تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

محمد بن تاج الدين الكوراني

أديب لبيب، مليح التشبيه والتشبيب.

لحق من الأدب ما لم يلحق، وانفرد بأشياء كأنها لم تخلق.

وله المجد الطامح، إلى ما فوق الأعزل والرامح.

على انتهاضٍ بين أكفائه، وشهرة في تنبهة وإغفائه.

إلا أن عمر سروره قصير، والدهر بتفريق المجتمع بصير.

وقد أثبت له ما يقطر من ماء الظرف، وتتمتع به الروح قبل الطرف.

فمن ذلك قوله في الغزل:

طرقْتُ ديارَ الحيِّ والليلُ حالكٌطُروقَ فتىً لا يخْتشِي الدهرَ من ضُرِّ
وخُضتُ بحارَ الموت والموتُ حائمٌكحَوْمة نَسْرِ الأُفْق فيها على وَكْرِ
ودُستُ بِساطَ الأُجمِ عمداً وأسْدُهاتوقَّد منها الأعْيُن الحُمْر كالجمرِ
إلى أن أتيتُ الحيَّ نحو خِباءِ مَنأراشتْ فؤادِي من لواحظِها الفُتْرِِ
فلم ألْقَ إلا صَعْدةً سَمْهريَّةٍعليها مُحيَّا منه يبدو سَنا البدرِ
عَرضتُ لها عُذْرِي وأظهرتُ ما حوَىجوَى مُهجتِي من مُحكماتِ هوى العُذْرِي
فرقَّتْ وراقتْ وانْثَنَتْ وتعطَّفتْوحَيَّتْ فأحْيتْ مَيِّت الشوقِ والصبرِ
وجادتْ بجيدٍ للتَّداني وأرْشفتْرُضاباً رَحِيقياً ينُوب عن الخمْرِ
وبِتْنا وقلبُ البرقِ يخْفِق غَيْرَةًعلينا وعينُ النجمِ تنظُر عن شَذْرِ

البيت الأخير مضمن من رائية ابن خفاجة، وقبله:

ودون طُروقِ الحيِّ خَوْضةُ فَتْكةٍمُوَرَّسَةِ السِّرْبالِ داميةِ الظُّفْرِ
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «أما والتفات الروض عن أزرق النهر»
تطلَّع من فَرْعٍ من النَّقْعِ أسودٍوتُسْفِر عن خَدٍّ من السيفِ مُحْمَرِّ
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «أما والتفات الروض عن أزرق النهر»
فسِرْتُ وقلبُ البرقِ يخفِق غَيْرةًهناك وعينُ النجم تنْظر عن شَذْرِ
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «أما والتفات الروض عن أزرق النهر»

وله في معذر اصطبح الورد واغتبق بوجنتيه، وقلم الريحان مشقٌ فوق عارضيه:

بدَا بدْراً بآياتِ الكمالِمليحٌ قد تفرَّد بالجمالِ
تخيَّل ناظِري في وجْنتيهِمِثالاً كالعِذَارِ بلا مِثالِ
فقلتُ له وعِقْدُ الصبرِ منِّيلدَهْشة ناظِرِيَّ في انْحلالِ
عقيدةُ مطلبِي هل ذاك نَبْتٌأَبِنْ لي قال حاشيةُ الخيالِ

قلت: هذه الحاشية، عليها خيال الخيالي على " الحاشية ".

وأول من عبر بهذه العبارة فيما أعلم ابن النبيه، في قوله:

كأن ذاك العِذَارَ حاشيةٌخرَّجها كاتبٌ لنِسْيانِهْ

ثم تصرفت فيها الشعراء على حسب خيالاتهم، حتى جاء العسيلي المصري، فقال:

صحيفةُ الخدِّ التيللحُسْنِ فيها صُوَرُ
مُذ حُشِيتْ بعارضٍلم يَبْقَ فيها نَظَرُ

ومن هنا انظر قولي، مع قول الكوراني، والعسيلي:

في حاشيةِ الكَمالِ من عارِضٍدَوْرٌ وتسَلْسُل ولي فيه نَظَرْ

وقول الشهاب الخفاجي:

أيا قمراً زانتْ طوالِعُ حُسْنِهحواشِي عِذارٍ يبْهَر اللُّبَّ والفِكَرْ
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة
فما شَانَه دَوْرٌ به وتسَلْسُلٌفكَم في حواشِيها لذِي فكْرةٍ نَظَرْ
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

وقد دار الدور، لقضية التسلسل والدور.

فاسمع فيه قول الظريف:

لِحاظُك أسيافٌ ذكُورٌ فما لَهاكما زعمُوا مثلَ الأراملِ تغزِلُ
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «بلا غيبة للبدر وجهك أجمل»
وما بالُ بُرهانِ العِذَارِمُسَلَّماويلْزمُه دَوْرٌ وفيه تسَلْسُلُ

وأعجب منه قولي:

نظَرِي لصُدْغك بُغْيَتِيفعلى مَ تمنعنِي النَّظَرْ
والمنْعُ غيرُ مُوَجَّهٍفيه المَقالُ قد اشْتَهَرْ
والدَّوْرُ إن صحِب التَّسَلْسُلَ ليس يخْلُو من نَظَرْ

فكن في هذا ممن لا يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من اللآلئ بمعرفة ما في الأصداف.

وللكوراني:

بدرٌ أدار على النجومِ برَاحةٍشمساً فنَارتْ في كؤوسِ رحيقِهِ
شمسٌ إذا طلعَتْ كأن وَمِيضَهابَرْقٌ تلالا عند لَمْعِ بريقِهِ
يسْقِي وإن عزَّتْ عليه ورامَ أنيشْفِي لداءِ مُحِّبه وحريقِهِ
فيُديرُها من مُقْلتيْه وتارةًمن وَجْنتيْه وتارةً من رِيقِهِ

ومن مقطعاته قوله:

مَليكُ جمالٍ أنْبت العزُّ خدَّهنباتاً له كلُّ المحاسنِ تُنسَبُ
فكرَّرتُ لَثْمَ الخدِّ منه لطِيبِهوكل مكانٍ يُنبتُ العِزَّ طيِّبُ

وقوله، مضمناً:

ومُعذَّرٍ لَدْنِ القَوامِ ووجهُهقمرٌ تقمَّصَ بالعِذارِ الأخْضَرِ
فُتِق العِذارُ بخدَّه فكأنمافُتِقتْ لكم رِيحُ الجِلادِ بعَنْبَرِ

وقوله:

عجبتُ لِمَا أبْداه وجهُ مُعذِّبيمن الحسنِ كالسحرِ الحلال وأسْحَرُ
بوجْنتهِ ياقوتُ نارٍ توقَّدتْعليها عِذارٌ كالزُّمُرُّدِ أخضرُ

وقوله:

ومُعذَّر فَتَك الأنامَ بحُسْنِهوسطَا بمُرْهَفِ لَحْظِه المُتنعسِ
جعل العِذارَ لشامِه مُتنكِّراًكيْلا يُحاط به لقتْلِ الأنْفُسِ

وقوله:

لمَّا تأمَّل بدرُ التِّمِّ عارضَهوقد بدا في مُحيَّا نورِه سَطَعَا
بدَا به غَيْرةً خَسْفٌ وشبَّههكأنه في مُحيَّاه قد انْطبعَا

وقوله:

ومُهَفْهَفٍ كمُلتْ محاسنُ وجهِهمن فوق غصنِ قَوامِه المُتمايلِ
وبدا طِرازُ عِذارِه فكأنَّهبَدْءُ الخسُوفِ ببَدْرِ تِمٍّ كاملِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في نوادر الأدباء بحلب الشهباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.