من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
ولده عبد الغني
الورد الروي، والنهج السوي.
خلقه الله للفضل أهلاً، وأشرق به العدى طفلاً وكهلاً.
فترشح للعلى، وتوشح بتلك الحلا.
وما انفصل عن طله الوبل، وكما تعرفه البراعة من بعد تعرفه من قبل.
بحر علم لا يدرك غوره، وفلك فضل على قطب الرجاء دوره.
ولم يقنع بالمجاز عن الحقيقة، حتى تبوأ البحبوحة من تلك الحديقة.
ولديه من المعلومات ما يشق على القلم حشره، ويتعسر على الكلم نشره.
وتآليفه تكاثر السحب المواطر، حشوها فوائد عقلة الأفكار وقيد الخواطر.
وله أشعار أغلبها في الزهد، إلا أنهافي الحلاوة بمثابة الشهد.
وهو ممن نحوت إلى كعبته، ورميت نشاب البراعة من جعبته.
ومضى لي في صحبته حين، لم أنشف به إلا شمامات ورياحين.
أسارع إليه مسارعة موفٍ لا مقرض، وأتعرض إلى خدمته تعرض مقبل لا معرض.
فأستجلى أحاسن المحاسن، وتنقاد لي بدائعه ذلل المراسن.
وقد انقبض حيناً عن الناس، وعد الوحشة من الإيناس.
وانعكف على دواوينه، وكلف بالعلم وأفانينه.
ثم نبه جفنه بعض انتباهة، فطار في أفق الشام بين نزاهة ونباهة.
وسافر ذكره للركبان زادا، كما أقام فضله للوارد عتادا.
وقد ورد القاهرة وأنابها أماطل الشوق وهو غريم، وأطلب فيض الدمع وهو كريم.
فتألفت معه في مجلس الأستاذ زين العابدين لا زالت مطارح أعماله سعيدة، ومطامح آماله قريبة والأكدار عنها بعيدة.
كما تألف الأرى مع القند، ونيطت الكف إلى الزند.
ورويت غلل الشوق من تلك الراح، بما لم يكن في قدره الماء القراح.
وكتبت إليه لما دخل القاهرة:
أهلاً بمولىً للثناءِ أهلُيَفْدِيه منى القومُ والأهلُ
من جَلَّ عن مَثَلٍ ومَن مِثْلُههيهات أن يُلْفَى له مِثْلُ
فضلُ البرايا فيه مُسْتجْمِعٌفكلُّه إن تختبرْ فضلُ
إن ذكرتْ آياتِه فتيةٌراح فَمُ الدهرِ لها يتْلُو
كم طال شوقي وغرامي لهوالدهرُ من عاداته المَطْلُ
حتى قضى اللهُ لنا باللِّقافتمَّ لي من قُرْبِه السُّؤْلُ
وكان لي في فضلِ عِرْفانِهعن كل شغلٍ في الورى شُغْلُ
مولاي الذي سار في بروج الفضل مسير الشمس، وقامت فضائله في جسم العالم مقام الحواس الخمس.
لازال في السكون والحركة، موافق اليمن والبركة.
يفرح به كل فطر ينازله، كأنه البدر والدنيا منازله.
ومن شايعه مسعودٌ يومه وغده، وله من العيش أهناه وأرغده.
كتبت هذه الخدمة ولي قلبٌ على شوقك يتقلب، وكما عهدته انقلب إلى غيرك ولو يكون له ألف لولب.
كيف وأنا شعبةٌ من دوحتك، وغصنٌ من سرحتك.
بل نبتٌ سقته أياديك، وزهرٌ تفتح بما أفاضته غواديك.
وكنت قبل أن يسود الدهر منشود عذارى، ويكلفني وقد رأى كلالي إلى بسط أعذاري.
ومشرب العيش لم يخش غصة لومٍ يشرق بها من مسمع الصب ناهله، ومورد الأنس قد صفا عذبه ولكن تكدر من خوف الوشاة مناهله.
وشرف الشام بك شرف الجثمان بالروح، وانتعاشها بأنفاسك انتعاش الغصن بالنسيم المروح.
أستغنى بطرفك عن الثلاث المذهبات، وأستكفى بتحائفك التي علقتها بأذن سمعي عن السبع المذهبات.
إلى ما تناولته من دقائق حقائق، يحمر لها خجلاً في روض مذهب النعمان الشقائق.
وقد ربطت بك جملتي فما أعد سواك وكيف لا، وإني ما أتيت إلا فريضة وآتى جميع الناس إلا تنفلا.
ونظمت من مدحك في جيد الدهر قلائد، يقول البحر من أين أخذ مثل هذه الفوائد.
وكنت أتمنى أساهمك العمر وأشاطرك، على شرط ألا أتصور ما ينفر خاطرك.
فأبى الدهر إلا تشتيتي عنك في البلاد، ولولا هنيئة لقائك لقلت جرعني صاب الفرقة من ساعة الميلاد.
لكني أحمد الله تعالى على أن تداركني مدة غيبتك، بحضور معنىً من شخصك يسليني في الجملة عن رؤيتك.
ثم أردف ذلك ولو بعد تراخٍ في المدة، باجتماع كان النعمة الغير المترقبة والفرج بعد الشدة.
حيث يحمد المغدى والمراح، ولو اقترح على الزمان مطلبٌ كان هو الاقتراح.
فأمتعني الله فيه بمقدمك، وأسعدني بأغلى موطئ قدمك.
فسقيا لوقتٍ جمع بيننا، ورعيا لدهرٍ أزاح بيننا.
ولله بلدٌ موطن منى، وطلاعة أقمار سنا.
ومترنح نعيمٍ وحظٍ، ومتمتع قلب ولحظ.
وأحسبها الآن نافست بفضل الكمال، وكمال الفضل، وستصدر بالأماني والآمال، موفاة بالثناء الجزل، والقول الفصل.
ولها عندي على هذا الجميل ثناء الروض على الغمام، والزهر على الأكمام، والساري على القمر التمام.
ولئِن نَسِيتُ جميلَ مصرٍ بعدهاطولَ الزمان فلا بلغتُ الشَّامَا
ثم فارق مصر موفر الآمال، ودخل الحجاز مختوماً له بصالح الأعمال.
فالله ﷾ يقرن التوفيق بسكونه وحركته، وينهضنا إلى ما عرفناه من يمنه وبركته.
وقد اخترت من شعره الرائع التطريز، ونثره الخالص الإبريز.
ما يروق كما راقت ناجمة الحباب، ويشوق كما تشوق أحاديث الأحباب.
فمن قوله في الغزل:
دَبَّ العِذارُ بخَدِّه فتضرَّجارَشاٌ أبان على الشقِيق بَنَفْسجَا
وأمالَه سكرُ الدلالِ فعرْبَدتْلَحظاتُه هيْهات ما أحدٌ نَجَا
رَخْصُ البنانِ أغَنُّ أوْطفُ أحْورٌكالبدر أبْهى من رأيتُ وأبْهجَا
لم يكْفِه دَعَجُ العيون مَلاحةًحتى تشَرْبَشَ بالبَها وتتوَّجَا
وتفضَّضتْ وجَناتُه وتذهَّبتْوالحسنُ دَمَّج سالِفيْه ودبَّجَا
يختالُ كالغصنِ الرَّطِيب بمَعطِفٍلَدْنٍ أرانا السَّمْهَرِيّ مُعوَّجاَ
ويظَلُّ يكسِر مُقْلتيْه تدلُّلاًأين النجاةُ لعاشقٍ أين النَّجَا
ومُعَرْبدِ اللَّحظاتِ حُسْنَهفتقيَّدتْ بشُهوده مُقَلُ الرَّجَا
صَلْتُ الجبين بَدَا كبدرٍ زاهرٍيا صاحبَيّ قِفا هنا وتفرَّجاَ
قد ذاب قلبي في هواه صَبابةًوبحُسْنه لكَمِينِ شوقى هَيَّجَا
وفنَى اصْطبارِي في الهوى وتجلُّدِىوالدمُع أمْطر في الجفون وأثْلَجَا
يا أيها القمرُ الذي القمرُ الذيمن صُدْغِه مَن صُدغُه ليلٌ سجَا
حتَّى مَ يلْحاني عليك سَفاهةًمَن ليس يَدرِى ما الهوى وَتبَهْرجَا
جُدْ الوِصال فإنَّ لي بك مَدْخَلاًلم يُبْقِ لي عن حُسْنِ وجهك مَخْرَجَا
مَن لي بمن فضَح البدورَ مَلاحةًوبطَرْفِه فتن الغزالَ الأدْعَجَا
فاضتْ مياهُ الحسْن في أعطافِهوالجسمُ أزْبَد فوق رِدْفٍ مَوَّجَا
وقوله:
يا قَدَّه ما أرْشقَكْيا خَدَّه ما أشْرقَكْ
وأنتَ يا ناظرهَجلَّ الذي قد خلقَكْ
تُرسل نحوي أسْهُماًهل كان قلبي دَرَقكْ
يا أيها العاذلُ فيهواه ماذا أطْرَقكْ
أفْحَشْتَ في لَوْمِك ليأكْثرتَ فينا حَنَقَكْ
تحُوم حول حُسْنِهما تخْتشِى أن يحرقَكْ
بالّله قِفْ يا أمَليِإنَّ فؤادي علِقَكْ
ومِلْ أيا مَعطِفَهسبحان من قد مَشَقَكْ
لكَم أُنادِي الدمعَ يادمعِي أقفْ مُغْرَوْرَقَكْ
وأُنْذِرُ القلبَ الهوىيا قلبُ هذا سرقَكْ
صَبْرِي قضَى وما قضَىمنك المُنَى مَن عشِقَكْ
دعْ عنك ذا الهجرَ وجُدْبحقِّ مَن قد خلقَكْ
وقوله:
يا قمراً يُزْرِى بشمس الفلَكْكلُّ جمالٍ وبَهاء فلَكْ
ملكْتَ قلبي فترفَّقْ بهما أنت في حسنِك إلا مَلَكْ
الّلهَ اللهَ بنا يا رَشَافإن قلبي في الهوى قد سلَكْ
أرسلْتَ لي طَيْفَك تحت الدُّجَىيا طَيْفُ حيَّي الّلهُ مَن أرْسلَكْ
مَولايَ ما ذنْبي إليك اتَّئِدْفي قْتلتي مِقْدار أن أسألَكْ
إن كنت لي أضمرتَ غَدْراً بلاذنبٍ وحقِّ الله ما حلَّ لَكُ
أعطِفْ علينا وترفَّقْ بناوافعلْ جميلاً بالذي جَّمَلكْ
قد ذُبْتَ يا قلبي عليه جَوًىوَيْحك يا قلبُ أما قلتُ لَكْ
وأنت يا ناظر عَيْني اتَّئِدْإيَّاك أن تهْلِك فيمَن هلَكْ
ومن نتفه قوله:
وروضٍ بَدا فيه الشقيقُ مقَهْقِهاًيُشاكلُه خدُّ الحبيب المُورَّدُ
فقل له المعشوقُ يوما وقد سرَتْعليه الصَّبا حتَّى غدا يتَبَغْدَدُ
سرقْتَ خُدودِي ثم زَوَّرْتَ شامَتِيوما ذاك إلا أن قَلْبَك أسْوَدُ
وقوله في بركة ماء:
وبركةٍ تذْهَل العقولُ بهاتَحارُ في بعض وصْفِها الفِكَرُ
كأنها مُقْلةٌ مُحدِّقةٌعَبْرَي من الوجد نالَها السهرُ
تبكي وما فارقتْ لها وطناًيوماً ولا فات أهْلَها وطَرُ
يا حُسْن أُنْبُوبها لِصحّنِهوالماءُ يعلو به وينُحدرُ
كصَوْلَجانٍ من فضةٍ سُبِكتْفواقعُ الماء تحتها أُكَرُ
والبيتان الأخيران مضمنان.
ووقع لابن ظافر، أنه دخل في أصحاب له يعودون صاحباً لهم، وبين يديه بركةٌ رق ماؤها، وصحت سماؤها.
وقد رص تحت دساتير نارنج فضح الحضار، وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما رفعت صوالج فضة على كراتٍ من النضار.
فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقال:
أبْدعْتَ يا ابنَ هلال في فَسْقِيَّةٍجاءتْ محاسنُها بما لم يُعْهَدِ
عجباً لأمْواهِ الدَّساتيِر التيفاضتْ على نارَنْجَها المتوقِّدِ
فكأنَّهنَّ صوالجٌ من فضةٍرُفعتْ لضَرْبِ كراةِ خالصِ عَسْجَدِ
وله:
كتب الجمالُ بطِرْسِ وَجْنتِه لناسطراً به مُحِيَ الجمالُ المشرِقُ
فكأنما ذا أمْرُ سلطانِ البَهَاوَافَى لَمن يهْوَى ومن هو يعشقُ
تَقْرَا العيونُ على القلوبِ رسُومَهياقومَنا خرَج الوِطاقُ تفرَّقُوا
وله:
وصديقةٍ وافَيْتُها مُتنزِّهاورءُوس نَرْجِسِها طوارِقُ حُرَّكُ
والأقْحُوانُ يظلُّ يركع بالصبَّافكأنما هو عابدٌ متنسِّكُ
فجلستُ بينهما كأني سُخْرةٌهذاك يْغمِز وذا هذا يضحكُ
ومن مقطعاته قوله:
خاطبتُ مَعْسول الرُّضابِ وقلت هلمن رَشْفةٍ تشفِى الحشَا بشفائِها
فأجابَنِي والثغرُ منه باسمٌما كلُّ بارِقَةٍ تجودُ بمائِها
ومن رباعياته قوله:
خُذْ حِذْرَك من عيونه يا قلبُلَمَّا يَرْنُو فإن هذا حَرْبُ
والعشقُ على النفوسِ سهلٌ صعبُلا يعرف كيف الحالُ إلا الرَّبُّ
وله:
لا تحسَبُوا شامةً في خدِّه طُبِعتْهاتيك حَبَّةُ قلبٍ زادَه حُبَّاً
فدَبَّ ينْقُلها نملُ العذارِ لهوالنملُ من شأنِه أن ينْقُل الحَبَّا
أخذه من قول بعضهم:
عوارضُه تسْبى العقولَ بحُسْنِهاوتنقُل حبَّاتِ القلوب نمِالُها
وأنشدني السيد سليمان الحموي، من لفظه لنفسه في هذا المعنى، وقد أحسن:
وأَغْيَدٍ أفْرط في تِيهِهِحتى رأينا منه شيئاً عُجابْ
فأطْلَع اللهُ له عارِضاًأمْطر خدَّيْه ألِيمَ العذابْ
كأنْملٍ في التشْبيِه لكنهنملٌ بدا ينُقل حبَّ الشبابْ
وله:
يا قلبُ صَبْراً في هوَىمن لم تَرُعْه صَبْوُتكْ
وأنت يا ناظرَهإنْ هي إلَّا فِتْنَتُكْ
وله:
وذي خَدٍّ تعلَّق فيه قلبيفأحرق خدُّه قلبي بنارِ
وخافَ على الجمال يفِرُّ منهفقيَّده بسِلْسِلة العِذارِ
أحسن منه قول ابن سعيد الغرناطي، في الخال:
كأن خالاً لاح في خدِّهللعين في سِلْسِلةٍ من عِذَارْ
أُسَيْوِرٌ يخْدِم في جَنَّةٍقَيَّده مولاه خوفَ الفِرارْ
ومن قوله: وخاف على الجمال إلخ، تذكرت قول أحمد بن شاهين، في مناقضته:
مذ نبَت العارضُ في خدِّهبُدِّلت الحمرةُ بالاصْفرارْ
كأنما العارضُ لمَّا بداقد صار للحسنِ جَناحاً فطارْ
وبلغه أنه عيب عليه استعمال التكرار في شعره، فقال:
أعِيبَ تَكْرارُ لفظِ نظْمىوالنظمُ من ذاك ما تضّرَّرْ
وأطْربُ النَّغْمِة المَثانِيوأحسنُ السُّكَّر المُكرَّرْ
وله:
قد أبحْتُ الخدودَ منه ودادِيفَرَمتْني الخدودُ في نارِ يَاسِي
وبَقِى ذلك العذارُ حَماه اللَّهُ حتى انتصفتُ من وَسْواسِي
صدق الناسُ ليس للوردِ وُدٌّإنما الوُدُّ كلُّه لْلآسِ
نسبته عدم الود بسبب قلة مكثه، ونسبة الود للآس بسبب دوام لبثه.
وهذا مستعمل في الأشعار كثيراً، كقول ابن زيدون:
لا يكُنْ وُدُّكَ وَرْداًإنَّ وُدِّي لك آسُ
وله:
شبَّهْتُه بالغُصْنِ بين الرُّبَىووجهه بالزَّهْرِ مُنْفضَّا
فأصبح الغصنُ له مُطْرِقاًوالزهرُ من فَرْطِ الحيَا غَضَّا
ولو في زهر البلسان:
وأشجارِ بَلَسانٍ بها لعب الصَّبافبهْجَتُها بين الحدائِق مُفْرِطَهْ
كأن بياض الزَّهر فوق غُصونِهاكُفوفُ لُجَيْنٍ بالنُّضارِ مُنقَّطهْ
وله:
لمَّا تكاملَ حسنُه وجمالُهوزهَى كغصنٍ بالدَّلالِ رشيقِ
نزل العذارُ على الخدود كأنهطَلُّ الزَّبَرْجَدِ في رياضِ عَقِيقِ
وله:
شكا لي نسِيمُ الروضِ ضَعْفاً أجَبْتُهوقلبي بأثْقالِ الغرامِ كلِيلُ
أعَلَّك غصنٌ عَلنَّي صَدُّ مثْلِهإذاً فكِلانَا يا نسيمُ عَلِيلُ
وله مضمنا:
أدار علينا الكأسَ ظَبْيٌ مُهَفْهَفٌقطعْنا الدُّجى وَصْلاً به نتنعَّمُ
وغنَّى عن النَّايِ الرّخِيمِ مُشبِّباًفنحن سكوتٌ والهوى يتكلَّمُ
مثله للشهاب الخفاجي:
لنا مجلسٌ فيه من اللهوِ مُطْربٌوآدَابُنا ما بينه تترنَّمُ
ونايٌ يُناجِينا بأسْرارِ ربِّناونحن سكوتٌ والهوى يتكلمُ
وله في أرمد:
يا قومِ لا تحسَبوا في عينِه رمداًلقَد ألمَّ بنا من قولكمْ ألَمُ
ماذا سوى أنه مذ رام يْقُتلنيرَنَا إلىَّ فأغْضى والسيوفُ دَمُ
مثله للصلاح الصفدي:
أيْقظْتُه من كَراه بعد ما رمَدتعيْناه لا مَسَّها من بعدها ألَمُ
قد زُرْتُه وسيوفُ الهند مُغْمدةٌوقد نظرتُ إليه والسيوفُ دَمُ
وله، في مليح اسمه عثمان، وفي يده شمعة:
بأَبِي مليحٌ لاح يحملُ شمعةٌفي كفِّه ليلاً فَراقَ لعيْنِي
لمَّا بدا وأضاءَ نورُ جمالِهقلت انْظروا عثمانَ ذا النُّورَيْنِ
ولابن المعتز في مثله، بيده شمعتان:
وافَى إلىَّ بشْمعتْين ووجهُهبضِيائِه يزْهُو على القمريْنِ
نادَيْتُه ما الإِسمُ يا كلَّ المُنَىفأجابَنِي: عثمان ذو النورَيْنِ
وكان السيد عبد الرحمن بن النقيب أطلعه على دعابة لبعض الأندلسيِّين، فعمل على أسلوبها مقامةً وهى هذه:
وأنا الذي أهْدَى أقلَّ بَهارِهِحُسْناً لأحسنِ روضةٍ مِئْنافِ
إن أحْلَى ما تمزَج به كؤوسَ المودَّة، وأعْطَر ما تستْنِشقه مَشامُّ الخواطر المستعِدَّة.
خبرٌ له الطَّربُ مُبتدا، وحديث ترويه عن القريحة مُسْنَدا.
وذلك حين اسْتُفزَّت هوامِدُ السرور، وتغنَّى في دَوْحة الأنس كلُّ بُلبل وشُحْرور.
وتنبَّهتْ ذات الجناِح بسُحْرةٍفي الوادييْن فنبَّهتْ أشواقِي
وأنا الذي أُمْلِي الهوَى من خاطرِيوهي التي تُمْلِى من الأوراقِ
حتى خرجت أسوق مطايا الأسى، لأبيع كافورة الصبح وأشترى عنبر المسا.
والصبحُ قد أهْدَى لنا كافورَهُلمَّا اسْتردَّ الليلُ منَّا العنْبَرَا
قاصداً ادِّراعَ حلل اللهو، إلى حومة الطرب والزهو.
ومتحرشاً بأذيال البكور والأصائل، ومعتبراً بقول القائل:
باكِرْ إلى اللذاتِ واركبْ لهاسوابقَ اللهوِ ذوات المراحْ
من قبل أن ترْشِفَ شمسُ الضُّحَىريِقَ الغَوَادي من ثُغور الأقاح
فبينما أنا كذلك وإذا بشقِيق شفِيق، ورفيقٍ هو بي في سائر الأمور رفيق.
فأقبل على إقبال الكرام، وقد لمعت بالبشر صفحات وجهه بعد أن حيا بالسلام.
تشربُه الرَّاح وهو يشربُهايطربُ من حسنِ وجهِه الطَّربُ
فسألتُه في المُسايرة والمُنادمة وحَثَثْتُه على المسامرة والمكالمة.
فأسفر وجهه عن شموس الفرح، ونال ابتهالا وابتهاجاً بنسمات المسرة والمرح.
وقال: مرحبا بقولك المسوع، ورأيك الذي اتفقت عليه الجموع.
لِدَواعِي الهوى وحكمِ الخلاعَةْألفْ سمعٍ لا للوقارِ وطاعَهْ
فسرنا حتى أتينا منتزها رحب الأكناف، متناسق النعوت والأوصاف.
نسيِمُه يعثر في ذَيْلِهوزهرُه يضحكُ في كُمِّهِ
فوجدناه ذا ظل ظليل، وماءٍ أعذب من السلسبيل.
أشجاره ثابتة، وأغصانه نابتة.
نَهْرُه مسرعٌ جرى وتمشَّتْفي رُباهُ الصَّبا قليلاً قليلاَ
تصدح حمائمه وتسرح نسائمه، وتنفح كمائمه.
ولي من الوُرْق في أوْراِقها طَرَبٌكأنَّهن على العِيدانِ قَيْناتُ
فصعدنا منه إلى قصر مشيد، متزخرف الجوانب بألوان الأطلية وأنواع الشيد.
فيه الغرف الرفيعة ذات التزيين، والمقاصير المصنوعة لقاصرات الطرف عين.
وإيوان يقول لمن يراهعلى قَدْرِي وفوق الكُلِّ أُشْرِفْ
ألم ترَ أن طيرَ العِزِّ أضحىيحُوم بساحَتِي وعلىَّ رَفْرَفْ
وقد طلت شبابيكه على تلك الأرجاء المونقة، والجداول المتدفقة.
وأرضه مفروشة بأفخر الوشى والديباج، وقد أطلقت فيه مباخر الطيب فزاد في الابتهاج.
حوَى عجباً لم يحْوِه قطٌّ مجلسٌعلى أنه في الحسنِ أُعْجوبةُ الدهرِ
فجلست أنا وصاحبي على تلك الأريكة الممنوعة، والفرش المرفوعة.
نتناشد الأشعار، ونتشبث بأذيال الأفكار.
وحديثه السحرُ الحلالُ لَوَ أنَّهلم يجْنِ قتلَ المسلمِ المتحرِّز
إن طال لمُ يمْلَلْ وإن هي أوْجزَتْوَدَّ المحدَّثُ أنها لم تُوجزِ
ولم نزل رافلين في غلائل المسرة، ومتنعمين بلطائف الأنس على أوج هاتيك الأسرة.
حتى عدنا وقد شمرت لمغيبها الذيل، واصفر وجهها خوفاً من هجمة عساكر الليل.
الشمسُ هاربةٌ للغَرْبِ دارِعةٌبالنَّبْل مصفَرَّةٌ من هَجْمة الغَسَقِ
وقد ظهر الهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو زورق الورق.
لا تظنَّ الظلام قد أخذ الشَّمْسَ وأعطى النهار هذا الهلالاَ
إنما الشرقُ أقْرضَ الغربَ دِيناراً فأعْطاه رَهْنَه خَلْخالاَ
وبينا أنا راجعٌ مع صاحبي في أخريات الطريق، وإذا برفيقٍ لي وهون على الحقيقة رفيق.
فاعترضني وقال لي: أين كنت، ومن أين توجهت.
فقلت له: كنت مع صاحبي، الذي هو هذا اليوم مصاحبي.
في منتزه، وهو فضاء الأرض، ذات الطول والعرض.
وصدَقْتُه في كل ما حاولْتُهمما تقدَّم في الكلامِ الأوَّلِ
وغيم ذلك الفضا هو الظل الظليل، وغيثه المنهمر هو الأعذب من السلسبيل.
وأشجاره هي حبال الأمطار، وحمائمه الصادحة أصوات الرعد في جوانب الأقطار.
وكمائمه حب البرد، ونسائمه المعلومة فيما ورد.
وما ذلك القصر الموصوف، سوى جبتي هذه وثوبي هذا الصوف.
والشبابيك جيوبه، وأطواقه، ولا عجب أن نفحت فيه مباخر الطيب فإنها قراطيسه وأوراقه.
وبالقياس على هذا تأويل ما بقي من العبارات السابقة، والإشارات المتلاحقة.
وبذلك انتهى الكلام، وتم ما قصدناه من الدعابة والسلام.
والدعابة التي أطلعه عليها هي هذه:
لابُدّ للنفس أحياناً إذا سئمتْأن تسْتريحَ إلى الآدابِ والمُلَحِ
فَخُضْ بها من أحاديث النِّدام إذاأعْيَتْ مذاهبُها في كلِّ مُقْتَرَحِ
وهاهنا نزعة يختلف إليها النديم، ويعتلق بها الطبع السليم.
وذلك أني طفت الجنان، وبلوت الفروع والأغصان.
فلم أر مثل نبعة، في خير بقعة.
حسنة البزة، يانعة الهزة.
دوحها مغنٍ، وطيرها مرن.
يُطارحني من بينهن ابنُ أيكَةٍهتوفُ الضُّحى بعد العشيَّةِ مِرْنانُ
أُجاذبُه هُدْبَ الغرامِ وفي الحشاَنَزُوعٌ إلى ذكْرِ الأحبَّة حَنَّانُ
فأسمعني خطابه، وفرغ لي وطابه.
فقلت: ما هذا الفنن، وعلى م هذا الشجن.
فقال: أما الفنن فمنصة، وأما الشجن فعن غصة.
فتلكأت عنه تلكأ الشاك، وقلت: ومن وشاك.
فقال لبست ملاءة الربيع، وكتمت الغرام لو أستطيع.
فقلت: لأمرٍ ما خطبتك الغيد، وأعارتك حلى الجيد.
فقال: بل موهت النحول، وأخفيت عنوان الذبول.
وأما ما أحاط بالمقلد فوثاق، وقد تظرف من طبع أغلال الهوى على قوالب الإطباق.
فلما نعمت بمطارحته، ونهمت بمفاكهته.
سايرته بأرسانه، وقاولته بلسانه.
وقلت: إيه، فيما نحن فيه.
غصن نضير، ووادٍ عطير.
روضة حزن، ونسيمه لدن.
وماؤه صاف، ونديمه وصاف.
فزدني من ندامك، وأصخ لترنامك.
ففي أي الحالتين تفيض، فلا بعدك معبد ولا دونك غريض. فقهقه ورجع، ثم أنشد فأسمع:
خُذْ بنا في محاسنِ الأوصافِفهي نَقْلٌ ما بين أيدي الظَّرافِ
وانْتخبْ للنِّدامِ كلَّ حديثٍمن قِصارِ الفصول ذاني القطاف
يتمنَّى الجليسُ عمرَ مُعاذٍلتلِّقى مُعادِه الشفَّافِ
واقْتحمْ لُجَّةَ القَرِيضِ بفكْرٍيْنتقى الدُّرَ في حَشَا الأصْدافِ
وتنقَّلْ من الدُّعابَةِ للْجِدِّوخَيِّمْ حيث المعاني الِّلطافِ
فلما أتى بنقل قريضه، وألمع إلي بتعريضه.
ناب إلى أن أمتخض الفكر، وأكشف قناع البكر.
فأبْرزْتُها عذراءَ في زِيِّ غادةٍتُزَفُّ على وجِه الدُّعابِة والهزْلِ
وما ثَمَّ إلَّا نَبْعةُ الشعرِ نَبْعةٌيَرنِ ُّبها طيرُ الفصاحِة والنَّبْلِ
بيت الفرفور بيتٌ فضله موفور، وذنب الزمان بأهله مغفور.
وقد خرج منه جماعة أجلاً، فضلهم أبهر من النجوم السيارة وأجلى، فمنهم:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع