تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

السيد محمد التقوى

التقوىُّ نسبة علوىّ، وهو طبيبٌ طبُّه نبويّ.

وله فكرة في تدبير الأشيا، تكاد ترد ضوء الشمس للأفيا.

فحكمته إشراقيّةٌ مفيضة، وبصيرته شفّافة مستريضة.

فلو عالج البروق لأزال خفقانها، أو الشمس عند الغروب لأذهب برقانها.

أو البدر لما وجد المحاق إليه سبيلا، أو النهار لكان له على خلاصه من الليل قبيلا.

فتفرّسه أوضح من النجوم لبطليموس، ورأيه إلى رأى جالينوس كالعاج عند الآبنوس.

فما سرى ذهنه في استدفاع مرضٍ يقتضيه، إلا وكانت الصحة ممتثلةً ما يأمر به وطوع ما يرتضيه.

فكأن فكرته تمازج من العليل جسماً وروحاً، فيظن من توفيقه الذي أوتيه أنه وحىٌ إليه يوحى.

وله من الكلام الذي تخالط أجزاء القلوب رقّته، وتغمض عن أوهام الأفكار دقّته.

مالو خوطب به الأخرس تكلّم، أو علّم به الطير فنون العبارات لتعلّم.

وقد أوردت له ما يتخذه لمرض الدهر علاجا، ويستضيء به فجر المعارف تعرّضا وانبلاجا.

فمنه قوله:

سرتْ والليلُ محلولُ الوِشاحِونَسْرُ الجوِّ مبلولُ الجناحِ
وعِقْدُ الزهرِ منتظمُ الدَّرارِيكثَغْرِ البِيض يبسَم عن أَقاحِ
وزاهِي الروضِ أسْفَر عن زهورٍبها ظَمأٌ إلى ماءِ الصباحِ
كأن كواكبَ الظَّلْماءِ رُومٌعلى دُهْمٍ تهُبُّ إلى الكفاحِ
إذا انْعكستْ أشِعتُها تَردَّتْعلى صفحاتِ غُدرانِ البِطاحِ
تُحاول سَتْرَ مَسْراها بوَهْنٍوقد أرِجتْ برَيَّاها النَّواحِي
فواعجَبا أتَخْفَى وهو بدرٌوشمسٌ في الحضائرِ والضَّواحِي
أما علمتْ عَبِيرَ المسك منهاينِمُّ بها إلى واشٍ ولاَحِ
مُهَفْهَفَةٌ يَغَارُ البدرُ منهاويُخجِل قَدُّها هِيفَ الرماحِ
تمازَج حبُّها بدمي وروحِيمِزاجَ الرَّاحِ بالماء القَراحِ
فأصبح في المَلا طبْعي وخُلْقِيدَماً في الطبعِ عنه بلا بَراحِ
كأنَّ الله لم يخلُق فؤاديلغيرِ الوجدِ بالخُودِ الرَّدَاحِ
أحِنُّ إلى هَواها وهْو حَتْفِيكما حَنَّ السقيمُ إلى الصلاحِ
وأصْبُو والصبابةُ بَرَّحْتنِيوأنْحلتِ الجوارحَ بالبَراحِ
فلولا الطيرُ يمسِك من خياليلطار من النُّحول مع الرِّياحِ
أبُثُّ لَطْرفها شكوَى غراميوهل يشكو الجريحُ إلى السِّلاحِ
وأطمع أن يُزايلني هَواهاوهل حَذَرٌ من المقدورِ ماحِ
فلا تأْوِ لكَسْرةِ ناظِريْهافكم أوْدَتْ بألْبابٍ صِحاحِ
أفِقْ يا قلبُ ليس الحبُّ سهلافكم جِدٍّ تَولَّد من مِزاحِ
رُوَيْدَك كم تبِيتُ تَئنُّ وَجداًكما أنَّ الطعِينُ من الجراحِ
وقائلةٍ أرى نَجْما تبدَّىبليلِ عوارضٍ كالصبحِ ضَاحِ
أبَعْدَ الشَّيْب تمزَح بالتَّصابيوتَمْرح في بُرودِ الإفْتضاحِ
فما ماضِى الشَّبِيبة مُسْتَرَدٌّولا الخُسرانُ يسمحُ بالرَّباحِ
فدَعْ حبَّ الغوانِي فهْو غَيٌّوتفْنِيدٌ يَحِيدُ عن الفلاحِ

وله من قصيدة يمتدح بها الوزير نصوح، ومستهلها:

حّيَّاك سَرْحةَ دارةِ الآرامِوحَباكِ دِيمة مُزْنةٍ وغَمامِ

إلى أن قال فيها:

ذَاك النصوحُ أبو الوزارة مَن رَقَىفَلَكَ العُلى وعلا على بَهْرامِ

ومنها:

تجْرِى الأمورُ بوَفْق ما يخْتارُهويُطِيعه العاصِي بكلِّ مَرامِ
فكأنما الأقْدارُ طَوْعُ يمينِهبعد المُهيْمن في قَضا الأحكامِ
قُطْبٌ تدور عليه دولةُ أحمدٍملَك الدُّنَا بالحَلِّ والإبْرامِ
هابَتْه أنفاسُ النفوسِ بأسْرِهافي الناس بعد العالِم العَلَّامِ
ولِبأْسِ شِدّته الأسودُ تشرَّدتْوتستَّرتْ في الغابِ والآجامِ

منها:

يلْقَاك بالبِشرِ الذي مِن نَشْرِهريحُ المنى يسْرِى بطِيب مَشامِ
بخَلائِقٍ تكْسو الرياضَ خلائقاًفتضِيعُ رَيَّا مَنْدَلٍ وخُزامِ
ويُرِيك من رِضْوان عَدْلٍ جَنَّةًفيها لحَرْبِ البَغْيِ أيُّ ضِرامٍ

منها:

يا أيها الطَّوْدُ العظيمُ وصاحبَ الطَّوْلِ الجسيمِ وجَوْشَنَ الإسلامِ
أُلْبِسْتَ من حُلَل الصَّدارة خِلْعةًقنِع الأُلَى منها بطْيفِ مَنامِ
ما دار في فَلك المُديرِ مَدارهُإلا لْخبلِكِ وَدَّ دَوْرَ حِزامِ
ما أوْ كبَتْ زُهْر الدجَى بكوَاكبٍإلا لنَصْرِك في ألَدِّ خصامِ

إلى أن قال في آخرها:

كتبتْ مدائحُك الليالِي أسطُراًتبْقَى بقِيتَ على مدى الأيَّامِ

وله:

قد جدَّد الشوق الجديدَ خيالُكمْبجوارِحي وضمائرِي وسَرائرِي
فإذا نظرتُ إلى الوجودِ رأيُتكمْفي كلِّ موجودٍ عَيانَ الخاطرِ

وله:

قد قَّسم الحبُّ جسمي في محبَّتكمْحتى تجَزَّى بحيث الجسمُ ينْقسمُ
وما تصوَّرتُ مَوْجوداً ومنعدِماًإلا خيالكمُ الموجودُ والعدمُ
ما إن نَثرتُ دموعَ القطْرِ من حُرَقٍإلا تحقَّقْتُكم في القَطْرِ ما زعمُوا

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في نوادر الأدباء بحلب الشهباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.