تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

أبو مفلح محمد بن فتح الله البيلوني

ماجد أفلح رائده، وجلت فوائده وفرائده.

صفحته البدر إلا أنه مشرق، وحديثه الروض إلا أنه مورق.

وهو بمكان من النباهة مكين، يطلع له من كل ناحية على جيش البلاغة كمين.

ومع وقاره الذي به يعرف، يبدو له النكات ما يستملح ويستظرف.

وبلغت به السن وهو جوّاب بلاد، ومنفقٌ من رياشه كل طريف وتلاد.

فجاءت أيامه في تقلبات تقتضيه، لكنها لم تخل في الحظ من فلتات تسترضيه.

تصقل الأصائل ديباجتها، وتشعشع البكر زجاجتها.

فكم شغف به المدح المحبَّر، وتشوَّق إليه الثناء المعطَّر.

حتى إذا قربت به النوى، وادَّنت به على إلمام من فضل الثَّوا.

طلع طلوع النجم في الآفاق، وهبّ هبوب النسيم على أخلاق الرفاق.

وحل من الجفون محل الوسن، ونزل من القلوب نزول الفأل الحسن.

وقد رأيته بدمشق ووالدي يوسعه رعيا ومبرة يوترنح باغتنام محاضرته جذلا ومسرة.

وصبح وجهه يومئذ لم يبق فيه أثر غيهب، وكميت صباه جرى فعاد وهو أشهب.

وتناولت بعد من أشعاره المتهدلة الأغصان، أشياء تقرطت بزهرات الحسن والإحسان.

فمنها قوله، من قصيدة مستهلها:

دُمْتَ يا مَرْبَع الأحبَّة تَنْدَىكاسياً بالزهور بُرْداً فبُرْدَا
ياله مربَعاً إذا جاده النَّوءُ فساقِى الصَّبوحِ يقطِف وردَا
وإذا انْساب في جداولهِ الماءُ حساماً جلَى النسيمُ الفِرِنْدَا
جَنَّةٌ والغصونُ في حُلَل الأزْهارِ حُورٌ بها ترنّح قَدَّا
وتهادَى مَعاطِفُ الْبانِ سُكْراًكتهادِي العناق أخْذاً وردَّا
وتُديرُ الصَّبا كؤوسَ شذَا النَّوْرِ على نَغْمة البلابلِ سَرْدَا
كيف جُزْتِ الطريقَ يوماً ومن خَوفِك دمعي بالسيلِ يسلُك سَدَّا
لو رعيتِ العهودَ أحسنتِ لكنقلَّما تحفظُ المليحةُ عهدَا

وقوله من أخرى، مستهلها:

وجهٌ يقابلني لكنه قمرُفي الليلِ يطلُع لكن ليلُه شَعَرُ
نظرتُه فسَطا في القلب ناظرُهورُبَّ حَتْفٍ به قد أوقع النظرُ
لله ما صنعتْ بي وَجْنتاه ومَنللنَّار يقرُب لا ينفكُّ يسْتعِرُ
ظَبْيٌ سبَى اللبَّ إلا أنه ملَكٌمن الملائك لكن طبعُه بشَرُ
عُلِّقتُه بدويّاً راق منظرُهورقَّ حتى استعارتْ دَلَّه أُخَرُ
للسحر من لفظه معنىً بقوَّتِهعن العقول صوابُ الرأيِ مستترُ
ما شاقَني قبلَ رُؤْيا وجهِه قمرٌولم يُشَم بعد رَيَّا نعلِه عَطِرُ
جمُّ المحاسن معسولُ الدَّلال له القَدُّ الذي خَصْرُه لا يُدرِك البصرُ
لا عيبَ فيه سوى أن المحاسنَ مندون الأنام جميعاً فيه تنْحصرُ
عن كأسِه خدَّه سَلْ يا نديمُ لكييُنْبيك أن الحُمَيَّا منه تُعتصَرُ
وانظرْ محاسنَهُ دَرَّاً كمَبسَمِهمنه كدمعِك دُرُّ اللفظ ينتثرُ

منها:

عيْناه في القلب أغصانُ الهوى غُرِساَورُبَّ غَرْسٍ جَناه الصَّابُ والصَّبِرُ
أوْلَيْتُ للشوقِ قلباً ليس يرجع منهجرٍ أيرجعُ ماءٌ حيث ينْحدرُ

ومن مديحها قوله:

يكاد بدرُ الدُّجَى يُنْمَى لطلْعتِهلو كان يمشي على وجهِ الثرى القمرُ
قضى الإلهُ بأن يُفْدى بحاسدِهفما له حسَدٌ باق لو عُمُرُ
والدهرُ لو أنه نَاواه لانْقلصَتْظلالُه ورأينا الناسَ قد حُشِرُوا
له عزائمُ زان الحِلمُ سَطْوتَهاينْقَدُّ إن شامَها الصَّمْصامَةُ الذَّكَرُ

منها:

وافَيتُ باكِرَ لا أرجو سواهُ وماسواه ليس له نفعٌ ولا ضَرَرُ
وجئتُ سَبْسَبَ خَطْبٍ من مَناسِمِهبسيْل ذَوْب اصْطباري تملأُ الحُفَرُ
وأيْنُقِي حين أحْدُوها بمدْحك لايكاد يلْحقها من سُرعةٍ نَظَرُ
كأنها ابْتلعتْ بِيدَ الفَلا وسرتْفي السُّحْبِ تقصِد حيث الغيثُ ينْهمرُ
فظَهْرهُنَّ حرامٌ إذْ بلَغْنَ إلىنادٍ يحِلُّ بمن قد حلَّه الوَطَرُ

منها:

وهذه مِدَحي في طَيِّ أسطُرهاعَبِيرُ ذكرِك في الأقْطار يْنتشرُ
عذراءُ ترفُل في ثوبِ البلاغ لهامن القوافي حُجولٌ صاغَها الخَفَرُ
ألفاظُها كصخورٍ في متانتِهاوكلُّ لفظٍ به معناه مُنتقرُ

وله من قصيدة، أولها:

صَبابةُ لا اصْطبارَ يضمِرهاومهجةٌ لا خليلَ يعذُرُهَا
ودمعةٌ لا الزَّفيرُ يُنضِبهاوزفرةٌ لا الدمُوع تُضمرُهَا
وعَشْقةٌ قد أبان أولُهاأن هلاكَ المحبِّ آخرُهَا
فكل نارٍ وإن علَتْ خمَدتْسوى التي وَجْنةٌ تُسِّعُرهَا
وَيْحَ جريحِ اللِّحاظ عِلَّتُهفي الطبِّ حيث الطبيبُ خِنْجرُهَا
ثباتُ عينُ الحبيبِ ليَلتهكالنجمِ لكن أبيتُ أسهَرُهَا
لولا الكرى قامت مُرنَّحةًلم تكُ أيدي الجفونِ تهْصُرُهَا
لي زَفْرةٌ لم أزلْ أُصعِّدُهاودمعةٌ لم أزلْ أُقطِّرُهَا
ما العشقُ إلا كالكِيمياءِ أنادون جميعَ الأنام جابرُهَا
تبْسَم إن كُلِّمتْ مَشاكِلُهاودُرُّ دمعي غدا يُناظِرُهَا
هيفاءُ ما الغصنُ مثلَ قامتِهالكنَّ أعْطافَه أشايِرُهَا
أعشق من أجْلها الكَثِيبَ إذايضمُّ أمثالَه مَآزِرُهَا
وأحسِد البدرَ في محبَّتهافغيرُه لا يكاد يْنظُرهَا
وألثَمُ المسكَ والعبيدَ عسىيكون مما فتَّتْ ظفائرُهَا
لله ما في الهوى أُعالجُ منلواعِجٍ في الهوى أُصابِرُهَا
يا حبَّذَا خُلْسةٌ ظفرتُ بهافي غَفلةٍ للزمان أشكرُهَا
حيث لعْهدٍ غدتْ تمُدُّ يداًلم تدْرِ أسرارَها أساورُهَا
يسألها خاطرِي الوصالَ ولايُجيب عنه إلَّا خواطرُهَا
ليت ليالي الوِصالِ لو رجعتْأوْليت قلبي معي فيذكرُهَا

ومن مقاطيعه قوله:

لا تُلمْ من شكا الزمانَ وإن لمتَشْفِ شكْواه علَّةَ المَجْهودِ
إنما يُحوِج الكرامَ لشكْوَىشوقُ ما في طباعِهم من جُودِ

وهنا أذكر ثلاثة من بلغاء النثر والنظم، نسقهم الشِّهاب في مطالع خباياه نسق النظم.

فمنهم:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في نوادر الأدباء بحلب الشهباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.