من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
فصل (٢)
ذكرت فيه طائفةً تتلو تلك، من الشعراء الذين كل منهم لزينة الحياة درَّة سلك.
قد جمعني وإياهم الزمان والمكان، وأراهم خلفوا من دخل في خبر كان، على أبدع ما في الإمكان.
وهب الله لهم أعماراً بقدر ما يرضيهم، ولا أعدمني التمتُّع بآدابهم على تنائي أراضيهم.
وكفانا ما نرجع إليه من تجازي النِّيَّات، إنه العالم بالخفيات، والمطَّلع على ما تتكافى به الطويَّات.
عبد الرحمن بن إبراهيم الموصلِي هو في الميدان سابقٌ طلقٌ عنانه، وكأنما حُشِر الصَّواب بين بيانه وبنانه.
من ملأٍ رتعوا بأنضر خميلة، وبذلوا ما شاء السَّماح من عارفةٍ جميلة.
مكانه في السُّراة ذروة التَّمام، وليديه في الجود آثار الغمام.
لا يتبوأ إلا ظلَّ الكرامة الأندَى، ولا يبيتُ إلا حيث المحلَّق والنَّدى.
وقد متَّعني الدَّهر برهةً بحضرته، فتقلَّبت معه في بهجة العيش ونضرته.
وسمعتُ لفظاً غذاء الرُّوح، وشاهدتُ خلقا فيض الملائكة والروح.
إلى تثبُّتٍ يستخِفُّ الجبال الرَّواسي، وانعطافٍ يلين القلوب القواسي.
وأنا من ذلك العهد لا أفتر عن تذكُّره بخاطري، وأتمثَّل شخصه في ضميري حتى كأنَّه حاضري.
وله أشعارٌ كلَّها نكت للمتملِّي، وملح للذيق المسْتحلي.
وفيه نخبٌ للفتَّاك، وسُبحٌ للنُّساك.
يقول ما يشاء فتستحسنه، وتريد الطير تحكيه فلا تحسنه.
وقد أثبتُّ له ما يسترقص الجمادات طربا، ويترك في كلِّ قلبٍ مضطرَبا.
فمنه قوله:
عجزَ الرُّفاةُ عن الحجى ورِقائِهوكذا الأُساةُ عن الهوَى ودوائِهِ
ثكلتْهم الأعشابُ ويحَ كِبادِهملم يعلموا ما حلَّ في سودائِهِ
حلوا المراكِب والغرائِم واتركواكلاًّ يروحُ مزمَّلاً ببلائِهِ
أبَنِي الصَّبابة والهوَى من بعدِناإنِّي لكم هيهات من زرقائِهِ
ليس الهوَى بسفاهةٍ من كالحٍفدعُوا الغرامَ ومنتدَى عدوائِهِ
إنَّ الصِّيانةَ واللَّطافةَ والحيَاعلمٌ عليه يدلُّ من أسمائِهِ
فهي الأمانةُ أنبأتْ عن فضلِ منفتقَ العبيرَ وخصَّه بردائِهِ
وقوله من أبيات:
لئِن كنتُ أسعَى كلَّ حينٍ إليكُمُوتعكسُني الآمالُ عن حبكُم غصبَا
فلِي أسوةٌ بالنجمِ للشرقِ سِيرُهمدَى الدهرِ والأفلاكُ تنجو به الغربَا
هذا من قول الأرَّجاني.
أنحوكُمُ ويردُّ وجهِي القهقَرِيعنكُم فسيْري مثل سير الكوكبِ
فالقصدُ نحو المقصدِ الأقصَى لكُموالسيرُ رأى العينِ نحو المغرِبِ
وقوله:
سلبُوا الغصونَ معاطِفاً وقُدوداوتقاسموا وردَ الرياضِ خُدودا
طعنُوا القلوبَ بما تلاشى دونهطُعْنُ الرماحِ وسدَّدُوا تسديدا
فتنُوا الورى بلواحِظٍ وتجاوزوابالفتكِ من نهبِ العقولِ حدودا
وتقاسموا أن لا يُراعوا ذِمةًلمتيَّمٍ أو يحفظون عهودا
تركوا الحُلِيَّ شهامةً واسْتبدلواحُللَ المحاسنِ والبهاءِ ورودَا
فغدَوا بها مستعبدين أُلِي النُّهىمما يشيقَك طارِفاً وتليدَا
نظمُوا الثَّنايا في المباسِمِ لؤلؤاًتحت الزُّمرُّدِ والعقيقِ عقودَا
تَخِذوا البنفسج في الشَّقيق عوارضاًوالياسَمين معاصِماً وزُنودَا
بدَلوا الخُصورَ من الخناصِر رِقَّةًواسْتبدلوا حُقَقَ اللُّجين نُهودَا
فهُم الملُوك الصائلون على الورَىوهُم الظِّباءُ القائدون أسودَا
نظروا إلى الجوْزاءِ دون محَلِّهمْفعدَوا على هامِ السِّماكِ قُعودَا
من كلِّ من جعل الدجى فرعاً لهوالبدرَ وجهاً والصباحَ الجِيدَا
رَيَّان من ماء النعيمِ إذا بدَاخرَّتْ له زُهرُ النجومِ سجودَا
كالماء جسما غيرَ أن فؤادَهأضحى على أهلِ الهوَى جُلمودَا
تزدادُ من فرطِ الحياءِ خدودُهعند اسْتماع تأوُّهي توْريدَا
لو أبصرَ النُّصاحُ فائقَ وجهِهعذَلُوا العَذولَ وحاربوا النَّفنِيدَا
أو لو رآه راهبٌ من بيعةٍألقى الصليبَ ولازم التَّوحيدَا
كم ذا تُذكِّرني العقيقَ خدودُهوالطَّرف حاجِرَ والعِذارُ زَرُودَا
وإذا بدَا مُتلفِّتاً من عُجبِهبالجِيد أذكرني طُلاه الغِيدَا
ما الظَّبيُ أحسنَ لفتَةً من جِيدِهعند النِّفارِ وإن أقامَ شهودَا
يحْمِي اللَّمى والخدُّ عقربُ صُدغِهعن واردٍ أو من يروم وُرودَا
قد رقَّ منه الخصْر حتى خِلتُهعند اهْتِزاز قوامِه مفْقودَا
ما خُلْقُه إلا النَّسيمُ إذا سرَىبين الرياضِ وإن طالَ صُدودَا
قلت: لولا أن قصدي استجلاب الثناء لهذا الأديب، لضننت بهذه الأبيات خوفاً من أن لا يراعى حقها عند أهل التأديب.
ولَوَدَدْتُ لو علِّقت في جبهة الأسد الكاسر، أو ضُمَّت للنيِّرات في الفلك العاشر.
وقد عارض بها الأبيات المشهورة، المنسوبة إلى محمد الشهير بعبد الله، وهي هذه:
غصَبُوا الصباحَ فقسَّموه خُدوداوتناهبُوا قُضُبَ الأراكِ قدودَا
وتظافروا بظفائرٍ أبْدتْ لناضوءَ النهارِ بليلها معقودَا
صاغوا الثغورَ من الأقاحِ وبينهاماءُ الحياةِ قد اغْتدى مورودَا
ورأَوْا حصى الياقوتِ دون نحورِهمفتقلَّدوا شُهْبَ النجوم عُقودَا
واسْتودعوا حدَقَ المها أجفانهمْفَسموْا بهنَّ ضَراغِماً وأسودَا
لم يكفِهم حدُّ الأسِنَّة والقنَاحتى اسْتعاروا أعيُناً ونُهودَا
رُوِي مسنداً إلى أبي عمر بن شامل المالقي قال: لقيت يوماً الشيخ الخطير أبا محمد بن علي المالقي، وكان رجلاً مجاب الدعوة فقال لي: أنشدني.
فأنشدته الأبيات المنسوبات إلى محمد الشهير بعبد الله، وهي هذه المذكورة.
قال: فلما أتممتُها صاح الشيخ، وأُغمَى عليه، وتصبَّب عرقاً، ثم أفاق بعد ساعة، وقال: يا بني، اعذرني، فشيئان يقهراني، ولا أتملَّك عندهما نفسي: النظر إلى الوجه الحسن، والشعر المطبوع.
وبيت النهود مما يكثر السؤال عنه، وقد رأيت في شعر ابن عمار الأندلسي بما هو مثله. وهو:
كُفَّ هذا النَّهدَ عنِّيفبقلبي منه جُرْحُ
وهو في صدرِك نهدٌوهو في صدري رُمْحُ
وأنا لم أدرك وجهه، ثم رأيت في شعر ابن خلوف ما بيَّنه بعض البيان، في قوله:
وقُدودٍ كأنَّهنَّ رِماحٌقد علَتْها أسِنَّةٌ من نهودِ
وأنشدني الموصلي لنفسه قوله:
هم يحسَبون دموعَ العينِ مذ عطَفواهي الدموعُ التي يوم النَّدى تَرِدُ
وإنما هي نصلٌ حلَّ في كبِديمن نَبْل جَفنٍ ولم يشعُر به أحَدُ
فانْحلَّ ماءً أمْسَى يُقَطِّرهمن اللهيبِ دموعاً ذلك الكبِدُ
ومن غزلياته الرقيقة، التي هي السحرُ في الحقيقة، قوله:
أما وبياضِ الدرِّ من ذلك الثغرِوما فيه من خمرٍ وناهِيكَ من خمرِ
أماناً وما بالطرفِ من كلِّ صارمٍيجول بأجفانٍ مُلِئن من السحرِ
يصول به في الناسِ ألطفُ شادِنٍبقلبٍ على العشَّاقِ أقسَى من الصَّخرِ
أسال عِذاراً فوق خدٍّ كأنهسلاسلُ مسكٍ في صِحافٍ من التِّبرِ
وإلا فنملٌ دبَّ فوق شقائقٍمبلَّلُ أطرافِ الأناملِ بالحِبرِ
بعيدُ مناطِ القرطِ أشهَى لمُعسرٍإذا ماسَ تِيهاً بالدلالِ من اليُسرِ
وأحلَى من الماءِ الزُّلالِ على الظَّماوأوقعُ معنًى في النفوسِ من النصرِ
يكادُ من القمصانِ لولا وِشاحهإذا فكَّتِ الأزارارُ من لطفِه يجرِي
فكم ثمَّ دون الجِيدِ منه مآرِبٌمن الخَصرِ تدعو العاشقين إلى النَّحرِ
فمذ خبَّروني أن كوكبَ خدِّهيُقارنه المرِّيخُ أحسستُ بالشَّرِّ
ركبتُ هواه بُكرَةَ العمرِ راكِباًمطايا شبابي وارتياحي مع الفجرِ
فأشفقتُ منه في الظَّهيرة راجِلاًيُرِيني نجومَ الأُفقِ في ظُلمةِ الهجرِ
متى قلتُ هذا الصُّدغُ أبدَى عقارِباًوإن رمتُ أجنِي الوردَ أحماه بالجمرِ
أحماه مثل حماه، إلا أنه يقال فيما امتنع وتُنودِر، كما هنا.
وإن مِلتُ نحو الثغرِ قالتْ عيونُهيَزيدكَ هذا الخمرُ سكراً على سُكرِ
قريبُ مرام النَّفس لطفاً وإنهلأعلَى منالاً في الأنامِ من البدرِ
ترقَّى به شعرِي فعزَّ منالُهوأمسَى كعقدِ الدُّرِّ يزهو على الصَّدرِ
لئِن جادتِ الأيامُ يوماً بوصلِهيميناً فإني قد صفحتُ عن الدهرِ
قوله: وإلا فنملٌ إلخ، من قول الوزير المغربي:
أوحَى لوجنتِه العِذارُ فماأبقَى على ورَعي ولا نُسكِي
وكأن نملاً قد دببنَ بهاغُمِستْ أكارِعهنَّ في مِسكِ
ثم رأيت ما هو عين المأخذ في قول العز البغدادي:
كأن عِذارَيهْ اللَّذين تراسَلاهلالان من مسكٍ وبينهما بدرُ
مُنمْنمَةٌ فوق الخدودِ كأنهامشَى فوقها نملٌ بأرجلِه حِبْرُ
وقد ضمَّن هذا المصراع بعينه، في أبياته المشهورة، حيث قال:
أنَبتُ عِذارٍ أم شائقُ روضةٍمشى فوقها نملٌ بأرجلِه حِبرُ
أم العنبرُ المفْتوتُ من فوق وجنةٍأسالتْه نار الخدِّ فانْبهمَ الأمرُ
فحيَّى عِذاراً أذهل الصبُّ مذ بَدَاوإن ضلَّ فيه العقلُ واختلطَ الفكرُ
يتيهُ به لدْنُ القَوامِ مهفْهَفٌله في اختلاسِ العقلِ من حُسنِه عُذْرُ
هِلالٌ إذا ما قلت أمسى جَبينهصدقْتَ ولكن دون طلعتِه البدرُ
تعلَّم منه الظبيُ لفتةَ جِيدِهومن طرفِه الوسْنانِ يُسْتنبَط السحرُ
متى صافحتْ سمْعي رقائقُ لفظِهترى كلَّ عضوٍ داخلَهُ السكرُ
يُمازج ألفاظَ البلاغة صوتُهفيبدو لنا دُرًّا وفي ضِمنه خمرُ
وتشكو ارتجاجَ القُرطِ صفحةُ جِيدِهكما بات يشكو من غدائرِه الخصرُ
يخبِّر عن كأسِ المَنونِ بصَدِّهويقْتلني منه إذا هجَر الهجرُ
به غزَلي أضحى وفيه مدائِحيومنِّي لمعنى حسنِه النظمُ والنثرُ
وقوله: يكاد من القمصان لولا وشاحه، من قول بعضهم:
أخْشى الْتماسَ يديْه من ترَفٍ بهوأظنُّه لولا الغلائِلَ سالا
خالد الكاتب:
قد صاد قلبِي وصار يملكهُفكيف أسلُو وكيف أترُكُهُ
رطيبُ جسمٍ كالماءِ تحسَبهيسلُك في القلبِ منه مسْلَكُهُ
يكاد يجري من القميصِ من النِّعمةِ لولا القميصُ يُمسِكُهُ
وقوله: فأشفقت منه إلخ، العرب تصف اليوم الشديد بظهور النجم فيه.
قال أبو صخر الهُذليّ:
إنِّي أرَى والطرف في سَيْرِيوَضَحَ النهارِ وعالِيَ النَّجمِ
وقد تصرف فيه المتأخِّرون وتظرَّفوا، كابن لؤلؤ في قوله:
أمولايَ أشكو إليك الخُمارْوما فعلتْ بي كؤوسُ العُقارْ
وجوْرَ السُّقاةِ التي لم تزلْيُريني الكواكب وسْطَ النهارْ
ولمجير الدين بن تميم:
بأبي أهيَفَ تبدَّى وحَيَّىبابتسامٍ عدِمتُ منه اصطبارِي
فأراني بوجْهه ومُحيَّاهُ نجوماً أُطْلعْنَ وَسْط النهارِ
ولقد أبدع وأغرب الشهاب الخفاجي، في قوله من قصيدة نبويَّة:
أتى يومَ بدرٍ وهو بدرٌ تَحُفُّهنجومُ سماءٍ أطْلعتْها كتائبُهْ
فمذ برزوا في النَّقعِ شاهدَتِ العدىبهم يومَ بُؤْسٍ لا تغيبُ كواكبُهْ
وللمترجم معارضاً أبيات الشاب الظَّريف، في قوله:
يا أحكمَ الناسِ أسيافاً وأسْبقهُمْفي مهجةِ الصبِّ فتكا دونه الأجَلُ
وأنورَ الوجهِ في الدَّيْجورِ من قمرٍتحت الأكاليلِ مسبولٌ ومُنْسدِلُ
ما السحرُ ألْعبَ في الألبابِ من حَدَقٍدار الشُّمول به من طُرفِك الكَحِلُ
كلا ولا البرقُ للأبصار أخطفُ منشقائقِ الخدِّ إن وافَى بك الخجلُ
من نظمِ ثغْرك وهو الدرُّ مبتسِمٌخمرٌ يزيدك فيه الشُّهدُ والعسلُ
في فترة الحسنِ من لَحْظَيْك هل فتكتْبواترُ الطرفِ أم من قدِّك الأسَلُ
ومذْ تمادتْ بنا الآجالُ واختلفتْعقائدُ القوم مَن للحبِّ قد جهلُوا
لو يدرِ ما الصحُو مذ بانتْ ركائبكُمْصريعُ جَفنٍ لأرباب الهوى ثَمِلُ
أستودعُ الله قلباً سار مرتحِلاًبالخُرَّدِ الغيدِ ماذا السهلُ والجبلُ
وأبيات الظَّريف هي هذه:
يا أقتلَ الناسِ ألحاظاً وأعذبَهُمْرِيقاً متى كان فيك الصَّابُ والعسَلُ
في صحنِ خدِّك وهي الشمس طالعةًوردٌ يَزيدك فيه الرَّاحُ والخجلُ
إيمانُ حبِّك في قلبي تُجدِّدهمن خدِّك الكُتْبُ أو من لحظِك الرُّسُلُ
لو اطَّلعتَ على قلبي وجدْتَ بهمن فعلِ عينيك جرحاً ليس ينْدمِلُ
وله:
أُسامِر عِشقاً من خلائِقه القتلُوحيداً ولا عهدٌ هناك ولا مطلُ
وأُصبِحُ ظمآناً وقد عقَر الظَّمافؤادِي ولا وَبْلٌ هناك ولا طَلُّ
وكم أخصبتْ سُحبَ الأماني مطامعيمَجازاً ويرميها من الوابلِ المَحْلُ
ورُبَّ عذولٍ فيه أشقَى مسامعِيبعذْلٍ فيالله ما صنَع العذْلُ
أقول له والطرفُ يقذف مهجتِيدموعاً لها من كل ناحيةٍ هَطْلُ
وبي من غرامٍ لو تجسَّم بعضُهومرَّ بأهل الأرضِ لافْتتَن الكُلُّ
ترقَّى إلى قلبي بكلِّ دقيقةٍجميعُ هوَى العشَّاق وانْقطع الحبلُ
السيد محمد الحصري نسيبٌ تناسب فيه المدح والنسيب، وحسيبٌ ما مثله في كرم الطباع حسيب.
له همَّةٌ سابغة المطارف، وسيادةٌ موصولةُ التَّالد بالطَّارف.
مُروَّق الأخلاق صافيها، مشمول الشمائل ضافيها.
تكاد ترى وجهك في خصاله، ولا تُغبن إذا اشتريت بنوم العيون يوم وصاله.
وله أدبٌ يطَّرد اطِّراد الغدير حفَّت به خضر الوشائع، وحديثٌ كأنه جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع.
وبيني وبينه وِدٌّ صميم، طيِّب العرف والشَّميم.
أستدعي الأمل لِلُقياه ولو في الأحلام، وأما اجتماعاتي معه فأكثرها تحية الرؤية والسلام.
وقد وقفت له على شعرٍ قليل، فأثبتُّ منه ما هو لرأسِ المجد إكليل.
فمنه قوله من قصيدة عارض بها قصيدة أبي الحسن علي الحصري، التي مطلعها:
يا ليلُ الصبُّ متى غَدَهُأقيامُ الساعةِ موعدُهُ
ومطلع قصيدته:
صبٌّ بالهجرِ تُهدِّدُهقد ذاب جوًى من يُنجِدهُ
والسُّقم بَراهُ وأنحلَهفلِذا ملَّتْهُ عُوَّدُهُ
سهرانُ الطرفِ له رقّتْفي الليل نجومٌ تُسهدُهُ
وغدا يشكو من فرطِ جوًىيا ليلُ الصبُّ متى غَدُهُ
حتى مَ بزَورٍ تُوعدهأقيامُ الساعةِ موعدُهُ
يهواهُ الصَّبُ فيشغلُهأسَفٌ للبيْن يردِّدُهُ
قمرٌ في القلبِ منازلُهفعجيبٌ منه تباعدُهُ
ريحانُ العارضِ فيه حوَىخطًّا ياقوتُ مجوِّدُهُ
في الحسنِ فريدٌ بل ملكٌفتعالَى الخالقُ موجِدُهُ
طِفلٌ لحديث السحرِ غدَاعن بابل طرفٍ يُسنِدُهُ
رَشأٌ اللَّيثُ بمُقلتِهيسطو للغاب يُقيِّدُهُ
يرنو للحظِ فيحسبهللقتل دعاهُ مهنَّدُهُ
بالله أُعيذُك يا أملِيمن قتلِ شجٍ تتعمَّدُهُ
وارْفُقْ بالقلبِ فإنَّ بهجمراً قد زاد توقُّدُهُ
واسمحْ بالغمضِ لعل بأنْفي النومِ خيالُك يُسعِدُهُ
في قيْدِك قد أمسَى دَنِفاًهلاَّ في ذاك تُخلِّدُهُ
وله من قصيدة مطلعها:
خفقتْ على قلبي بنودُهرَشأ يعذِّبني صُدودُهْ
ساجِي اللَّواحظِ أغْيَدٌكالبدرِ يسْبي الظَّبيَ جِيدُهْ
غصنُ النَّقا لما رآهُ هوَى فكان لذا سجودُهْ
إن ماس في حُلَل البهَاتزهو لطلعتِه برودُهْ
لا غَرْوَ أن فاقَ الملاحَ فإنَّها طُرًّا جنودُهْ
فاللَّحظُ يُطمع بالوعودِ ولفظُه يبدو وعيدُهْ
نصبت حبائِلُ أدمعيشركاً له فعسى يُصيدُهْ
فاصْطاد روحِي بعد ماقد أوثقت قلبِي قيودُهْ
كيف النَّجاةُ وسهمُ ناظرِه بأحشائِي نَفودُهْ
يا فاتِكاً بعيونِهِفي مُهجتي وأنا شَهيدُهْ
رِفقاً بحالِ متيَّمٍللنجمِ ناظرُه رَصودُهْ
واسْمح له في غَمْضةٍفلعلَّ لو طيفٌ يُعودُهْ
ما ضرَّ لو ناديتَ مَنفي الحبِّ لا تُنسى عهودُهْ
فاللومُ ليس منقِّصاًوجداً تحكَّم بل يَزيدُهْ
وله من أخرى، مستهلُّها:
فؤادٌ من الهِجران فيك مروَّعُوقلبٌ من الأشواقِ والصدِّ موجَعُ
ومقلةُ عينٍ كُحِّلت بنجِيعِهاوفاضت على الخدَّين منهن أدمُعُ
فمن لي بِكتمان المحبَّةَ بعدماأذاعتْ دموعي سرَّ ما كنتُ أُودِعُ
أبيتُ وفي قلبي من الشَّوقِ لاعِجٌوأغْدو وقَدْحُ الشوقِ في الصدرِ يلمَعُ
فلا الوجدُ إن بانَ الأحبَّةُ مُقلِعٌولا الصبرُ إن دام التفرُّقُ ينفَعُ
ففتِّشْ خليلي عن فؤادِي أوَّلاًأهلْ فيه للوجدِ المبرِّحِ موضِعُ
لك اللهُ هل يُرْجَى شفائِي من الهوَىوهل بعد هذا للتواصُلِ مَطْمَعُ
ومن أخرى مستهلُّها:
يا أخا لبدرِ طلعةً وجبينَاونظيرَ الغصون قدًّا ولِينَا
مَن لنَا أن تَمُنَّ بالوصلِ يا مَنقد جعلتَ الصدودَ في الحبِّ دِينَا
قد ضلَلْنا بليلِ فرعِك حتىضاء صبحُ الجبين منه هُدِينَا
نحن من مؤمنيِك في الحبِّ صِرنَافأغمِد السيفَ عن قتالِك فِينَا
ليس نخشَى حَدَّ الظُّبا من أُسودٍبل ونخشَى من الظِّباء العيونَا
وكفانا يا مُنيَةَ القلبِ أنَّامن سَقامٍ ومن نحولٍ خَفِينَا
لو لقيتُ الحِمامَ ما كان يُدعَىبعظيمٍ ممَّا به قد لقِينَا
فالأمانَ الأمانَ من طولِ إعراضِك عمَّن في الحبِّ أمسَى رهينَا
والمحالُ المحالُ أنِّي أسْلوك وأُذْني تُصغِي إلى العاذلينَا
كيف أسْلو والوجدُ عندي عظيمٌوالهوى في الضُّلوعِ أمسَى دَفِينَا
عبد الرحمن التاجي الخطيب البعلي أديبٌ سامي القدْر، متوقد كالقمر ليلة البدر.
حسن المحاضرة بالأشْيا، وارف الظِّلال والأفْيا.
يجري على طرف لسانه، ما ينطق الدهر باستحسانه.
وهو أخٌ لك فيه الغرض، جوهر أخلاقه لا يشوبه عرض.
وفيه لوْذَعِيّة تُحبِّبه، وبشاشة تزلِفه وتقرِّبه.
وبيني وبينه صحبة ألحمتْها الآداب وسدَّتها، ومودَّة ربطتْها موافقة القلبين وشدَّتها.
وهو اليوم طلق الشِّعر ثلاثا، ونقض غزله أنْكاثا.
وتخلَّص لعلمٍ ينفعه في الحال والمآل، ويجدِّد له في الله كلَّ آنٍ ما تعوَّده من أماني وآمال.
وقد أثبتُّ له من أوائل شعره كلَّ بديع الوصف، زارٍ على الجوهر في الشفافية والرَّصف. فمن ذلك قوله من قصيدة، مطلعها:
تذكَّرتُ أيام الصبابةِ والصِّباوعيشاً مضَى ما كان أحْلَى وأطْيبَا
زماناً به كانت يدُ الدهرِ برهةًتُقمِّصني ثوبَ السعادةِ مُذْهَبَا
سقى الله ذاك الشَّعبَ غيثَ مَدامِعيإذا الغيثُ يوماً عن مَغانيه قطَّبَا
مغانٍ بها كان ائْتلافُ مسرَّتيوإقبالُ عيشي بالمسرةِ أخْصَبَا
منازلُ فيها للبدورِ مطالعٌعلى أن فيها للسحائِبِ مَسْحَبَا
أقمتُ بها بين البشاشةِ والقِرَىوإن شئتَ قُل بين الأحبَّة والحِبَا
وكم سيق من نُعْمَى إليَّ ونعمةٍوكم قيل لي أهلاً وسهلاً ومرحبَا
أبيتُ أجُرُّ الذيلَ تِيهاً ورفعةًولا أرْتضي غير السِّماكيْن مضرِبَا
منها:
وليلةِ سعدٍ ما سعِدتُ بمثلهامدى الدهرِى في تلك المعاطرِ والرُّبَى
أعانِقُ للآمالِ قدًّا مهفْهَفاًوألثِمُ ثغراً للأمانيِّ أشنَبَا
فذاك زمانٌ كلُّ عيشٍ به رِضًىوكلُّ نسيمٍ هبَّ من صَبْوتي صَبَا
وكنتُ أرى أن الزمانَ مُساعديفشِمتُ به برقَ الأمانيِّ خُلَّبَا
فبَيْنا تراني باسمَ الثغرِ ضاحكاإذا بي أعَضُّ الرَّاحتين تلهُّبَا
وأنشدني لنفسه قوله من قصيدة، أولها:
بأبي أهيفٌ كظبيٍ غريرِصال فينا بسيفِ لحظٍ شهيرِ
ألف الصَّدَّ والنِّفارَ ولالاما عهدناه بالألوفِ النَّفورِ
أسرتني لحاظُه النُّجلُ عمداًيا لَثارَ المتيَّمِ المهجورِ
أي ذنبٍ جنيتُ في الحبِّ حتىصرتُ في العاشقين دون نصيرِ
عاذلي تركُك الملامةَ أحرىلو تحرَّيتَ كنت فيه عذيري
لو تراه وقد أدار عذاراًمثل وشيِ الطِّراز فوق الحريرِ
لعلمتَ الغرام إن كنت خِلْواًوعذرتَ العميد عُذرَ بصيرِ
أو رشفتَ الزُّلال من ريقِ فيهِرُحتَ منه بسكرةِ المخمورِ
زار في غفلةِ الرَّقيب فأحيَىميتَ هجرٍ بسعيه المشكورِ
أوضح الفرقَ واستكنَّ بفرعٍفأرانا الصَّباح في الدَّيجورِ
بات سُكري منه بكأسِ حديثٍطيبُ أنفاسه لها كالعبيرِ
ريقُه العذبُ لي مدامٌ ونقليلثمُ خدٍّ بوجهه المستنيرِ
ثم وسَّدتُه اليمين وبتنافي نعيميْ مسرَّةٍ وحُبورِ
ليلةٌ بالعفاف سرَّ بها الدهرُ فكانت كغرَّةٍ في الدُّهورِ
بدرُها رام أن ينِمَّ فأرجعناه منَّا بنفثةِ المصدورِ
هذه نفثة مصدور، تصدَّت لتصدية مرايا البدور.
ونجومُ السماءِ منظومةُ السِّمطِ كنظم الجُمان فوق النحورِ
وسهيلٌ يلوح طوراً فطوراًيتحامى كخائفٍ مذعورِ
والثريَّا قد آذنت بانقضاءِ الليل تُومي لنا بكفِّ مشيرِ
شاهين بن فتح الله إنسان طرف الفضل ومقلة مآقيه، وفارع هضبة البيان وراقي مراقيه.
زرَّت على الفضل أطواقه، وما اهتاجت إلا للكمال أشواقه.
وهو من لطف الطبع أرقُّ من الصهباء في روق الصِّبا، ومن سلامة الناحية أطوع من قدود القُضب لراحة الصَّبا.
وإلى ما حواه من فكاهة يتسلى بها المهموم، ومحادثةٍ يجعلها النديم عوض المشروب والمشموم.
وشعرٍ كحلْي الخَود حواشيه تأتلف، ونثر كوَشيِ الروض رقومه تختلف.
ولما حللت القاهرة، أتحفتني الأيام بطلعته الزاهرة.
فنعتَني بِرَّه عفواً، وسقاني كأس وداده صفواً.
فقرَّت برؤيته عيناي، وأغناني بودِّه عن أهلي ومغناي.
فأنا وإياه بصدق العشرة نتَّسم، وبقدر الحب وحقِّ هواه نقتسم.
وقد أهدى إلي قصيدة أتحفني بها، وهي قوله:
خليليَّ ما أحلى الوصالَ بلا هجرِوما منه أشهى للمحبين بالحصرِ
نعمتُ به دهراً برَيعان نشأتيوذلك من أحظى الحِبَى ليد الدهرِ
وبي أغيدٌ حلوُ الشمائلِ وجهُهيري البدرَ حسناً وهو في صورة البدرِ
أحاديثُه كالشُّهدِ تحلو فكاهةًإذا ما احتساها السمعُ أغنتْ عن الخمرِ
يُشعشِع فحواها ليَ الكأسُ لذَّةًبنكهةٍ أزكى ما يكون من العطرِ
كأن نسيمَ الروض بات يعلُّهفأهدى لنا من طيبِه طيِّبَ النشرِ
فكرِّر بذكر الكأسِ لي دَرّ دَرُّهتعلَّة قلبٍ من جوى الحب في جمرِ
وإن يحكِ ريحَ الحب لطفاً فعاطنيوإن لم يسوِّغه الغناءُ على السكرِ
فيا بأبِي منه الدلالُ معشَّقاًويا حسنَ ذاك المعطفِ اللَّيِّن الهصرِ
رنا بقوامٍ كالقضيبِ ومُقلةٍيجول بهُدبيها غرارٌ من السحرِ
وماس وقد حار الوشاحُ بخصرهرَشاً لم يُطق حملَ الوشاحِ على الخصرِ
إليه تَوالاني هواه فمذْ رأىولوعِي به غطَّى التَّعارفَ بالنُّكرِ
وأغفى وقد ولَّى الغرامَ مقاتِليوولَّى ولم يعبأ بلومٍ ولا عذرِ
فقلتُ وقد ضاقتْ عليَّ وسائليأراجِعُه الطُّولَى بفكِّ عَنا أسري
حنانيك لا تسمع مقالا لكاشحٍبتنميقِه يُغوِي لمن بالجفا يُغري
على أنني رُحماك لا أحملُ الجفاوقد نفِدت مني الذخائرُ من صبري
وجسميَ منهوكٌ ولبِّيَ ذاهلٌوقلبي أسيرٌ آهِ في قبضة الهجرِ
وعنِّي نأى زهوُ الشباب وليتَهيعود ويثني لي الأعنَّة بالبشرِ
وهبْ أنني أثني إلى الودِّ عَزمةًفأين زمانُ اليسرِ من زمن العسرِ
فيا سائلي أين الزمانُ وطيبُهألا فاسألِ الأيامَ تنبيك بالخُبرِ
لقد عوَّضتني الشِّيبَ عنه وإنهيقال وقارٌ لو يقال بلا وقرِ
فمن بعده لم يصفُ عيشي ولم أمِلْإلى لذةٍ هيهات تهتِف في الفكرِ
وجانبتُ أنحاء القريضِ وسوحَهبحيث أرى في سوقِه النَّضَّ كالغَرِّ
وحتى استماعي للقريضِ سئمتُهكأن سيمَ سعرُ الشعرِ في الوزن بالشَّعرِ
وأوحشت الآداب عني فخلتُهاكمعنًى لمغنًى لاح كالآلِ في قفرِ
فحرَّك طبعي بعد ما كان جامداًعلى ما امتطاه من كلالٍ ومن فترِ
وآنس من طورِ المعالي مُخاطباًتجلَّى بأنواع المعاني على فكري
مشيراً إلى مولًى سجايا كمالهتهلُّ سحاباً بالفضلِ والبرِّ
ويُدعى بحقٍّ بالأمين وإسمُهمحمدُ من نسلِ الكرام بلا نُكرِ
ألا وهو مولانا المحبِّيّ إنهرقيق حواشي الطبع ضخم ذُرى الفخرِ
ومن فتيةٍ سادوا وشادوا إلى العلىدعائمَ مجدٍ نوَّرت عملَ الفجرِ
وهم في سماء السُّؤدد الشامخ الذُّرىسراةٌ سرَوْا حدًّا له النجمُ لا يسرِي
وإنك يا مولايَ جاوزتَ حدَّهمإلى مفخرٍ فوق السَّماكين والنَّسرِ
وحزتَ مجالا في المعارفِ واسعاًوعلماً غزيراً جلَّ مع سعةِ الصدرِ
وتهذيبَ أخلاقٍ وحسبُك نسبةًإلى الشرفِ المُدلي إلى المصطفى الطُّهرِ
فاًن تبدو شمسُ الأُفق قلتُ بأنَّهامُحيَّاك لا أغْلو وأنت بها تُزرِي
وشِعرُك أحلى في النفوسِ من المُنَىوأفْعَلُ بالألبابِ من قرقَفٍ بِكْرِ
وقد نِلتُ يا مولايَ أسْنَى مآثِرٍتجِلُّ عن التَّعداد في الفضل بالحَصرِ
فمنها التآليفُ الحِسان التي غدتْبما قد حوتْ كالدُّررِّ في لبَّةِ الدهرِ
وناهِيك بالتاريخ فضْلاً فإنهحَرِيٌّ بكتبِ التِّبرِ فضلاً عن الحِبرِ
لما قد حوَى أبحاثَ علمٍ أنيقةًتُميطُ شحوب الشكِّ كاليُسرِ للعسرِ
وتقريرَ أفهامٍ بديعٌ بيانُهامعانِيه أسرارَ البلاغة تسْتقْرِي
وتحريرَ منقولٍ وضبطَ وقائِعٍيحقِّق منها ما اسْتُريبَ من الأمرِ
كتابٌ لأهل الفضلِ زُخْرُفُ روضةٍيُسيمون منها في معانٍ كما الزَّهرِ
نَهجْتَ به في الفضلِ أبهجَ منهجٍتدوم به حيًّا إلى الحشرِ والنشرِ
به ذِكرُ من يسْتوجبُ الذِّكرَ في الورَىوإحياءُ موْتى للفضائلِ بالذِكرِ
به يُهتدَى للغابرين ومَن مضَىكما يعتدِي السَّارون بالأنجُمِ الزُّهرِ
كأنَّ مزايا ذكْرِهم في طُروسِهمتى تُتْلَ جناتٌ جداولُها تجرِي
لك الفضلُ فيما صُغْتَ من دُرِّ لفظِهنسيقَ معانٍ خِلْنَ ضرباً من السحرِ
فجازاك ربُّ العالَمينِ بفضْلِهجزاءً يُنيل الأجرَ مع رِفعةِ القَدْرِ
وأنت وأيمُ اللهِ مُفردُ عصرِناوحامِي حِمَى الآداب في النظمِ والنثرِ
تتيه بك الأيَّامُ قلَّدتَ عُطْلَهاوقلَّدت منها الجِيدَ من فضلِك الوَفْرِ
ومنك جَلاها من سَنا البرقِ شارقٌوصَاكَ بها من عرفِك العنبرُ الشِّحرِي
وهاك أيا مولاي منِّي مدائِحاًسهِرتُ بها والنجمُ يسبِرُ من فكرِي
وما هي إلاَّ الروضُ حيَّاك عَرْفُهوقد باكرَتْه نَوْءُ فضلِك بالقَطرِ
ومع ذاك لم أقدُرك حقَّك مِدحةًولكنه جُهدُ الأناشيدِ من شعرِي
وإن يكُ قد حازَ انْطِباعاً فإنهلمكتسِبَنْه من خلائِقك الغُرِّ
أُقِرُّ بعجْزِي ليس شعرِي مُكافِياًفَصاحَتَك العظمى ولو صِيغ من تِبْرِ
على أنه ما اسطعْتُه وأعوذ منمَلامةِ تَقصيرِي بعفوِك عن وِزْرِي
فكتبت إليه عنها جواباً، لا يزال سمعي يرشف من راح أدبه أكوابا:
ألا ليت شعرِي والمُنى لَذَّةُ العمرِمتى يرجع الطيرُ القديم إلى الوِكرِ
نعم في مِطال الدهرِ لي وعدُ أوْبةٍفمن لي بقلبٍ فيه يقْوى على الصبرِ
أهُمُّ بأمرِ الحزمِ لو أستطيعهوحكمُ القضا فيما يناقِضه يجْرِي
وما حيلةُ الظمآنِ والماءُ دونهحِجابٌ من البِيضِ الصَّوارمِ والسُّمْرِ
وفي ذِمَّة الأيامِ ما صنَع النَّوىبجسمِي وما تُبدِي المدامعُ من أمرِي
وعيشٍ كأخلاقِ الكِرام قطعْتُهوصَحبِي بسفحِ الصَّالحيَّة والجسرِ
يشِفُّ ضُحاه عن طُلاً من مُجرَّدٍنقيٍّ وتفتُّر العشيَّةُ عن ثغرِ
وللطَّير تَهْدارٌ بأيكة روضةٍإذا سكَت الشُّحرور جاوَبه القُمرِي
به من لُجَين الماءِ ينْساب جدولٌترقرَقَ في آصالِه ذائبُ التِّبْرِ
يهيِّمُنا في جنةِ الخلدِ وصفُهويُملي علينا ما جهلنَا من السِّرِّ
ودارتْ بكاساتِ المُدام سُقاتُناكما دارتِ الأفلاكُ بالأنْجُم الزُّهْرِ
وما أسْكرتْنا بعد صحوٍ وإنماأعادتْ لنا في الحب سكراً على سُكْرِ
وأغْيَدَ إمَّا قابلَ البدرَ وجهُهأرتْك به مرآتُه صورةَ البدرِ
إذا قراُوا والليلِ في وصفِ فرعِهِقرأتُ لهم في معرِض الفرقِ والفجرِ
تجمَّع حسنُ الخَلق فيه بأسرِهففرَّقَ ما للعاشقين من الصبرِ
بمُنْعطفٍ لولا العيونُ تحُوطهلضلَّ به الهمْيانُ عن دَورةِ الخصرِ
يكاد وِشاحاه يطيران خِفَّةًولولاهما من رِقَّةٍ كاد أن يجرِي
وحُقِّ عقيقٍ من فمٍ شِبْهِ خاتَمٍبه ختم اللهُ الشِّفاه على دُرِّ
يصولُ بلحظٍ للمنايا مجرَّدٍرهيبِ الشَّبَا يخْتال في طلبِ الشَّرِّ
ترى مَن غدا في السِّحرِ أستاذَ طرفِهِفهاروتُ لم يقدِر على ذلك السِّحرِ
يضيقُ وعاءُ الدهرِ عنه جلالةًومن عجبٍ يحويه مع ضِيقِه صدرِي
وما احترتُ حتى اخترتُ حبِّيهِ مذهبيومدحُ ابن فتحِ الله فردِ الورَى ذُخرِي
فتًى قد حمدتُ العيشَ مذ صحِبتهوسافهتُ حظِّي من خلائقِهِ الغُرِّ
أحيِّي إذا حيَّيتُه الروضُ ناضِراوأشتمُّ عرفَ النشقِ من زهرةِ النهرِ
رطيبُ مهزِّ الجودِ مورِقُ عودهوأبلجُ وجهِ العرفِ مستوضَحَ البشرِ
إذا ما سقَى غصنَ اليراعةِ نِقسُهجنينَا ثِمارَ الفضلِ في الورقِ النَّضرِ
له الشِّيمُ الشُّمُّ التي لا ينالُهافتًى علَّق الأذيالَ بالأنجُمِ الزهرِ
تُبارينَ أحداثَ الزمانِ فتنْبرِيكما انْتفضَ العصفورُ من صولة الصقرِ
فتًى يتسامَى بالتَّواضعِ جاهداًويعجبُ من أهلِ المخيلةِ والكبرِ
عليه من المجدِ المؤثَّلِ حُلَّةٌتجرُّ ذيولَ الأريحيَّةِ والفخرِ
وفيه خِصالٌ قَّصر الحمدُ دونهاوأبلغُ شكرٍ يُستفادُ لها شكرِي
وإن أيادِيه ثنتْ وجهَ همَّتيإلى الخُلقِ الفضفاضِ والنَّائلِ الغمرِ
ولي فيه من صدقِ العناية لحظةٌترينِي ابْتسامَ الحظِّ عن شنَبِ الثَّغرِ
فشكراً لدهرٍ جادَ لي بلقائِهِفنوَّه لي من حيث أدرِي ولا أدرِي
وسقياً لأرضٍ ألَّفتْنا وحضرةٍبها ضمَّنا كالعقدِ أستاذُنا البكرِي
علوْنا على النِّسرين تحت جناحِهفنحنُ إلى ما فوقَ أفقيهُما نسرِي
وما زالَ يكسُونا شمائِل غضَّةًيقعْنَ مقامَ النُّورِ في المنبتِ النضرِ
نفدِّيه بالخمسِ الحواسِ وإنَّنالنعقِد أن عدَّتْ عُلاه على العشرِ
فحيَّى على رغم الكواكِبِ غرَّةًيرينا سناها كيفَ شعشعةُ البدرِ
عليها من النُّورِ الإلهي مِسحةٌبها تنْجلي الجُّلى ويُمحى دُجَى الإصرِ
أمولاي يا شاهينُ لا زلْت دائماًمجدًّا إلى قنصِ المفاخر بالبرِّ
فكم لك من صيْداتِ فضلٍ وسؤددٍيُرَى دونها وقعُ المهنَّدةِ البُترِ
عرفْتُكَ من بين الأنامِ فلم أكنْلغيرك أطْوِي الصدرَ إلا على نُكرِ
بعثْتَ إليَّ الرَّوحَ في لذَّةِ المُنىوطيبَ التَّهاني في بُلهْنِيَةِ العمرِ
فرائِد آدابٍ نظمْتَ عقودَهامُفضَّلة تمتاز في الطِّرس كالشَّذرِ
قوافٍ كأنفاسِ الخُزامَى صَقيلةٌبريح النُّعامى تمترِي عَنْبر الشِّحرِ
فلا زلت تُهدِي مثلَها من قصائدٍبها الشعرُ يبقى دهرَه نافِق السِّعرِ
ودُونكها عذراءَ لا عذرَ عندهالمن ليس يصْبو والهوى عنده عُذري
تمازَج معناها ورائِقُ لفظِهاكما مزجوا ماءَ الغمامة والخمرِ
فإلاَّ تكُنْه أو يكُنْها فإنهوإيَّاها سِيَّانِ في سُرعة السكرِ
وسامحْ فخطبُ الدهر منِّي لم يدعْمُعيناً على خطبٍ لقيتُ ولا فكرِي
ومثليَ إذ أهداك نظماً يُجيدهكمُهدي الضِّيا للبدرِ والدُّرِّ للبحرِ
فأنا إذا صُغتُ القوافي أريْت منيُجاريك فيها صنعةً أنجُمَ الظُهرِ
بقِيت على الأيَّامِ خيرَ مؤمَّلٍبرأْيك أسْتعدي على نُوَبِ الدهرِ
ولي فيك مدحٌ ليس يهرَم نظمُهُولو صارت الأهرامُ كالعِهْنِ في مصرِ
وأنشدني من لفظه لنفسه، من قصيدة، مطلعها:
أما والْتفاتِ الجِيد من مُشبِهِ الدُّمَىوثغرٍ حوَى دراً بدِيعا منظَّمَا
وأوْطفِ أجفانٍ من السحرِ كُحِّلتْتغادر من قد غازَلْته متيَّمَا
تسوق المعَنَّى للصبابةِ والهوَىوكم من وَلوعٍ فات فيهنَّ مُغرَمَا
حليفَ جوًى طِّوْعَ الغرامِ تقودُهدواعي التَّصابي ناحلَ الجسمِ مُسقَمَا
مُبلبَل بالٍ في محبةِ أغيدٍبديعِ جمالٍ كلَّ جورٍ تعلَّمَا
يطلُّ دمَ العشاق جَوْراً لأجل أنيضرِّج منه أبيض الخدِّ بالدمَا
رنا كالطُّلا والغصنِ قَدًّا وناظِراًيسدِّد سهماً والرُّديْنيِّ قُوِّمَا
وحاوَلَ أن يرمِي فؤادِي وما درَىبأنَّ فؤادِي لا يُبالي بما رَمَى
لأنَّيَ عن طُرْق الهوَى مِلتُ جانِباوجانَبْتُ لهواً للتَّصابي ميمَّمَا
وهل بعد ما لاحَ الصباحُ بلمَّتيوفي ليلِ غيِّي فجرُ رشدِي تبسَّمَا
يروق بأنِّي يزدهِيني تعَشُّقٌومِلتُ لحبٍ والشبابُ تصرَّمَا
فآهاً لأيام الشَّبابِ ولم أزلْعلى فقدِهِ ذا حُرقةٍ متألِّمَا
تبدَّلتُ عن طيب اغتنامِي لصحَّتيوعن لذَّتي فيها من السُّقمِ مَغْرمَا
وقاسيتُ ممَّا بي ألمَّ من الضَّنىومن فادِحِ الخطبِ الذي جلَّ صِلْدِمَا
وأحمَدُ ربِّي حيث أبرأنِي الضَّنىوبي من أليمِ الكربِ نجيَّ وسلَّمَا
فما ظبيةٌ قد عاقها عن شُويْدنٍلها شرَكٌ من صائدٍ فوقها ارْتمَى
وأقبل مسروراً إليها ورام أنيشُدَّ وثاقَيْها فأبصَر أرقمَا
يحاوله كاللَّيثِ من كلِّ وجهةٍيصاوِله أيَّانَ سار ويَمَّمَا
فأُذعِر منه حيث أُرعِد خيفَةًوأفْلتها من خَشيةِ الصِّلِّ مُرغَمَا
فراحتْ كريحٍ في الفلا نحو سِربِهاتُزيلُ غبارَ الموتِ عنها وعَنْدمَا
أتتْ خِشفَها أحْنتْ عليه بكلِّهاوقد أرضعتْهُ بعد أن شفًّه الظَّمَا
بأفرحَ منِّي يوم بُرْئِي من الضَّناوجئتُ إلى مولاي فيه مسلِّمَا
ومُتِّعتُ بعد اليأسِ منه بنظرةٍله ظلْتُ فيها بالسرور منَعَّمَا
ولي معه مجالس نمتحن فيها الأفكار، ونزُفُّ عرائس الأدب الأبكار.
من محاضرات توصِّل الأنس إلى سواد القلب وصميمه، ومحاورات تُميط الهمَّ عن النفس وقد ألحَّ في تصميمه.
وأغلبها تجري في مجلس الأستاذ زين العابدين، منتدى روائع الطرائف، ومنتَمى بدائع الظرائف.
ومقصِد الأماني والأطماع، وصيقل النَّواظر والأسماع.
حيث شمل الفضل في انتظام، والحسن كلُّه مجتمعٌ جمع نظام.
وهو - أبقى الله مهجته، وحرس على الأيام بهجته - يقيد خطى الأبصار بالاقتصار عليه، ويأخذ بأزِمَّة القلوب بالانحياز إليه.
ونحن نرى لقاءه فائدةً نكتسبها، ومحبته قربةً عند الله نحتسبها.
فنفيض بإقباله فيض الأنهار، ويفوح ثناؤنا في ناديه فوحة الأزهار.
فما دار بيننا ذكر التَّصحيف فتعرَّفنا مزاياه، ثم انتهت بنا النَّوبة إلى نوعٍ قريب منه يعرف بالمُعاياة.
فقال المترجم شاهين: المتنبي.
فقلت له: تريد تبنا هنياً لمن يتب.
ثم قلت له: أتينا نتباهى بكلامك.
وأردت: أنت يا شاهين كلُّ أمل.
فقال الأستاذ وقد أحضر عنب: العنب ثقيلٌ أكلُه.
يريد: العشق بلاء كلُّه.
فقلت له: العين تقتل إن عَدَت.
وأردت: العشق بلاء يعذب.
وخاطبته بقولي: أبداً أبث ثناي نديّ أغلا نثر ينفث.
وأردت: يبقى زين العابدين أستاذنا.
وفيه مع التصحيف القلب، وهذا أصعب من الأول.
وذكروا منه: خيل مهلل أدهشتنا.
وتصحيفه مع قلبه، يؤدي إلى قولنا: أنت شهِد اللهُ مليح.
والتصحيف كما ذكروا أن تصحِّف كلَّ حرفٍ بما يماثله، والثلاث السِّنات التي في السين والشين تُصحَّف بثلاث حروف مماثلتها، كالباء والتاء والثاء والنون والياء، وتصحَّف الكاف باللام. والأحرف التي لا تصحَّف أربعة، الألف، والميم، والهاء، والواو. وأول من صحَّف علي ﵁، في قوله:
كلُّ عِنَبٍ الكَرْمُ يُعطيهِ إلاَّ عنب الذِّئبِ
كل عيبٍ الكَرَمُ يُغطِّيهِ إلاَّ عيب الذنبِ
ذكره ابن هشام في موقد الأذهان، وموقظ الوسنان.
ومن التصاحيف الحسنة: نصَحت فخنتني: تصحيف حسن.
السمسم سرَقه عليٌّ وحياتِك: الشمس مشرقةٌ على وجَناتك.
المحتسب طرح سبايِك: المحب ينتظر حسناتك.
ومما وقع منه بديهة، أن المعتمد بن عبَّاد سايرَ ابن عمار وزيره، في بعض أرجاء إشبيليَّة، فلقيتهما امرأة ذات حسن مفرط، فكشفت عن وجهها وتكلَّمت بكلام لا يقتضيه الحياء، وكان ذلك بموضع الجبَّاسين الذين يصنعون الجبس، والجيَّارين الذين يصنعون الجير.
فالتفت المعتمد إلى موضع الجيَّارين، وقال: يا ابن عمار، الجيَّارين.
ففهم مراده، وقال في الحال: يا مولانا، والجبَّاسين.
فلم يفهم الحاضرون المراد، وتحيَّروا.
فقال له المعتمد: لا تبعها منهم إلا غالية.
وتفسيرها أن ابن عبَّاد صحَّف الحيا زَيْن بقوله: الجيَّارين، إشارة إلى أن تلك المرأة لو كان لها حياء، لازدانت.
فقال له: والجبَّاسين. وتصحيفه: والخَنَا شَيْن. أي: وهي وإن كانت جميلة بديعة الحسن، لكن الخَنَا شَيْن. وهذا شاذ لا يُلحق.
وذكر في اليتيمة أن قَسْورة بن محمد كان من أولع الناس بالتَّصحيفات، فقال له أبو أحمد بن أبي بكر الكاتب: إن أخرجت مُصحَّفاً أسألك عنه، وصلتك بمائة دينار.
فقال له: أرجو أن لا أقصر عن إخراجه.
فقال أبو أحمد: في تنور هينم حمد. فوقف حمار قسورة، وتبلد طبعه.
فقال له: إن رأى الشيخ أن يمهلني يوماً فعل.
فقال أمهلتك سنة. فحال الحول ولم يخرجه.
فقال له أبو أحمد: هو اسمك، قسورة بن محمد. فازداد خجله وأسفه. انتهى.
فانظر تبلد طبعه العراقي مع توقد ذلك الطبع الأندلسي، فمثل هذا مما يقضي لأهل الأندلس بكمال الفِطنة والتيقُّظ.
والمعجز الباهر لهم، ما حكاه بعضهم، أن ملكاً من ملوك طلب من وزيره أن يملِّكه ابنته، وكانت جميلة، فأبى، فحبسه ثم أطلقه بعد مدة، واستدناه إليه، وساءله عن حاله.
فقال: أندلسي.
يعني: أن ذُلِّيَ بيِّن.
فقال له: أندلسي.
يعني: أبذل شيء.
فقال: أندلسي.
يعني: ابذُل بيتي.
فقال له الملك: أندلسي.
يعني: أنذَلُ شيء.
فقال له: أندلسي.
يعني: أبذُل بنتي.
فقال الملك: أندلسي.
يعني: أُبدِل نيَّتي.
فقال: أندلسي.
يعني: ايدك ينبى.
ومثله في سرعة البديهة قول بلنْسي من أهل الأندلس، وقد سئل عن بلده، فقال: أربعة أشهر. يريد: ثلث سنة، وهو تصحيف بَلَنْسِية. انتهى.
وأما المعاياة، فقد ذكرت منها قولي: حسبك حسنك عزًّا غَزَّا قلوبنا فلوَيْنا الأعنَّة إلاَّ عَنْه.
وقد ذكروا منها ما وقَّع بعض الخلفاء إلى صاحب له، شكا الرعية من ظلمه: غرَّك عزُّك فصار قُصار ذلك ذلَّك فاخش فاحش فعلك فعلَّك تهدا بهذا.
ومنه: وقد وفد وصيف وصنَّف رجاله رجَّالة يريد يزيد الحائن الخائن الجائر الحائر فالتَقوا فالتَفُّوا فيالَ قِتالِ قَوْم قَوَّم حربهم حزبهم.
ومنه: يا بنيَّ نابني أمرٌ مجدود محذور، عليه علَّته تقرع تُفزع قلبي فلُبِّي والِهٌ وإله أحمدَ أحمدُ.
أخوه مصطفى طلع بدره تماما، وانسجم لفظه غَماما.
فأضاءت معاليه وأشرقت وأُغِصَّت حاسديه وأُشرقت.
ولقد لقيته بمكة جوار الرُّكن والحطيم، وهو مفحم قسٍّ وقيس بن الخطيم.
وأنفاسه ثمَّة طيبة النفح، وذكره المعنى من العقيق والسفح.
يراح إليه ويُغدى، وهو يتوسَّع ترفها وعيشا رغدا.
فكنت له مالكاً، وكان هو لي عقيلاً، أرتاد له معرسا فيهيئ لي مقيلا.
وكانت عشرتي معه فرشها المحامد، وخدمها الشاكر والحاسد.
شكراً يملأ سامعتي الغوْر والنَّجد، وحمداً يهزُّ عطفي السُّؤدد والمجد.
وذكر لي من حديث فراقه لمحلِّه، وتنكبه لشدِّ مطيَّته ورحله.
أنه كان في حجر خاله وهو دون التَّمييز، وقدَّر الله له المهاجرة فأصحبه في كنفه الحريز.
ثم رحل في شبابه واغترب، ونقَّب في الحجاز واليمن للتَّحصيل واضطرب.
حتى استقرَّ بالحرم المكِّي فامتزج بقطانه، واشتغل بذخائر فضائلهم عن أهله وأوطانه.
وله عندهم منزلة به تليق، ومرتبة هو بها خليق.
وقد جمع تاريخاً سال فيه من طبعه معينه، وطلعت في قصور طروسِه أبكاره وعينه.
وكنت سمعت به ولم أظفر منه بالعيان، فلمَّا رأيته اتَّضح لي في حينه صدق البيان.
ورأيت جمعاً يجمع من دبَّ ودرج، حتى يقول من رآه: حدِّث عن البحر ولا حرج.
ما شِيت من ترتيب غريب، وتطريب من بنان أريب.
إلى جزالة مشربة بحلاوة، وسهولة متدفِّقة بطلاوة.
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل، ونفسه فيه طويل إلا أنه لا يخلو من طائل.
وهو بسبب سعة اطِّلاعه، وشدة قيامه بالطريقة واضطلاعه.
لا يقتصر على ما ينبغي، ولا يمنع من الذكر المبتغي.
وبالجملة، فشكر الله عليه سعيه، وتولَّى بعض عناية حراسته ورعيه.
وكان أوقفني على مجاميع بخطِّه، فاقتطفت منها ما حلا وطاب، وملأت من بدائع ذخائرها النَّفسية الوِطاب.
فمما تناولته من شعره، قوله:
حدِّثا عن صبابَتي واصْطِبارِيوارْوِيا لوعَتي العذارِ
وخذا عنِّي الهوى فحديثيصحَّ فيه وسُلْسِلتْ أخباري
يا رفيقيَّ من زمان التَّصابيوالتَّصابي مَظِنَّةُ الادِّكارِ
علِّلاني بالخَنْدريس لَعَلِّيأرشُق القلبَ بارْتشاف العُقارِ
واسْقِياني وروِّحاني برَوْحٍكالعقيق المُذابِ وَسْط النُّضارِ
من يَدَيْ شادنٍ بنفسي أفْديهِ مليحاً خلعتُ فيه عِذارِي
مائِسِ القدِّ أحمرِ الخدِّ أحْوىكاملِ الحسنِ أهيَفٍ مِعطارِ
إن تبدَّى في ظلمةِ الليل أبْدَىمن سَناه لنا ضياءَ النَّهارِ
وإذا مارَنا بطرفٍ خفِيٍّسلبتْ مُقلتاه منِّي قَرارِي
وإذا زارَني على غيرِ وعدٍعبقتْ ريحُه إلى كلِّ دارِ
كم أُدارِي العَذولَ والوجدُ قاضٍبافْتِضاحِي في حُبِّه واشْتِهارِي
ساحِرِي باللِّحاظِ ماذا عليهلو يُوافِي مُضْناه في الأسْحارِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع