تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

السيد أسعد بن البتروني

ريحانة جاذبتها أيدي الصبا، فلم تزل غضة المهز من عهد الصبا وحضرة عليها للجنان صور، تشف عن كحل في عيون الغيد وحور.

صافي الطبع كالزجاج في نقائه، منتظم العشرة كالسلك إذا انتقى جوهره وجيد في انتقائه.

وهو في الأدب جامع نوادر وشوارد، يزينها بجمال المشترى وظرف عطارد.

تعودت غصب العقول نكاته البديعة، كأن لها عند كل قلبٍ من قلوب الرجال وديعة.

وكنت وأنا بالروم نعمت بدنوه، ونسمت على نسمات مودته وحنوه.

في عهد أشهى للجفن من لذة هجوعه، وألذ من بشارة الشيخ بعوده لصباه ورجوعه.

وهو من أنه جاوز العشرة التي تسميها العرب دقاقة الرقاب، كثير التلفت لجمع شمل اللهو والارتقاب.

إلى أن اعترضه آخر أمره مرض، دام إلى أن انطوى عمره، وانقرض.

وأحسب أن الله أراد به تكفير سيئاته، وتمحيصه من فرطاتٍ سلبت كثيراً من حسناته.

وقد أوردت من شعره ما أحدقت به المحاسن إحداقا، ونبه لزهرات الروض أعيناً وأحداقا.

فمنه قوله، من قصيدة كتبها إلى السيد موسى الرامحمداني:

قد حلَّ أمرٌ عَجَبُشَيْبٌ بفَوْدِي يلعبُ
نجومُه لا تغرُبُفأينَ أين المهربُ
أرجو بقاءً معهما أنا إلَّا أشْعَبُ
هذ الشبابُ قد مضىوبان منِّى الأطْيَبُ
هل عيشةٌ تصْفو لمنقد غاب عنه المُطرِبُ
دهرٌ أرانا عجَباًوكلُّ يومٍ رجبُ
أندُبُ أياماُ مضتْفيها صَفا لى المشربُ
في حلَبٍ بسادةٍقد خدَمتْهم رُتَبُ
من كلِّ سمحٍ ماجدٍتخجَل منه السُّحبُ
أفْناهُم الموتُ الذيلكلِّ بِكْرٍ يخطُبُ
وما بها مِن بعدهمْمَن للمعالي يُنسَبُ
سوى جَهولٍ سِفْلةٍعن كلِّ فَضْلٍ يُحجَبُ
وهْو إذا أمَّلْتَهكلبٌ عَقُور كَلِبُ
أستغفرُ الله بهاأستاذُنا المهذَّبُ
مُوسى الذي لفضْلِهمُدَّ رُواقٌ مُذْهَبُ
حَلَّال كلِّ مُشكِلٍوحاتمٌ إذ يهَبُ
وإن جرَى في حكمٍتخالُ فينا يخطبُ
وقد حَوى مَعالياًتنْحطُّ عنها الشُّهبُ
مِن سادةٍ أحْسابُهمْتنْطِق عنها الكتُبُ
مولايَ أشكُو غربةًطالتْ وعزَّ المطلبُ
وتحت أذْيالِ الدجىحامِلةٌ لا تُنْجِبُ
إلَّا بأولاد الزِّنىهذا لَعَمْري العجبُ
إليْكَها خَرِيدةًمَنالُها يُستصعَبُ
جآذرُ الرومِ لهاتسجدُ أو تنَسَّبُ
وَاسْلمْ وَدُم في رفعةٍللسَّعد فيها كوكبُ
ما حرَّكتْ مُتيمَّاًوَرْقاءُ حين تندُبُ

فراجعه يقوله:

ما الكونُ إلا عجَبُفمنه لا يُستعجَبُ
أعمارُنا تُنتهَبُيوماُ فيوماُ تذهبُ
ونحن نلهُو أبداًفي غَفْلةٍ ونلعبُ
أوَّاهُ من يومٍ يجِيءُ شمسُه لا تغرُبُ
صائلةٌ فيه المَنَىيا صولةً لا تغلَبُ
تخْطو على أرْواحِنافأين أين المهربُ
تَبّاً لدُنْيانا التيلم يصْفُ فيها المشربُ
كم سيِّدٍ غرَّتْ بهوَاراه لحدٌ أحْدبُ
للدُّودِ فيه مَرْتَعٌوللهَوامِّ ملعبُ
والويلُ يومَ العَرْضِ إنلم ينْجُ منه المُذنبُ
ومن لَظَى نارٍ بهاأجسادُنا تْلتهبُ
لا عملٌ يُرْجَى ولاغوثٌ إليه ينسَبُ
إلا الكريمُ ربُّناومن به نحْتسبُ
ثم الشفيعُ مَن إلىجَنابِه ننتسبُ
محمدٌ خيرُ الورَىمقصِدُنا والمطلبُ
الحكْمُ لله فَلّايكون ما لا يكتُبُ
والخيرُ فيما اخْتارَهحَتمْاً علينا يجبُ
نَسْأَلُه يَبْقَى لناسيدُنا المهذَّبُ
أسعدُ من ساد الورَىبه وسادَ العربُ
جوهرةُ العِقْد الذيجوهرُه المنتخَبُ
نجلُ الأُلَى تجَّملتْبهم قديماً حلَبُ
حِلْماً وعِلماًُ وتُقًىوحسبٌ ونسَبُ
يخجل من أخْلاقِهزَهرٌ سقتْه السُّحبُ
ومن جميلِ صُنْعِهله المعالي تخطُبُ
طَلْقُ المُحيَّا فكلُّهمُبجَّل مُحجَّبُ
ولُطْفُ أنْفاس الصَّباإلى عُلاه يُنسَبُ
ومن إلى المجدِ يُجارِيه فلا يُصوِّبُ
زِيد بَناناً كفُّهإذْ ضاق عمَّا يهَبُ
فسَيْبُ صَوْبِ جُودِهيخجل منه الصَّيِّبُ
لم يحْلُ خِلٌّ غيرُهمُودَّدٌ محبَّبُ

قلت: لم أر من وصف الإصبع الزائدة هذا الوصف البديع، وبعضهم جعلها علامة الحرص، حيث قال:

انظُر إليه لشدَّةِ الحرصِزِيد بَناناً فزاد في النَّقْصِ

ومن هنا تعلم سر قولهم:

كم من زيادةٍ فيها نُقْصان فائدهْكاليد تنُقصها الإصبعُ الزَّائدهْ

وكان الأستاذ أبو بكر الطبري، يقول: الزيادة تؤدي إلى النقصان، والمثل فيها جارٍ على كل لسان.

ولذلك قيل: صبوة العفيف، وسطوة الحليم، وضربة الجبان، وجواب السكيت، ونادرة المجنون، وشجاعة الخصي، وظرف الأعرابي.

ومن شعر السيد أسعد، قوله في الشيب:

أبَعْد الأربعين خِضابُ شَيْبٍأرُوم به مُواصلةَ الغوانِي
وأرجو أن أكونَ به فَتِيّاًفهذا من أكاذيب الأمانِي
فَوا أسفِي على زمنٍ تقضَّىسَماعِي فيه قَهْقهةُ القَنانِي

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في نوادر الأدباء بحلب الشهباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.