من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
محمد بن محمد البخشي
من أفراد العلم الكبار، الحسان الآثار والأخبار.
وكان من سمو القدر، واتساع الصدر، ونببل الهمة، ورعى الذمة.
في حدٍ ما وراءه مطمع، ولا يتقرط بمثل خبره مسمع.
إلى تقوى باطنه معمور، وقناعة موطنه ببركاته مغمور.
وإيثار بما ملك، ووقارٍ يتبعه أنى سلك.
توازن به السحب الهواطل إذا حبا، ولا ترضى أن تشبهه الجبال الروازن إذا احبتى.
صحبته بالروم فشاهدت ملكاً في صورة إنسان، مطبوعاً على الخير فما يشاب بشرٍ ولا يشان.
فما شرته محباً له محبة الصحابي للسنة، وفارقته فتلهفت عليه تلهف آدم على الجنة.
أنسى الأيام وأذكره، وأذك مكارمه فأشكره.
وهاجر آخر أمره إلى مكة، فكان بها سحاباً ماطراً، ونسيماُ إذا هب هب عاطراً.
فأقبل أكثر أهلها عليه، وسلموا زمام انقيادهم إليه.
ووردوا مشرع وفاقه، وانتظموا في سلك رفاقه.
ثم لم يلبث أن دعاه الكريم إلى داره، فتولاه عفوه بمنهله ومدراره.
وكان أملى علي من أشعاره قطعاً سهلة، ربما حفظتها لجودتها من أول وهلة.
فلم أعلقها في دفتر اعتماداً على الحفظ مني، ولم أدر أن الأيام وشواغلها تنفرها عني.
ثم وقفت له بمكة على قصيدة فتعلقت بها وجعلتها من المعلقات، وأنا من عهدها شغفٌ بترديدها حرصاً على تذكر تلك العلاقات.
والقصيدة هي هذه، قالها في مدح الشريف أحمد، وأخيه الشريف سعد ابني زيد، وهما بدار الخلافة:
خليليّ إيهٍ عن حديث صَبا نَجْدٍِوإن حركت داءً قديماً من الوَجْدِ
فآهاً على ذاك النَّسِيم تأسُّفاًوآهٌ على آهٍ تروِّح أو تُجْدِي
عليلةُ أنْفاسٍ تُصِحُّ نفوسَنامُعطَّرةُ الأرْدانِ بالشِّيح والرَّنْدِ
وهيهاتَ نجدٌ والعُذَيْب ودونَهمَهامهُ تغوى الكدر فيها عن الوِرْدِ
ومن كل شمَّاخِ الأهاضبِ خالَط السَّحابَ يرومُ الشمسَ بالصدِّ والرَّدِّ
وتسْرِي الصَّبا منه فتُمسِي وبيننامن البَوْنِ ما لبين السَّماوةِ والسِّنْدِ
هذا في المبالغة وقول ابن عنين رفيقا عنان.
وقوله هو:
سامحتُ كُتْبَك في القطيعةِ عالِماًأن الصحيفةَ لم تجدْ من حاملِ
وعذَرتُ طَيْفَك في الوصولِ لانهيغْدو فيصبح دوننا بمَراحلِ
ولا أقول ما قال ابن بسام: لقد شنع وبشع أبو زيد في الكذب، حيث قال:
وشِمْتَ سيوفَك في جِلَّقٍفشامتْ خُراسانُ منها الحيَا
وبعد وبدع مهلهل، حيث قال:
ولولا الريحُ أسمَعَ من بُحْجرٍصليلُ البَيض تُقرَعُ بالذُّكورِ
لأن الصبا قد تتخلف لهبوب غيرها أيلاماً فبيت ابن عنين كذبه ولاضح، وللعذر فاضح.
والبيت الذي نحن فيه منشيه موصون بصدق المقال، ومنشده مستريحٌ من حمل الأثقال.
سقا اللهُ من نجدٍ هضاباً رياضُهاتنفَّس عن أزْكى من العَنْبَرِ الوَرْدِ
وحيَّى الحَيا حَيّاً نعِمْنا بظلِّهبنَعْمان ما بين الشَّبِيية والرِّفدِ
نُغازِل غِزْلانا كوانِس في الحشَىأوانسَ في ألْحاظها مَقْنِصُ الأُسْدِ
تُحاكِي الجَوارِي الكُنَّسَ الزُّهْرَ بَهْجةًوتفضُلها في رفعةِ الشأن والسَّعدِ
حِجازيَّةُ الألْفاظِ عُذريَّة الهوىعراقيَّة الألْحاظ ورديَّة الخدِّ
بعيدةُ مَهْوَى القُرْطِ معسولةُ اللَّمَىمُرهَّفةُ الأجفانِ عَسَّالةُ القَدِّ
تَمِيسُ وقد أرْخَتْ ذوائبَ فَرْعِهافتخْطُر بين الْبَانِ والعلَم الفَرْدِ
وتعْطُو بجِيدٍ عطَّل الْحَليُ حسنَهكأن ظَبْيةٌ تعْطو إل رَيِّقِ المردِ
وكم ليلةٍ باتتْ يَداها حمائلِيوباتتْ يدي من جِيدها مَطْرَح العِقدِ
ندير سُلافاً من حديث حَبابِهاعلى حين تَرْشافٍ ألَذَّ من الشُّهْدِ
ولمَّا تمطَّى الصبحُ يطلُب علْمنَاتكنَّفَنا ليلٌ من الشَّعَرِ الجَعْدِ
عفِيفيْن عمَّا لا يليق تكرُّماعلى كا بنا من شدةِ الشوقِ والوَجْدِ
وقد كاد يسعى الدهرُ في شَتِّ شَمْلِناولكن توارَى شفْعُنا عنه بالفَرْدِ
فأصبحتُ أشكو بَيْنَها وفِراقَهابشَطِّ النوى شكوَى الأسيرِ إلى القِدِّ
وإنِّي قد استطْلعتُ دَرْكَ مطالبِيوتبْليغَ آمالِي وما نَدَّ عن حَدِّي
بطلْعة نَجْلَىْ دَوحةْ المجد غاربِ الْمَعالي سَنامِ الفخر بل غُرَّةِ المجدِ
إمامِ المصلَّى والمُحصَّب والصَّفاوِراثة جَدٍّ عن نُمَيٍٍّ إلى جدِّ
أبي أحمد زيْن الصَّناديد في الوغَىبني حسَن الأُسدِ الكواسرةِ الحدِّ
بُزاةِ العلى الغُرِّ المَيامنةِ الأُلىسما قدرُهم يوم التفاخُر عن نِدِّ
غيوثٌ إذا أعطَوْا ليوثٌ إذا سطُوامناقبُهم جلَّتْ عن الحدِّ والعَدِّ
فما أفَلتْ شمس لزيْد وقد بدالنا من ضِياها شمسُ أحمدَ أو سعدِ
هما نَيّرا أوْج المَعالي وشَرَّفابُروجَ قصورِ الروم في طالع السعدِ
ومُذْ رحَلا عن مكةٍ غاب أُنْسُهافكانا كنَصْل السيفِ غاب عن الغِمْدِ
منها:
جَواديْن في شَطِّ المَماجد جَلَّياوحازا رِهانَ السَّبْقِ في حَنَق الضِّدِّ
يِراحاتهمْ إن ينبُت الجودفي العطَافتلك بحورٌ تتَّقي الجَزْرَ بالمَدِّ
وإن أحْيتِ السحبُ النَّباتَ بمائهافكم أحْيَتِ الراحاتُ أنفسَ مُسْتجْدِي
رياضٌ لمُرتادٍ حصونٌ للَائذٍرُجومٌ لمُستْعدٍ نجومٌ لمستهدِي
شمائلُ تهزُو بالشَّمائلِ لُطْفُهاوعِطْف شَمُولِ الرَّاحِ هزَّتَه تُبْدِي
منها:
بنو هاشمٍ إن كنتَ تعرف هاشماًوما هاشمٌ إلا الأسِنَّةُ للمجدِ
بهم فخَرَتْ عَدْنانُ والعُرْبُ كلُّهاودانتْ لهم قَحْطانُ أهلُ القَنا الصُّلْدِ
فمِن مجدهم يُستَقْبَس المجدُ كلُّهومن جُودِهم أهلُ المكارمِ تسْتجْدِي
هنِيئاً لأبْنا المصطفى الشرفُ الذيتسَامَى فلا يُحْصَى بعدٍّ ولا حَدِّ
بمِدْحتكم جاء الكتابُ فما عسىتقول الورى من بعد حم والحمدِ
وعُذْراً بني الزَّهْراءِ إنِّيَ ظامئٌإلى المدحِ والأيامُ تُنْسِي عن الوِرْدِ
يوَدُّ لساني لو يُترجِمِ بعضَ مالكم في فؤاد الصَّبِّ من صادقِ الوعدِ
وقد نضَبتْ منه القريحةُ نَضْبةًعلى حذَرٍ من حاذرٍ أحْذر الرَّيْدِ
كنَفْثةِ مَصدورٍ ولمحةِ عاشقتُسارِقه عينُ الرقيب على بُعْدِ
فإن أعْطَتِ الأيامُ بعضَ قيادِهارأيتُم له من مَدْحِكم أعْظمَ الوِرْدِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع