تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

ولده السيد محمد حجازي

هو في قلادة نسبهم واسطة، وصاحب أيادٍ بجميل النعم باسطة.

شهرته النزعة الحجازية، ولبس من حسن الحجى زيه.

وله أملٌ يقوم به مع الأيام ويقعد، ويدنو به طوراً وآونةً يبعد.

حتى رسخ رسوخ ثهلان، وكلف بالمعالي كما كلف بميَّة غيَّلان.

فجمع الله به شمل المكارم في قطره، وأحيى به الأرض الموات إذا ضن سحابها بقطره.

إلا أن فيه عجلةً تلزمه الحجة، وشراسةً تضييق عليه المحجة.

فإذا تكرد لا يرجى له صفو، وإن سخط لا ينتظر له عفو.

وأما القراءة فله منها ما تحصل، ولكن له شعر تدرج به إلى الوصف بالأدب وتوصل.

وقد أثبت له ما يروقك رواؤه، ويغينك عن ماء الغدران إرواؤه.

فمنه قوله، من قصيدة يمدح بها البهاء، لما كان قاضيا بحلب، أولها:

ألا منجِدٌ في أرض نجْد من الوجدِفما عند أهْلِيها سوى لوعةٍ تُجْدِى
وقفتُ بها مستأنساً بظِبائهاكما يأنَسُ الصبُّ المتيَّمُ بالوجدِ
أُسائلُ عمَّن حلَّ بالجِزْع والحمَىوأنشُد عمنَّ جاز بالأجْرَعِ الفَرْدِ
خليليَّ إن الصدرَ ضاق عن الجوَىفلا تعْجبا من طَفْرة النارِ بالزَّنْدِ
ففي الجسم من سُعْدَي جروحٌ من الأسَىوفي القلبِ من أجْفانها كلُّ ما يُعْدِى
بثَغْرٍ يزيدُ الوَقْدَ من خمرِة الَّلمَىوصُدْغٍ يُثير الوجدَ من جَمْرة الخدِّ
تُقرِّب لي بالَّلحْظ ما عَزَّ دَرْكُهوتنْفِر عمداً كي تُصاد على عَمْدِ
تَلاعَب في عقل الفُحول بطَرْفهامُلاعبةَ الأطْفالِ من غِرَّة المَهْد
رمتْ مهجتي أهدابُها عن تعمُّدٍنِبالاً فزادتْ من توقُّدِها وَقْدِى
دنَوْتُ إليها وهْي لم تدْرِ ما الهوىوما علمتْ ما حلَّ بي من هوى نَجْد
فقلتُ أما من رُضابِك رَشْفةٌمُعَّللةٌ أرْوِي بها غُلةَ الوجدِ
وهل للتَّداني عِلَّةٌ أستمدُّهاوأبذُل في إنْجاز وُصْلتِها جُهْدِي
فقالتْ أما يكْفيك وعدي تعِلَّةًلقْلبِك فاقْنَعْ يا أخا الوُدِّ بالوعدِ
ولا تَرْجُ مهما تقصد النفسُ نَيْلَهفإن الرَّزايا في مُتابعِة القصْدِ
ولا تستِمحْ من كلِّ خِدْنٍ وصاحبٍإخاءً فقد يُفضى الإخاءُ إلى الزهدِ
فما كل إنسانٍ تَراه مُهذَّباًولا كلُّ خِلِّ صادق الوعد والعهدِ
ولا كلُّ نجمٍ يُهتدَي بضيائِهولا كلُّ ماءٍ طيِّب الطعمِ والوِرْدِ
ولا المسكُ في كل المَهاةِ مَحِلُّهولا ريحُ ماءِ الوردِ من عاصرِ الوردِ
ولا فضلُ مولانا البهاءِ محمدٍكفضلِ المَوالي السابقين على حَدِّ

قلت: هذه العلاقة النجدية، اقتضت أن تسمى القصيدة بالوجدية.

وله، من قصيدة أخرى، في مدح البهاء أيضاً، مطلعها:

قطبُ السماءِ هو الطريقُ الأقْصدُدارتْ عليه نجومُه والفَرْقَدُ
والمُشْترِي والزُّهَرَةُ والزهراءُ فيأَوْج السُّعودِ هبوطُها والَمصعَدُ
والشمسُ ما شرُفتْ على أقْرانهاإلا بنِسْبته إليها العَسْجَدُ
واللهُ لا تحصَى شئونُ كمالِهفالويْل ثَمَّ على الذي لا يشهدُ
ولقد أتيتُ الدهرَ غيرَ مُغادرٍفي حالة منها أقومُ وأقعُدُ
فسألتُه مَن في الحمى فأجابنيمُفتِي الأنام أبو البهاءِ محمدِ

قلت: ها هنا فائدة من المستخرجات بالإلهام، وهي أن كثيراً من الشعراء من يبني روى قصيدته على اسم ممدوحه، ولم يذكروا هذا في البديع، فينبغي أن يسمى ب " التمهيد "، ويذكر.

ومن مستحسناته، قوله في الخمرة ونشأتها:

لا تَرْضَ بالإضرارِ للناسِإن رُمْتَ أن تنجو من الباسِ
وانظُر إلى الخمرِ وما أوقعتْفي شارِبيها بعد إيناسِ
لما رضَوا في دَوْسِها عُوقبوابَضرْبةٍ منها على الرَّاسِ

هذا معنى تصرف فيه وبناه على العقاب، وقد استعمله القدماء وأحالوه على جور الشراب.

ولكل مشرب، إما عذب أو مستعذب.

ومن الثاني قول ابن الأثير من فصل في وصف الخمر: وقد عرف منها سنة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استثأرت من الرءوس بجناية أقدامها.

وهو أخذه من قول القائل:

ذكرتْ حقائدَها الكريمةُ إذ غدتْوَهْناً تُداسُ بأرْجل العصَّارِ
لا نتْ لهم حتى انتشَوْا فتحكَّمتْفيهم فنادتْ فيهمُ بالتَّارِ

وعلى ذكر التار فأعجب لتار الإشبيلي الذي ينطق الأوتار، وهو قوله:

والخمر تعلمُ كيف تأخذُ ثأرَهاإني أملتُ إناءَها فأمالنِي

ويعجبني في هذا السياق، قول بعد الأندلسيين الحذاق:

لاتعجَبنَّ لطالبٍ نال العُلَىكهلاً وأخْفَق في الزمانِ الأوَّلِ
كالخمرِ تحكُم في العقُول مُسِنَّةًوتُداس أوَّلَ عَصْرها بالأرجُلِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في نوادر الأدباء بحلب الشهباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.