قليل.
وخاطر منقبض، وأسًى في الصدر معترض.
كيف والأنس تقلص ذيله، وأظلم دون الأمل نهاره وليله.
وهيض عضده، وغيض ثمده.
فليبك عليه الباكي، وليبث ما يجده من فقده الشاكي.
فهذا الورد كما جاء راح، وما تعطر به مجلس راح.
فهو لذلك شق جيبه بل قلبه حزنا، واستعبر حتى فقدت دموعه، فاستنجد للبكاء طلاً ومزنا.
وغطى رأسه بأكمامه، خجلان من سماجة أيامه.
وكان يقال له: اختشى ألم القطع فاحتسى الزعفران، وأما الآن فقد احتساه ليغيب حواسه عن آلام الزمان.
بل سمع بالنار تتسعر لاستقطاره، فناشد بأن يجعل بقبض روحه وألا يعذب باستنظاره.
وما زال يستجير من جور الدهر الخؤون، إلى أن رق له النسيم وحنت عليه الغصون.
فهذا حال الورد وهو زهر، فكيف حال صبٍ يدري مواقع الدهر.
تذكرك عهوده الماضية، أيام كان بخدمتك في العيشة الراضية.
وأنت تغنيه بنضارة لفظك عن الورود المتنوعة، وبفنون حفظك عن الطرف المتجمعة.
فأي عيشٍ له بعدها يطيب، ولا روضٍ صباه مخصب ولا غصنه رطيب.
فإن رأيت ولك الرأي أن تتلافى في بعض رمق، فلتهدلي الحياة من أشعارك الغضة في طبق.
لأستبدل بها من صدأ لهم صقالا، وأفرج بها عن فكرتي ارتباطا واعتقالا.
فتعود كهولتي صبا، وتهب ريحي صبا.
فعندها أقول للأمل: دع الأيام تكن غضابا، إذا ما اجتنيت من هذه المشافهة رضابا.
فمهما مننت، تطولت وأحسنت.
فالوقت إساءةٌ أنت إحسانه، وناظر ليس إلا أنت إنسانه.
فالله يبقيك ما انهشت بك أساريره، وقامت بك عن ذنوبه معاذيره.
فراجعني بقوله: سيدي الأمين، ومؤيدي في كل حين.
حرس الله تعالى من الغير حصن جهاتك، ومن الكدر صفو أوقاتك.
وتولى حفظ ملكي ذاتك، وصون مضافاتك من كل فاتك.
وشرح منك وبك الصدور، وأنعم منك وبك البال وحباك السرور.
لا زلت تحيى بروح تلافيك التياحي، وتحبي بريح تلافيك ارتياحي.
فلقد وايم الله أوليت من صنيعك منه بما أمليت، فكأنما بلساني نطقت وعما أعربه جناني أعربت.
فصديقك في الحال قد واساك، ورفيقك في المجال قد ساواك.
غير أنه وجم عن بث أحزانه، من تقلب وقته وانقلاب عيانه.
يقول إيهِ وقد وجَمْتُ ومَنيَنْطق أو من يُطِيق مُحْتِملاَ
كيف وقد تقلص من الوقت ذيل أنسه، وصار من المقت يحسد يومه لأمسه.
واعتاض مستامٌ جميل عوائده، بصفقة الخسران من فوائده.
فهاك الود زاد فيه برهة وجلا، وعاد سرعةً نادماً خجلاً.
فحق له ما به قد وصفته، بل وإن لم يعد لمثلها لكنت أنصفته.
هذو وهو زائر مجتاز، فما حال من هو لمواقع دهره الظلوم مجاز.
تعرض مجتازا فكان مذكرابعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر
فياله من مذكر مصيب، قد حبانا من مآثره بأوفى نصيب.
حيث ذكر الفطنة السليمة، بسوابق عوائدها الكريمة.
فجاءت جريا على العادة، بما استوجب منى الشكر وزيادة.
فعند ذلك تنفست نفس المصدور، وهنالك نشطت كما نشط المخمور.
وامتثلت الطلب، حيث كان عين الأدب.
واستدعيت القريحة الخامدة، واستنطقت الفكرة الجامدة.
فأبدت هذا القول، حيث علمت بأن العذر عندكم مقبول:
أرْغدُ العيش ما وفَاك زمانُهْوتواخَاك يا أُخَيَّ أمانُهْ
وصفا مَشْرب التأنُس واستدْعتْك للقصف والهنا إخْوانُهْ
وتدانتْ به الأماني وأزْرتبالثُّريَّا في نَسْقِها نُدمانُهْ
وتداعَى من المحبِّ حنينٌوتدانَى من الحبيب جَنَانُهْ
فغَدْوا والمُنى لهم أمَمٌ يحْسنُ كلٌّ شكراً لمنْ ذا امْتنانُهْ
هكذا العمرُ يُستفاد وحقّاًيُستجاد احْتسابُه وبيانُهْ
با حبا الّله بالأحبَّة مَغْنىًفَيَّأَتْ غصنَ روضِه أفْنانُهْ
هو للقصْف منزلٌ مستطابٌطال ما ضمَّ شمْلَنا فَيْنانُهْ
جاور السفح فاكْتسى عاطرَ النَّفح فأضْحى ذاكِيَ الشَّذى رَيْحانُهْ
فرَعَى اللهُ سالفَ العهد منهحيث لي بالسعودِ كان اقْترانُهْ
وأمانينا تبادرنا مُسْتبقاتٍ والعيشُ طَلْقٌ عِنانُهْ
وأماليك تُستفاد وآدابُك روضٌ يشُوقنا عُنْوانُهْ
حيث كانتْ تَنْدَى أراكةُ حظِّيمن نَدى لفظِك الشهىِّ وِزانُهْ
فسقى الّلهُ بالحيا ذلك السَّفحَ وحيىَّ عهودَه رِضْوانُهْ
وحبانا منها بأحمدِ عَوْدٍوأرني بك المُنى إحْسانُهْ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع