من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
فتح الله بن النحاس
أنا لا أجد عبارة تفي في حقه بالمدح، فأرسلت اليراع وما يأتي به على الفتح.
وناهيك بشاعر لم يطن مثل شعره في أذن الزمان، وساحرٍ إذا أشربت كلماته العقول استغنت عن الكؤوس والندمان.
سهام أفكاره تفك الزَّرد، وكنانة آرائه تجمع ما شت وشرد.
فهو للمعاني الباهرة مخترع، وآت منها بأشياء لم يكن بابها قرع.
وباب الفتح لم يغلق، وكم في خزائن الغيب من أشياء لم تخلق.
فسارت بأشعاره الصبا والقبول، وصادفت من الناس مواقع القبول.
كأنها نفس الرَّيحان المبتل، يمزجه بأنفاس النَّور نسيم الروض المعتل.
أسْرَى وأسْيَرُ في الآفاق من قَمرٍومن نسيمٍ ومن طيْفٍ ومن مَثَلِ
وقد اثبت من متخيات قصائده، وأدبه الذي علقت القلوب في مصائده.
ما لم يتغن بمثل خبره الحادي والملاح، ولم تزه بأحسن من وصفه قدود الحسان وخدود الملاح.
قال البديعي في وصفه، وذكر ابتداء أمره وإيراد لمع من نثره وشعره: نشأ في الشهباء ووجه نسخة البدر في إشراقه، يناجي العاذل عن عذر عشاقه.
وهناك ما شئت من منظر عجيب، ومنطق أريب.
كأن الجمال ملكه رقه، ولم ير غيره من استحقه.
وهو مع تفرده بالحسن، ولوع بالتجني وسوء الظن.
بصير بأسباب العتب، يبيت على سلم ويغدو على حرب.
كم متيمٍ في حبه رعى النجم فرقاً من الهجر، لو رعاه زهادةً لأدرك ليلة القدر.
بخيل بنزر الكلام، يضن حتى برد السلام، لا يطمع الدنف بمرضاته ولو في المنام.
وأبناء الغرام يومئذ يفدونه، ويرون كل حسن دونه.
ومُذ بدا العارضُ في خدِّهبُدِّلت الحمرةُ بالاصْفرارْ
كأنما العارِضُ لمَّا بداقد صار للحسن جناحاً فطارْ
ونسخت آية جماله، وكسفت آية هلاله، وحال ذلك البها عن حاله.
وصار ضياء محاسنه ظلاماً، وعقيان ملاحته رغاما.
لو فكَّر العاشقُ في مُنتهىحسنِ الذي يسْبيه لم يسْبِهِ
ولما بطل سحر هاروت أحداقه، وفكت الأفئدة من وثاقه.
عطف على محبيه يستمد ودادهم، ويستقى عهادهم.
وكان شأنه مع الجميع، شأن الفضل بن الربيع.
فاندرج في مقولة الكيف، وعلم أن المحاسن سحابة الصيف.
وأصبح عبير وحده، وصده من ريع بصده.
وجعل زي الزُّهاد شعاره، واتخذ من الشعر صداره.
حداداً على وفاة حسنه البهيج، وفوات جماله الأريج.
وما زال يرثى أيام أنسه، وينعى ما يتعاطاه من الكيف على نفسسه.
حتى ضاق نطاق حضيرته، ومل الإقامة بين عشيرته.
فأعطى عنانه ليد البعاد، وامتطى غارب الإتهام والإنجاد.
كأنَّ به ضِغنا على كلِّ جانبٍمن الأرض أو شوقاً إلى كلِّ جانبِ
إلى أن بلغه الله غاية المأمول، ووفقه بأن استوطن مدينة الرسول.
وأقام بجوار الشفيع، إلى أن غيبه بقاع البقيع.
وفي كثرة أسفاره يقول:
أنا التاركُ الأوطانَ والنازحُ الذيتتبَّع ركبَ العشقِ في زِيِّ قائفِ
وما زلتُ أطوِى نَفْنَفاً بعد نَفْنَفٍكأنِّيَ مخلوقٌ لِطَيِّ النَّفانفِ
فلا تعذِلوني إن رأيتم كتابتيبكلِّ مكان حلَّه كلُّ طائفِ
لعل الذي بايَنْتُ عيشِى لبَيْنِهوأفْنيْتُ فيه تالِدِي ثم طارِفِي
تكلِّفه الأيامُ أرضاً حَلْلتُهاألا إنما الأيامُ طَوْقُ التكالُفِ
فيُملي عليه الدهرُ ما قد كتبتُهفيعطِف نحوي غصن تلك المعاطِف
ومن بدائعه قصيدة ينعى بها نفسه على أكل الأفيون، ويتأسف على ماضي حسنه:
مَن يُدخِل الأفيونَ بيت لَهاتِهفْلُيْلق بين يديْه نْقدَ حياتِهِ
وإذا سمعتم بامرئٍ شرِب الرَّدَىعَزُّوه بعد حياته بمماتِهِ
لو يا بُثَيْنُ رأيتِ صَبِّك قبل ما الأفيون أنحْلَه وحلَّ بذاتِهِ
في مثل عمرِ البدر يرْتَع في رياضِ الزَّهْوِ مثل الظَّبْيِ في لَفَتاتِهِ
من فوق خدِّ الدهر يسحب ذيلَ ثوبِ مُناه أنَّى شاء وهْو مُواتِهِ
وتراه إن عبَث النسيم بقَدِّهيْنقدُّ شَرْوَى الغُصْنِ في حركاتِهِ
وإذا مشى تِيهاً على عُشَّاقهتتقطَّر الآجالُ من خَطَراتِهِ
يرْنُو فيفعلُ ما يشاء كأنماملَكُ المَنَّية صال مِن لَحَظاتِهِ
لرأيتِ شخصَ الحسنِ في مِرآتِهِودفعْتِ بدرَ التِّمِّ عن عَتَباتِهِ
وقوله، من أخرى:
يا هذه إن أنتِ لم تدرِ الهوىتجْحديه ففي الهوى اسْتحْكامُ
وأبيكِ كنتُ أحَدَّ منك نواظراًوبكل قلبٍ من جَفايَ كِلامُ
والسحرُ إلَّا في لساني منطقٌوالحسنُ إلا في يدَيَّ خِتامُ
لَدْنَ القَوامِ مَصُونةً أعطافُهعن أن تَمُدَّ يداً له الأوْهامُ
مُتمنِّعا لا الوعد يُدْنِى وَصْلَهيوماً ولا لخيالِه إلْمامُ
حتى خلقْتِ السقمَ فيه بنظْرةِولقد يُلاقِى ظُلْمَه الظَّلَّامُ
وتنوَّعتْ أدْواؤه فبطرْفهِشكلُ الرقيبِ وفي الصِّماخِ مَلامُ
ودخل دمشق فاتخذ الأمير منجك نديم مجلسه، ومطمح أماني ترنحه وتأنسه.
فتوافق الليل والسمر، واجتمع الشمس والقمر.
على السعد في هذا القرأن، والتنافس من أماجد الأقران.
فجالس الفتح به القعقاع، ولم يقل: الفضل للمتقدم. كما قال ابن الرقاع.
وله فيه قصائد منها داليته التي أولها:
نثر الربيعُ ذخائرَ النُّوَّارِ من جَيْب الغوادِي
وكسا الرُّبى حَللا فَواضلُها تُجرُّ على الوِهادِ
وكأن أنْفاس الجِنانِ تنفَّستْ عنها البوادِي
والزَّيْزَفُون يُفتُّ غاليةً مُضمَّخةً بجادِى
يُلقِى بها للروض فيوَرَق كأجنحة الجرادِ
هاج النفوسَ ولم يفُتْهـ غُير تهْييجِ الجمادِ
والورد مخْضوبُ البَنانِ مُضرَّج الوَجنات نادِى
نُصِبتْ له سُرُر الزَّبَرْجَدِ والخيامُ بكل وادِي
حرسْته شوكةُ حسنِهمن أن تُمَدَّ له الأيادِي
والعَنْدليبُ أمامهبفصِيح نَغْمته يُنادِي
مَن رام يعبَث بالخدود فدونَها خَرْطُ القتادِ
وحَذارِ مخضوبَ البَنان إذا تمكَّن من فؤادِ
فامْسَحْ بأذْيال الصَّباعن مُقْلتيْك صدَى الرقادِ
هل هذه بُكَر الرُّبَىأم هذه غُرَر الرشادِ
وانهضْ لكسْب جديد عُمْرٍ من بُكور مُستفادِ
واقَنعْ بظِّلك أو بظلِّالدَّوْحِ عن ظل العبادِ
ماراج من طلب المعيشةَ بين إخوان الكسادِ
لا يُعجبنَّك لِينُ منأبصرْتَه سهلَ القيادِ
وأبيك مالانتْ لغيرِ الطعنِ ألْسنةُ الصِّعادِ
لا تشتهي وجَعَ الفوادِ مضى زمان الاتّحادِ
نفسِي الفِداءُ لمَنْجَك الْمُسْتعِزِّ بالانْفرادِ
لا يُجْتنَني إلا بمجْلس فضلِه ثَمَرُ الودادِ
مُتكثِّر بغنى الشَّمائل لا بعاجلةِ النَّفادِ
شِيَمُ الجواد هي الغنىلاماحَوتْه يدُ الجوادِ
الدهر مْغلولُ اليديْن وذاك مَبْسوط الأيادِي
وله في أحمد بن شاهين، البائية التي أخذت من البلاغة أوفر الأنصباء والقسم، وأقسمت البراعة بقوافيها على أن مبدعها محكُّ الأدب ولا غرو فالباء من حروف القسم.
ومستهلها:
ألَذُّ الهوى ما طال فيه التجنُّبُوأحْلاه ما فيه الأحِبَّاء تَعْتَبُ
يقول في مديحها:
يُمزِّق شَمْلَ المشكلاتِ لوقْتهاإذا شِيَم مِن فِيه الحسامُ المُذَرَّبُ
توقَّد حتى ليس يْخبو ذكاؤُهوكاد وحاشَا فكرُه يتلهَّبُ
وبيت ختامها:
ولا بَرِح الحسَّادُ صَرْعَى وكلُّهمعلى مثلهم ما في قلبِه يتقلَّبُ
واتفق له مع الأدباء مجالس تؤثر، وعليها الأرواح تلقى وتنثر.
فمن ذلك مجلس في روض أورقت أشجاره، وتنَّفست عن المسك أسحاره.
غبَّ سحاب أقلع بعد هتونه، ودار دولابه يسقيه بجفونه.
توسدهم أنهاره معاصم فضية، وتنيمهم أفياؤه تحت ذوائب مرخية.
فقال:
وروضٍ أنيقٍ ضمَّنا منه مجلسٌعلى نَوْره جَفنُ الدَّواليبِ ساكبُ
خَلا حسنه عن كل وَغْدٍ يَشِينهوما صَدَّنا لما أتْيناه حاجبُ
طَلعنا بدوراً في سَماه وبينناجُمانُ حديثٍ هُنَّ فيه كواكبُ
وبِتْنا وأوراقُ الغصون غطاؤناعلى فُرُشِ الأنهار والطيرُ نادِبُ
فنعم مكاناً مابه قطُّ قاطِنٌوبْيتاً ولكن ماله الدهرَ صاحبُ
وهنا أذكر منتخبات من شعره، مرتبة على حروف المعجم.
فمنها قوله يخاطب العمادي، مفتى الشام، وقد رمدت عيناه:
فِدىً لعيِنك دون الناس عينائيوكلُّ عضو فِداه كلُّ أعْضائِي
نوَدُّ لو كان مُوْدُوعا بأنفِسناما تْشتكيه بعْينٍ منك رَمْداءِ
نَظَّارةٌ لكتابِ الله قد مُلئتْخوفَ الوشاةِ بإشْفاق وإغْضاءِ
وأنتَ لا عن حجابٍ كنت ناظرَنافارْفَع حجابَك وانظُر للأحبَّاءِ
وقوله من قصيدة، مستهلها:
عطَف الغصنُ الرطيبُوتَلافانا الحبيبُ
أيُّ عضوٍ تسْرح الأبْصارُ منه وتؤُوبُ
فاتَّقِ اللهَ وغُضَّ الطَّرفَ عنه لا يذوبُ
أبو تمام:
قد غَضَضْنا دونك الأبْصارَ خوفاً أن تذُوبَا
وله:
ما لمسْناه ولكنكاد من لَحْظٍ يذوبُ
أيها العشَّاقُ مَحْزونُ الهوى منِّي طَرُوبُ
كلَّ وقتٍ ليس تْنشَقُّ قلوبٌ وجُيوبُ
إنما يمْزَج بي فيلُجَّة العشق لَعوبُ
وإذا بدَّ سُرورٌوإذا نَدَّ نحيِبُ
والذي يهجر في الحبِّللاحِيه نسيبُ
ما على مَن سَرَّه الْوصلُ إذا غِيظ الرَّقيبُ
رَنَّةُ القوسِ لِرامِيها وللغير النُّدوبُ
منها:
وإذا أمكنتِ الفُرْصةُ أجْني وأتوبُ
في الهوى صَحَّ اجْتهادِيفأنا المُخْطِى المُصيبُ
من مديحها:
ضاحكُ الوجه وهل فيطلعةِ القُطْب قُطوبُ
جنَّةُ الشمس لها فِيهِ شروقٌ وغروبُ
أيُّ قلبٍ حلَّ منيكلُّ أعْضايَ قلوبُ
ومن مختاره:
وجهُك صبح المُنى ولى زمنٌآمُل إقْبالَه وأرْتقبُ
تُلْقِى المعاني إلىَّ زَهْرتَهافأجْتنيها والغيرُ يحْتطبُ
وكم بيوتٍ ملأْتُها حِكَماًوهُنَّ إن شئتَ خُرَّدٌ عُرُبُ
أسُوغ من جَرْعة الزُّلال على القلبِ وفي قلبِ حاسدي لَهبُ
منها:
دارُ اغْترابي التي عنِيت بهامصرُ ودارِي وحبَّذا حلَبُ
دارٌ تُمِيتُ الهمومَ نفْحتُهاوتغْتذى من عبيرِها الكُثُبُ
لاقُرْبُها للكرام مَضْيعةٌولا حِماها للضَّيمِ مُنْقلَبُ
علىّ أن لا تنامَ لَوْعتُهابين ضلوعِي همومُها شُعَبُ
منها:
لا أقْبلُ الضَّيْم كيف أقْبلهوالمجدُ يأْباه فيَّ والحسَبُ
والشمسُ صَوْنا لضوءِ طَلْعتهاخوفَ لَحاقِ الظلام تحْتجِبُ
يُظَن صَدْعِى لقَرْع نائِبةٍوإنَّما من أحبّه النُّوَبُ
كأنني من زُجاجةِ جسَدٌأحِبَّتي في انْكسارِه السببُ
وله في هذه القصيدة، وهي من بدائعه:
طَمِّنْ فؤادَك أيُّ حُرٍّلم يُرَع بالخَطْب قلبُهْ
ودِع المَلام فداءُ مَنعالجْتَ بالتَّطمين طِبُّهْ
لا تُكثِرَنْ هلَّا فعْلتَ عليه فالفعَّال ربُّهْ
المرءُ يصعُب جَهدُهويلين بالمقْدور صَعْبُهْ
لا تتَّهمْني فالمُؤاخَذُ في الزمان النَّذْلِ نَدْبُهْ
وأبيكَ من زمنِ التَّرعْرُعِ لم يزلْ دأْبي ودأْبُهْ
ومن العجيبِ لدَى اللِّئامِ عَطاؤُه ولدىَّ سَلْبُهْ
يا دهرُ مثلي لا يُقَلْقَلُ عن سَنام المجدِ جَنْبُهْ
أنا لا أُبالي إن رميت وسبَّ عرضِي من أسبُّهْ
السيفُ يُرمَى بالفُلولِ إذا فشَا في الصَّلْد ضَرْبُهْ
والعينُ يُديمها الذُّبابُ ويُعجِز الآسادَ ذَبُّهْ
والتِّبرُ يعلوه التُّرابُ ولا يضرُّ التِّبر تُرْبُهْ
وأبيك ما نُكِب اللبيبُ وفضلُه باقٍ ولُبُّهْ
هم يعرفون بأن نجْمِي تحرِق الطاغين شُهْبُهْ
والصبرَ يُرْقيني إذاوثَب الزمان وعضَّ كلبُهْ
إن مَجَّنى قومٌ فإنالموتَ ليس يسُوغ شُرْبُهْ
أو قيل قد مَلُّوه فالْسَّمُّ الزّعافُ يُمَلُّ قُرْبُه
أما المَلال فإننيعُوِّدتُه ممن أُحُّبهْ
وإذا تكلَّف في الودادِ أخو الودادِ فكيف غربُهْ
فاطْوِالبساط فالانْبِساطُ قد انْطوى في الناس سِرْبُهْ
والشِّعر أخْلَف نَؤْوُهوتقشَّعتْ في الجوِّ سُحْبُهْ
ما زال تلفحُه سُمومُ البُخْل حتى جَفَّ عُشْبُهْ
كم ترْتجِي صَنَماً سواءٌ فيه مِدْحتُه وثَلْبُهْ
مُستْنكَر الأكْتاف جَعْدُ الكفِّ جَعْدُ الوجهِ صُلْبُهْ
أأُخَىَّ من يَكُ شاعراًفالخالقُ الرزاقُ حَسْبُهْ
والراسُ راسُ المالِ إنيسلَمْ فليس يِقلُّ كسْبُهْ
وكفى فَتى العِرفانِ خِلاَّناً فضائلُه وكُتْبُهْ
فعلى مَ ترغبُ في سَرابٍ من شُخوص الْآلِ سِرْبُهْ
يتقلَّبون مع الزمانِ كأن حِزْب هواك حزْبُهْ
يشْقَى النجيبُ بهم ويُسْلمُه إلى الأعداء صَحْبُهْ
وإذا جنَى فكأن سُلطانَ الذنوبِ الدُّهْمِ ذَنْبُهْ
فوجوههم طَلَلٌ بهيومَ الَّلحَى قد طال نَدْبُهْ
وأكفُّهم قَفْرٌ أُمِيتَ الخِصْبُ فيه وعاش جَدْبُهْ
ذهب اللذين يعيش مثْلي بينهم ويموتُ كَرْبُهْ
وبَقى الذي تُضْنِى العُيونَ حُلاه والأسماعَ كذْبُهْ
من كلِّ محْلولِ الوِكاءِ مُثقَّف البِيضان ثُقْبُهْ
من كلِّ مَفِريِّ الأديمِ بِصَعْدِة السِّرْوالِ عْقُبهْ
يمشي ويمسح من مَعاطِفه وكعبُ الشُّوم كَعْبُهْ
طُول بلا طَوْلٍ وأشهَى ما يُرَى للعين صَلْبُهْ
أأُخَيَّ مثلي ليس تُهْددَى عن مَثار النَّقْع شُهْبُهْ
لا بُدَّ من شَرَرٍ يُعمُّالجوَّ والأعدا مَصَبَّهْ
فارقُب خُفوقي إن سكنْتُ فعاصفِي يُرْجَى مَهَبُّهْ
لا تنظُر الحسَّادُ حالي إنما المنْظورُ غِبُّهْ
أوَ مادَرْوا أن الحسَامَ يُفَلُّ ثم يُحَدُّ غَرْبُهْ
والبدرُ يُشرِق في المَطالعِ بعدما أخْفاه غَرْبُهْ
والروضُ يذبُل ثم يُكْسَى النَّوْرَ والأوراقَ قُضْبُهْ
والداءُ إن يوماً يشِفَّفبالتَّداوِي يَشْفِ رَبُّهْ
والدهرُ إن يُوْمَن بغَفْلٍ لذَّةً يفْجأْهُ خَطْبُهْ
لا يخدَعَنَّك سِلْمُهفوراء سِلمِ الدهرِ حَرْبُهْ
قلت: لله دره على ما أبدع من المعاني الغرائب، والألفاظ المزرية بدرر النحور والترائب.
ويعرف قدر الشاعر الفائق، بتنوع جولانه في الميدان المتضايق.
وله يصف بركة ماء:
انظُر البركةَ التي تتراءَىلِمُحيَّا الرياضِ كالمِرآةِ
تَرَ خدّاً مثلَ اللُّجَيْن تحلَّىبِعذارٍ من انْعكاسِ النَّباتِ
وهذه قطعة من حائيته التي سارت بها الركبان، وطارت شهرتها بخوافي النسور وقوادم العقبان:
بات ساجِي الطَّرْفِ والشوقُ يُلِحُّوالدجى إن يمْضِ جُنْحٌ يأْتِ جُنْحُ
وكأن الشرقَ بابٌ للدُّجىماله خوفَ هجُوم الصبحِ فَتْحُ
يقْدَح النجمُ بعيني شرراًولزنْد الشوقِ في الأحْشاءِ قَدْحُ
لا تسَلْ عن حال جَفْني والكرىلم يكنْ بيني وبين الدَّمْعِ صُلْحُ
منها:
كلُّ عَيْش ينْقضي مالم يكنْمَعْ ملِيحٍ ما لذاك العيشِ مِلْحُ
من مديحها في خصماه:
وإذا قيل ابنُ فَرُّوخٍ أتىسقطُوا لو أنَّ ذاك القولَ مَزْحُ
بطَلٌ لو شاء تمْزيقَ الدجىلأتاه من عمودِ الصبح رُمْحُ
كم سطورٍ بالقَنا يكتُبهاوسطورٍ بلسانِ السيف يَمْحُو
كلُّ ما قد قيل في تَرْجِيحِهفي النَّدَى أو في الوغَى فهْو الأصَحُّ
منها:
آهِ من جَوْر النَّوى لا سُقِيَتْتُعْطِب الحُرَّ وما للحرِّ جُنْحُ
غُرْبةُ الأوطان أوْدتْ كبديواعْتراني ألَمٌ منها وبَرْحُ
حَسَّنوا القولَ وقالوا غُربةٌإنما الغُربةُ للأحْرار ذَبْحُ
فانتقِذْني واتخذني بُلْبُلاصَدْحُه بين يدَيْ عَلْياك مَدْحُ
بِقَوافٍ كَسَقِيط الطَّلِّ أوأنَّها من وَجَنات الغِيد رَشْحُ
ومما علق من مترنماته، وأغلق عليه باب مسلماته.
قوله:
قد نفدَتْ ذخائرُ الفؤادِفكم أُرَبِّي الدمعَ للسُّهادِ
فُؤادُ من يُحبُّ مثلُ دمعِهودمعُه مَظِنَّةُ النَّفادِ
إذا هدَى الليلُ فطفلُ مُقْلتييبِيتُ بالنَّزيف غيرَ هادِ
ومن بكى من النوى فقد رأَىبعيْنه تقطُّع الأكْبادِ
تمايَلوا على الجِمال مَيْلةًفعلَّمُوها مِشْيةَ التَّهادِي
وما سمعتُ بالغصون قبلَهممشتْ بها أكْثِبةُ البوادِى
فإن تجْد يَدِي على ترائِبيفلا تقُلْ لغَيْبة الفؤادِ
وإنما رفعتُها لأنهاكانت لهم حمائلَ الأجْيادِ
حُمْرُ الخدود إن تغِبْ فشكلُهابناظريَّ داخلَ السوادِ
لأجْل ذا الدمعُ جَرى بِشوْقهافنظَّم الياقوت في نِجادِ
لا وأبى ومَن يقُل وأبىفقد تَلاَ أليَّةَ الأمْجادِ
ما عثَر الغَمْضُ بذيل ناظِريولا انْثنتْ لطَيْفهم وِسادِي
وهَبْ رَشاشَ مقلتي حبائلاًفأين منها زَلَق الرُّقادِ
آهٍ آهَ إن تكنْ مِلْءَ فميفإنها مَضْمضةُ الصَّوادِي
قد نفَض السمعُ كلامَ غيرهمكما نفضْتُ الصبر من مَزادِي
أعاذِلي وللهوى غَوايةٌبِعْتُ بها كما ترى رَشادِي
ولِعتْ بي وشُعْلتي كمِينةٌبقادحٍ يعبثُ في زِنادِي
دعِ الهوى يعبَثْ بي وإن تَشَافعُدَّني من عذَباتِ وادِ
ما لحق الَّلومُ غبارَ عاشقٍحَدا به من المَشِيب حادِي
أما ترى الأقاحَ حول لِمَّتِيحكى ابْتسامَ البرقِ في البوادي
بشَّرني طلُوعه بأنَّ ليصبحَ وِصالٍ لدُجى بِعادِي
ولم أقلْ مَناصِلٌ تجرَّدتْوأُرْكِزت بجانبِ الأغْمادِ
كأن شِيبَ الشَعَرات ألْسُنٌعلى ضَياع رَوْنقِي تُنادِي
لبْستُ ما أضاعني فأُسْوتيكأُسْوِة الجمرِة في الرَّمادِ
ومن رباعياته قوله:
لا تُبْدِ لمن تحبُّه ما أُبْدِيواصبرْ فعلَّ الصبرَ يوماً يُجدِي
إظْهار مَحَّبتي لمن أعشَقُهصارتْ سبباً لطُول عُمرِ الصَّدِّ
ومن بدائعه قوله:
تذكرتُ إذ مَرَّتْ بنا الغِيدُ بُكْرةًتلهُّبَ خالٍ في لَظَى خَدِّ أغْيَدِ
وردَّدْتُ طَرْفي ساعةً فرأيتُهفؤادي الذي قد ضاع في الحبِّ من يَدِي
وقوله، مضمنا في الدخان:
عكفتُ على شُرْبِ الدُّخان وفي الحشَالهيبُ الجوَى فازْداد جَمْراً على جمرِ
فقلتُ أُداوِي نار قلبي بمْثلهاكما يتداوى شاربُ الخمرِ بالخمرِ
وقوله:
زُرْ واُجْلِ لَمْسمعي كؤوسَ اللَّفْظِواجعلْ كبدي غْمِداً لسيفِ اللَّحْظِ
بل جُرْ واهجُر ولا تخَفْ مَظْلمِتيما أورَدني البلاءَ إلا حَظِّي
وقوله مضمنا:
لا يدَّعِى قَمرٌ لوجهِك نِسْبةًفأخاف أن يسْوَدَّ وجهُ المُدَّعِى
فالشمسُ لو علمتْ بأنك دونهاهبَطتْ إليك من المَحَلِّ الأرْفَعِ
قلت: هذا تضمين يليق أن يكتب بالتبر، فضلا عن الحبر.
ومن رباعياته قوله:
مولايَ بِقيتَ قد بَراني الأسفُمن ينُصِفني منك وهل أنْتصِفُ
مَن أسْعده الحظُّ فإني دَنِفٌأشْقاه ولا شقِيتَ حَظٌّ دَنِفُ
وقوله:
مَن أرَّقني قد اسْتلَذَّ الأرَقاويْلاي ومَن أعشقُه قد عشِقَا
من ينُقذني منه ومنَ يُنْقذُهأفْنى حُرَقاً فيه ويفْنى حُرَقَا
وقوله:
يار بِّ لا أقصِد بالشِّعر سواكْوالقصدُ يَردُّني إلى باب غِناكْ
يا مَن جعلتُ تُرابَه ناصِيتيقد صّوَّح نَبْتُها أغِثْني بنَداكْ
وقوله:
القلبُ لديْك وهْو عندي الغالِيلا تتركْه مَطِيَّةَ الإذلالِ
تَا للهِ لقد عجبتُ من أحْواالييفنَى زمنِي بضيْعة الآمالِ
وقوله:
أصبحتُ ولَثْمُ أَخْمَصيْهِ أمليِمع أنَّ له فماً شفاءَ العِلَلِ
لكنْ قدمٌ سعتْ به من تَلَفِيأعددْتُ لها جَوائزاً من قُبَلِي
وقوله:
أحسنُ ما يُهْدِيه أمْثالُنامن طَيْبةٍ من عند خيرِ الأنامْ
بعضُ تُمَيْراتٍ إذا أمْكنتْإهداؤُها ثم الدُّعا والسلامْ
ومن محاسنه قوله، ومن قصيدة أولها:
طرقَتْ طَروق الطيفِ وَهْنَامَيّالَةُ الأعْطاف حَسْنَا
مصْقولُة الخَدِّين مثل السيْف ألْحاظاً ومَتْنَا
أرْختْ وشاحاً فوق دِعْصٍ فوق غصنٍ قد تَثنَّى
ومشتْ فشيَّعها عَبِيرُ الروضِ منْ هَنَّا وهَنّا
في حُلَّةٍ من جِنْس مايكسُو الربيعُ الغصنَ دَكْنَا
الدَّلُّ ينبُتُ من مساحِبِ ذيْلها والحسنُ يُجْنَى
تَمْشي فُرادَى ثم تمْشِي خلْفَها الأرْدافُ مَثْنَى
حَوْراء إن سمَحتْ بكشِْف قِناعها ملَأتْك حُسْنَا
وإذا اشْتهتْ رجعت عليْكَ فعاد ذاك الحسنُ حُزْنَا
لو خاطبتْ وَثَناً لَحَنَّمع الجمودِ لها وأنَّا
طارحْتُها شكوَى النَّوىولثمتُها أعْلى وأدْنَى
وعجبْت من وَلَهِي بهاولِهْتُ بها وَلهَ المُعنَّى
تركتْ يداً وفماً وجِيداً وابْتدتْ ذيلاً ورُدْنَا
وأقمت أنْصِب نحوهاطَرْفاً ونحوْ البابِ أُذْنَا
أخْشَى يُحِسَّ بنا النَّسيمُ فيُخبر الروضَ الأغَنَّا
وبُولِّد الوَسْواس ليجَرْسُ الحُلِىِّ إذا أرَنَّا
فتقول مسكينُ المتَّيبالنسيمِ يسِىءُ ظَنَّا
طبْ يا فتى نفساً فقدنامَتْ عيونُ الحىِّ عنَّا
جرس الحلى: صوته، ويقال فيه وسواس قال الشاعر:
كم بين وَسْواسِ الحُلِىّوبين وَسْواس الهمومِ
والوسوسة: مالا يفهم من الأصوات.
وهذا أسلوب متداول، ومنزعه خفق الحلى ورهجه، وذلك يخرج على قوالب من جنة الحلى ونمها وغير ذلك.
وقد يغير في الأطراف الفعمة، فيقال: إنها تغص الحلى، وتخرس وساوسها، وتحير الحلى.
وأحسن ما سمع فيه قول أبي كامل تميم بن المفرج:
وأطْرافاً يَحارُ الحَلْىُ فيهافليس يكاد يضطرِبُ اضْطرابَا
قال صاحب الدمية: قوله يحار الحلى فيها، لم أسمع به إلا في شعره، وقد أتى ببدع المستعار وبكره.
وقد أنهيت الكلام على شعره، وهنا أذكر جانبا من نثره.
فمنه قوله يعاتب:
غرستُ لكم في المدح ما اخْضَرَّ عودُهوألقتْ إليه الزُّهْرُ عِقْداً من الزَهْرِ
وصارتْ عيون المشْفقين قلائداًعليه وعينُ الحِقْد تنظُر عن شَذْرِ
وقلتُ ستْنَدى بالثِّمارِ أنامِليفما كان إلَّا أن قبضْتُ على جَمْرٍ
وعدتُ كما عاد المُسيءُ مُذمَّماًأغَصُّ بشكْرى وهْو يُحسَب من وِزْرِى
وما ساءَ حظّاً كالذي اجْتلب الهوىوأسْلَمه مَحْضُ الوِدادِ إلى الهجْرِ
إني لأعجب مني ومن تواضع الشيخ في مناجاته إياي وهو الطود الأشم، واتخاذه أذني صدفا لدرر عباراته وهو البحر الخضم.
واقتراحه علىَّ أن أبرز من خباء أبكار الشعر، ربيبة خدر، ونتيجة فكر.
تكون معجزة ابن الحسين، ومفحمة الخالديين.
تنطوي على مدح ما انتشر عن ألوية فضائل ذاته المعجز ألسن الواصفين وصفها، وتتضمن نشر ما نسم من طيب أذيال فواضل صفاته المعطر مشامَّ الناشقين عرفها.
وقيامي له على قدم الحد، أفرى فلوات السعي وأمتطي صهوات الجد.
أقتنص الشوارد، وأتناول الفراقد.
وأغوص على الغرر، من بنات الفكر.
إلا أن تكامل عقدها، وجاءت نسيج وحدها.
من مستفزات القلوب، تهادى أناة الخطو بكر عروب.
تجر على مهيار الديلمي ذيل دلالها، وتسكر الشريف الموسوي بجريالها.
لو رآها المخضرمون، لجاءوا إليها من كل حدب ينسلون.
وبعثت بها مع لطم الشكر، إلى جناب إمام العصر.
كيف حال الجريض دون القريض، وغاض زلال راحته وهو الغضيض، ولم سدَّ عني باب اعتنائه، ومحا ما كتب من إملائه.
حتى استهدفتني ألسنة الشامتين، وأحدقت إلى أعين العدى، وليس عندي منه ما يغض أجفانهم ولا قذى.
فياليت شعرى ما الذي أوجب هذا الصد، ولم لم يحسن القبول فليحسن الرد.
وليكن بدون قوله ما أصنع بالقصائد دونه وشعره، حتى اسود وجه آمالي ولم يبيض حجره.
بعدما خطفتني منه مخالب الظنون، ورجعت أقلب أكفي بصفقة المغبون.
أحاسب عن أوزار العباد، وأعاقب بجناية قوم عاد.
وعهدي بالشيخ جبلا آوى إليه، وحمى أحوم حوله، وعماداً أعتمد بعد الله عليه.
فما بال الجبل لم يأو، والحمى لم يحم والعماد لم يحو.
وما باله في مسراته وأنا في ليل الهموم، أتوقع تنفس صبحها، وأبتهل إلى الله تعالى في طلوع شمسها.
فعندما حلت أكف الابتهال عرى الدحى، ولاح من تنفس صبح الوصال أشعة شمس المنى.
حال بين طرفي وسناه قذاة البين، وأصبحت مصابا بعين.
أعوذ بالله من أن يلهى الشيخ عني زخرف المتمشدق، وتستميله أقاويل الدخيل وجنة المتملق.
والزخرف عتبة التلاشي، والتمشدق باب الهول.
فالأقاويل مطية الكذب، والدخيل قذال يد الرد، والتملق مزراب النفاق.
ولي في محبته الجنان الثابت، والقلب الصابر، وللسان الرطب، والفم الشاكر.
وله مني الوداد المحض، والقصائد الغر.
وله منه أنة المتوجع، ولوعة المصاب، وحرقة المهجور، وخشية المرتاب.
وما أراه من اقتفائه أثر الملتبس عليهم الأمر، في كسر زجاجة ودادي من زيد وعمرو.
ولا غرو قد يدمى الجبين إكليله، وتهجر الحسام قيونه.
وكثيراً ما يضل المدلج دليله، وتخطىء المؤمل ظنونه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع