تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

فصل (٢) (٣)

وقرأت له يوماً الديباجة التي عملتها لديوان شعري، ومنها قولي في معرض غزل: كأنَّ خاله بين الحاجبين، هنديٌّ يلعب بسيفين، أو جارح يختطف الجوارح بجناحين.

فأعجبه ما قلته وراقه، وألقى عليه أوراقه، وجاءني بعد أيام وقد نظم هذا في مقطوع، وأنشدنيه، وهو:

كأنما الخالُ بين الحاجبيْن فتًىيرمِي بقوسيْن أو يسطو بسيفينِ
أو طائرٍ جارحٍ أهوَى على شَرَفٍليخطِف القلبَ منِّي بالجناحينِ

ونظمت وأنا بالقاهرة قصيدة،، وصفت بها بركة الأزبكية، وتخلَّصت إلى مدح بِركةٍ خطَّها الأستاذ زين العابدين، لا برح المجد ينطق بلسانه، والجود يشكر موارد إحسانه.

فلما وصلت إلى دمشق، وقف عليها المترجم، فكتب إليَّ قصيدةً على وزنها ورَوِيِّها، وصدرها بإنشاءٍ من نسج قلمهِ.

فأما قصيدتي، فهذه:

يا حبَّذا خُضرُ الخمائلِ في رياضِ الأزبكيهْ
وخُفوقُ أرديةِ النَّسيمِ سرى ببقْعتِها النَّديَّهْ
أرضٌ تكنَّفَها الحدائقُ والرياضُ الأريَضِيهْ
وتعطَّرتْ أرجاؤُهابالرَّائِحاتِ المَنْدَليَّهْ
فوَّاحةٌ بِشذا العَبيرِ وعابقاتٌ عنبريَّهْ
وترنَّمتْ أطيارُهاسَحَراً بأصواتٍ شجيَّهْ
وإذا تأمَّلتَ القُصورَ بها عرفتَ بها المَزِيَّهْ
ومُنحتْ ما تختارُ منطُرفِ المُراداتِ البهيَّهْ
ومُنِيتَ ما تهواه منتلك الوجوه الأصبَحِيَّهْ
وتمايلتْ شوقاً لطلْعتك القدودُ السَّمهَرِيَّهْ
وقصَرتَ كلَّ هوًى علىخَصرِ الخُصورِ الخاتِميَّهْ
وخلُصتَ من سهمِ العُيون وأنت يا قلبي الرَّميَّهْ
من كلِّ مرهوبِ الشَّبافي لحظِه رُسْلُ المَنِيَّهْ
وإذا أشارَ ملاطِفاًويلاهُ من تلك البلِيَّهْ
يدعو النفوس إلى التَّلافِ وليس يدري ما القضِيَّهْ
وعلى تَلَفُّتِ جيدهِكم حار مُرتادُ التَّقِيَّهْ
ونَصيبُه في الحسنِ حيْث الشمسُ غُرَّتُه المُضِيَّهْ
فاختَر هنالك مَربَعاًتُكفي به كلَّ البليَّهْ
وتُقيمُ موفورَ المُنىوتحُفُّك المِنَنُ الحَفِيَّهْ
في ظلِّ زين العابدين الشَّهمِ أستاذ البرِيَّهْ
مولًى أناخَ المجدُ فيأعقابِه البيضِ النَّقِيَّهْ
وتشرَّفتْ بجنابِهشرفُ القرومِ المولويَّهْ
فالفضل فضلُ فتًى له الْأنعامُ والحُسنى سجيَّهْ
والفخرُ شِنْشِنَةٌ لهولقد أراها أخزميَّهْ
والحِلمُ وصفٌ قصَّرتْعنه السَّجايا الأحنفِيَّهْ
والجُود كلُّ الجودِ فيشِيَمٍ غذتْه حاتِميَّهْ
ضاهى بمقعدِه السُّهافغَدتْ منازلَه العليَّهْ
وجرى القضاءُ بوَفقِ مايرجوه من حُسنِ الطَّويَّهْ
مولاي حيَّى الله وجْهك بالتَّحياتِ الزكيَّهْ
ورعاك ما دام الدوامُ بعيشةِ العمرِ الهنيَّهْ
أنا من عرفتَ بأنهمنسوبُ سُدَّتِك السنيَّهْ
وإليك لي حقُّ انتماءِ فاجرِ حقَّ المالكيَّهْ
وأقِل عِثاري إن سقَطْتُ لضعفِ حالي في الهويَّهْ
فأنا الذي خطَّيتُ رَحْلي في حِماك حِمَى الحمِيَّهْ
وأرحتُ من تعبِ الحياةِ هناك جسمي والمطِيَّهْ
ما لي براحٌ ما برحْتُ وكان في عمرِي بقيَّهْ
ما الكدُّ في دارِي لا ولاأرضِ القِلاع الأعصميَّهْ
كلاَّ ولا لي ما حييتُ بجِلَّقٍ والرومِ نِيَّهْ
إلا جِوارُكِ مُنيتيحيث الهباتُ الأريَحيَّهْ
حيث الأخِلاَّءٌ الكِرامُ ذوو الفُكاهاتِ الجنيَّهْ
من كل وضَّاحِ الصَّبيحةِ وهو بسَّامُ العَشِيَّهْ
لا زلتَ تخدمُكَ الأفاضلُ والسَّراةُ اللَّوذعيَّهْ
وإليكَها مختارةًمن جِلَّقِ الشامِ الزَّهيَّهْ
غنَّاءَ حاليةَ المُقلَّدِ بالعقودِ الجوهريَّهْ
غُذِّيتْ أوانَ شبابِهابشَميمِ سفحِ الصَّالحيَّهْ
وتروَّحت بالشِّيحِ والْقَيصومِ من تربٍ زكيَّهْ
وكسَا معاطِفها الدَّلالُ حُلى الجمالِ السُّندسيَّهْ
تُوليكَ من طرَفَ المقولِ نفائِسَ الدُّرِّ السنيَّهْ
وتبثُّ مدحَك في الورىبصفاتِك الغُرِّ الرضِيَّهْ
فاهنأْ بها وبمثلِهامن خالِص الطُّرَفِ الطَّريَّهْ
وبقِيتَ ما بقيَ البقاءُ وأنت ميزانُ البريَّهْ
تَحبوكَ في أمرِ المُنىألطافُ مولاك الخفيَّهْ

وهذا ما كتبه إليَّ من إنشائه، ويتلوه قصيدته: إن أشرفَ ما نمَّقه قلم، وأتحفَ ما نَمنَمه رقم.

وأبهجَ ما تزيَّن به طِرس، وأبدع ما جرى به نِقس.

سلامٌ أضوعُ من شميم الكِبا، وألطفُ من نسيم الصَّبا.

وأعطرُ من أرَج أزهار الرياض، وأسحر من تغازل الأجفان المِراض.

وأثنِيةٌ لا يُحصى عدُّها، وأدعيةٌ لا ينقطع مددُها.

أُهدي ذلك إلى جناب من لا أسمِّيه؛ لجلالته، ولا أكنِّيه؛ وقدره المُعتلي عن ذلك يُغنيهِ.

حرس الله ذاته العليَّة، وجمَّل الوجود بصفاتِه السَّنيَّة.

وبعد، فإن تفضَّل المولى بالسؤال، عن كيفيَّة الحال.

فالعبد لله الحمد ذي المِنن الوافية، في بحبوحة الصحة والعافية.

غير أن الشوق، شبَّ عمرُه عن الطَّوق.

يسَّر الله الاجتماع بكم إنه وَلِيُّ التيسير، " وهو على جمعِهم إذا يشاءُ قدير ".

والذي يعرِضه هذا الدَّاعي، أن المولى حين أشرق في فلك مصر بدرُه الكامل، وغاب عن أُفق شامنا الذي هم للمحاسِن شامِل.

لم يزل العبدُ لألم البين مكابد القلق والضَّجر، متطلِّعاً لأخباركم السارَّة حتى ظفر منها بأبلغ أثر.

وذلك قصيدتكم الرافلة في الحلل البهيَّة، المتضمِّنة لمدح الأستاذ ووصف بركة الأزبكيَّة.

التي سجد لبلاغة نظامها من هو أبلغ من الوليد، والفريدة التي كلُّ بيتٍ منها بألف قصيد.

لا برحتْ جواهر ألفاظ مولانا قلائد لذوي التَّحقيق، وعرائسُ أبكار أفكارِه محلاَّةً بمدائح آلِ الصِّدِّيق.

فعند ذلك توسَّلت إلى الله تعالى بسيِّد الكونين، أنه كما سرَّني برؤية الأثر أن يُقِرَّ الأعين بالعين.

وتصدَّيتُ لعرض أشواقي التي خرجت على حدِّ الحَصر، بأن أعارضها بقصيدةٍ أهديها لأوحد العصر.

لتكون لأثر الشوق قافية، فأشبهتْها ولكن وزناً وقافية.

ومن يقوى لمعارضة البحر الكامل، وأين الثُّريَّا من يدِ المتناول.

وهاهي واصلةٌ إليك، وقادمةٌ عليك.

وصل الله لك أسباب نتائج الأمل، متلفِّعةً بأسمالِها، تعثر في ذيلها من الخجل.

فتلقَّها بالبِشر والقبول، وأنزِلها منك بأحسن منزول.

وأسبل عليها من حلل إحسانك سِترا، لأنك من أهل البيت وصاحب البيت أدرى.

والقصيدة هي هذه:

أسَقيطُ طَلٍّ جال فيزُهر الرياض السُّندسيَّهْ
أم ثغرُ المباسِمِ ذي الثَّنايا اللُّؤلؤيَّهْ
أم وحيُ حوراءِ اللَّواحِظ أم عقودٌ جوهريَّهْ
أم نسمةٌ شِحرِيَّةٌنفحَتْ فجاءتْ عنبريَّهْ
أم روضةٌ غنَّاءُ يانِعةٌ أزاهِرها زهيَّهْ
أم ذاك نفثُ السِّحرِ منمولاي أرسلَه هدِيَّهْ
أعني الأمينَ أمينَ كنْزِ الفضلِ بسَّامَ العشِيَّهْ
حاوِي الفصاحةِ والبلاغةِ والصفاتِ الألمعيَّهْ
ساد الورى بشمائلٍعنوانُها النفسُ الزَّكيَّهْ
فَرعٌ زَكيٌّ أصلُهخيرُ الخلائقِ والبريَّهْ
يا مجلياً بكر المعاني الغرِّ بالكَلِمِ الجليَّهْ
للهِ دَرُّ عقيلةٍألبَسْتها الحُللَ السنيَّهْ
وبعثتَها تروِي أحاديثَ الكرامِ الأريحيَّهْ
من ذا يُساجِلكَ النِّظامَ وأنت سحَّاحُ السجيَّهْ
أدبٌ كأزهارِ الرُّبىسُقيتْ بأخلاقٍ رَوِيَّهْ
وشواردٌ سارتْ بها الرُّكبانُ للمدنِ القصيَّهْ
غُرَرٌ كأنَّ روِيَّهادُرُّ الثُّغورِ الألْعسِيَّهْ
كادتْ لرِقَّتِها تسيلُ فترتوِي كبِدٌ صدِيَّهْ
يا سيِّداً كم راضَ ليفي النَّظم قافيةً عصِيَّهْ
يا أوحدَ العصرِ الذيحاز الهِباتِ الحاتميَّهْ
أوَمَا كفى بِفراقِ طلْعتِكَ البهيَّهْ لي بليَّهْ
حتى نسيتَ عهودَ ودِّي بعد إخلاصِ الطَّويَّهْ
ثم انثنيتَ فهِجتَ ليشجَناً بذكْر الأزبكيَّهْ
وسلوتَ عن وادي دِمشقَ وما حوى والصالحِيَّهْ
ذاتِ المنارةِ والجواسِقِ والرِّياضِ الأريَضِيَّهْ
والنَّيربين الأفيحَيْنِ بها وغوطَتِها البهيَّهْ
والسَّبعةِ الأنهار تجْري في البِقاع الأقْدسِيَّهْ
والوُرْقِ يُبدِي لحنُهابالجُنْكِ أصواتاً شجِيَّهْ
وعليلِ مسْكِيِّ الصَّبايهْفو بأنفاسٍ نَدِيَّهْ
والمرجةِ الخضراءِ إذْفُرِشتْ ببسْطٍ عبقريَّهْ
ومسارِحِ الآرامِ فيأرجائِها وقتَ العشيَّهْ
من كلِّ أغيدَ مُشرقٍأبْهى من الشمسِ المُضِيَّهْ
يفترُّ عن شنَبٍ أغرَّحوَى صِحاحَ الجوهريَّهْ
وجَناتُه الياقوتُ والخِيلانُ أضحتْ عبقريَّهْ
ولِحاظُه فعلتْ بناأضعافَ فعلِ المشرَفِيَّهْ
عن بابلٍ أخذتْ فنونَ السحرِ فهي البابليَّهْ
يرنو فيرمِي أسهُماًمنها وحاجبُه الحَنِيَّهْ
يُصمِي ولا يدري بأنَّفؤادَ مُضناهُ الرَّمِيَّهْ
لدنُ المعاطفِ قَدُّهقدُّ الرِّماحِ السَّمهريَّهْ
نشوانُ من خمرِ الدَّلالِ سُقِيَ بكاساتٍ رَوِيَّهْ
فكأنَّه ملِكٌ وألبابُ الأنامِ له رعِيَّهْ
هذي محاسِنُ جِلَّقَ الفيحاءِ تَفْديك البريَّهْ
أُنموذجاً منها وصفْتُ وانت أدري بالبقية
فبأي عذر ملت عنرؤيا الشَّهيَّهْ
حيَّى الإله جمالَ وَجْهِكِ بالرضا أسنَى يحيَّهْ
مولايَ هل من نظرةٍصِدقُ الوِدادِ لها مزِيَّهْ
فلواعِجُ الأشواق في الْأحشاءِ جمرتُها ذكِيَّهْ
أنا عبدُكَ الخِلُّ الوَفِيُّوليس حالاتي خفِيَّهْ
فاسلمْ فديتُكَ حيث كُنْتَ ودُمْ بعيشتِك الرخِيَّهْ
وإليكهَا رُعبوبَةًتُنبيك عن حُسنِ الطَّوِيَّهْ
حموِيَّةً شاميَّةًوافتْ بفاكهةٍ جنِيَّهْ
فاسبِلْ عليها من جميلِ السترِ أرديةً نقِيَّهْ
لا زلتَ ممدوحَ الصَّفاتِ الغُرِّ محمودَ السَّجِيَّهْ
ما غرَّدتْ وُرْقُ الحمائِمِ في الرِّياضِ السندسيَّهْ

ولما وردت عليَّ وكنت مقيماً ببولاق، وأنا حليف أخلاقٍ أخلاق.

وذلك لفقد الأنيس، حتى اليعافيرُ والعِيس.

لا أرى ردِيفاً إلا من القافية، ولا أطلبُ صديقاً إلا من العافية.

ولا ذقتُ إلا ماءَ عيني مشربا، ولا نِلتُ إلا لحمَ كفِّي مطعَما.

وقد عرفتُ شأني وزماني، وخلعتُ من عنقي رِبْقةَ الأماني.

لا تزعجني المهمَّة، إلى استعمال الهمَّة، وأنا ناظرٌ إلى نفسي بالذنبِ والتُّهمة.

فقد اجترمتُ الخطايا، وركبتُ الأجرامَ رواحِلَ ومطايا.

وفارقتُ العيون الصِّحاح، والألفاظَ الفِصاح.

والرِّياضَ النَّواسِم، والثغورَ البواسِم.

والمواطن التي عرفتُ بافتراع الأحاسنِ ناسَها، وألقيتُ بها أزِمَّةَ الآداب تروق أنواعها وأجناسَها.

فكتبت إليه وضرورتي مشروحة، ودعوى التَّحامُل عن كتفي مطروحة.

وأستوهب الله رحمةً تجعل عِناني في يد التوفيق، وتصرِف عَياني عن هذه الوحدة إلى الفريق الرَّفيق.

وصل كتابك فاتَّفقتِ القلوب على تفضيله، واختلفت الألسنةُ في تمثيله.

فمِن مدَّعٍ أنه رُقْيةُ الوصل، وريقة النحل.

ومنتحلٍ أنه دُرَّةُ النَّحر، ولؤلؤةُ البحر.

وقائلٍ هو السُّكَّرُ المعقود، وسلافُ العنقود.

فأمَّا أنا فتركت التشبيه، وقلت ماله مقيل ولا شبيه.

بَنَتِ البلاغةُ سماءَ بيانه، وحُشر الحسن بين قلم منشيه وبنانِه.

فعين الله على هذه الألفاظ الغر، التي يحسدها على اتساقها الياقوت والدُّر.

وقد عرفتني من خبر سلامتك ما رجوت له الدوام، ودعوت له بالحفظ من حوادث الأيام.

وكان سرى خيالك فشوَّق، واستطار برقك فأرَّق.

فأجفان الإخلاص ناظرةٌ إليك، ويد القبول مسلِّمةٌ عليك.

وأما القصيدة التي هي دُرَّة التقاصير، وربيبة تلك المقاصير.

فقد وردت مؤكدة لك المحبَّة في القلوب، والرغبة في الودِّ المطلوب.

وفطنت بتلك النِّيَّة، وما أظنُّها كانت عن رَوِيَّة.

فهي كدعوة السائل، إنَّما تجري لتأكيد الوسائل.

كيف ومحلُّها منطَمِسٌ بغبار الأغيار، وحق لمن رأى غُبار بولاق أن يشكو صدأَ الأكدار.

ولعل السيِّد نظر إلى بيت العيون والرَّميَّة، فعلم أن النفس من مخالستِها أبِيَّة.

فلو قاصراتُ الطرفِ أقبلْنَ كالمهَاوقَبَّلْنَ رأسِي ما قبلتُ مَزارَها

نعم القلوب بعيون الشام علق، إلى أن يصير إلى ما منه خُلق.

فأما وحَدَقِها المراض، وسهامِها التي تتمنَّاها الأغراض.

ورُنوِّها ولو لحظةً فإن لها حقَّا، وتلَفُّتِها ولو غلطةً فإنِّي عبدُها رقَّا.

إني مذ ودَّعتُ بها حلاوةُ الرِّضا، ودَّعتُ العيشَ المُرتضى، وبتُّ على جمرِ الغضا، وحدِّ السيف المُنتضى.

وأنا الآن بحكم الزمان، مستودعٌ دار الهوان.

أضحك للبؤس، وأبَشُّ للوجه العبوس.

وأتصفَّح وجوهاً لا أرجوها، وأريد أمدحُها والمروءة تهجوها.

أكثرهم شيخٌ يتفتَّى، ويبرز في أطوارٍ شتَّى.

يأكل ما تأكل الناس، ويخالفهم في المشرب واللِّباس.

له وجهٌ لا يشِف، وعينٌ لا ترِف.

إذا تكلَّم، كَلَم، وإذا بَشَّ، أدهش وأوحش.

كلامه في الرِّضا، مثلُ هزَّات الفضا.

خلق الله ذاته عبرةً للنَّوائب.

وثمَّ من رُّزِق فلتةً، ورُمِق بغتة.

عمر غناه قصير، وهو بطريق اللُّؤمِ بصير.

فإذا رأيت رثاثة حاله ونعمته لديه، يوشك أن تدَّعي غضب الله عليها وعليه.

وقد مقتُّ به الأيام وتصاريفها، وسئمت الحياة وتكاليفها.

ولو جهلت أن الحِذق، لا يزيد الرِّزق.

لعذرت نفسي في الرحل أشدُّه، والحبل أمدُّه.

ولكني أعلم هذا وأعمل ضدَّه، وأسير سيراً ينكِر المرء فيه جهده.

وإلا فمن أخذني بالمطار، في هذه الأقطار.

حتى تركني أنازل المحن، وأعتب هذا الزَّمن.

وأقول: قد بليت فيه، بأيَّامٍ كأيَّام رمضان وليالٍ كلياليه.

تلك كظلِّ الرُّمح، وهذه تهويمة الصُّبح.

وكلاهما تارةً بنار الجحيم يلتهِب، وآونةً بفيحِه للحارِّ الغريزي ينتهِب.

قد أخلاَّ بالعادة، وجاوزا المألوف بزيادة.

وحشوهما ذباب يبرح ويسنح، وبعدم مبالاة خلطائه لا يهفُّ للبراح ولا يجنح.

وبرغوثٌ كنقطة دغل، أو سويداء دخل.

يدرك بطعنٍ مؤلم، ويستحلُّ دم كلِّ مسلم.

وبعوضٌ يطيل الألم، ولا يفنى حتى يرتوي من شرب دم.

وبقٌّ خارجٌ عما يعهد، يلحُّ في الوصول إلى العظم ويجهد.

ووراء ذلك ضجيج، ولا ضجيج الحجيج.

وزحام يبلَى به الشخص من السَّحر في الطريق، حتى يقول: ما هذه القيامة على الرِّيق.

وأمَّا حديث قلَّة الأدب فمن هنا يُؤثر، والأقلُّ منهم تابعٌ للأكثر.

وكيف يُرجى منهم حجاب، ومكان الحياء منهم خراب.

إلى غير ذلك من قبائح تركتُها حذراً من تلويث الكتاب، وفضائح لا يُلبس عليها ثياب.

هذا وأنا أحمد الله الذي لا يحمد على المكروه سواه، ولا يعرف قدر نعمته إلا من عالج بلواه.

فلولا العلَّة لم تحمد الصحة، ولولا التَّرحة لم تطلب الفرحة.

فأنا فارقتُ الجنة تعلمة آدم أبي، واستبدلتُ نقيضها بطرفٍ نافرٍ وقلبٍ أبي.

وخضتُ غمار المهالك والرَّدى، ونظرتُ إلى الآخرة وأنا في الدنيا.

وتعوَّضتُ عن تلك الوجوه بهذه الوجوه، واختلفتْ حالي فأنا متناقض معهم في كل ما أرجوه.

فما أشبهني بكحلٍ في عين أعمى، ومصباحٍ عند أكمَه، ونغمةِ عودٍ عند أصمّ، وخاتمٍ في أُصبع أشلّ.

ودرَّةٍ في رأس قروي، وسُبحةٍ في يد بدوي.

وسيفٍ في قبضة جبان، ومصراع تضمين في شعر ابن غزلان، أو أبي الغزلان.

وإنِّي إلى مواضع إيناسي، ومراتع غزلان صريمي وكِناسي.

أحنُّ من حمامةٍ لفرخْ، وأورى شوقاً من عفار ومرخْ.

وأنا مقدم على أدوات التوسُّل، متوسِّل بصاحب الشفاعة في التَّوصُّل.

فعسى أرى وقت التَّلفُّت، ولا علِقتْ لي بعدها لحظةٌ بالتلفُّت.

وإن نبذوا بعدي الحَصاة، فلا أب لهم إن لم يكنِسوا العَرَصات.

فإن عمدوا إلى أن يوقِدوا في أثري النَّار، فليسرعوا إلى أن يثيروا في قفاي الغبار.

وضَراعتي إلى السميعِ المُجيب، أن يجعل ذلك أقرب من كلِّ قريب.

والسلام.

محي الدين السلطي شيخ الصَّنعة ووليدُها، والمتوفِّر له طريفها من الفنون وتليدها.

وابن بَجْدَتها في القريض، وأخو جملتها في النفس الطويل العريض، وأبو عذرتها في التَّصريح بالأغراض والتَّعريض.

رأس بالاستحقاق الآن، وسهَّل طرق الفنون وألان.

وهو شاعر لا يطمح في لحاقه مجاريه، ولا يُحثى التُّراب إلا في وجه مُباريه.

وقد ناهز الثمانين، وسما على العرانين.

فلو رآه ابن سبعين لما تجاوز حدَّه، أو الثمانين لاستنجد بهمَّة جدِّه.

وهو أعصف القوم ريحا، وأكثرهم عن البيان تصريحا.

قلبه قليبٌ واسع، وغوره بعيدٌ شاسع.

لا يقرطِس غرضاً إلا أصماه، ولا يفوِّق سهماً إلا أصاب مرماه.

وقد صحِبته مدةً فتمتَّعت بآدابه، ورأيت التحوُّل في كلِّ فنٍّ من دابه.

وتناولت من أشعاره تحفاً بادية الإغراب، وطُرفاً أترابها في اتِّفاق الصنعة تحت التراب.

فدونك منها ما لا يحتاج حسنه إلى إثبات، كالدُّرِّ يكفيه من حسنه نحورٌ ولبَّات.

فمن ذلك قوله من مقصورة، مستهلَّها:

قوامُه واللَّحظُ منه يُفتَنىمُمَنَّعٌ بين الرِّماح والظُّبَى
من جفنة كسرى استبيح اسمهوللنجاشي الحكم في الخال مضى
في حرَكاتِ قدِّه يستحسن الضَّمُّ ومن أجفانِهِ الكسر ارتوى
وثغرُه قالوا العُذَيْبُ قلتُ منذاكَ يُشامُ البرقُ منه أوْمَضَا

منها:

من لم يذُقْ حُلوَ الهوى ومُرهُلم يدرِ ما بين الضَّلالِ والهُدَى
يا صاحِ أعْنى غيرَ صاحٍ من هوًىإن جُزتَ سلعاً منه سلْ عن ذي نَبَا
أخَيَّم الأحبابُ أم قد ظعَنوافهاكَ آثارُ المَطِيِّ في طَوَى

وكنت طلبت منه شيئاً من أشعاره، لأثبته في كتابي هذا، فوعد وسوَّف.

فكتبت إليه:

أمولايَ مُحيِي رسومَ الأدبْومن حاز فيه أجَلَّ الرُّتبْ
لكَ اللهُ من مُبدِعٍ في الصنِيعِإذا فاه يَمجبُ منه العجَبْ
فشِعرُك تطرب منه المُدامُونثرُك يرقُص منه الحبَبْ
وأنت الحياةُ لجسمِ العُلىوللفضلِ رونقُهُ المكتسَبْ
ولولا وجودُك ما شاقنِيكلامٌ يروق وذاتٌ تُحَبْ
وعدْتَ بإرسال بعضِ القَريضِفأنجِزْ لأبلُغَ منك الأرَبْ
فهذا الربيعُ أتى قائلاًخذُوا طرَباً في أوانِ الطرَبْ

فأرسل إليَّ قطعاً من شعره، وكتب معها: مولاي، وصلت الغادة التي بسماعها عربدت الأفكار، وسكرت مذ شامت أسطرَها ولا سُكر بمُصطار.

فيا لها من غرِّيدةٍ غرَّدت فصدحَ من سماعها الحمام، وحمامةٍ ورقاء فعلت بنا كما تفعل الرُّوح بالأجسام.

سجدت بين يديها البلغاءُ والفصحا، حتى سكر بخمرها المعنوي من لا يشرب وبها صحَا، فهي الدواء للجهَّال والدَّوا، ومعناها المرويُّ والفخر لمن لها روَى.

داوت بكلامها الكُلوم، وسارت في مراتبها منازلُ النجوم.

أشرقت في آفاق الأفكار وضاءت، وشرَّقت القاصدين عن الوصول بأدمُعِها ففاضت.

برزت من كِنِّ حاصل الكمال جوهرةً فريدة، فشهدت بنو الفجر منها وتنهَّدت بدرِّها أبكار الأفكار فهي بها سعيدة.

بانت فيها لبانات الأغراض، ميَّادةً يؤْتَمُّ بجوها وتُلغى الأعراض.

بائية اكتسبت بصائرُنا صحة الإيضاح في المعاني، ببديع بيانها السَّامي على من يُعاني.

تتجلَّى كأنَّها ذكاء نوراً فتكفُّ عن إدراكها العيون، فهي معلومة الذَّات بالصفات مجهولة الكُنه كما قال الفاضلون.

خطفت بأشعَّة أنوارها من ظنَّ السَّراب شرابا، وسلبت وكست فتلك عقولاً وهذه أسبابا.

فيالها من فاصلةٍ كبرى، وخافضة عن بعدها لخدمتها وِزرا.

هذا وقد قلَّدتُها عنُق دهري فطال، ووطئت ممشاها بالعيون وطأة إدلال.

فقال كمالها ارفع رَاسا، وتجلَّى جمالاً فأحيَى أنفاسا.

فهي السائدة على سُؤدد السيادة، وكأنها لِمُرسلها حُسنى وزيادة.

وقد ضاق وُسع هذا الدَّاعي عن هذا المدى، لكنه لحثالة حاله وقلَّة رأس ماله، قام منشدا:

صدوحةُ روضِ اللَّهى والطربْومَغنى الفِصاح وكِنُّ الأدبْ
غريدةُ بيتِ ولاءِ الولِيِّنتيجةُ فخرِ لُغاتِ العربْ
عن الرَّاح تُغني بحسوِ العقولِفما الخمرُ وصفاً وبِنتُ العِنبْ
بدتْ في خِمارِ اللَّهى تنثنِيفعربَدَ منها الحِجى واضطرَبْ
ولمَّا اسْتقرَّت براح الخَديمأراح مُناه وزيحَ النَّصبْ
كأنّ أمينَ الوفا قد وفَايُخاصِم دهراً حليفَ العَتبْ
فأبْرز حِلماً وحُكماً لهفهل يُستطاعُ سِوى ما كتَبْ
أجَبنا نجيباً سمَا عصرُهبما قال أمراً وما قد طلبْ
فهاك رُوَى عاجزٍ عن مدَىوَفاك وعن شأوِ أهلِ الحسَبْ

وهذا ما بعث به.

فمن ذلك قوله من قصيدة: هذا المفرد في الغزل استجدتُه فأفردته، وهو:

وجهٌ إذا قابلَ شمس الضُّحىوالبدرَ ليلاً فات وقتُ الصَّلاهْ

وقوله:

ومختَضرٍ أرْثَتْه منِّي ضمائرٌعلى ظنِّها لم تدرِ في أمرِها السَّببْ
فكان كما أرويه حقًّا بلا مِراإلى رحمةِ الله الرحيم هو الأدبْ

أرثيتُ لفلان، إذا رفقتَ له. ورثى الميِّت بالشعر، وربما قالوا أرثأته بالشعر، ويعد من غلط البصريين. وأما أرثيتُه، فلم أره.

ومن ذلك قوله:

بي غادةٌ تُملِي الجوَىمن شرحِ أسوا مِحنتي
ناظرتُها من خاطريفأنا الذي وهي التِي

فيه إيداع لبيت ابن لؤلؤ الذهبي، وهو:

فأنا الذي أُملِي الجَوى من خاطِريوهي التي تُملي من الأوراقِ

ومن ذلك قوله، من قصيدة، مطلعها:

إنَّ أصْلدَ الزِّناد في الأياديما أصْلدتْ قرائحُ الأكبادِ
أورتْ زنائدِي فنوناً قصَّرتْعن نعتِها اللَّهى من الأمجادِ
من كلِّ معنًى بالبديع شأوُهله رَقَى على بيانِ الشادِي
معناه في لطافةِ التركيب والْمعنَى كلُطفِ الرُّوحِ في الأجسادِ
برَعتُ فيها فاليراعُ خادِميوالطِّرس ملكِي والرُّوى أجنادي
سامرتُ فيما فُهْتُ روحي في الدجىفآنستنِي مثلَ صوتِ الحادِي
لله ما نجبُ اليعاسيبِ انتشَتْمن الحُداة في رُوى إنشادِي
تَعيفُ بالمفازِ وِردَ الماء منمساغِ نظمِي مُرتل التَّحادي
تَميلُ في مسْرَى سُراها جُفَّلاًتبْغِي الحُداة لا حلى المزادِ

منها:

يا بُرَحاً زادتْ بنا أنواؤُهزَوْد الغديرِ عن رِوَى الصَّوادِي
جرَّعتني بعد الأُصيحابِ الأسَىفذُقتُ منه وَصْمةَ النِّكادِ
هلاَّ رحمت مُّغرَماً صَبًّا رقَتْدموعُه مَرافِي الوِسادِ
يسخرُ منه كل خِلوٍ من هوًىيُشفق فيه مُغرَم الوِدادِ
فالخِلوُ ممنوعُ الرِّضا وضِدُّهعن حاله مُنَّعُ السَّدادِ
أمَّمْتُ ناساً لقَباً وما همبأهلِ وُدٍّ يقصدون بادِي
فعدتُ عودَ نادِمٍ وهكذامن أمَّ غيرَ مثلِه في نادِي
فلا رجعْتَ يا أخا الوُدِّ كمارجعتُ في عوْدِي وفي تَردادِي
سئمْتُ مني فالورى أحقُّ منيُسأمُ منه أبدَ الآبادِ

ومن ذلك قوله، من قصيدة، مستهلُّها:

إذا ما دعانِي للهوَى المحكَمِ العُذريعِذارُ الذي أهوَى فماذا ترى عُذرِي
وهل غيرُ ربِّ الآسِ صُدْغاً ونُكهةًلداءِ كُلومٍ في الحشاءِ إلى الحشْرِ
عدِمتُ شفا وُردِ المراشِفِ حُلوِهِإذا لم أكنْ أقوَى الخلائقِ للصبرِ

وقوله من أخرى:

طيفَ الكرى حُيِّيتَ من زائرِمنحْتَ بُرْءَ الداءِ من هاجِري
ما كان أحلَى سِنَةَ الغمْضِ فيليلٍ سَطا في ظُلمِهِ كافرِ
ليلٍ كأنَّ الغمضَ فيه سرَىضَلَّ الهُدى فإنْقادَ كالحائِرِ

وقوله:

إن سُقم الجفون اسْقم جَفنِيوولاني من السَّقامِ فُتورا
ربِّ فاشْفِ السَّقامَ منهم بكسْرٍفَهَواهُمْ أضَلَّ خْلقاً كثيرا

وقوله:

دَعْ فؤادِي عليك يذهب حَسْرَهْأوْ فيَكفيه منك في العمرِ نظرهْ
ما صَنِيعي وفيك عادَ مآلِيعودةً كالسَّرابِ في أرضِ قَفْرهْ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول في ذكر محاسن شعراء دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.