من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
السيد محمد بن السيد كمال الدين
الشريف الرضي بنقابته وكفايته، والسامي عليه برعاية التفنن وحفايته.
فهو البحر الذي لا يدرك شاطئه، والرئيس الذي تقبل بشفاه الأجفان مواطئه.
نصب شباك الأفكار فاقتنص ما به كمال نوع الإنسان، ووفر الله له دواعي الحظ فجمع بين عجائب الحسن وغرائب الإحسان.
فاستدارت منطقة المجد حول مركز سيادته، واستنارت كواكب المعالي الزاهرات بأضواء سعادته.
فكانت له الفردوس حضرة، ونعيم خلدها يرف عليه نضرة.
وأناته من رجاح رضوى، وقسماته من البدر أضوا.
وله في علو الهمة محكم الذكر، وفي درك المهمة الفكرة الثابتة والعزمة البكر.
فهناك تتوقى الأيام حذرة، وتأتيه الليالي مما لم تجن معتذرة.
ولو أن هارُوتَ البيانِ يزورُهبلا فتنةٍ للناس علَّمه السحرَا
وفضلاء الوقت لا تفارق جمعه، والأمداح من كل فمٍ تقرظ سمعه.
ومجلسه إما علم ينيله، أو بحث يجيله.
أو شعر يفترعه، أو بكر معنىً يخترعه.
وأخصاؤه من الذين يعرفون القول ويتهافتون عليه، يودون أن مسامعهم وأبصارهم لم تصرف إلا إليه.
ربيع مَعالٍ بالفضائل مُخْصِبٌلذلك بردُ الآلِ في حَيِّهِ اخْضَرَّا
وفي بَحْر أنْسابٍ إذا غاص غائصٌفليس بِرَاءٍ مثلَ جوهرِه دُرَّا
وله من شريف الكلام، ما تتشرف به الأقلام.
فمن ذلك قوله في الغزل:
أملٌ ليس ينْقضى في تمَنِّىنظْرةٍ تُسْتعادُ عند الْتِفَاتِكْ
ليس أرْضاك مُسْرفاً في تجنِّيكَ بحالٍ والحسنُ بعضُ صِفاتِكْ
لك في كل مهجةٍ راضَها الحُبُّ هوىً يُسْتطاب في مَرْضاتِكْ
بقَوامٍ يُمْلي علىَّ إذا مالَ حديثَ الرِّماحِ في لَفَتاتِكْ
ومُحيّاً يُرِى ضئيلَ نُحولِيلعذُولي والصبح للسِّتر هاتِكْ
وسَنا مَبْسَمٍ إلى الرُّشد يهدىهائما ضلَّ في دُجَى مُرْسَلاتِكْ
يا بديعاً تحكي الرياض سَجاياهُ أقِلْ مُهْجتى شَبا لَحظاتِكْ
أنا مَن لايُحِيله فَرْطُ إعْراضِك عن مَذْهب الوَلَا وحَياتِكْ
وعلى مقلتى رقيبٌ من الوجْدِ أرى في لِقاه بهجةَ ذاتِكْ
حَسْبُ قلبٍ وناظر يتمنَّاكَ بأن لايرَى سوى حسناتِكْ
مُلَح تسلِب النُّهَي ومَزَايَاأيها يُستطاع واللّحْظُ فاتِكْ
ومن مقاطيعه قوله:
بين تثنِّيك واعتدالِكْمكائدٌ تقطع المَهالِكْ
ودن ألْحاظِك المَواضِيمصائدٌ كم بهنَّ هالكْ
ومن معمياته قوله، ويخرج منه اسم جمال:
وشادِنٍ أسْفَر عن وجهِهفأشْرق الكونُ به واستْنارْ
وقد رَنا نحوي بألْحاظِهوسهُمها فاق فَدار العذارْ
وقوله، ويخرج منه اسم خضر:
سطَا بلَحْظٍ مُثْخِنٍ في الحَشاظَبْيٌ جيوشُ الحسن أنصارُهْ
وكيف لا يُثخن قلبي سَطاسَفْك دم العشاق مِعْشارُهْ
وقوله، ويخرج منه اسم مهدي:
أهْواه كالغصنِ لَيِّناً بَهِجاًتلطَّف في سَلْب مهجتي خُدَعُهْ
مُعنِّفي فيه لا تكن خشِناًمَن ذا بقلبي مكانه أضَعُهْ
وقوله، ويخرج منه اسم شعبان:
قد أثَّرتْ شمسُ النهار بوجه مَنأرْبَى عل قمرِ السماءِ إذا اتَّسَقْ
ورقى العِذارُ على صحيفةِ خدِّهلمَّا بدا من تحته ذاك الشَّفَقْ
وقوله، يخرج منه اسم حسن:
دَعِ الجهلَ والْزم ساحة المجدِ واطَّرِحْعُلُوقاً بأسْباب الزمان المماطِلِ
فهل يُرْتَجَى دهرٌ يُفوهُ بلا فمٍبخَفْضِ أعاليه ورفْع الأسافلِ
وقوله، ويخرج منه اسم علي:
بِرُوحي أَنيسٌ نرى طَرْفَهمَخائلَ وصلٍ لِسلْبِ النُّهىَ
يُقارب خَطْو تلافٍ نأَىوبالقلبِ يلهو ولا مُنْتهَى
وله فصول قصار، كل فصل منها تقصار.
فمنها: حسن السيرة، خيرٌ من كثرة العشيرة.
كمال الوجاهة، أن يصون المرء عرضه وجاهه.
رونق المقال، أن يطابق مقتضى الحال.
كثرة المرا، تحل وثيق العرى.
صنائع المعروف، تقى مصارف الصروف.
تقارب الخطى، تحفظك من الخطا.
متابعة الهوى، تحيدك عن حد الاستوا.
من رفق في الطلب، علق بالأرب.
من ساهم من دونه، اتهم بالرعونة.
من تخلق بالأناة، تمنطق بمناطق النجاة.
من فوض أمره لمولاه، أمن مما يحذره ويخشاه.
وكان يوماً في روضٍ فينان، اخضرت فيه خمائل وأفنان.
وهو منشرح الصدر، وندماؤه حوله كالنجوم أحاطت بالبدر.
وصرف الدهر عنه مصروف، وطرفه دون تطرف ساحته مطروف.
يترنح في الخطوة يمينا وشمالا، ويقتطف من الحظ أماني وآمالا.
والروض يحييه بمباسم زهره، ويرفع إليه رفع الحمد ببنان قضبه الناشئة عن معصم نهره.
وهو يجلو من أبكاره، وعرائس أفكاره.
ما هو أمتع من بواكير الرياحين، وأوقع في الأسماع من مطربات التلاحين.
فقرئ بحضرته أبياتٌ غنت بها نعم الجارية بين يدي المأمون، وهي:
ولقد أخذْتُم من فؤادِي أُنْسَهُلا شَلَّ ربي كفَّ ذاك الْآخذِ
وزعمتِ أنِّي ظالمٌ فهجرْتنيورميْتِ في قلبي بسهمٍ نافذِ
ونعَم هجرْتُكِ فاغْفري وتجاوزيهذا مقامُ المستجيرِ العائذِ
هذا مقامُ فتىً أضَرَّ به الهوىقَرِحِ الجفون بحُسْن وجهك لائذِ
فأنشد مضمناً لهذا المصراع قوله:
نقَل العَذُول بأنني أفْشَيْتُ ماأخْفَى الحِفاظ من الغرام الواقذِ
هَبْني اقترفْتُ لما افْترى فاغْفرْهُ ليهذا مَقامُ المستجير العائذِ
فلم يبق أحدٌ ممن تضمنه المجلس إلا وبدا وبده، وشدا وشده.
فمنهم ولده السيد عبد الرحمن، قال مرتجلا:
نبَذ العهودَ مُغاضِبي فألمَّ بيفي صورةِ الإشْفاق طَيْفُ النّابذِ
فسألْتُه أن لا يفوه بما جرَىفيُحيله عنِّي بقولٍ نافذِ
فمَضى ونَمَّ عليَّ فيما قلتُهفأتى يهدِّدني بسيفٍ شاحذِ
رُحْماك قد صدق الخيالُ وإنماهذا مقام المستجير العائذِ
ثم تلاه تلوه السيد عبد الكريم، فقال:
هَبْ قادني الغرامُ فما الذيألْجاكَ تعْذِيبي بهَجْرٍ واقذِ
أضَراعتي أم ما افترتْه عَواذِليعنِّي إليك من الكلام النافذِ
رُحْماك بي لا تَرْعَ غيرَ مودَّتيوحِفاظَ وُدِّي لا تكنْ بالنَّابذِ
فلديْكَ منكَ بكَ اسْتعذْت وإنههذا مقام المستجير العائذِ
ثم اقتفى أثره شقيقهما السيد إبراهيم، فقال:
نظَرتْ لواحُظه فأقْصدتِ الحشَامنِّى بسهمٍ في الحُشاشِة نافذِ
مافَوَّقتْ إلا وقلتُ لسهمِهاهذا مقام المستجير العائذِ
وقال الفاضل عبد الغني النابلسي، حفظه الله تعالى:
لاحَظْتُ خالاً تحت صفحِة خدِّهمُتوارياً خْلف اللَّهيبِ النافذِ
فسألْتُه ماذا الَمقامُ فقال ليهذا مقام المستجيرِ العائذِ
وقال الفاضل عبد القادر بن عبد الهادي:
وافَى الحبيبُ بغير وعدٍ زائراًيرْنو بطرفٍ بالمَجامع آخذِ
أرْبَي بُسكْرِ هوىً وسكرِ مُدامةٍحتى إذا سُدَّتْ عليَّ مَنافذِي
ناديْتهُ حسْبي فدَيْتُك زائراًهذا مقام المستجير العائذِ
وقال العالم الشيخ عبد الحي العكري:
أنْزلتُ آمالي بوادٍ مُخْصِبٍوحِمىً مَنِيع نعم كهفُ الَّلائذِ
فلذاك ناداني يَقِينى مُعْلِناًهذا مقام المستجير العائذِ
وقال الأديب زين الدين البصروي:
وأغَنَّ فتَّاكِ اللَّواحظِ أدْعجٍيرْمى بنَبْلٍ في القلوبِ نوافذِ
نادَتْه أفْلاذِي وقد فتكتْ بهاهذا مقام المستجير العائذِ
وقال البارع عبد الرحمن البعلي:
ولقد وقْفتُ على الطُّلولِ عشِيَّة التَّوديع يوم البَيْن وَقْفةَ لائذِ
فاسْتْعَبرتْ عيْنايَ لمَّا بان مَنأوْهَى بفُرقته جميعَ مآخذِي
لام العَذُول وقد رآني وَالِهاًفأجبْتُه خفِّضْ عليك مُنابذِي
لَوْ راعَك البَيْن المُشِتُّ عذَرْتنيهذا مقام المستجير العائذِ
وقال الألمعي إبراهيم بن محمد السفرجلاني:
يا آلَ بَيتِ المصطفى شِعْرِى حَلاَفيكم وطابتْ بالمديح لَذائذِي
وافيْتُكم أبْغِي حِماكم منشداًهذا مقام المستجير العائذِ
وقال الكامل محمد الذهبي:
يا مَن إذا جاريْتُه في مَسْلَكٍألفيْتُه قد سَدَّ طُرْق مَنافذِي
أهْوِنْ بمُضْناك الذي حيَّرْتَههذا مقام المستجيرِ العائذِ
ثم طلب من الأمير المنجكي تضمينه، فقال:
بِسوَى حِماكُم لا تَراني مُقْلةٌيا مَن لهم وُدِّى المؤكد لائذِي
فإذا وقفتُ ببابكم مُتذلِّلاًهذا مقام المستجير العائذِ
واتصل ذلك بالأديب الباهر الطريقة، عبد الرحمن الموصلي، فقال:
عاهدْتُه أن لا يميلَ وقد رأىنَبْذَ العهودِ فدَيْتهُ من نابِذِ
رَدَّ الصباحَ لناظِرَيَّ بهجْرِهليْلاً وسدَّد بالصُّدود منافذِي
ناديْتُه واليأسُ أمْسى ضاحكاًوأناملُ الآمالِ تحت نواجذِي
رِفْقاً بقلبٍ لا يميلُ لغيركمْهذا مقام المستجير العائذِ
قلت: والأبيات المتقدمة ذكرها ابن خلكان.
وقال: إن المأمون استعاد الصوت من نعم ثلاث مرات، وكان بحضرة اليزيدي، فقال: يا يزيدي، أيكون شيءٌ أحسن مما نحن فيه؟.
قلت: نعم، يا أمير المؤمنين.
فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خولك هذا الإنعام العظيم الجليل.
فقال: أحسنت، وصدقت.
ووصلني، وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها، فكأني أنظر إلى البدر وقد أخرجت، والمال يفرق.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع