تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

الباب الثالث في نوابغ بلغاء الروم (٣)

وتفوح من كل زهرة منها روائح كأنها نوافح النوافج حسناً وطيباً، ويبدو من محاسنها ما يخاله الإنسان غصناً رطيبا.

كأنها اتصلت بأفواه عروقها عين الحياة، إذ انسحبت عليها أذيال نفحات الجنان بتلك الحسنات.

يا لها من شجرةٍ زكية تسد عين الشمس بأوراقها، وتعطر أعماق الثرى بطيب أعراقها.

ثابتةٍ في تربةٍ طالما ربت غصوناً طاميات، ودوحاً ناميات.

من أسفل سافلين، إلى أعلى عليين.

وجنة عالية، قطوفها دانية، وثمارها يانعةٌ غير فانية.

تورد أخدود خدودها حياءً وخجل، حيث تشرفت بلثم أنامل السيد الأجل.

ملك أقاليم الإطلاق على الإطلاق، وارث أسرة مقامات الكمل بالاستحقاق.

الذي أتحف الضرتين بطلاق، وقام في مقام الحمد على ساق.

فطوبى لمن له نصيبٌ في تلك الشجرة الرفيعة الشان، السامية المكان، المورقة الأغصان.

المشرقة الأنوار، المزهرة الأزهار، اليانعة الأثمار.

طوبى له ثم طوبى له كالشيخ الأجل، والصاحب الأمجد الأكمل، فلان؛ فإن فيه مما يشهد له ألسنة الأقلام، من أجلة العلماء الأعلام.

بصحة هذا النسب الباذخ، والحسب العاطس من أنف شامخ.

دلائل تدل على تلألؤ نور السيادة من غرته، وانبلاج صبح السعادة عن مفرق طرته.

قاله المتيقن بصحة هذا النسب الأخطر، حاكماً بها على ما يوجبه الشرع المطهر.

حسين بن محمد بن أخي المفتي صدر الصدور، والبدر الذي تستضيء بأنواره البدور.

تألق وظلام الخطوب قد امتد، وأسفر وسواد القطوب قد اشتد.

فأشرقت به الدولة في ليلها المعتكر، وزهت به برجل أندى من الوسمي المبتكر.

ثم استوى رئيس هذه الطائفة، فأضحى ووفود الآمال حول حماه طائفة.

وكان كبراء عصره لنبالته يحسدونه، ويودون لو عدوا في دفتر المعتدين ولا يعدونه.

فانبعث سوء القول، وفتح باب العول.

وكان في قلوب الجند أغراضٌ خالجة، ومفاسد منذ زمانٍ والجة.

فوجد في جانب الخيار، وانبرم في الأمر معه في الحركة على الاختيار.

فدقوا عطر منشم، وسعوا سعى متذبذبٍ متحشم.

في فتنة يتأجج أجيجها، ويبلغ عنان الأفق ضجيجها.

فعدم اتفاقا، وحرم مناصرةً وارتفاقا.

واستشهد في كربٍ وبلا، مثل سميه بكربلا.

فتجرع أعداؤه غصص الحين، ورأوا بمقتله يوم الحسين.

وقد أوردت له مقطوعاً يدل على لطف مزاجه، وحسن طبعه الذي يحكي عطارد في قوة امتزاجه.

وهو قوله:

أيها المُبتلَى عليك بخمرٍإنها للعليل خيرُ علاج
ثم لا تشْرَبَنَّ إلاَّ بمَزْجٍأوَّلُ الواجبات أمر المِزاجِ

وكتب على إجازة الشيخ مسلم الصمادي، لولده الشيخ إبراهيم: الحمد لله الولي القادر، العالم بما في الضمائر.

والصلاة والسلام على رسوله محمد، المبعوث من أكرم القبائل وأشرف العشائر.

وعلى آله وأصحابه الجالسين على سرر اليقين، الوارثين معالم الدين كابراً عن كابر.

وبعد، فقد وقفت على ما في هذا الرق الفاخر من الإجازة، وعرفت حقيقته ومجازه.

فوجدته كالروض الفائق، وآثار الأجلة النعمانية فيه كالشقائق.

فيا له من سيدٍ سلم ارتقاؤه على سلم الوصول فبالحري أن يدعى بمسلم، وكان شهرة لواء إرشاده كنارٍ على علم.

لقن ولده الذكر وأجازه في التلقين، وجعل كلمةً باقيةً في عقبه يوم الدين.

ولله در النجل النبيل، سمي نبي الله الخليل.

حيث بسط للسالكين سماط الصمادي، فأضاف كل رائح وغادي.

بأنفاسه الأنسية، ونفحاته القدسية.

فهو في فنه وحيدٌ فريد، وسمع طبل اشتهاره من بعيد.

ولا غرو أن سلك المسلك الأسد، فإن هذا الشبل من ذلك الأسد.

جعلنا الله من المقتبسين من أنوارهم، والفائزين بمعالم آثارهم.

عبد الرحمن بن الحسام المفتي العلم المختلف إليه، والعلامة المتفق عليه.

ازدانت به الأيام ازديان الخد بالعذار، وقامت مواهبه العامة عما جنته الليالي مقام الاعتذار.

يحفه لطفٌ من الله تعالى مدارك، فيسمو إلى المعالي سمو المستبد لها من غير مشارك.

حتى ترامت الحظوة لديه، كعبيده الواقفين بين يديه.

إلى حيث لا يدركه أمل، ولا يبلغه إلا ذو علم وعمل.

تبذل النفوس أرواحها في رضائه، فلو غفل قلبٌ عن تمريضها عافته كل أعضائه.

وله سداد رأيٍ يعضده القضا، وحسام طبعٍ لا يخونه المضا.

فهو ينثر الدر إذا أخذ القلم، ومن يشابه أبه فما ظلم.

فحظه جارٍ بلا مثالٍ سابق، ولم يوجد قبله حظٌّ لحظه مطابق.

فقد أخذ من الجد بعنانه، وتصرف بالقلم كيفما شاء فكأن آية السحر في بنانه.

وقد طال إلى ديار العرب تردده، وبارت بها السحب الهواطل يده.

فما زالت تشكر آلاؤه حيث حلت ركائبه من البلاد، وتقيه الأعيان من النوائب، بالأنفس النفيسة لا بمنفوس التلاد.

وطالما تسابقت إلى مدحه القرائح، ودلت عليه الأقاويل بالكنايات والصرائح.

ثم استقر آخراً بمصر مخضر الأكناف، متوفر الأنواع من أسباب العيش والأصناف.

ولم يخل أيام إقامته فيها من مجالس يصرف إليها أعنة الاعتنا، وفي صحبة أودائه حزبٌ كأنهم ما خلقوا إلا للمدح والثنا.

ينتشون بغده إذا كروا ما مر لهم في أمسه، ويطالعون آثار الربيع فلا يرونها كآثار خمسه.

إلى أن أغمده منتضيه، فالله يعطيه من الكرامة ما يرضيه.

فمن شعره قوله، يمدح النجم الحلفاوي، خطيب حلب وعالمها:

عليك بنجْمِ الدين فالْزَمْه إنهسيَهْدِي إلى جِنْسِ العلوم بلا فَضْلِ
بنُورِ اسمِه السَّامي هدَى كلَّ عارفٍإلى أنه شمسُ الهدايةِ والفضلِ

قال البديعي: ولما أنشدهما قلت بديهةً مخاطباً النجم بقولي:

كفاك افْتخاراً أيها النجمُ أنَّ ذا الْمآثرِ بدرَ المجدِ شمسَ ضُحَى العدلِ
حليفَ العُلَى نَجْلَ الحُسامِ المهذَّبَ الَّذِي عَزمُه ما زال أمْضَى من النَّصْلِ
ومن أشرقتْ شَهْباؤُنا بعلومِهوزُحْزِح عنها ظلمةُ الظلم والجهلِ
حباك ببَيْتَيْ سُؤددٍ بل بدُرَّتَيْفَخَارٍ على أهلِ المآثرِ والفضلِ

فيض الله بن أحمد القاف، قاضي العسكر صدرٌ طاب في ورد وصدر، وصاحب قدر جاء للرياسة على قدر.

وروضة فضلٍ تندت أوراقها، وسحابة جود أرعادها صادت وأبراقها.

عنده مجمل الأدب ومفصله، ولديه حاصل الكلام ومحصله.

بلسانٍ يورد موارد الخيال، فيستخرج اللطائف من نبعه السيال.

وهو وإن كان من الروم خرج، فطبعه بالعربية البحتة امتزج.

ترنو البلاغة عن أحداقه، وتطغى الفصاحة بين أشداقه.

فإذا حاضر فما الدر إذا ارتصف، وإن شعر فما ابن الرومي إذا نعت أو وصف.

وله شعر من ندي القول ومخضله، ولا أعده إلا من فيض الله وفضله.

فمنه قوله، من قصيدته التي مدح بها السلطان مراد بن سليم، يذكر فيها فتح مدينة تبريز، على يد جيش أرسله السلطان المذكور.

ومستهلها:

للهِ دَرُّ جيوشِ الروم إذْ ظهرواعلى الرَّوافضِ إذْ صارت بهم عِبَرُ
كم أبْدَعوا بِدَعاً سَبّاً ومَظْلمةًلهم قلوبٌ يُحاكِي لِينَها الحجرُ
فالناسُ تجْأر للرحمنِ من يدِهمْواللهُ يسمع منهم كلماجَأرُوا
وعندما اقْترب الجيشُ العَرَمْرَمُ مِنتَبْرِيز ثم بدا في ذاتهمْ خَوَرُ
فشجَّعوا أنفُساً منهم قد امْتلأتْجُبْناً وقد طاشتِ الأحلامُ والفِكَرُ
ظنُّوا بأن الليالي نحوَهم نظرتْفأخْطأَ الظنُّ لمَّا أخطأ النظرُ
وأمَّلوا سَحَراً من ليلِ كَرْبهمُفلم يكُن لدُجَى أوْصابِهم سَحَرُ
لمَّا رأى بَأْسَنا حُمْرُ الرُّءُوسِ إذافَرُّوا كما فرَّ من أُسْدِ الشَّرَى الحُمُرُ
قلوبُهم خشِيَتْ أبصارُهم عَمِيَتْشاهَتْ وجوهُهمُ خوفاً وقد خسِرُوا
سَطَوْا بهم فتراهم ذَا يَفِرُّ وذَاعانٍ أسيرٌ وذا في التُّرْبِ مُنْعفِرُ
والنَّقعُ ليلٌ بَهِيمٌ لا نجومَ بهتلُوح للعين إلاَّ البِيضُ والسُّمرُ

هذا من قول مسلم بن الوليد:

في عَسْكرٍ تُشرِق الأرضُ الفضاءُ بهكالليلِ أنْجُمه القُضْبانُ والأسَلُ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «استمطر العين أن أحبابه احتملوا»

وللعباسي، صاحب المعاهد ما هو أحسن منه:

يعقِد النَّقْعُ فوقها سُحُباً كالليلِ فيه السيوفُ أضْحتْ نجُومَا
فمتى ما رأتْ سوادَ شياطين بُغاةِ الحروبِ عادتْ رُجومَا
للشاعر أبو الفتح العباسي، من قصيدة «يقعد النقع فوقها سحباً كال»

وللمتنبي:

فكأنما كُسِيَ النهارُ بها دُجَىليلٍ وأطْلعتِ الرماحُ كواكبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

وقد نقله إلى مثال آخر، فقال:

نَزُور الأعادِي في سماءِ عَجاجةٍأسنَّتُها في جانبيْها الكواكبُ

ولبعضهم:

نسَجتْ حوافرُها سماءً فوقهاجعلت أسَّنتها نجومَ سمائِهَا

ولابن المعتز، فيما يضارعه:

وعمَّ السماءَ النَّقْعُ حتى كأنهدخانٌ وأطرافُ الرماحِ شرارُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «شجتك لهند دمنة وديار»

عوداً على بدء:

فالبِيضُ في يدهم صارتْ صَوالِجةًوالأرْؤُس الْحُمْرُ فيما بينهم أُكَرُ

هذا البيت قد أخذ بأطراف اللطف والانسجام، إذ فيه المقابلة مع ذكر الحمر في تمثيل حال الأعاجم، وهو أحسن عندي من قول الصالحي:

كأنما الخيلُ في المَيْدان أرْجلُهاصَوالِحٌ ورءُوس القومِ كالأُكَرِ
للشاعر محمد الصالحي الهلالي، اقرأ القصيدة

مع أنه توارد فيه مع ابن عبد الظاهر، في قوله في بعض رسائله: أصبح الأعداء كأنما جزر أجسادهم جزائر، أحاط بها من الدماء السيل، ورءوسهم أكرٌ تلعب بها صوالجة الأيدي والرجل من الخيل.

ومما يناسب ذكره في هذا المحل، وهو الغاية في بابه، قول الشهاب في السلطان مراد بن أحمد، حين غزا العجم:

غزا الفُرْسَ في جيشٍ أطلَّ عليهمُبما لم يُشاهَدْ في القرونِ الأوائلِ
فحال عِداهم صاغَةً وصَيارِفاًلصَرْفٍ دهاهم بالسيوفِ الشَّواغلِ
فأرْؤُسُهم أبدتْ بَواتِقَ في لَظىًمن الحربِ شُبَّتْ من رِقاقِ العواملِ
فصَبَّ عليهم فضَّةً من سيُوفِهفرُدَّتْ نُضاراً من نجيعِ القواتلِ
كأنما السمعُ مِغْناطيسُ أنفسِهمفحيث مالتْ ترى الأرواحَ تُنْتَثرُ
ذوَتْ رياضُ أياديهم فلا ثمَرٌيلُوحُ فيها ولا في دَوْحِها ثَمَرُ
وللفِرارِ إلى الأقطارِ قد نفَرُواوما لهم معشرٌ فيها ولا نَفَرُ
فأصبحوا لا تُرَى إلا مساكنُهموقد خلَتْ ما بها عَيْنٌ ولا أثَرُ
وتخْتُ تَبْرِيزَ نادى وهْو مبتهِجٌهذا الزمانُ الذي قد كنتُ أنتظرُ
فيا مَلِيكاً له كلُّ الملوك غدتْتدِين طوعاً وتأتي وهْي تعتذرُ
سِرْ وامْلك الأرضَ والدنيا فأنت إذاًإسْكَنْدرُ العصرِ قد وافَى به الخَضِرُ
فيا لَها نعمةٌ آثارُ مَفْخَرِهاكانتْ لدولتِه الغرَّاءِ تُدَّخَرُ
ظِلُّ الإلهِ مُرادُ الله قد شرُفتْبه المنابرُ والتِّيجانُ والسُّرُرُ
أجَلُّ من وَطِىءَ الغَبْراءَ من ملِكٍبأمْرِه سائرُ الأملاكِ تأْتمرُ
بعَزْمِه ظهرَ الفتحُ الذي عجزتْعنه السلاطينُ قد أفْنَتْهمُ العُصُرُ
لو فاخرتْه ملوكُ الأرضِ قاطبةًما نالَهم من معانِي فخرِه العُشُرُ
هل يسْتوي الشمسُ والمصباحُ جُنْحَ دُجىًويسْتوي الجاريان البحرُ والنَّهَرُ
بَدا له في سماء المجد نُورُ هُدىًمن دونهِ النَّيِّرانِ الشمسُ والقمرُ
وأصبح المُلك محروسَ الجَنَابِ وقدوافَى به المُسْعدانِ القَدْرُ والقَدَرُ

استعمال المثنى على هذا الأسلوب كثير، وأجود ما وقع إلي منه قول الشنتريني، من بلدة غرب الأندلس:

يا مَن يُصِيخُ إلى دَاعي السِّفَاهِ وقدنادَى به النَّاعِيان الشَّيْبُ والكِبَرُ
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة
إن كنتَ لا تسمعُ الذِّكْرَى ففي مَ ثَوَىفي رأسِك الواعِيان السمعُ والبصرُ
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة
ليس الأصَمُّ ولا الأعمى سوى رجلٍلم يهْدِه الهادِيان العَيْنُ والأثَرُ
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة
لا الدهرُ يبْقَى ولا الدنيا ولا الفَلكُ الْأعْلَى ولا النَّيِّران الشمسُ والقمرُ
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة
ليَرْحلَنَّ عن الدنيا وإن كرِهافِراقَها الثَّاويان البدوُ والحضَرُ
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة

تتمة القصيدة:

عَطفاً على عبدِك المَدَّاح ناظمِهافقلبُه من صُروفِ الدهرِ منكسِرُ
لا زال مُلكك دَوْرِيَّ السَّعُودِ فمايُرَى له آخِرٌ في الدهرِ يُنتظَرُ
بدولةٍ تُخلِق الأيامَ جِدَّتُهاما أزْهرتْ في الدياجي الأنجُمُ الزُّهُرُ

ولهذا الصدر ولد، أجل من دار حبه في خلد.

اسمه: عبد الحي، ويعرف بفائضي فائض الطبع متدفقه، متأرج روض الأدب متفتقه.

سلك الوعور من المعارف والسهول، وفاق على حداثة سنه الشيوخ والكهول.

إلا أنه اخترم في اقتبال، وأصيب للأجل بنبال.

وشبابه يقطر ما ويرف نما، ويغازل عيون الكواكب فضلا عن الكواعب إشارةً وإيما.

فكان ممن ثكلته النجابة، وتخلفت في الدعاء بطول عمره الإجابة.

فلبست عليه الغواني الحداد في الأحداق، وبكت عليه عيون السحب بالصيب المغداق.

ولم أقل له على شعر عربي، غير أني عربت له بعض مفردات.

فمنها قوله:

غَبْغَبُ مَن أهواه في جِيدِهتفَّاحةُ التفْريحِ للقلْبِ

وقوله:

والسَّرْوُ بالثَّلْجِ غدا مُجلَّلاًكأنه المغَارة البيضاءُ

وقوله:

يا صَبا الروضِ أخْبرِيأنتِ للأُنْسِ مَحْرَمُ
هل بنادٍ رأيتِ منعِقْد وُدٍ يُنَظَّمُ

كمال الدين بن أحمد طاشكبرى، قاضي العسكر الكمال وصفه الذي يعزى إليه، وعين الله عليه وحواليه.

فهو لم يشب بنقص، ولم يدخل بيت مجده خبن ولا وقص.

فغدا الفلك الدوار مطية آماله، واليمن مقروناً بيمينه وانتظام الشمل معقوداً بشماله.

وقد بلغ ماؤه عشراً في عشر، وتناسب بينه وبين الفضل لفٌّ ونشر.

وهو ممن إذا قال لم يترك مقالاً لقائل، وإذا أنشا أنسى سحبان وائل.

وله تشبث بالفنون الأدبية، ونظم ونثر بالتركية والعربية.

فمن شعره العربي قوله، من أبيات كتبها لبعض الصدور:

عاصفُ الحادثات أفْنانِيصَرْصَرُ الدهر بَذَّ أفْنانِي
كَمَدِي آدَنِي وأعْيانيارحموا سادتي وأعْيانِي

وله من رسالة يعتذر فيها عن عرض أسند إليه.

إن كنته،

وما أنا في حِفْظِ الوفا متضنِّعاًولا أنا للزُّورِ القبيحِ مُنمِّقُ
وأنتَ فتدري ما اقْتضتْه جِبلَّتِيفما أدَّعي إلاَّ وأنت تصدِّقُ
ولكنَّ دهراً قد بُلِينَا بأهلهأباحوا به ثوبَ النِّفاق ونفَّقُوا

والذي يعلم سري وعلانيتي في جميع حالي، لم يصدر عني ذلك الأمر ولا خطر ببالي.

وهل يليق بي أن أدنس العرض بمثل ذلك العرض، وأحشر في زمرة الكاذبين يوم العرض.

ووُدِّي أنتَ تعلمُه يقيناًصحيحاً لا يكدَّر بالجفاءِ
فلا تسمعْ لما نقلَ الأعادِيوما قد نمَّقوه من افْتراءِ

محمد بن عبد الغني، قاضي العسكر نادرة الزمن، ومبدي الخفي من الدقائق والمكتمن.

تباهت أولو المعارف من الانتماء إليه، ورفرفت أرباب الشعر بأجنحة الاستفادة عليه.

فهو رأس من برع في فنه، وشعشع راح الأدب في دنه وله نزعات تقف الآراء دون تحقيق مناطها، وتعنى الألباب فلم يهتد بيانها لاستنباطها.

تتوقد نار فكره، وتبتهج بين شرب المدام وسكره.

مع لطف الشيم، الهامية الديم.

وحسن الخصال، التي عمرت بها البكر والآصال.

وقد تميز بالرياسة ناهضاً بأعبائها، وحظي من السلطنة بتقريبها واجتبائها.

ولم يعطل من راحه راحه، ولم يسكن إلا إلى دعة وراحة.

وكان يؤثر الأفراح والقصف، ويكثر من النعت للراح والوصف.

وله غزليات بالتركية، يستشفى بها الخمار، وتتعاطى عليها الأسمار.

وأما شعره العربي فلم أر له إلا هذين البيتين:

قيل إن الياقوتَ أصلٌ أصيلٌلجميعِ الجواهرِ الشَّفَّافَهْ
فلهذا المُكيِّفات جميعاًهي فرعٌ والأصلُ فيه السُّلافَهْ

يشير إلى ما قاله التيفاشي في زهر الأفكار، في جواهر الأحجار، ناقلاً عن بلينوس: الياقوت حجر ذهبي، وجميع الأحجار غير الأجساد الذائبة، إنما انعقدت وابتدت لتكون كلها ياقوتا، كما ابتدأت الأجساد الذائبة لتكون كلها ذهبا، فأقعدتها عن الذهبية العوارض.

وكذلك الأحجار إنما ابتدأت في خلقتها لتكون ياقوتا، فأقعدتها عن الياقوتية كثرة الرطوبة وقلتها، وقلة اليبس وكثرته، فلم تكن ياقوتا، فصارت حجارة حمراء، وبيضاء، وخضراء، وصفراء، وغير ذلك من الألوان. انتهى.

مصطفى بن عزمي، قاضي العسكر الهمام البذ الفرد، الذي اقتنص المعارف اقتناص الأسد الورد.

نفث في عقد النهى بلطفه المصقول، وملك بحسن تصرفه لب المعقول والمنقول.

مع لطائف تستنطق الجماد، وبدائع لو سمعها رضوى لماد.

إلا أن نهضه كان بشأوٍ قصيرٍ بين أقرانه، وذلك دليل مواربة الدهر معه وحرانه.

وربما انعطف عليه فرغم معطسه، فيرمى على غرةٍ قلب الصواب فيقرطسه.

وهو كما شاءت العلى، يزداد تواضعا كلما علا.

وتآليفه ساجل بها صوب الغمامة، وطوق الدهر بها طوق الحمامة.

وأنا بآثاره ونظامه ونثاره أضن بأمثالها، من الدهر بمثالها.

وإني لأتشوق إلى سماع مزاياه، تشوق الصمة إلى رياه، وأبى الخطاب إلى ثرياه.

ولم أقف له من الشعر إلا على قوله:

يا نفسُ عُوذِي بالكريمِ وجُودِهفهو الذي يُسْدِي إلينا نِعْمتَهْ
ويُنزِّل الغيثَ الذي يروِ الرُّبَىمن بعد ما قَنَطُوا وينْشُر رَحمتَهْ

وقوله:

للهِ من رشأٍ كتائبُ لَحْظِهِأهْلَ الصَّبابة غادرتْ مَأسُورَا
ولقطْعِه صُلْبَ القلوبِ كرَوْضِهاقد صار صارمُ لَحْظِه مكسورَا

السيد محمد بن محمود النقيب العلامة عقد الخلافة النبوية، وتاج الأسرة المستمدة النور من الأسرة العلوية.

وابن أفضل الأنام، والمستنزل بوجهه در الغمام، وخلاصة نور الوحي الملتقى ما بين فاطمة الزهراء وعليٍ الهمام.

وإذا لم يكن علويٌّ كالعلامة، في الشرف الذي كفاه على وضع العلامة.

فهو للشرف كالغاصب، وربما كان حجةً للنواصب.

فأما كرم الطبع فكما تقتضيه الأريحية، وأما لطف الخلق فكأنه منتسخٌ من أخلاق جده ﵇ والتحية.

إلى ما حواه من البيان الفصيح واللفظ الخلوب، وحسن الأداء الذي يستدعي حب القلوب.

تتجارى فصاحته وبلاغته كفرسي رهان، فالاستدلال بهما على فضله يغني عن حجةٍ وبرهان.

وله من الآثار المتلوة، ما يلوح عليه سيماء النبوة.

فمن زهراته الطرية، وفقراته الدربة.

قوله في ديباجة رسالة وسمها باسم السلطان مراد، في تفسير آية: " الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ".

اللهم اهدني بسيارة الفكر في سموات الذكر إلى منهج اليقين، واسلب غشاوة الغباوة عن عيني حتى تبصر مدرج المتقين.

فيما بليت بدرايته، وسئلت عن روايته.

صبيحة يومٍ مجموعٍ له الناس في جامع وجوه الصالحين، به تغنى عن النبراس يستفتحون بعرمرم المسلمين.

المحاصرين حصن بغداد، محاصرة الثواقب لبروج السبع الشداد.

والجامع جامعٌ لمحاسن العرش المجيد، بجواهر التزيين وزواهر التنجيد.

ومراد الله فوقه شمسٌ طالعٌ على خط الاستوا، والأعيان الثابتة على الطبقات ثوابت السما.

والمذكر قد خرج على قومه من المحراب على سنة سيدنا زكريا، فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا.

إذ تمثل لي روح الملأ الأعلى بشراً سويا، فقام يسألني عن أشياء خفيةٍ حفيا.

على سلطانٍ مسارح سبوح، فكره ملكوت السبوح.

ومدار صبوح، ذكره مجالس الملائكة والروح.

ملكٌ ملك الآفاق لطفاً وقهرا، وسلك مسلك الاتفاق سراً وجهرا.

وخضعت لجلالته وجلادته الدهور، ونسمت بنسيم سعادته غرر الشهور كالزهور.

عمت بالأيادي يداه قبائل الشاكرين فضلاً وجودا، وهمت بنوادي نداه قوافل الذاكرين قياماً وقعوداً وسجودا.

الذي استرق رقاب السلاطين مراداً ومريدا، واستعبد ملوك الماء والطين ولم يذر مريدا.

نشر راية السلطنة الطنانة نشر عبير، وفسر حدسه آية الدولة الديانة أحسن تفسير.

لم يزل صدره مصدر الكليات، وضميره لوح الماهيات.

وما برحت راحته راحة العباد، وساحته قبلة الحاضرين والباد.

وما انفكت زجاجة قريحته الوقادة، توقد من شجرة التحقيقات العقيقية؛ وبديهته النقادة، ترتاح إلى التدقيقات المجازية والحقيقية.

وما فتىء قبول قبوله روحا يروح نخل الفضائل بروح وريحان، وما خلا بنان رسوله يقطف قطوف الفنون من الأفنان.

ينظر إلى ثمره إذا أثمر وينعه، ويشكر فضل أثره ويأمر بجمعه.

وكتب إلى إمام السلطان يوسف بن أبي الفتح الشامي، وهو بدمشق:

يا مَن علاَ بجمالِهوكمالهِ أعْلَى العُلَى
مِنِّي إليك تحيَّةًحِرْز البقا لذَوِي العُلَى

ثم ينهي على رسم أولي النهى، إلى المحل الذي خصه الحسن والبها.

أنا كنا مجهزين إليه قبل تاريخه كتاباً مكتوبا بأمداد الصدق والخلة، وخطاباً فيه شفاءٌ عن العلة والغلة.

ثم قعدنا ناظرين بم يرجع المرسل، فلم يظهر ممن رحل وقفل، وطلع وأفل، نوع أثرٍ من عين، ونغمة خبرٍ من رباب وعين.

فلعل المجهز ضاع في البين، وما ضاع نشره بين اثنتين.

وإلا فالحبيب لا محالة وثيق الوفا، سحيقٌ على شفا جرف الجفا.

فلو وصل لوصل، وما قطع عروة ما حصل.

ودمت يوسف الحقائق، موفياً كيل الدقائق.

بين متهم ومنجد، ومشئمٍ ومعرق.

وكتب على رقعة رفعت إليه من بعض الفضلاء، على يد واسطة بعض خواص الأفاضل، متضمنة لعتب حصل منه: تحضرون البيت، وتحكون الحكاية كيت وكيت.

قضية الهجر فرية الواهمة، والقطيعة من الهجران لا من أهل كاظمة.

عند الملاقاة تظهر الأمور، ولدى المصافاة يحصل شفاء الصدور.

وكتب على إجازة لبعض الحلبيين: لما تشرفت بمطالعة هذا الطامور، الفائق على هياكل النور وقلائد الحور.

بميامن ما احتواه من ذكر الصالحين الذين تنزل الرحمة عنده وتحصل به الأجور، اللائق كتبه بالمسك والكافور على النحور.

بل بسواد أحداق الحور، على صحائف قدود ربات الحجال والقصور.

ذكرتهم بالدعاء الصالح، والثناء العطر الفائح.

وأثنيت على صاحبه الفائز الفالح، بالمدح العبق الروائح.

مستمداً من روحانيتهم العالية، متيمناً بحسن الانتظام في زمرتهم السامية، ومستطراً سحب همته الهامية النامية.

فقلت فيه مقرظا:

حقَّقتُ أن جمالَ الدين من زُمَرٍحَلُّوا محلَّ سوادِ القلب والبصرِ
من أهلِ خِلقة تَجْريدٍ بها ادَّرَعُواوالتاجُ بَيْضتُهم تحمِي عن الضَّرَرِ
من مَحْتِدٍ عَبْقرِيٍ بَيْضُهم حَدَدٌالمُرْتوِي صدرهُم من رَملةِ الصَّدَرِ
المنتمِين إلى البازِ المُحقِّق فيجَوِّ العُلَى الأشهبِ العالي عن النّظرِ
طُوبَى لمن إذْ جَلَى مِرآةَ خاطِرهبخِرْقةٍ منهم تخلُو عن الكَدرِ
جمالُ ذي العصرِ في مَحْياه دام وإذْحلَّت شَعُوب جمالُ الكُتْبِ والسِّيَرِ
بين الأُلَى فرأوْا عين النظيرِ بهعين الفريدةِ في عِقْدٍ من الدُّرَرِ
فإن له ينبح الحُسَّادُ عن حسَدٍفلا يضُرُّ عُواءُ الكلبِ للقمرِ

وله القصيدة الثلجية، وهي مشهورة بالقدس، نظمها لما كان قاضياً بها، وعين لها وقفاً وقراء يقرأونها كل ليلة في المسجد الأقصى.

ومستهلها:

ما الثلجُ ثَجَّ على ذا الطُّورِ والْحَرَمِنُورٌ تجلَّى به الرحمنُ ذو الكرمِ
من عهدِ مُوسى تجلَّى لا نظيرَ لهلكنَّه شاملٌ للعُرْبِ والعجَمِ

من جملتها:

من جانبِ الرومِ ضيفٌ قد ألَمَّ بناأنْجَى الخلائقَ من جَدْبٍ ومن ألَمَِ
مُنَوَّرُ الوجهِ شيخٌ من محاسنِه البيْضَا يفيضُ بوجهِ الْبانِ والعَلَمِ
تأتي سليمانَ من سُحْبٍ أريكتُهفالرِّيح تحملها بالخيْلِ والحَشَمِ
تواضُعاً وجهُه في الأرضِ محتَشِمٌفمن تخطَّاه قُلْ يا زَلَّةَ القدمِ

محمد بن فضل الله المعروف بعصمتي بحرٌ في البلاغة زاخر، ومولى كله مناقب ومفاخر.

يتسامى به دهره ويتعالى، ويتنافس به مادحه ويتغالى.

فموضعه من كرم الخيم وفضل العلى، موضع الإكليل من الرأس والعقد من الطلى.

وطبعه الروض إذا باح، بسر نوره نفس الصباح.

أصلف من ملح في ما، وأشف من زجاجة عن صهبا.

وله بنان تحل أقلامه ما عقدته الأوهام بالأسنان، فإذا دعا بيان المقال لباه سحر البيان.

فيأتي بورد خدٍ تحت ريحان طرة، وصبح فرق يسفر عن نهار غرة.

ولطفه مع المعاشرين، لطف ابن العشرين.

تفتر عن ثنائه الثنايا، وتحتوي على حبه الضلوع والحنايا.

وأنا لا أحسب أن في طبعه وصمة، وأن لا تجد منه العصمة.

وكان الدهر أغري بوهي بنائه، لتلونه تلون الماء في إنائه.

فلما رآه كالياقوت لا يتغير إذا ألقي في النار، عطف عليه ورفع له في الحظوة المنار.

فاستأنف لذاته وجددها، وأثبت مقاماته وحددها.

وتأزر بأثواب العلى وتردى، ولم تجد عنه السعادة محيداً ولا مردا.

إلى أن فاجأه الموت، وفات في أجله الفوت.

فلا زالت الديمة الوطفا، تحيي قبراً ضم منه كرماً ولطفاً.

وهذه شذرات من عقده، جئت بها خالصةً من زيف الشعر الداعي لنقده.

فمنها قوله:

أهلاً بمن فاق السِّماك مُخَجِّلاًشمسَ الضحى في رفعةٍ وسَناءِ
فكأنَّ لي فوق الثُّرَيَّا منزلاًعلِقتْ بسُدَّتِه حِبالُ رَجائِي

وكتب إلى أستاذي عزتي:

يومكمُ نصفهُ تقَضَّى بنوُر الْعِزِّ والنصفُ منه للقُرَناءِ
طالعِ الدرسَ بعد كل عِشاءٍفالليالي تُعَدُّ للإحْياءِ

وكتب إلى المفتي أبي سعيد:

لا زلتَ في فَلك السعادةِ ساطعاًأنت الكفِيُّ بحاجتِي وحَسِيبي
أمَّلتُ حُظوةَ نظرةٍ من أجلِهاأشْغلتُ ساحتَكم ببَسْط كُروبي

وكتب لبعض الصدور:

يا سراجَ التقى وبدرَ المعاليدُمْ منيراً وهادياً للعبادِ
كنتُ من قبلُ ألثَم اليدَ بالإجْلالِ والآن نالَ ذاك مِدادِي

وله من قصيدة ربيعية:

زمنُ الوردِ بالرَّحِيق الصَّفُوقِطاب حيثُ الصَّبوحُ مثلُ الغَبُوقِ
أنتَ بالغَنْجِ والدلالِ أنيسٌوليَ الخمرُ كالصديقِ الصَّدوقِ

وسمع قول ابن عبد ربه:

نعَق الغرابُ فقلتُ أكذبُ طائرٍإن لم يصدِّقْه رُغاءُ بعيرِ

فقال:

ورد النسيمُ فقلت أصدقُ قاصِدٍخجلتْ له عينُ النباتِ الأخْضرِ

ومما عربه المنجكي من كلامه:

لو فوَّق الحظُّ سهماً من كِنانتِهوكان من خَلْفِ قَافٍ لم يفُتْ غَرَضُ
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «لو فوق الحظ سهما من كنانته»

وعربت أنا من كلامه:

وأُريد أن أُبْدِي شكايةَ هجرِهفيسُدُّ منه بكأسِ موعدِه فَمِي

ومنه:

مُقبِّلتي سدَّ السبيلَ شِكايتِيعلى السِّرِّ من خَاتمِ خاتمِ الفمِ

ومنه:

وأنفقْتُ عمرِي في تعشُّق فَرْعِهفلم أتنَشَّق شَمَّةً من عَبِيرِهِ

حسين بن رستم المعروف بباشا زاده، نزيل مصر صنديد بطل، ومنطيقٌ غير ذي خطأٍ وخطل.

نهجه مستقيم، والدهر بمثله عقيم.

بشيم اقتضاها مجده، وأورثه إياها أبوه وجده.

ومفخرة يتوشح بردائها، ومأثرة يترشح لابتدائها.

إلى أخلاقٍ ألطف من نعمة الوصال، وأرق من نسمة الشمال تهديها البكور والآصال.

أقام بالقاهرة زماناً طويلا، وأوسع بها الآمال إنعاماً وتنويلا.

بين قوم حروف السؤال لديهم زوائد، فما لأحد في عزهم مرتجى ولا له في مصائبهم فوائد.

فازدهت به المواطن والمرابع، وأشار إليه حتى النيل بالأصابع.

وله أخبارٌ نشرت أعلام إفادتها في كل نادي، وأشعارٌ لفصاحتها عند قس الإيادي أيادي.

فمنها قوله من قصيدة، كتب إلى المفتي سعد الدين، يمدحه بها.

ومطلعها:

أراك ترُوم المجدَ ثم تُساهِلُوزامِلةُ العمرِ اليسيرِ تُناقِلُ
ونفسُك زادت زَمعَها لا تَرُوعهاوتفضُل عما خلَّفتْك الأوائلُ
وقد طفَلتْ شمسُ الحياةِ وبعد ما اخْتفتْ لا تراها تخْتفي فتُقابِلُ
وسُلَّتْ سيوفُ الشَّيْب من غِمْدها وقدْتَبرَّتْ لأن تَنْساخ منها الكلاكلُ
سنابلُ أيامِ الهوى اصْفَرَّ لونُهاوأوشك أن حلَّتْ عليها المَناجِلُ
وشتَّت نَبْلَ الحادثاتِ قِسيُّهاوتُخْطىء إلاَّ أن تُصِيب المَقاتلُ
فماذا التَّوانِي والتكاسُل غافلاًتنامُ وشُدَّت في الحَوالِي حبائلُ
وما أنت في دُنياك إلاّ معذَّبٌبِرُوحٍ يعاني غَمّه ويُماثلُ
وجسمٍ يُهادَى بين موتٍ وسُقْمِهولا ينْثني عنه الأسَى والنَّوازلُ
فأيُّ صفاءٍ لم يشُبْهُ مكدِّرٌوأيُّ وصالٍ لم يعُبه فاصلُ
إذا ما عَراك الهمُّ بالعُدْمِ فاعْتبرْبأصدقِ قولٍ لا ترى من يُجادِلُ
تباعَدْ عن الدنيا وزايِلْ نعيمَهافكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائلُ
يُنادي جميل الخلق حيّاً وميِّتاًألا كلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطلُ
تطول رِشاءٌ في الأمانِي وإنَّهتُحوِّل فيما لم يكن فيه طائلُ
فواللهِ خَلاَّقِ البَرايا وربِّهمتُسَنُّ سِنُوها والشهورُ مَناصِلُ
وترْنُو لآمالٍ بعُمْرٍ نهارُهقصيرٌ وقِيعانُ الأماني أَطاوِلُ
رأيت ذوي التِّيجانِ ثُلَّثْ عروشُهموتنظُر في الأركانِ يوماً عَنادِلُ
وتغترُّ بالدهرِ الدَّنِّي وجاهِهفمَن رام بالجاهِ المُجاهاةَ جاهلُ
ولو لم تكن تجلُو السَّرِيرةَ بالتُّقىصباحَك لَهْواءٌ ويومَك هازِلُ
فلا تعتمدْ دهراً بُلِيتَ به فماترى الخلق إلاَّ وهْو جاءٍ وراحِلُ
ومن حام فيه ساعةً مستمرَّةًعلى ما ارْتضاه فهْو ساهٍ وغافلُ
ولا تحتْظِي فيها البرايا فإنَّها الدَّقيقُ وأنَّاتُ الدَّواهِي المَناخلُ

منها:

أيا نفسُ ما هذا التَّنافسُ في المُنَىأما تنظُرين الدهرَ ماذا يُحاوِلُ
يُروِّيك من ماءٍ أُجاجٍ مكرَّرٍوأرْيُك منه سَلْسَلٌ وهَلاهِلُ
ترُومينَ عيشاً رائغاً ومَعالِياًوذلك سَفْسافٌ حوَتْه الحسائلُ
وأمْلَتْ لكِ الأيام في العصرِ بُرْهةًتمُرُّ بك الموتى وتجرْى المَحاملُ
وليلُ سبيلِ البَيْن أسودُ حالكٌوتُصْطاد أنمارٌ به ورآئلُ
أتَسْري بدخْياءِ الليالي وأُطْفئتْبتسْريحِ أرْواح الذنوبِ المَشاعلُ
بَنيْتَ دياراً قد نَبَتْ بك نَبْوةًوتُلْهيك رَوْضاتٌ بها ومَجادِلُ
ستثْوِي بقَاعٍ صَفْصفٍ وتحُلُّهأَو إلى خيول جُلْنَ فيه المغاسلُ
عَمُوا أيها الشَّافون منها جُيودهمودوموا وقُوموا واستقيموا وحاملُوا
صَباحةُ فجر الوصلِ أبدتْ طَلاقةًألا أيها الإخوانُ قوموا فناوِلُوا
كؤوسَ رحيقٍ فاح كالمسكِ نَشْرُهابنَشْوتها تُنْسى الرَّدى وتُجاملُ
تُسِيحُ صَمِيمَ القلب ظَمْياءُ كُرْبةًإذا أبْطأتْ في الدَّوْرِ تلك الذَّبائلُ
تجودُ بأفنانِ الذنوبِ جوارحِيوطَرْفي بأقْطارِ النَّداية باخلُ
أتاكِ إلهي صاغراً متأسِّفاًعلى ما جَناها وهْو جَدْواك سائلُ
مُقِرٌّ بما يكْبُو ويهْفُو وذاكرٌكثيرُ خطِيئاتٍ أقَلَّ وعائلُ

أحمد بن زين الدين، المعروف بمنطقي هو وإن كان بدمشق مولده ومرباه، وبمائها وهوائها سقي فترنح غصن رباه.

فله من الفارسية أوفر قسم، ومن التركية ما يتخيل أنه وإياه روح وجسم.

ولحق بالروم فصار منهم، وإن لم يكن يفوق على أبلغ بلغائهم فلم يقصر عنهم.

فرمت له عن قوسها الروم، واتفقت على تفضيله الأعلام والقروم.

وعهدي بمن يفرق الرث من السمين، ويعرف فضل الورد على الياسمين.

يقول: إنه فطنٌ يتلهب شرار عفاره ومرخه، ومحسن إذا نطق بشعره، استوقف الطير في منقاره وزق فرخه.

وأشعاره متنفس خواطر الشعراء، ومن أراد محاكاتها في حسن التأدية نبذ بالعراء.

وقد أوردت من شعره العربي قطعةً تشهد له بالإحسان، شهادة الروض الأريض بفضل ماء نيسان.

وهي قوله:

سقتِ الرياضَ دموعُ عينِي الجاريَهْفبدتْ تراجُعها عيونٌ باكيَهْ
وسَرْت لأغصانِ الوُرودِ فأصبحتْأكْمامُها منها قلوباً داميَهْ
دمعِي تبدَّل بالشَّرارِ وكيف لاوجحيمُ قلبي فيه نارٌ حاميَهْ
ماذا عليَّ من الجحيمِ ولم تزلْنارُ المحبَّةِ في وجودِي باقيهْ
يا سادةً لمَّا بدا سلطانُهمملَك القلوبَ من الأنام كما هيَهْ
تلْوِي غصونُ قُدودهم أيدي الصَّباوقلوبُهم مثلُ الحجارةِ قاسيَهْ
لم يبْقَ لي ثمنٌ يُقاوم وَصْلَكُمإلا المحبةَ والمحبةُ غاليَهْ
الجسمُ ذاب من الجفا والقلبُ رَهْنٌ عندكم والرُّوحُ منِّي عاريَهْ
مُنُّوا عليَّ بنظْرةِ فوَحقِّهاقسَماً بمَن أبْرَى النفوسَ الفانيَهْ
لو مَرَّ بي مَيْتاً نسيمُ ديارِكمْسَرَتِ الحياةُ إلى عظامِي الباليَهْ

عطاء الله بن نوعي، المعروف بعطائي ضافي ذيل النباهة، صافي ماء البداهة.

ما أعافه طبعٌ، ولا جف له نبع.

وأنا أتحققه كلما أطاب، ولم يخرج من خزينة رؤيته إلا جواهر شفافةٌ ولآلٍ رطاب.

بمحاورات يحمر لها خدود الشقائق من الخجل، ومحاضرات تكاد تخلص الحياة من يد الأجل.

وله كتاب الذيل على الشقائق النعمانية، في علماء الدولة العثمانية.

أجاد فيه سجحاً وتقفية، ووفى الحسن أكمل توفية.

وكلامه في المقفى والموزون، سلوة المغموم وفرحة المحزون.

ولم يبلغني من شعره العربي إلا قوله:

ولمَّا توالتْ للزمانِ مصائبٌلكلِّ رَذِيلٍ بالرَّذالةِ مُعْلَمِ
ترامتْ بهم أيدي المَنايا عن المُنَىإلى حيث ألْقت رَحْلها أم قَشْعَمِ

وعربت له بيتاً ذكره في ترجمة شيخ الإسلام زكريا، وقد ولي الإفتاء في سنة إحدى وألف، وهو:

في رأسِ كل مائةٍ يجِيءُ مَنيُجدِّدُ الدينَ بديعَ الوصفِ
ومثلُ ذا مُجدِّدٌ للدِّينِ لايجِيءُ إلا واحداً في الألفِ

ولده محمد ابن أبيه، فالأصل نبيهٌ والفرع شبيه.

مشى على أثره، وضرب على محكمه في نظمه ونثره.

إلا أنه قدح، وأبوه مدح.

وتجاوز في الأمد، وشفى الحقد والكمد.

وهو وإن أتى بما عليه رونق وحلاوة، إلا أنه من هذا الأمر فالج ابن خلاوة.

فالله يعفو عنه وعني، وعن كل من يتكلم بما لا يعني.

فمن شعره قوله:

يأوِي إلى الحمَّامِ في أوطارِهمأهلُ المعالي عند إعْوازِ الخدَمْ
حتى إذا ما حمّلوا فوق الرِّضاحكمَ القضا في بيْته يُؤتَى الحَكَمْ

هذا المثل مما زعمت العرب وضعه على ألسنة البهائم، قالوا: إن الأرنب التقط ثمرةً فاختلسها الثعلب، فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب.

فقالت الأرنب: يا أبا الحسل.

فقال: سميعاً دعوت.

قالت: أتيناك لنختصم إليك.

قال: عادلاً حكمتما.

قالت: فاخرج إلينا.

قال: في بيته يؤتى الحكم.

هذا محل المقصود منه، وله تتمة طويلة.

ومما يناسب منزعه في التضمين قول بعضهم:

لنا عالم يُؤْتَى فيأتِي بحُجَّةٍعلى ذاك من أخبار علمٍ وآياتِ
للشاعر العميد أبو بكر القهستاني، اقرأ القصيدة
وقلنا له الإسلام يعلُو ولم يكنليُعْلَى فقال العلم يُؤْتَى ولا يأتِي
للشاعر العميد أبو بكر القهستاني، اقرأ القصيدة

محمد بن داود المعروف برياضي شاعر بارع، متسنم لرتب البراعة فارع.

تؤثره أدباؤهم على غيره، ومن أراد منهم نهج البلاغة سار على سيره.

اشتهر ذكره، واستطار شرراً فكره.

ونهض فنهضت بنهضته همم، وتكا فأسمعت كلماته من به صمم.

وله أدب شعشع به البدائع وروقها، وقلدها بمحاسنه النوادر وطوقها.

فرياض أدبه لا تعرف أزهارها الذبول، إذا ما هبت نسماتها استخلفت الصبا والقبول.

فمما عربته من مفرداته:

إذا تذكَّرتُ منه رِيقاًترحَّل الصبرُ والقَرارُ
إن عَزَّوِجْدانُه بمصرٍلله في الأرض قُنْدُهارُ

ومنها هذه الرباعية:

أهْوَى قمراً فاق على الأقْمارِقد قيَّد بالحسن خُطَى الأبْصارِ
لا أرغبُ في الحياة إلاَّ طمعاًفي رُؤيته فهْي مُنَى الأعْمارِ

أويس، الشهير بويسى شاعر منشٍ، وناسج موشٍ.

لا يسدي إلا ألحم، ولا يناظر إلا أفحم.

اشتهر بالإحسان اشتهار الزهر بأويس، ولم يقابل مجاريه ومباريه إلا بويح وويس.

أعرب بفنونه، واعترى القلب بفتونه.

وآثاره مما تنفع الكبراء على أسمارها، وترقم ببدائعه هالات أقمارها.

أوتي في اللسان بسطة، كما منح في اليراع نشطة.

فكأن المعاني حاضرةٌ على طرف فمه، والألفاظ مترقبةٌ لأن يجريها على بنانه وقلمه.

وقد ترجم السيرة النبوية فأحسن كل الإحسان، وأطاعته فيها الفقرات إطاعة القوافي الحسان.

فشكر صنيعه من اتسم بكمال النهى، وأحله هذا الأثر من مراقي العز فوق فرق السها.

وله غيره من الآثار في الفنون، بما يحقق تمكنه من الاطلاع للظنون.

ومن جيد معانيه المنقولة قوله:

شجَرُ الخِلافِ يقول للنَّهرِأنا مُرْتَوٍ بنَوالِكَ الغَمْرِ
والنهرُ أيضاً قائلٌ وأنافي ظلِّ فَضْلِك دائماً أجْرِي

وحللت من أبياته: الباطل باطلٌ لا شبهة تنافيه، لكن ربما ظهر في صورة الحق فشك المفكر فيه.

عمر المعروف بنفعي ابن الرومي بعينه في الهجا، فكأن ذاك ما راح وهذا ما جا.

لو قرع إبليس بهجوه لتاب، أو رمي مارد بجذوةٍ منه لذاب.

وكله إذا فتشت فيه، وساوس أغراضٍ يمليها فكره على فيه.

فمكواته لا تفارق النار، وإذا جهل فعلى أعلى المنار.

بفكرٍ يرد السيف مثلماً، والرمح مقلما.

ويصير القمر للعمر هادما، ولا يدع الواصف للعسل بقيء الزنانير نادما.

ولقد رأيت أهاجيه مرارا، فأعرضت عنها تقطباً وازورارا.

لأن نحسها أدى إلى رداه، ومكن من وريده حسام عداه.

فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، وترك من لا يرد سهام ملامه وتقريعه من خلفه.

وهو على بذاءة لسانه، يجيد في التغزل بحسن القول وإحسانه.

وكل معنىً مبتكر، لا تحوم حول حماه الفكر.

فمنه على ما عربته:

أسَرْتَني بلَحْظِ طَرفٍ ساحرِأوْقعتنِي فيه بقَيْدِ الناظرِ
باللهِ صُنْ صائلَ الفَرْعِ ولاتُخلِّني في هَمِّ قيدٍ آخَرِ

عبد الباقي، المعروف بوجدي السيف القاطع، والكاتب المتناسب المقاطع.

أي وقارٍ في تلطف، وأنسٍ مع حسن تعطف.

إلى خلق كما هبت صبا نجد، وطبعٍ يمتلي به المشغوف وجداً على وجد.

وهو في الأدب ممن بعد شأوه، وله شعر يعلم منه مقداره وبأوه.

منه ما عربته:

ما تراءَى لي ذلك الوجهُ إلاَّقام فيه لَوْنُ الحَيَاءِ نِقابَا
عجباً من سَواد مِرْآةِ حَظِّيقابلتْ نُورَه فصار حِجابَا

نائلي رب فصاحةٍ وبراعة، وفارس دواةٍ ويراعة.

نبغ وتفوق، وتصفى كأس أدبه وتروق.

وراح في الحلبة واغتدى، واكتسى بأحسن الحلة وارتدى.

وما زالت تعله الرياسة وتنهله، والدهر ييسر أمله الأقصى ويسهله.

حتى استقامت أسبابه، وتمتعت حيناً برونق أيامه أحبابه.

على توفر حظوظٍ شارقة، وإخفاق سحب أمانٍ بارقة.

وهو في الأدب ممن استحسن منزعه، واستعذب من مثله مشرعه.

وطبعه في الشعر العارض إذا هتن، وما أرى إلا أنه أراد أن يشعر ففتن.

فمما عربته من بدائعه قوله:

أيها الطالبُ شمسَ الأُفْقِ منْمسكنٍ عزَّتْ به وامْتنعتْ
ارْجُ قُرْبَ الوصل إن الشمسَ فيشَرَكٍ من عارضيْه وقعتْ

فهيم شابٌّ شب في حجور الآداب، وتعلق من الشعر الغض بتلك الأهداب.

فجاء منه بما تستعير لطفه الشمائل، وبرق به النسيم إذا سرى بين الخمائل.

وقد تغرب في عنفوان شبابه، وغاص في بحبوحة التفنن وعبابه.

فأرضعته الحنكة بلبانها، وأدبته الدربة في إبانها.

فكان أبرع من أورد اليراع في محبرة، وهز غصنها في روضة طرسٍ محبرة.

إلا أنه كان لا يقتصر على سمت، ولا يخلو من انحرافٍ وأمت.

وقد نزع إلى سلوكٍ ورياضة، واستحسن عن الزخرف بالخشن تبدله واعتياضه.

وله ديوان شعر موجود بأيدي الناس، وأكثره غزليات من أدق رقى الوسواس الخناس.

فمما عربته منها:

عجبتُ من لَحْظِ ظَلومٍ في السَّطَايُعلِّم التظلُّمَ المظْلومَا

سليمان، المعروف بمذاقي ظرف الظرف، وقوة الطرف.

وزاملة النتف، وأطروفة الطرف.

كنه الأخبار حديثاً وقديما، فلهذا اتخذه الكبراء جليساً ونديما.

فهو على القدح ريحانة، وفي الكأس سلافة حانة.

وكان مولعاً بالصناعة، ولديه منها توسع في البضاعة.

فهو قمريٌّ التصوير، شمسي التأثير، ومحله ما بين فلك عطارد والفلك الأثير.

وله شعر عذب المساغ حلو المذاق، ورتبته في الأدب رتبة المهرة الحذاق.

فمما عربته من كلامه:

ما أخْجلَ الحِبَّ عَتْبُ صَدِّجَنَى به الطَّرْفُ وردَ خَدِّ
بل أشعلَ الحسنُ فيه جمراًقطَّر للرِّيق ماءَ وردِ

قلت: هذا معنى لطيف.

ولأبي الطيب صالح النقري من شعراء المركز، ما هو منه من أبيات:

أنْضجْتُ وردةَ خدِّه بتَنَفُّسِيوظلَلتُ أشربُ ماءَها مِن فِيهِ

وحليت من شعره: كثيراً ما يغم العاشق فكرٌ يتصور في خياله، والمعشوق في شغلٍ عنه يمنعه أن يمر بباله.

وقس على هذا الحال المعارف يتوقع منهم المكروه، وأما الأجانب فالمرء آمنٌ مكائدهم من كل الوجوه.

نابي هو الآن في الأحيا، يوازن بمكارمه الصيب إذا حبا وأحيى.

آخذٌ بأسباب المحاسن جملةً وتفصيلا، ومستوعبٌ أدوات الفضائل غريزةً وتحصيلا.

وأما أدبه فالربيع زاهٍ بفضله، والحبيب منعمٌ بعد هجره بوصله.

شق الجيوب من الطرب، وعل النفوس بما هو أحلى من الشهد والضرب.

وشعر كل من عاصره بالنسبة إلى شعره المسترق النهى، إن لم يكن أرق من السها، فهو أخفى من منديل الرها.

فمما عربته منه:

لا أرَى كأسَ الأمالدارَ نَحْوِي في أمانِ
فهْو قد حقَّقتُ منهتابِعٌ دَوْرَ الزمانِ

الأمير يونس الموصلي، المعروف بسامي جم الأدب رائقه، سامي النظم فائقه.

رأيته وقد أخذ منه الكبر، واعتبرت منه العبر.

وهو يروع الليث في آجامه، ويخجل الغمام عنه انسجامه.

وكنت عاشرته مدةً قليلة، وحصلت منه على أمانٍ جليلة.

تنسكب علي فوائد تجاريبه كالمطر، فأراني بفضل عشرته قضيت من أمر الرحلة الوطر.

وكنت مدحته بأبيات، مستهلها:

برُوحِي بل بآبائي الكرامِفتى تَفْدِيه أرواحُ الأنامِ

أقول فيها:

وكم لي فيه من عِقْد امْتداحٍعلى الأيامِ مُتَّسِق النِّظامِ
يرُوقُك حُسْنُه فتراه لُطْفاًكما حدَّثْت عن صَفْو المُدامِ
قَوافٍ ليس تكسِبُه افْتخاراًولو جاءتْ بمُعجزةِ الكلامِ
ففيه تقولُ أَلْسنةُ المعالِيسَما يسْمُوا سُمُوّاً فهْو سَامِي

وعربت من كلامه:

والروحُ منِّي في مَضِيقٍ إن تَجِدْفَرَجاً أبَتْ أن نلْتقِي في المَحْشرِ

أحمد المعروف بفصيح حيٌّ موجود، لكنه منقطعٌ عن الوجود.

بشهامة نفسٍ لها في ذاتها تفرد، ولطف أدب كأنه في وجنة الزمان تورد.

وقد صحبته بالروم وله رواءٌ وبزة، وغصن كماله تتساقط ثمراته بأدنى هزة.

ثم عدل إلى توحشٍ وانقطاع، ولله تعالى في خلقه أمرٌ مطاع.

وكان أنشدني من أشعاره قطعاً في الغزل، ما زلت أتمتع بها في أوقات الوحدة، ولم أزل.

وقد عربت منها هذا المفرد:

علمتُ لمَّا فَكَّ عن صدرِهكيف تشُقُّ الشمسُ جَيْبَ الصباحْ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.