من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
محمد بن الشاه بندر
هو من حين تحيز، بنعمةٍ بأدواتها تميز.
تغاديه النشوة وتراوحه، وتناوحه أنفاس القصف وتفاوحه.
فنبغ ونجب، وقضى من حق التحصيل ما وجب.
وفتق ثناءً كالمسك صدراً ووردا، وتخلق بخلق كالماء الزلال عذبا وبردا.
فوجه أدبه شادخة غرره، وسلك نظمه متسقة درره.
وهذه قطعة من شعره، تعلم منها أنه أوتي الإصابة، واستحق أن ينوه به بين هذه العصابة.
وهي قوله:
ذَرِ الصدَّ إني لستُ أقوى على الصدِّوعُدْ للذي عوَّدْتَني منك من وُدِّ
فِطامِيَ عن ثُدْيِ الوَلا مُتمنِّعٌوطِفلُ نُزوعِي لا يُعلَّلأ بالمَهْدِ
حَنانَيْك ما هذا التجنِّي فإننيلفي نُكرٍ من مَزْج هَزْلِك بالجِدِّ
لئن يكُ شَطَّ الوَهْمُ عنِّي لهفْوةٍفعَدِّ وعُدْ وابْشِر فغُفْرانُها عندِي
وحقِّك لم أحسَبْك قطُّ مُفارِقيولم يكُ ظنِّي فيك خُلْفَك للوعْدِ
فكيف تُنائِي وَيْحَ غيرِك هاشماًحَباك بمَحْض الودِّ في القربِ والبعدِ
فوا لَهَفي لو كان يُغنى تلُّهفِيووا أسَفِي إذ صرتُ أبْطأَ من فِنْدِ
فما هكذا عهْدي بفَقْدِك أُلْفَتِيأأحدَثْتُ أمْراً لم يكن منك في عَقْدِ
لقد كنتَ لي حسَبَ اقْتراحِي ومُنْيَتيمُفْدّىً إذا اشكو وأنتَ الذي أفْدِي
مُجيباً بمطْلوبٍ مُلَبٍّ بدعوةٍمُراع بمَرغوبٍ سريعا إلى رِفْدِي
فماذا عسى أنْكرتَ منِّي وما الذيأباحَك تعْذِيبي وقتْلي على عَمْدِ
أراك وقد خلَّفْتني ذا لَواعِجٍمن البَيْن ذا قلبٍ أشَدَّ من الصَّلْد
لمن صِرْتَ لا زَلَّت بك النَّعْلُ غادِياًحلِيفاً وذا أهلٍ وقد كنتَ لي وَحْدِي
فيا ناسياً للوُدِّ إنِّي ذاكرٌويا ناقضَ المِيثاق إنِّي على العهدِ
أبى اللهُ أن أرعَى ذِمامَك جاهداًوتُبْخسَني حقِّي وتُكثِر في جَهْدِي
فلا كان لي قلبٌ لغيرك جَانِحٌولا صحِبَتْني مُقلةٌ فيك لا تُنْدِي
فقدْتُك إبراهيمٌ فُقْدانَ آدمٍعلى دَعَةٍ من أمرِه جنةَ الخلدِ
أُعلِّل قلْباً لا يحيل تعِلَّةًبه عنك ذَا تَوْقٍ جزيلٍ وذا وَقْدِ
وأُنْشِد بيتاً سالفاً حسبَ لوعتيإذا هاج تَهْيامِي وقد فاتني قصْدِي
لعلَّ الذي أبْلَى بهجْرك يا فتىيردُّك لي يوماً على أحْسَنِ العهدِ
أقلِّبُ طَرْفي لا أراك فينْثَنيبوابِلِ دمعٍ كالجُمان على خَدِّي
ودَدْتُك تدرِي ما الذي بِي من الجوَىعسى كنتَ تَرْثِي لي من الهمِّ والوجدِ
أما تذكُرَنْ ما دار بالوصلِ بيْنناأبارِيقَ لَذَّاتٍ ألذَّ من الشُّهْدِ
لأيَّةِ حالٍ قد تناسيْتَ خُلَّتِيوكيف اسْتجزْتَ الهجرَ والنَّكْثَ للعهدِ
سلامِي على اللَّذاتِ بعدك والهوَىوحلوِ التَّصابي والتَّشُّوقِ للمُرْدِ
فيا ليتَ شعرِي مَن تبدَّلْتَ بي ومَنغدا حاسدِي في القرب بالبَيْن تسْتعْدِي
فما أمُّ خِشْفٍ راعَها حبلُ صائدٍفأذْهَلها عنه وغابتْ عن الرُّشدِ
تَحِنُّ فتسْتهْدِي الأسودِ لِغابِهافلا أثراً تلْقَى ولا هادِياً يهْدِي
بأفْجعَ منِّي حين فارقتُه ضُحىًحليفَ أُوارٍ لا أُعِيدُ ولا أُبْدِي
لئن كنتَ أخلفتَ العهودَ وخُنْتَ بالْمَواثيقِ عن جهلٍ ومِلْتَ عن الرشدِ
فحبُّك في قلبي وذكرُك في فمِيوأنت بعيْني ما حَيِيتَ إلى اللَّحْدِ
قوله " أبطأ من فند " مثل.
وفند هذا مولى عائشة ابنة سعد بن أبي وقاص، وكان أحد المغنين المحسنين، وكان يجمع بين الرجال والنساء.
وله يقول ابن قيس الرقيات:
قل لفِنْدٍ يشَيِّع الأظْعانَاطال ما سَرَّ عيشَنا وكَفانَا
وكانت عائشة أرسلته يأتيها بنار، فوجد قوماً يخرجون إلى مصر، فخرج معهم، فأقام بها سنة، ثم قدم فأخذ ناراً، وجاء يعدو، فعثر وتبدد الجمر، فقال: تعست العجلة.
وفيه يقول الشاعر:
ما رأيْنا لِغُرابٍ مثَلاإذ بعثْناه يجِي بالمِشْمَلَهْ
غيرَ فِنْدٍ أرْسلوه قابساًفثَوَى حولاً وسبَّ العجَلَهْ
المشملة: كساء يجمع المقدحة وآلاتها.
وقالبعضهم المشملة، بفتح الميم، وهي مهب الشمال، يعني الجانب الذي بعث نوح ﵇ إليه الغراب؛ ليأتيه بخبر الأرض أجفَّت أم لا، فاشتغل بجيفة رآها في طريقه، وفيه يقال: " أبطأ من غراب نوح ".
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع