تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

السيد يحيى الصادقي

غرة في جبهة الفخر، ينفلق عنها لألاء الفجر.

أساريره على فرحة الحمد مشرفة، وصحيفتاه ما زالا يطلعان ورد المعرفة.

أحسن في هذه الحلبة السباق، وكان له في روضة الأدب الاصطباح والاغتباق.

ولذاته المحاسن أجمع، وبمثله لم يتمتع منظر ومسمع.

إلى ما حواه من مطارحةٍ معسولة، ومعاشرة من وسخ الرياء مغسولة.

مرآة طبعه عن أسرار المعاني تشف، وورد رويته عليه طيور القلوب ترف.

وله أشعار أسوغ من السلاف وألطف، وأدق من السحر يجول في لحظ شادنٍ أو طف.

تعد كلاما وهي تجتلى بين الندام، فيتسلى بها فؤادٌ ما تسليه المدام.

وقد أوردت من نادرها الغريب، ما يتحير من كيفية تخيله الفطن الأريب.

فمنه قوله:

ولم أشْربِ الخمرَ الحرام تعمُّداًولكن دعتْينِه الضرورةُ فاعْلمِ
تخيَّل لي في كأسِه عند مَزْجِهبكفِّ الذي أهْواه هيئُة أرْقَمِ
فخِفْتُ عليه منه لَدْغة ضائرٍفأوهمْتُه وَكْراً وأدخلتُه فمِي

وقوله في تشبيه النرجس:

انْظُر إلى النَّرْجِس لمَّا بدامعتدلَ القامِة كالصَّوْلَجانْ
كأنه كفُّ عُقابٍ هوَتْفاختطفتْ تاج أنُوشِرَّوانْ

قلت هذا تشبيهُ، ماله شبيه، غير أنه شدد فيه راء شروان، وهو من غلط الخواص.

وهذا اللفظ فارسي معرَّب، تكلمت به العرب، وأصله نور شروان، ومعناه الأسد الجديد، وهو وصف لكسرى.

قال عدي ابن زيد:

أين كسرى كسرى الملوك أنُوشِرْوانَ أم أين قَبلَه سابورُ
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»

وقد يعتذر عن تشديده بما قاله في مثله العصام: وللعرب التصرف في ألفاظ العجم، ولهذا يقال: هو أعجمي فالعب به ماشئت.

وولاه بعض القضاة نيابة محكمة تعرف بالسيد خان، فكتب إليه:

أصبحتُ مع الشمسِ بُبْرجِ المِيزانْإذ أنْزلِني الهمامُ بالسَّيِّد خانْ
لكن وعُلاكَ كلُّ مَن ناب يَخُنْوالعبد يعافُ كلمةَ السيِّد خانْ

وحكى لي شيخنا المهمنداري، مفتى الشام، أن الصادقي حضر مع جماعة من الأدباء، منهم البديعيّ، وعبد القادر الحمويّ، في مجلس السيد أحمد بن النقيب، في ليلة شاتية تكاد نارها تخمد، وأفكار القلوب فيها تجمد.

والمجلس قد احتبك، وأرميت لمصائد الأفهام الشَّبك.

وبينهم بدر ترمقه المقل، فتجرح منه مواضع القبل.

إذا تلهّبت نيران خدّيه تراءت بها جنات النعيم، يدور عليها عقرب صدغه الليلي فكم من سليمٍ منها في ليل السقيم.

فجيء بمنقل شُبّ ضرامه، كما شُبّ في كل قلب منهم غرامه.

فما حصل حتى بدِّدت ناره عن عثرة، وأصلي منها ذلك الحفل ألف جمرة.

فقال الصادقيّ فيه:

ضَمَّنا مجلسٌ لتاجِ الموالِيعالمِ العصر بِكْرِ هذا الزمانِ
غُرةُ الدهر أحمدٌ ذو الأيادِيوابنُ خيرِ الأنام من عَدْنانِ
بفَريدِ الحسان خَلْقاً وخُلْقاًعَنْدلِيبِ الإخوانِ نورِ المكانِ
فاشْتَهى كلُّنا زَفافَ عروسِ الْحُسنِ تُجْلَى في لونِها الأُرْجُوانِ
فانْثنَى كالقضيبِ تفْديه نفْسِيعابثاً بالسِّياطِ والمُجَّانِ
فأصاب الكانُونُ سَوْطٌ فطار الْجمرُ من وَقْعِه على الإخوانِ
فسألْنا ماذا فقال نِثَارُ الْحبِّ جمرٌ لاَ جَمرةٌ من جُمانِ
واعْتراهُ الحيَا فأخْمدها مِنغير بُؤْسٍ بساعدٍ وبَنانِ
ففرِقْنا عليه منها فنَادَىوكذا النورُ مُخْمِد النِّيرانِ

وقال أيضاً:

لاَمُوا الذي حاز لُطفاًوبَهْجةً وجَلالَهْ
إذ بدَّد النارَ عمداًليلاً وأبْدى الخَجالَهْ
وصاغ في البُسْطِ شُهْباًإذْ كان بدراً بِهالَهْ
وكفَّل الطَّفْيَ يُمْناهُ تارةً وشِمالَهْ
كذلك الشمسُ تُدْنِيلكلِّ نَجْمٍ زَوالَهْ
فقلتُ لا تعذِلُوهدَعُوه يُوضِحُ حالَهْ
بأنه بدرُ تِمٍّحِيناً وحِيناً غَزالَه

وقال أيضاً:

أفْدِي الذي أبدى سَما حُسْنِهلنا شُموساً ثم أقْمارَا
فاسْترق القومُ بأبْصارِهمْسَمْعا فعاد السمعُ إبْصارَا
فأرسل الشُّهْبَ عليهم من الكانُونِ تَهْتاناً ومِدْرارَا
فظنَّه الجاهلُ مِن جهلِهبأنه قد بدَّد النارَا

وقال أيضاً:

أنْشدتُ من أهوَى وقد أخذ الهوَىبمَجامِعي واسْتحْوذَ اسْتحواذَا
كبدِي سلبْتَ صحيحةً فامْنُنْ علىرمَقِي بها مَمْنونةً أفْلاذَا
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «صد حمى ظمئي لماك لماذا»
فأشار للكانونِ فانْثالتْ على الجُلاَّسِ جمراً وابِلاً ورَذاذَا
وبدا يُكَفْكِفُه حَياً ويقول ليمَن كان ذا لُبٍّ أيطلبُ هذَا

وقال السيد أحمد بن النقيب:

قد قلتُ إذ عثَر الذي ألْحاظُهفعلتْ بنا فِعْلَ الشَّمُولِ مُشَعْشَعَهْ
في مجلس بالنار فانْتثرتْ علىبُسْطِي فجَلَّله الحياءُ وبَرْقَعَهْ
وأكبَّ يدفع عَبْثَها بأكُفِّهمُسْتعظِماً ذاك الصَّنِيعَ ومَوْقِعَهْ
جَمراتُ حُبِّك لو علمتَ بفعْلِهافي القلبِ ما اسْتعظمتَ حَرْق الأمْتعَةْ

وقال أيضاً:

لا تَحسَبُوا النارَ التي ما بيْنَنانُثِرت من الكانُونِ كان شَتاتُهَا
بل إنما ذاك الذي ألْحاظُهسلبتْ عقولَ أُولى النُّهَى فَتراتُهَا
لمَّا رأى عُشَّاقَه تُخْفِى الجوَىولهيبَ نارٍ دَأْبُه زَفراتُهَا
وأراد يفْضحها أشار بكفِّهلقُلوبها فتناثرتْ جَمراتُهَا

وقال البديعيّ:

في الدُّجى زار مُنْعِماً مَن أَرانَامَن رآه في حبِّه مظْلومَا
عثَرتْ رِجلُه فبدَّدتِ النَّارَ فخِيلَتْ بلا سَماءٍ نُجومَا
واكْتستْ وَجْنتاهُ ثوبَ احْمِرارٍفَرَقاً منه أن يكون مَلُومَا
قلتُ مولايَ هذه بعضُ نارٍأنتَ أضْرمْتَها بقلبي قديمَا
ظهرتْ منه بعد ما قد أكنَّتْهَا ضُلوعي إذا ما أراك رحيمَا
فانْثَنى ضاحكاً وقال إذا كانتْ لَظَى الشوقِ ما لها لن تدُومَا

وقال عبد القادر الحمويّ:

إن الذي أخْجَل شمس الضحىفي مجلسِ المولى الرفيع العمادْ
بدَّد ناراً كان للإْصْطِلافانْبَثَّ كالياقوتِ بين الأيادْ
فانْصَاع يَزْوِي الجمرَ في أنْمُلٍكالخَزِّ إن حاولْتَ منها انْعقادْ
وقال إذ رامَتْ بتأْجِيجِهاتحكي سنَا خَدِّي ومنك الفؤادْ
نثرْتُها عمداً على بُسْطِ مَنأرْوَى ندَاه كلَّ غادٍ وصَادْ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في نوادر الأدباء بحلب الشهباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.