من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
مصطفى بن عثمان البابي
اصطفيته مفتاح الباب؛ لكونه منسوباً إليه، وجعلت معرفة القشر من اللباب، متميزاً به، ومحالاً عليه.
وأحسب أني أتييت بأمرٍ معقول، وإذا أرسلت نفسي في وصفه ووصف بلده فأجدها تقول:
البلدةُ الشهباءُ مشحونةٌبلُطْف أشعارٍ وآدابِ
ممنوعةٌ بالسُّور لا يُبْتغَىدخولُها إلا من البابِ
وهو شرفٌ لعصره ومفخر، وبحر يهتاج عبابه ويزخر.
تمادى في ميدان الشهباء طلقه، واستوفى الخصلة التي ناسب فيها خُلُقَه خَلْقُه.
وأصبح في الفضل وحيدا، ولم تجد عنه النباهة محيدا.
وناهيك بمحاسن قلدها، ومناقب أنبتها وخلدها.
إذا تليت في المجامع، اهتزت الأعطاف وتشنفت المسامع.
وهكذا النسمات إذا هبت في الأسحار، رفت لها أهداب النبات وطنت آذان الأشجار.
تروق بها الخمرة في الكاس، وتجلو رويحات السحر إذا صدتها البشر بالأنفاس.
إذا وصفت علاه عكفت طيور المعاني على أوكار الفكر، وإذا تليت حلاه تنبهت عيون الرياض من نسمات الآصال والبكر.
وشعره ملكه الحسن رقة، فكاد تشربه الأسماع لطفاً ورقة.
كلامٌ بلا مُدامٌ بل نِظامٌمن المَرْجانِ أو حَبِّ الغَمامِ
يروح كأنه رَوْحٌ ورَاحٌويجْرِي في العُروق وفي العظامِ
وقد وافيتك منه بما يغالى في مدحه، ويعلم منه وفور قسمه من الأدب وفوز قدحه.
فمنه قوله يتوسل:
هوتِ المشاعرُ والمداركُ عن معارجِ كبريائِكْ
يا حيُّ يا قيُّوم قدبهرالعقولَ سَنا بَهائِكْ
أُثنِي عليك بما علمْت وأين عِلْمي من ثنائِكْ
مُتحجِّب في غَيْبك الْأحْمَى منيعٌ في عَلائِكْ
فظهرْتَ بالآثار والْأفعالِ بادٍ في جَلائِكْ
عجباً خَفاؤُك من ظهورِكَ أم ظهورُك من خفائِكْ
ما الكون إلا ظلمةٌقبَسَ الأشعَّة من ضيائِكْ
وجميعُ ما في الكون فانٍ مُستمِدٌّ من بقائِكْ
بل كلُّ ما فيه فقيرٌ مُستمِيحٌ من عطائِكْ
ما في العوالمِ ذَرَّةٌفي جَنْبِ أرضِك أو سمائِكْ
إلاَّ ووِجْهتُها إليْكَ بالافْتقارِ إلى غِنائِكْ
إني سألتُك بالذيجمَع القلوبَ على وَلائِكْ
نورِالوجود خُلاصةِ الْكَوْنَيْن صفوةِ أوليائِكُ
إلاَّ نظرتَ لمُستغِيثٍ عائذٍ بك من بَلاَئِكْ
قذفتْ به من شاهقٍأيدي امْتحانِك وابْتلائِكْ
ورمتْه من ظُلَم العنَاصرِ والطبائعِ في شَبائِكْ
وسطَتْ عليه لوازمُ الْإمكانِ صَدّاً عن سنائِكْ
فإذا ارْعوَى أو كاد نادتْهُ القيودُ إلى ورائِكْ
فالْطُفْ به فيما جرَىفي طَيِّ عِلْمِك من قضائِكْ
وقوله من نبوية، مستهلها:
قضَى عجَبا من دهرِه المتعجِّبُيجِدُّ اشْتعالا رأسُه وهْو يلعبُ
ألم يأْنِ أن يْقنِى الحياءَ مُؤنِّبُبلى آن أن يْقنِى الحياءَ المؤنِّبُ
ومَن لم يدعْ شيْبُ المَفارِق غَيَّهفلائمُه باللومِ أحَرْىَ وأنْسَبُ
أبِنْ لي على ماذا حصُلتَ من الدُّنَافقد ذُقْتَ منها ما يمُرُّ ويعذُبُ
أكان سِوى طَيْفٍ ألَمَّ وعارِضٍجَهام وبَرْقٍ مخلِفِ النَّوْءِ خُلَّبُ
متَى أنت العَمْياء غَادٍ فرَائحٌتُصعِّد في بَهْمائِها وتُصوِّبُ
تُبارىءُ بالعِصْيان من هو قادرٌعليك وفي آلائه تتقلَّبُ
أحُدِّثتَ أن المرءَ في الأرضِ مُعجِزٌلقد كذَبْتك النفسُ والنفسُ تكذِبُ
لقد لَزَّك التَّسْويفُ في مارِق علىشَفا حُفْرةٍ سَرعانَ ما تتصوَّبُ
لَعَمْرُ المَنايا إنها لقريبةٌعلى أنها من ساحةِ الشيبِ أقْرَبُ
وإنَّ مِراسَ الموت لا دَرَّ دَرُّهوإن كان صَعْبا فالذي بعدُ أصَعْبُ
تقلَّص ظلُّ العمر إلا صُبابةٌألآ فانْتبْها قبل ما أنت تُنْهَبُ
وبادِرْ فإن الوقتَ ضاق عن الوَنَىوصَمِّمْ فُسكِّيتُ الرِّهانِ المُذبْذَبُ
وخذ للقاء للَّهِ ما اسْتطعْتَ أُهْبةًفإن لقاءَ اللَّه ما عنه مَهْرَبُ
وإن ضِقْتَ ذَرْعاً من تعاظُم ما مضىفلا تنْسَ عفوَ الله فالعفُو أرْحَبُ
ولُذْ بجَناب الفاتحِ الخاتِم الذيبه يطمئنُّ الخائفُ المترقِّبُ
هو العاقِبُ الماحِي الذي بزَغتْ بهعلى الكون شمسٌ نورُها ليس يغرُبُ
تحُلُّ له الرُّسْل الكرامُ حِباهُمُوإن ذُكِروا فهْو العُذَيْقِ المُرَجَّبُ
إذا الخَطْب أبْدَي ناجِذَيْه فنادِهِتجدْ خيرَ جارٍ في المُلمَّاتِ يُنْدَبُ
وإِن لذَعْتك المُوبقاتُ فداوِهابه فهْو تِرْياق السموم المُجرَّبُ
إليكَ رسولَ الله قد جاء ضارعاًأخو عَثْرةٍ يرجو الإقالةَ مُذنبُ
فبابُك بابُ اللهِ ما عنه مهرَبٌوطالبُه من غير بابِك يُحجَبُ
فليس لنا من منحةٍ بتفَضُّلٍمن الله إلا عن مَساعِيك تُجلَبُ
ولا مَسَّنا من محنةٍ أو يَمسُّنابكسبِ يَدٍ إلا بيُمْنك تذهبُ
منها:
إذا قمتَ في وَعْد المَقام فإِنناعلى ثقةٍ أن ليس فينا مُخيَّبُ
ألم يُرْضِك الرحمنُ في سورة الضحىوحاشاك أن ترضَى وفينا معذَّبِ
أترضَى مع الجاه الوجيهِ ضياعَناونحن إلى أعْتاب بابِك نُنسَبُ
أترضَى مع العِرْضِ العريضى بأن يُرىمَقامُك محوداً ونحن نُعذَّبُ
أتخذُل يا حامِي الذِّمار عصابةًبهَدْيِك دانتْ ما لها عنك مَذهبُ
دعوْتَ فلبَّينَاك سمعاً وطاعةًوحاشاك أن ندعوكَ ثم تُخيِّبُ
منها:
عليك صلاةُ الله تتْرَى مُسلِّمامع الآلِ والأصحابِ ما انْهَلَّ صَيِّبُ
صلاةٌ تُوازِى قدرَ ذاتِك رفعةًبتَبْليغها عنِّي إلى الله أرْغَبُ
وقوله من قصيدة في المدح، أولها:
هو الفضلُ حتى لا تُعَدَّ المناقبُبل العزمُ حتى تطلُبُنْك المَطالبُ
وما قدَر الإنسان إلا اقْتدارُهأجَلْ وعلى قدَرْ الرجال المراتبُ
منها:
وللمجدِ مثلُ الناس سُقْمٌ وصحةُوفيه كما فيهم صَدُوقٌ وكاذبُ
منها:
ومن خسِر الرَّاحات يكتسِب العُلَىوبعضُ خَساراتِ الرجال مكاسبُ
فآب بما يُشجِى العِدى ويسرُّهفوائدُ قومٍ عند قوم مصائبُ
إليك إمامَ الفضلِ منا توجَّهتْكتائبُ إلَّا أنَّهُنَّ مواكبُ
مَعانٍ تُعِير العِينَ سحرَ عيونِهاوتسخرُ منها بالعقودِ التَّرائبُ
قد انْسَدلتْ فوق الطُّروسِ سطورُهاكما انسدلتْ فوق الصدورِ الذَّوائبُ
لها من بَراحِ الشوقِ حادٍ وقائدٌإليك ومن لُقْياك داعٍ وخاطبُ
ومن بدائعه قوله:
ليت شعري ما الذي سخَّر السَّمْع لصوت السنطير حتى أصَاخَا
ثم ماذا أشار به النَّايُ لرَكْب الأرْواح حتى أناخَا
ثم ماذا الذي به اسْتشعر الحِسُّبحَسِّ الأوْتارِ حتى تراخَى
ذاك سِرٌّ يذوقه من ترقَّىعن ذُرَا عالم الهيولي انْسلاخَا
وترقَّى به إلى قاب قَوْسَيْن فألْقَى العصا ورام المُناخَا
وقوله من قصيدة، أولها:
أشاردٌ ياغزال أم واجدْوعابثٌ في النفوس أو عائدْ
أعند عينيْك أنَّ أنفسَناحَبْسٌ على سَيْل نَبْلها الصاردْ
بل كثرةُ العاشقين تُوهمهبأنَّ ماضي نفوسِهم عائدْ
مهلا أبا الحُسْن قد فُجِعت بهواستبْق منَّا داعٍ له حامدْ
نحن بنو نَجْدة الهوى ولنافيه فَخارُ الطَّرِيف والتَّالِدْ
وكم لما غارةٌ على ثَغَرٍيصدُر عنها المُفتِّر الباردْ
تلك عهودٌ قد كان لا بَعُدتْ طَرْفُ الليالي عنَّا بها راقدْ
ماسَها الدهرُ عن تفرُّقنابل ظنّنا لالْتئامِنا واحدْ
على هذا الالتئام والإتقان، تأمل قولي في الاتحاد عند العناق:
يا طِيبَ ليلٍ حيَّى وقد غفَلتْعنا عيونٌ تظَلُّ ترمُقنَا
بِتْنا كرُوحيْن في حشَا جسَدٍتحيَّر النوم كيف يطرُقنَا
ولعز الدين الضرير ما هو منه:
توهَّم واشِينا بليلِ مَزارِهفهَمَّ ليسْعى بيننا بالتباعُدِ
فعانقْتُه حتى اتحدنا تعانُقاًفلما أتانا ما رأى غيرَ واحدِ
ولخالد الكاتب:
كأنني عانقتُ رَيْحانةًتنفستْ في ليلِها البارِدِ
فلو ترانا في قميصِ الدُّجىحسِبْتَنا في جسدٍ واحدِ
ولأحمد بن أبي العصام:
ضمَمْتُه ضَمَّ مُفْرِط الضمِّلا كأبٍ مُشفِق ولا أمِّ
ولم نزَلْ والظلامُ حارسُناجسميْن مُستودَعيْن في جسمِ
ولابن سناء الملك:
وليلةَ بِتْنا بعد سُكْرِي وسُكرِهِنَبذْتُ وِسادِي ثم وسَّدتُه يدِي
وبتْنا كجسمٍ واحد من عناقناوكالحَرْفِ في لفظِ الكلام المُشدَّدِ
واعترض عليه بأن العروضيين يعدون المشدد بحرفين، فلو قال: في الخط، لحصل مطلوبه.
ليت درَى القانطون في حلبٍحالي وما حالُ من لهم فاقِدْ
يرقُب وفد الشَّآمِ ذا قلَقٍعسى يراهُم بناظرِ الوافِدْ
فارقتُ مَثْوايَ في رِضا زمنعلى ذوي الفضل لم يَزلْ واجِدْ
خرجتُ منه مع البُزاةِ عسىتصفُو الليالي ويصلُح الفاسدْ
يشير إلى قوله:
أذا أنْكرتْني بلدةٌ أو نكِرْتُهاخرجتُ مع البازِي عليَّ سوادُ
ومن مديحها:
الحكَم العَدْلُ من عزائمُهقامتْ على الدهر فاكْتفى القاعدْ
وأصبحتْ حَيْرةً حواسدُهكأنها العُمْيُ مالها قائدْ
هذا أحسن من قول المتنبي:
ما بالُ هذي النجوم حائرةًكأنها العُمْي مالها قائدْ
وهو أخذه من قول العباس بن الأحنف:
والنجمُ في كبد السماء كأنهأعْمَى تحيَّر ماله من قائدِ
رَبُّ القوافي التى لآلئُهاتوَدُّ لوقُلِّدت بها الناهِدْ
إذا تأمَّلْتَها وجدتَ فتىًشُهْبَ الدياجي بفكرِه صائِدْ
وقوله من أخرى، اولها:
هو الشوقُ حتى يستوى القربُ والبعدُوصدقُ الوفا حتى كأن القِلَى وُدُّ
فلا رقَدتْ عينٌ يؤرِّقها هوىًولا خمَدت نارٌ يسعّرها خَدُّ
ألا في سبيل الأعْيُن النُّجْل ما جرىبمُنْعرَج الجَرْعاء حيث انْطوى العهدُ
عشيَّةَ أدْناني وأقْصاهُم الهوىبرَغْمِي وأرضاهُم وأسْخطنِي البعدُ
تذكّر عيشاً قد طوى نَشْرَه النوىوعُفْراً عفَى من سِرْبها الأجْرَعُ الفَرْدُ
خليلَىَّ نَجْدٌ تلك أم أنا حالمٌلقد كذَبْتني العينُ ما هذه نجدُ
بلى هذه نجدٌ فأين ظِباؤُهاأأحجبها عِزٌّ أأم اغْتالها فَقْدُ
وما صنعتْ من بعدنا تلكمُ الدُّمَىوكيف ذوَتْ هاتيكمُ القضُبُ المُلْدُ
كَأَنْ قد أضَلَّ البَيْنُ في عَرَصاتِهامُنىً أو عليها في فؤاد النوى حِقْدُ
لقد خلَدتْ ممَّا دَهاك جَهَنَّمٌبأحْشائنا يا جنَّةً خانها الخُلْدُ
خليليَّ ماوُدَّا كُما وُدَّ مخلصٍأما فيكما هَزْلٌ إذا لم يكن جِدُّ
أفوق سوادِ الليل تبغي نجومُهغشاء فلِم لم تصْحُ أعيُنها الرُّمْدُ
كأن تعالى اللهُ ذا البدرِ في السمامَلِيك مُطاعٌ والنجومُ له جُنْدُ
كأن سماء الليلِ روضٌ مُنمَّقٌخمائلُه مِسْك أزاهِرُه نَدُّ
كأن الدجى والبرقَ والزُّهْرَ ناهدٌمن الزَّنْج يُزْهيها فيُضحكها العِقْدُ
كأن الثُّريَّا كفُّ نَقَّادٍ اسْتوىعلى نَطْع سَبجٍ فوقه نُثرَ العقدُ
كأن نجومَ الليلِ من حَيْرةٍ بهاركائبُ تسْرِي مالها في السُّرَى قَصْدُ
كأن وَمِيضَ البرقِ في حالِك الدجىصفاءٌ بقلبٍ قد توطَّنه الحِقْدُ
كأن الكرى سِرٌّ كأن الدجى حَشاًكأن المُنى طِفْل كأن الرَّجا مَهْدُ
كأن السُّهَا معنىً دقيقٌ بفِكْرةٍفآونةً يخْفى وآونة يبْدُو
كأن الدجى والفجرُ يفتِق زِيقَهمواطنُ غَىٍّ قد أناخ بها الرُّشْدُ
كأن الصَّبا رُسْلُ الصباح إلى الرُّبَىبسِرٍّ أذاع الشِّيحُ خافِيه والرَّنْدُ
كأن طِلابِي المجدَ والدهرُ دونهترقُّب طَيْفٍ حال من دونه السُّهْدُ
كأن يَراعى غائصٌ بحرَ ظُلْمةٍفيُلفَظ لي من فِيه جوهرُه الفَرْدُ
كأن المعاني السانِحاتِ لخاطرِيكواعبُ زارتْ مالزَوْرتها وَعْدُ
منها في المديح:
حديقةُ فضلٍ لا يُصَوِّح نَبْتُهاونهرُ عطاءٍ ما لسائِله رَدُّ
ورِقَّةُ أخلاقٍ يَسيرُ بها الصَّباوبأسٌ له ترْمِي فرائسَها الأُسْدُ
وقوله من أخرى، أولها:
سرى عائدا حيثُ الضَّنى راع عُوَّدِيسُرَى البَدْرِ طَيْفٌ بالدُّجُنَّةِ مُرتدِ
وما رَقَّ لو لم يَرْعَ حَيْني ولا سرَىعلى البُعد في ثوب الحدادِ لمَرقدِي
فأعجبَه شوقي إليه على النَّوىكذا كان حيث الشملُ لم يتبدَّدِ
وعاتبْتُه والظنُّ أيْأس طامعٍفجاوبَني والقلبُ أطمعُ مجتدِ
ولاطفْتُه حتى استملتُ فؤادَهُفيالك سَعْداً بعضُه لِينُ جَلْمَدِ
وبِتُّ كأن الدهرَ ألْقى زِمامَهإليَّ وصافاني فأحْرزْتُ مَقْصِدِي
وحَكَّمني مِن جِيده وهْو عاطِلٌفحَلاَّه دَمعي بالجُمان المُنضَّدِ
إلى أن نعَى بالبَيْن صُبْحٌ كأنهغرابُ النوى لكنه غيرُ أسوِد
من مديحها:
به دَرَّ ضَرْعُ المَكرُماتِ وثُقِّفتْقَنا الفضلِ وانْهلَّتْ غوارِبُ للصَّدِى
يُساقِط من فِيه المعاني كأنهافرائدُ دُرٍّ في ترائبِ خُرَّدِ
ومن كلِّ سطرٍ فوق طِرْس كأنهعِذارٌ تدلَّى في عوارِض أمْرَدِ
ومن مقطعاته قوله مضمنا:
قلتُ لما أن بدَا في خدِّهزَرَدُ العارِض نَبْتاً وانْتضَدْ
أنَباتٌ لاح في خدَّيك أمنسجَ الرِّيحُ على الماء زَرَدْ
قلت: أجاد في هذا التضمين، ولطف في نقله.
وأصله ما قال صاحب بدائع البدائة: روى عن عبد الجبار بن حمديس الصقلي، قال: صنع عبد الجليل بن وهبون المرسى الشاعر لنا نزهة بوادي إشبيلية، فأقمنا فيه يومنا فلما دنت الشمس للغروب هب نسيمٌ ضعيف غضن وجه الماء، فقلت للجماعة: أجيزوا
حاكتِ الريحُ من الماءِ زَرَدْ
فأجازه كلٌ منهم بما تيسر له.
فقال لي أبو تمام غالب بن رباح الحجام: كيف قلت يا أبا محمد؟ فأعدت القسيم له.
فقال:
أيُّ دِرْعٍ لقتالٍ لو جمَدْ
ثم قال صاحب البدائع، بعد ما سبق: وقد نقله ابن حمديس إلى غير هذا الوصف فقال:
نثرَ الجوُّ على التُّرْبِ بَرَدْأيُّ دُرٍّ لنُحورٍ لو جمَدْ
فتناقض المعنى بذكر البرد لو جمد، إذ ليس البرد إلا ما جمَّده البرد، اللهم إلا أن يريد بقوله: لو جمد لو دام جمده، فيصبح.
ومثل هذا قول المعتمد بن عبَّاد، يصف فوَّارة:
ولرُبما سلّت لنا من مائهاسيفا وكان عن النواظر مُغْمَدَا
طبعتْ لُجَيْناً ثم زانت صَفْحَةًمنه ولو جمَدتْ لكان مُهنَّدَا
وقد أخذ المقَّرى هذا المعنى، فقال يصف روضا:
لو دام هذا النَّبْتُ كان زَبَرْجَداًولو جَمدتْ أنهارُه كُنَّ بَلُّورَا
وهذا المعنى مأخوذ من قول على التُّونسي الإياديّ، من قصيدته الطائية المشهورة:
ألُؤْلؤٌ قَطْرُ هذا الجوِّ أو نُقَطُما كان أحسنَه لو كان يُلْتقَطُ
والمعنى كثير للقدماء، قال ابن الرُّومي، من قطعة في العنب الرَّازقي:
لو أنه يبْقَى على الدهورِقرَّط آذانَ الحسان الحُورِ
عوداً على بدء.
ووما يشبه ما حاوله في التَّضمين قول عزِّ الدين الموصلي:
كالزَّردِ المنظومِ أصْداغُهوخدُّه كالوردِ لمَّا وردْ
بالغْتُ في الَّلثْم وقبَّلتُهفي الخَدّ تقْبيلاً يفُكُّ الزَّرَدْ
وللبابي في ذم من تعذَّر:
قد كسَا اللهُ صُبحَ خدَّيْه ليلاًوطَلى ذلك البياضَ سَوادَا
أصبحتْ ماءُ وَجْنتيْه سَراباًوغدَت جمرةُ الجمال رَمادَا
وله أيضاً:
نادى لوَ أن النِّدا يُجدِيقِفوا انْظروا ما أصاب خَدِّي
قد كان ورداً بغير شوكٍفصار شوكاً بغير وردٍ
مثله لذي الوزارتين أبي الحسن بن الحاجّ:
أبا جعفرٍ مات فيك الكمالُفأظهر خَدُّك لبْسَ الحدادِ
وقد كان يُنبِت وردَ الرياضفأصبح ينبتُ شَوْكَ القَتادِ
ولعرقلة الكلبيّ:
إذا ما الأمْرَدُ المصقول جاءتْعوارضُه فنْقصٌ في ازْديادِ
وهل يَستحسنُ الإنسانُ روضاًإذا ما حلَّه شوكُ القَتادِ
ومن بدائعه قوله من قصيدة، قالها وهو بالرُّوم يتشوَّق إلى الباب:
تذكَّر بالْباب ظبياً غَرِيرَاوعيشَا رقيقَ الحواشِي نَضِيرَا
وعهداً تَرِفُّ أساريرُهقطفْنا به العيشَ غضًّا نضيرَا
مَساحِبُ أذْيالِ لهوٍ بهالبِسْنا الشبابَ طرِيّاً طَرِيرَا
وفي سَفْح تَيْماءَ وادٍ أغَنُّثَراه تراه يفُتُّ العَبِيرَا
نسيماً عليلاً وظلاًّ ظليلاًَوماءً نَميِرا وروضا مَطِيرَا
تُعانِق فيه الغصونُ الغصونَويلْطِم فيه الغديرُ الغديرَا
وللوُرْقِ صَدْحٌ بأفْنانِهاكألْحانِ داود يَتْلو الزّبورَا
وأثَّر فَرْطُ اعْتلال النسيمِ في حركات الغصونِ فُتورَا
للرِّيح بالطيرِ فوق الغصونِ عبَثٌ به يستخِفُّ الوَقُورَا
فبيْنا يكاد يمَسُّ الثرىبها إذْ يكاد يمَسُّ الأثِيرَا
وماءٌ يسِحُّ على وجهِهويسرَح في كل وادٍ مُغِيرَا
فلولا تشبُّثُ حَصْبائِهبه كاد من خِفَّة أن يطيرَا
إذا ما اسْتدار خلال الرياضِتخال مَعاصِم ضَمَّت خُصورَا
وقوله في الغزل:
كأنما أوْقف اللهُ العيونَ علىرُؤْيا محاسنِه لاصابَها ضَرَرُ
فلو بدَا من وَرا المرآةِ لانْحرفتْعن أهلِها حيث دارتْ نحَوهُ الصُّوَرُ
وكثيرا ما يسأل عن معنى البيت الثاني، وأحسن ما يوجَّه به، أن قوله من ورا، أي من خلف المرآة، لانحرفت الصور حيث سارت محاسنه، لأن الأبصار وقفٌ على محاسنه، لأن البصار وقفٌ على محاسنه، والمراد من الصور المنحرفة الدّاخلة المرآة.
وإنما أفرد المرآة وجمع الصُّور، مع أن في المرآة صورة واحدة، لأن المرآة الواحدة يمكن أن يرسم فيها صورٌ كثيرة، على طريقة البدليَّة، ولا تتعدد المرآة.
والصُّور فاعل انحرفت، وفاعل سارت ضميرٌ راجع إلى محاسنه.
وله:
ولي نفسُ حرٍّ لا مُني تسْترقُّهاولا مَطَمعٌ نحو الهَوانِ يُدِيرُهَا
متى استكْبرتْ تصْغُرْ وإن هي صُغِّرتْتساوَى لديها عبدُها وأميرُهَا
إذا لَمستْها كفُّ عِزٍّ تطامنَتْوإن لَحَظتْها عينُ هُونٍ تُطيرُهَا
وله، وهي من غرره:
كاد يسعَى للتَّصابِي أوْسعَىوَيْحَه ما عفَّ حتى نَزَعَا
الصَّبا لاسامح اللهُ الصَّبانبَّهتْ من غَيِّه ماهجَعَا
واستثارتْ من أقاصِي لُبِّهصَبْوةً كان رَثاها ونَعى
قد صَبا طَوْعَ هواه ما صَباورعَى شُهْبَ الدياجِي ما رعَىَ
هُجَنٌ ستَّرها ليلُ الصَّباغَضَّ عنها صُبحَ فوْدٍ طلَعَا
وعِثارٍ قد أقلَّتْه النُّهَىفإن استأْنفت فيه لا لَعَا
زعَموا إن أسكتْتني ضِنَّةٌبالقوافي أن طَبْعي رجَعا
وتناسَوْا ذلك النَّظْمَ الذيزاد في الرِّقة حتى انْقطعَا
والمعاني الَّلاي أنَّى أُنْشِدتْتلْمَس العقدَ الغواني جزَعَا
غَرّهم منّي سكوتٌ كلُّهكلماتٌ تُسمِع الصُّمَّ الدُّعَا
وخُمود تحته جَزْلُ الغَضاوسكونٌ تحته الرِّيُّ سعَى
في حِرِ امِّ الشِّعر مالي ولهخَلَّة سُدَّتْ وغَيٌّ أقْلعَا
قوله: زاد في الرقة نقله من قول ابن مليك، في الغزل:
لَيِّنُ الأعطافِ من خَصْرُهرَقَّ حتى كاد أن ينْقطعَا
وقوله: تلمس العقد الغواني، من قول المنازيّ:
ترُوع حَصاه حالِيَة العذارَىفتلْمسُ جانبَ العقْدِ النَّظيمِ
وله من قصيدة طويلة مستهلها:
حوَّلت عهدَ عيْشِه الأهوالُواستحالتْ من وُدِّها الأحوالُ
سَلْ رُسوم الرُّبوع عنها وما يُجْدي سؤالٌ عنه الجواب السؤالُ
قد وقفْنا نبكي الطولَ بها حتَّىبكتْنَا بدمعها الأطلالُ
وعجبنا لرَبْعها كيف أقْوَىمُطرقاً واسْتحال ذاك الجمالُ
ساكنٌ في السكون منه اضْطرابٌساكتٌ في السكوت منه مَقالُ
صرَفتْ نَقْده صُروفُ اللياليواستخفَّتْ به الخطوبُ الثِّقالُ
عَهْدُنا في ذُراه يُستأنَس الأُنْسُ وتُستَرْوَح الصَّبا والشَّمالُ
غادرَتْه الأغْيارُ تُستوحَش الوَحْشَةُ فيه وتُوجَل الأوْجَالُ
يا أُثَيْلاتِ مَسْرحٍ أقبل الإدْبارُ فيه وأدبر الإقْبالُ
باكَرتْكُنَّ عن عيون الغوادِيإن عَراكُنَّ من دموعي المَلالُ
طالما بات للجمال مَقِيلٌفي ذُاركُنَّ والعِثارِ مقالُ
وزمانٍ ما طال بالوصلِ حجتىقَّصرتْه أيامُ هَجْرٍ طِوالُ
أخْلقتْ جِدَّةُ النَّوى ذلك العهْدَ ولبَّى داعي النعيم الخيالُ
أي ذنبٍ نُعاتب الدهرَ فيهوعتابُ الأيام داءٌ عُضالُ
أنا ما بين فُرقةٍ تجمع السُّقْمَ وبُعْدٍ تدنُو به الآجالُ
وخُطوبٍ ألِفْتُها يستعيذُ الْخوفُ منها وتَذعَر الأهْوالُ
وأمانٍ تُجاذب الدهرّ ذيلَ الْحظِّ والدهرُ جاذبٌ جَدَّالُ
هِمَّةٌ أرَّقتْ جفونَ الأمانيبوُعودٍ للدهر فيها مِطالُ
واشْتغالٍ فرَغْتُ فيه عن اللهْوبأمرٍ للحظِّ عنه اشْتغالُ
أتمنَّى من الزمانِ وفاءًووفاءُ الزمان أمرٌ مُحالُ
وله من أخرى، أولها:
أقَبُول تنَّفستْ أم قُبولُأم شَمالٌ دارتْ بنا أم شَمُولُ
نشرتْ نَشْرها النَّدِىَّ كأنَّ الأُفْق بُرْدٌ من الكِبَا مَبْلولُ
مَهَلاً يسْترِحْ سَنامُك من وَقْرِ الشَّدِّ فالأناةُ أمرٌ جميلُ
واسْعِدينا بوَقْفِة نَسْمَةِ الشَّآمِ فقد يرحُم العليلَ العليلُ
كيف خَّلْفت دارَ أنْسٍ ومن الأُنْسْ فعَهْدي بالأُنس عهدٌ طويلُ
بوُجوه متى تبدَّتْ تبدَّى التَّكبيرُ من حولِهنَّ والتَّهْليلُ
التكبير والتهليل للتعجُّب، مما استعمله المولَّدون.
قال المتنبيّ:
كبَّرتُ حول ديارهمْ لما بدَتْتلك الشموسُ وليس فيه المشرِقُ
ووقع في مجلس أبي بكر بن زهر، أن بعض أدباء الأندلس كان عنده، فدخل فاضل من أهل خراسان عليهم، فأكرمه ابن زهر، وأجلَّه.
فقال الأندلسيّ: ما تقول في علماء الأندلس وأدبائهم وشعرائهم؟ فقال: كبَّرت.
فلم يفهم جوابه، واستبرده.
فلما فهم ابن زهر إنكاره، قال: قرأت شعر المتنبي؟ قال: نعم، وحفظته.
قال: أما سمعت قوله:...... وأنشد البيت، فعلى البيت، فعلى نفسك فلتكبِّر، ولفهمك اتِّهم وأنكر.
فخجل، واعتذر.
ومثله استعملوا الصلاة على النبي ﷺ، قال شيخ الشيوخ بحماة:
فمَن رأى ذلك الوِشاحَ الصَّائمَ صلَّى على مُحمَّدْ
ولبعضهم في وصف خط:
خطٌّ كما انْفتحتْ أزاهيرُ الرُّبَيمُتنَزَّه الألْبابِ قَيْدُ الأعْيُنِ
وبلاغةٌ مِلْءُ العيونِ مَلاحةًنال النبيُّ بها صلاةَ الألْسُنِ
وقد منعها النَّوويُّ في مثل هذا شرعاً.
قال: والوارد في مثله سبحان الله، كذا ذكره في أذكاره.
وقال الحليميّ: إنه جائز بلا كراهة.
وبَّينوا وجهه في فقههم.
وله من قصيدة، أولها:
عُوجا على رَسْمِ ذلك الطَّلَلِنَقْضِي حقوقَ الليالِي الأُوَلِ
لعلَّ نَثنِى أعطافَه ثانيةًوقد ترجَّيْتُ غيرَ مُحتَمِلِ
فالدهرُ بأْبَي إبقاءَ مُغتنَمٍفكيف يُرْجَى لرَدِّ مُرتحِلِ
لكلِّ ماضٍ من شِبْهِه بدَلٌوما لعهْدِ الشبابِ من بدلِ
سقى لُوَيْلاتِنا بذي سَلَمٍكلُّ مُلِثِّ الرَّبابِ مُنْهمِلِ
معاهدٌ طال ما اقتطفتُ بهازَهْرَ الهنا من حدائقِ الجذَلِ
وأطْلَع السعدُ في مَعالِمهابَدْرَ المُنى في غياهِب الأمَلِ
حيث قُطوفُ اللَّذَّاتِ دانيةٌومَوْرِد اللهوِ مُغْدِقُ النَّهَلِ
نعثُر فيها بذَيْل لَذَّتِنافي هِضاب العِناق والقُبَلِ
بكلِّ مُستوْقِف العيون سَناًيدعُو فراغَ القلوبِ للشُّغُلِ
الشغل فيه أربع لغات: شُغْل، وشُغُل، وشَغْل وشَغَل.
أثْقَل أعْطافَه بخفَّتهلُطْفُ التَّصابِي فخفَّ بالثِّقَلِ
وعُطِّلتْ من حَلْىِ النَّبات عِذَاراهُ فحلاَه الحسنُ بالعَطَلِ
إذا رمتْنا من قَوْسِ حاجبِهسهامُ جَفْنيْه مابَنُو ثُعَلِ
وارَحْمتا العاشقين قد دهَمَتهمُ المَنايا في صورة المُقَلِ
وقد تفاءلْتُ من مَصارعِهمْأنّ تَلافِى بالأعْيُنِ النُّجْلِ
أساً لقد جُرِّع الأسَى وهوًىأهْويْتُ من أجلِه على أجَلِي
فذا الذي حَجبَتْ محاسنُهعنَّا مَساوِى الصدودِ والنّقلِ
من كان عنِّي قبلَ النَّوَى صَلِفاًأبْعدُ مَسمِعي عن العَذَلِ
مازِدتُ عنه بُعداً بفُرقتِهلا وَاخَذ اللهُ البَيْنَ من قِبَلِي
منها في المدح:
أقام للفضل دولةً حسُنتْوالوصفُ بالفضل أفضلُ الدُّوَلِ
واسْتتَر الظلمُ من عدالتِهبين حُصون الظِّباء بالكَحَلِ
يا أبيضَ العدلِ ما تركتَ بهاسوادَ ظُلْمٍ إلا من المُقَلش
واعتدلتْ حيث ما اسْتمرَّ بهالولا قدودُ الحسانِ ذُو مَيَلِ
ما كنتُ ادري من قبل رُؤْيتِهكيف انْحصار الأنامِ في رجلِ
حتى رأيتُ امْرَأً يقوم له الدَّهْرُ على ساقِه من الوَجَلِ
إن ادَّعَى مبصرٌ له شبَهافاحكُم على ناظِريْه بالحَوَلِ
هذا في استعمالهم كثير، ومن أبلغه قولي في غلام أحول:
بنفْسِيَ من أخْلصتُ قلبي لأجْلِهفما اخترتُ عنه قَطُّ أن أتحوَّلاَ
بديعُ جمالٍ لا يرى طرفُ ناظرٍنظيراً له حُسْنا ولو كان أحْوَلاَ
ومن قصائده، ميميّته التي أهداها شنبا لثغر الأدب الباسم، وبعثها روحا في مجارى القبول الناسم:
تلك الطُّلولُ طلولُ سَلْمَىفافضُض بها للدمعِ خَتْمَا
دِمَنٌ غرَستُ بها الهوىفجنيْتُه كَمَداً وسُقْمَا
وانشُد هنالك مُهْجةًبصرِيعة الأحْداق تُسْمَى
خلَّفْتُها يوم النوىلِسهامها غرَضاً ومَرْمَى
وأظنها لم يُبْقِ منْها حبُّ ذاك الظبِي رَسْمَا
صنمٌ كأن اللهَ صوَّرَهُ من الأرْواح جسمَا
وكأنما مُزِج الصَّباحتى تكوَّن منه بالْمَا
وجَناتُه رقَّتْ فكادتْ من خيالِ الوهمِ تَدْمَى
وَصَفتْ معاطُفه فكادبها الغلائلُ أن تنمَّى
نفِّسْ عليه يا نِطاقُ فقد كدَدْتَ الخَصْر ضَمَّا
واخفِفْ مُرورَك يا نسيمُ فقد خدَشْتَ الخدَّ لَثْمَا
إنِّي غضضْتُ الطَّرفَ خوْفاً أن يُؤثِّر فيه حَتْمَا
نَشْوانُ من خمرِ الدَّلالِ مُعشَّقُ الحركاتِ ألْمَى
عُوِّضتُ فيه عن هُدايَ وصحَّتي غَيّاً وسُقْمَا
إن الذي قسَم الهوىجعل القنا لي منه قِسْمَا
لا واخَذ اللهُ الدُّمَىبدمِي فقد هدرَتْه ظُلْمَا
فإلى مَ يا ثَمِلَ الجفونِ وفي مَ تجفْوني ومِمَّا
قد تَاه سلطانُ العيونِ على القلوب وجار حُكْمَا
تلك الصِّفاحُ البيضُ لكنْ للْمَنايا السُّودِ تُنْمَى
فكأنما راشَتْ لهاعزَماتُ نجمِ الدين سَهْمَا
نجمٌ غدا للحائرين هُدىً وللأعْداء رَجْمَا
وله الأيادِي الغُرُّ تُرْجِع أوْجُهَ الحسَّادِ دُهْمَا
لو حاربَتْه الشُّهْبُ لَانْقضَّتْ لديْه ترُوم سَلِمْاَ
منها:
خُذْها إلأيك أبا القوافي لا أراها اللهُ يُتْمَا
قد أطْلعتْ من كلِّ مَعْننىً في سمَا عَلْياك نَجْمَا
أوْهمْتُها مدحَ السِّوَىفتميَّزتْ بالغيظِ وَهْمَا
ومن مصوناته التي إذا اشتهرت اشتغل الناس بها عن كل منظوم، واحتفلوا بها احتفال بني تغلب بقصيدة عمرو بن كلثوم، هذه الميميّة:
عاد فانْقاد للهوى بذِماِمبعد ما ودَّع الصِّبا بسلاِم
نسْمةٌ من رُبا الغدير استفزَّتْمن أقاصي الحشَى دَواعي الغراِم
نشأتْ من منابِت الشِّيح والقَيْصوِم تروِى عن رَنْدِه والخُزاِم
ذكَّرْته عهداً قديماً وكم نبَّهَ ذكرُ العهودِ جَفْنَ الهُياِم
بوجوهٍ تجلّتْ صُوَر الأقْمارِ ترْنُو عن أعْيُن الآرامِ
كل قَدٍّ يكاد يعقِده اللِّينُ وتَثْنيه خَطْرةُ الأوهامِ
وفم طيِّب المُقبَّل والنَّكْههة يُبْدى عن مثل حَبِّ الغَمامِ
أبْلَجٌ واضحُ الدليل بأنَّ الْجوهرَ الفردَ قابلُ الانْقسامِ
ولذيذُ الحديث يقطُر ظَرْفاًبتثنِّي جِيدٍ وهَزِّ قَوامِ
لكلا العاشقْين ينفُث سحراًشكلُ رُعْبوبةٍ وزِيُّ غلامِ
هذا البيت آخذٌ بطرفي الحسن، تتنبَّه له من غيرتها الجفون الوسن.
وقد ذكر الباخرزيُّ في مثله بيتا، وهو:
لمُذكَّر الخُطواتِ غيرِ مُؤنَّثٍومُؤنَّثِ الخلَواتِ غيرِ مذكَّرِ
ثم قال، في وصفه: " هذا بيت شعر، يستوي بيت تبر، ففيه، قلبٌ يقبله كل قلب ".
ومما يقارب هذا قول بعضهم:
هو تحت العَجاج ليثُ عَرِينٍوهْو فوق الفِراشِ ظَبْيُ كِناسِ
زمن مَرَّ كلُّ عام كيومٍقِصَراً جَرَّ كلَّ يومٍ كعامِ
هكذا كلُّ مَغْنمٍ فهو عينُ الْغُرمِ والوجدُ زائدُ الإعدامِ
سترى إن أعارَك الدهرُ عيناًأن دَرَّ الأيامِ للأيامِ
جلَّ بارِي الأمورِ في صُورِ الأضْدادِ أبْدَى اللذاتِ بالآلامِ
وجلا العزَّ في ملابِس ذُلٍّوكسَا الذلَّ صورةَ الإعْظامِ
وأراك المخْدومَ ناعمَ بالٍوهْو أشْقى الخدام بالخُدّامِ
حسبُك القَنع منصباً وكفى المَرْءَ نعيما مُطارَحات الكرامِ
هي أهْنَى مواردِ العيش لكنْكدَّرْتها مَؤُونة الاحْتشامِ
من خشوعٍ ولات حين صَلاةٍواحْتراسٍ ولات حين صِدامِ
حركاتٍ تجري على غير طبعٍوقعودٍ مُعَّينٍ وقيامِ
وأشدُّ البلا على الرأسِ تُلْفَىعِمَّةٌ مثل ذِرْوةِ الأهرامِ
ولباسٌ يغرى النَّوائبَ بالأكْنافِ ضافي الأذْيال والأكْمامِ
صاحِبَيَّ ابْغيا لنا خارجَ الْعالَم داراً فبئْس دارُ الزِّحامِ
واصْدُقاني ألسْتُما بين ليلٍونهارٍ، مالي حليفُ ظلامِ
واسْتعيرا لمُقلتي هَجْعَةً عَلَّمَنامي يعودُ لو في منامِ
من أُمور تَقْذِى العيونَ وأخرىتصْدَع السمعَ مثل وخْزِ السهامِ
مَشْربٌ كلُّه قَذًى سوَّغتْهإلفُ هذا النفوِس بالأجسامِ
ما أرى موتَ مَن فقدْنا من الإخْوانِ إلا لفَرْط شوقِ الحِمامِ
هلكُوا هِمَّةً وأدركنا الَّلهُ بحُمْقٍ عشْنا به في جَمامِ
مَن أراد العيش الهَنِىَّ فلا يُعْمِلُ فكراً فالعيشُ عيش السَّوامِ
وَيْكَ حتى م نحن غَرْقَى بحور الشِّعِر أسْرَى سلاسلِ الأرْقامِ
قد عكَفْنا على غَوايتِنا نَضْربُ منها في غاربٍ وسَنامِ
قد غنَيْنا عن الدُّروس بما تُملِى علينا صحائفُ الأيامِ
من عِظاتٍ تُتْلى بغير لسانوسطورٍ خُطَّت بلا أقلامِ
أرْمُسٍ دارِساتِ عهدٍ وأخرىطامِساتِ الصُّوَى وأخرى قِدامِ
ولوَ أنَّ العيونَ زال غَشاهالرأتْ كلَّ أَخْمَصٍ فوق هامِ
بل وفي وردةٍ ألف خَدٍّوقضيبٍ يميسُ ألفَ قَوامِ
فلَكٌ دائرٌ وما هو إلَّاأجَلٌ ساهرٌ لقومٍ نيامِ
كم قرون طَحَنَّ أيضاً وكم تطْحنُ أرحاؤُهنَّ بالإعدامِ
وقوله: " ولو أن العيون "، إلى آخر البيتين، معنى دقيق، وفي رُباعيّات عمر الخيام بالفارسيّ من نوعه أشياء كثيرة.
ولي في ترجمة رباعية من رباعياته:
في الاعْتبار بمَن مضى من قبلناعِبَرٌ وتلك هدايةُ المسترشدِ
فلكم طوتْ ترْباؤُنا أُمَماً وهلمَيْتٌ بغير ثَرائِها لم يُلْحَدِ
حتى كأن شَقِيقها دمُ أسرةٍسفَكتْ دماءَهمُ عيونُ الخُرَّدِ
وبَنَفْسَجُ الروضِ النَّدِىِّ كأنهخِيلانُ وَجناتِ الخدودِ الوُرَّدِ
ومن هذا قول المنجكيّ:
وإذا تأمَّلت الثَّرى ألْفيْتَهغُرَرَ الملوكِ تُداسُ تحت الأرْجُلِ
وقول السيد عبد الرحمن بن النقيب:
كم ضَمت التّرباءُ خَلْقاً قبلَنامن آخِر يقْفو سبيلَ الأوَّلِ
حتى كأن أدِيمَها ممَّا حوَتْحبَّاتُ أفئدةِ الملوك العُدَّلِ
والمشهور فيه قول أبي العلاء المعرِّيّ، من مرثيَّته الشائعة:
رُبَّ لَحْدٍ قد صار لحداً مراراًضاحكٍ من تَزاحُم الأضدادِ
صَاحِ هذى قُبورنا تملأ الرُّحْبَ فأين القبور من عَهد عادِ
خفِّفِ الوَطْءَ ما أظن أديم الْأرضِ إلَّا من هذه الأجسادِ
وقد شاركه فيه مهيار، في قوله:
رُوَيداً بأخْفاف المَطِيِّ فإنماتُداسُ جِباهٌ في الثَّرَى وخدودُ
ومنزع هذا كله قول أبي الطيِّب:
ويدفنُ بعضُنا بعضا ويمشيأواخرُنا على هامِ الأوالىِ
يريد بالأوالى الأوائل، وهو كثير في كلامهم، قال امرؤ القيس:
وأمنع عِرْسِي أن يُزَنَّ بها الخالِي
أي الخائل.
عودا إلى ما نحن فيه.
وما أحسن ظنَّه بربه، حيث قال:
لا أُبالي إن قبضتُ علىسُنَنِ الإسلامِ قَطُّ عَنَا
رحمةُ الله التي وسِعتْكلَّ شيءٍ لا تضيقُ بنَا
وهنا أنهى ترجمته بموشَّح له يذكر فيه عين الذهب، ويندب عيشاً له فيها ذهب:
بِأبي وَا بِأبِي وا بِأبيجَرْعةٌ من ماء عينِ الذهبِ
يارعاهُ الّلهُ من وادٍ وسيمْرَقَّ فيه الماءُ واعْتلَّ النسيمْ
تُعرف النَّضرةُ فيه والنعيمْعيشُنا فيه رَخِىُّ الَّلَبَبِ
غفلتَ عنه عيونُ النُّوَبِ
حيث ما يمَّمْتَ روضٌ وغديرْوإلى جانبه ظَبْيٌ غَرِيرْ
وفِراشٌ مُنْقَنُ الوَشْىِ وَثِيرْكمُلَتْ فيه دواعِي الطَّرَبِ
يؤْخذ الصيدُ به عن كَثَبِ
ونديمٍ شَبَّ في حجرِ الدلالْلو عصَرْتَ الظَّرْف من عِطْفْيه سالْ
قمرٌ ينظر عن عيْنَيْ غزالْوإذا ساجْلَته بالأدبِ
يملُأ الدلوَ لعَقْدِ الكَرَبِ
هذا من قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، حيث يقول:
مَن يُساجِلْني يساجِلْ ماجداًيملأُ الدلوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
والكرب: الحبل الذي يشدُّ في وسط العراقيّ ثم يثلَّث، ليكون هو الذي يملأ الماء فلا يعفن الحبل الكبير، وهو مثل يضرب لمن يبالغ فيما يلي من الأمر.
قم بنا تنشَقْ رُوَيحاتِ السَّحَرْقبل أن تَصْدا بأنْفاس البشَرْ
هذه الوُرْق تغنَّت في الشَّجَرْوتناجَتْ في رءُوسِ القُضُبِ
أن مَن ضيَّع ذا الوقتَ غَبِي
قوله: " قبل أن تصدا " إلخ. من قول ابن الرُّوميّ:
وغيرُ عجيب طِيبُ أنفاسِ روضةٍمُنوَّرَةٍ باتتْ تُراحُ وتُمْطَرُ
كذلك أنفاسُ الرياضِ بسُحْرةٍتطِيبُ وأنفاسُ الأنام تغَّيرُ
دَأْبُنَا شَمُّ ورودٍ وخدودْوعناقٌ من غصونٍ أو قُدودْ
والهوى لَفُّ خصُورٍ بزُنودْلذَّةٌ ما شابَها من أشَبِ
خلُصتْ من موُبِقات الرِّيَب
نفْخُ روحِ الرَّاح في جسم الزُّجاجْإنها تُثْمِر عن فَيْض المِزاجْ
أيها السَّاقي فبادِرْ بالعِلاجْرصِّعِ الشمسَ لنا بالشُّهُبِ
واسْكُبِ الفضَّة فوق الذَّهَبِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع