من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
ولده السيد باكير
فرع من تلك الدوحة الباسقة، وعصماء من عقد محتدها التي تنظمت فرائده المتناسقة.
أنبت به ندى بيته الثناء في حدائق الأذهان، وأملت معاليه المعاني بأفصح لسان على الأذان.
رضع من در العلوم كهلا ووليدا، وحوى من أنواع المفاخر طارفاً وتليدا.
يجتلى ناظره روض الحظ ناضرا، ويجتلب رأيه المغربات فيجعل غائبها حاضرا.
وله منطق يعلم الأبكم براعة التلفظ، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤنة التحفظ.
فهو في كلامه النفيس العالي، كأنما عناه بقوله الميكالي:
إن كلامَ ابن أحمد الحسنِىآسَى كِلامَ الهمومِ والحزَنِ
سحرٌ ولكن حكى الصَّبا سَحَراًفي لُطْفِه غِبَّ عارِض هَتِنِ
وقد جرى في مجلس النجم الحلفاوي ذكر نجابته التي دلت عليه، دلالة النسيم على الحبيب إذا هب بعرف صدغيه.
فأثنى علي ثناء الزهر، على جدول النهر.
ووصف محتده وصف حسان، لآل غسان.
فرآ ليلةً في منامه أنه نظيم بيتين في نعته، ثم انتبه مع نومه فكتبهما من وقته.
وهما:
يا كيرُ فاق على الأقْران مرتِقياًأَوْجَ المعالي فلا خِدْنٌ يُدانيِه
والفرعُ إن أثْمرتْ أيدي الكرامِ بهفالأصلُ من كوثرِ الأفْضال يَسْقِيِه
وقد أثبت له ما هو أصفى من ماء المفاصل، وألطف موقعاً من ضمة الحبيب المواصل.
فمنه قوله:
بك صَرحُ العَلاء سامٍ عِمادُهُوكذاك الكمالُ وارٍ زنادُهْ
إن كلَّ الأنام من ناظرِ الدهرِ بياضُ وأنت منه سوادُهُ
قد غرقنا من فيْض فضلك في أمْواج بحرٍ تتابعتْ أزْبادُهْ
وإذا الفكرُ لم يُحِطْ بمعالِيكَ جميعا وخاب فيك اجْتهادُهْ
فاعْتذاري ببيْت نَدْبٍ هُمامٍما كبَا في مَيْدان فضلٍ جوادُهْ
إن في الموجِ للغريق لعُذراًواضحاً أن يفوتَه تعْدادُهْ
وقوله، من قصيدة أولها:
تهلَّل وجه الفَضل والعدلِ بالبِشْرِوأصبح شخصُ المجد مبتسمَ الثغرِ
فيالَك من مولىً به الشعرُ يزْدهِيإذا ما ازْدهتْ أهلُ المداح بالشعرِ
فريدُ لمعاالي لا يرى لك ثانياًمن الناس إلا من غدا أحْولَ الفكرِ
معنى الأول مطروق، وأصله قول أبي تمام:
ولم أمدحْك تفْخيماً بِشعرِيولكني مدحتُ بك المديحَا
وأبو تمام أخذه من قول حسان، في مدح النبي ﷺ:
ما إن مدحتُ محمداً بمقالتيلكن مدحتُ مقالتي بمحمدِ
والبيت الثاني من قول بعضهم:
إنَّ من يُشرِك باللَّهِ جَهولٌ بالمعانِي
أحْوَلُ الفكر لهذاظن للواحد ثانِي
وله من قصيدة:
لاح الصَّبا كزُرقة الألْماسِفلْتصطبِحْ ياقوتَ دُرِّ الكاسِ
من كفِّ أهيفَ صان وردَ خدودِهبسِياج خطٍّ قد بدا كالآسِ
كأن مَرآهُ البديعَ صيفحةٌللحُسن جَدْولُها من الأنْفاسِ
في روضةٍ قد صاح فيها الديكُ إذْعطَس الصباحُ مشمِّتا لعُطاسِ
ضحكتْ بها الأنوارُ لما ان بكىجَفنُ الغمام القاتمِ العَبَّاسِ
ورقَى بها الشُّحْرورُ أغصاناً غدتْبتموُّج الأرْياح في وَسْواسِ
والوردُ تحمَده البلابلُ هُتَّفامن فوق غصنِ قَوامِه المَيَّاسِ
ويرى البَنفْسَجُ عُجْبَه فيعود منحسَدٍ لسطْوتِه ذليلَ الرَّاسِ
والطَّلُّ حلَّ بها كدمعِ مُتيَّمٍلِمعاهدِ الأحبابِ ليس بناسِ
فتظنُّ ذَا ثغراً ولا عيناً وذاخَدّاً لغانيةٍ كظَبْيِ كِناسِ
واحْمرَّ خدُّ شقائقٍ مُخْضلَّةٍحُمِيتْ بطَرف النرجِس النَّعَّاسِ
حسداً لخدِّ الطِّرس حين غدا لهخَطُّ القريضِ بمدْح فضلِك كاسِ
وله من أخرى في المدح:
مولاي قُم نلتقطْ من لُؤلؤِ الحِكَمِدقائقاً حُجِبت عن فِطْنة الفَهِمِ
في وصف روضٍ أنيقٍ راق منظرُهمن الزَّبَرْجَد والياقوت مُنتظِمِ
أما ترى نفحةَ النِّسْرِين عابقةًوالزَّعْفرانَ سقتْه السحبُ بالدِّيَمِ
والمِهْرجانَ أتى من جَحْفلٍ لَجِبٍمن الرياض فأهدى طيِّب النَّسَمِ
تقابلتْ فيه أحْداقٌ لنَرْجِسهتحكى فماً مال للتقبيل نحو فَمِ
والنهرَ عاوَد بعد الصدِّ مُنعطفاًيَبُّلُّ شوقَ نباتِ الغَوْرِ والأكَمِ
والوُرْقَ غنَّتْ على الأشجار من طربٍمُجيبةً عَنْدَليبَ الدَّوْحِ في الظُّلَمِ
فالْهَجْ بِتَذْكار غِزْلانٍ لواحظُهمْتركْنَ أهلَ الهوى في قبْضة السَّقَمِ
وأهْيفٍ من ظِباء الْحُور مُقلتُهعن قَوْس حاجبِه أوْدَتْ بكلِّ كَمِي
إن يهجُر الشاربُ الريَّانُ مَبسمَهفالعذبُ يُهجَر بالإفْراط في الشّبَمِ
في صُدْغه طبعتْ أهْدابُ ناظرِنافظنَّه الصبُّ خطَّا غيرَ ملتئِمِ
أدار شمسَ المُحيَّا بدرُ راحتِهممزوجةً برُضاب المَبْسَمِ الشَّبِمِ
من خمرةٍ عُصِرتْ بالبِشْر من قِدَمٍجاءتْ تخبِّرنا عن سالِف الأُمَمِ
في روضةٍ ضحكتْ فيها أزاهرُهامُذْ جادَها وابلٌ يهْمِي بمُنْسجِمِ
وقام بُلْبُها يتلو محاسنَ مَنشهباؤُنا منه في أَمْنٍ من النِّقَمِ
صدرُ الموالي فريدُ العصر جَهْبَذُهومَن به الناسُ مغمورون بالنِّعَمِ
كهفُ الأنام مَلاذُ الخلق أحمدُ مَنفاق الفحُول بفضلٍ غيرِ منكتِمِ
مَن شرَّف البلدةَ الشهباءَ مَقدَمُهففاخرتْ جُلًّ مُدْنِ العُرْب والعجمِ
أقام فيها عمادَ الشرع مجتهداًحتى روَتْ حسنَها للناس عن إِرَمِ
وله من أخرى:
هو في الفؤاد وشخصُه ناءٍ عن الْألحاظْ فهْو مسافرٌ ومُقيم
سحَر العقولَ بلَحْظِه فكانمافي الجَفْنِ دُرُّ كلامك المنظومُ
يا أيها المولى الذي أحْيَى رُبوعَ الفضل والأفْضال وهْي رَميمُ
أعطيتَ دهرَك من خِلالك خُلَّةًفغدا كريم الفعلِ وهْو لئيمُ
وله، وتعزى لوالده:
صدرَ الوجودِ وعينَ هذا العالَمِومَلاذَ كل أخِي كمالٍ عالِمِ
إن لم تكن لذَوِي الفضائل منقِذاًمن جَوْر دهرٍ في التحكُّم حاكم
فبمن نلُوذ من الزمانِ وبابَ مننَنْتاب غيْرَك في المُهِمِّ اللازمِ
فبِحقِّ مَن أعْطاك أرفعَ رتبةٍأضحى لها هذا الزمانُ كخادمِ
وحَباك من سُلطاننا بمواهبٍتركتْ حسودَك في الحضيضِ القاتِمِ
فإذا تتوَّج كنت دُرَّة تاجِهوإذا تختَّم كنت فصَّ الخاتمِ
إلاَّ نظرتَ بعين عطفِك نحوهموتركتَ فيهم كلَّ لَوْمةِ لائمِ
ورَعيْتَ في داعِيك نِسْبته إلىخيرِ البريَّة من سُلالة هاشمِ
فالوقتُ عبدك طَوْعُ أمرك فاحْتكمْفيما تشاءُ فأنت أعدل حاكمِ
فإذا تتوج، هذا تضمين، فإن البيت للمتنبي، من قصيدته التي أولها:
أنا منك بين فضائلٍ ومكارم
ومما يحسن له قواله في التشبيه:
ثلاثُ شاماتِه على نَمَطٍفي جانب الخدِّ وهْي مصفوفَهْ
كأنها أنجُم الذِّراع بدَتْفي جانب الشمسِ وهْي مكسوفهْ
وقد تناول هذا المعنى صاحبنا عبد الباقي بن السمان، في قوله:
وكأن خالَيْه اللَّذَيْن بخدِّهوالشمسُ في وجَناتِه لم تغرُبِ
نَجْمان قد كسَفتهما شمسُ الضحىأو نُقطتا حِبْر بطِرْسٍ مُذْهَبِ
وأصل هذا المعنى لابن خفاجة الأندلسي، في قوله:
غازلْتُه من حبيبٍ وجهُه فلَقٌفما عدا أن بدا في وجهِه شفَقُ
فارْتجَّ يعثُر في أذْيال خَجْلتِهغصنٌ بعِطْفيه من إسْتَبْرقٍ ورقُ
تخالُ خِيلانَه في نُورِ وَجْنتِهكواكباً في شُعاعِ الشمس تحْترقُ
؟؟
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع