تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

شعراء البحرين

هي من البلاد التي هي معدن السخا، ومطلع المكارم، في الشدة والرخا.

أطرافها منازل الأشراف، وأكثر الحلي في الأطراف.

فمنهم: السيد عبد الرضي بن عبد الصمد الولي الرضي الشيمة، المرتضى الجرثومة.

المتكافىء الشرف، المتعادل الطرف والطرف.

مجمع البحرين، بحر العمل وبحر العلم، ومقلد النحرين، نحر الكمال ونحر الحلم.

إلى أدبٍ أوقع من حلاوة الرضا، وشعرٍ ما ناله الرضي ولا المرتضى.

فمنه قوله:

بات يسْقيني من الثَّغْرِ مُدامَاذُو جمالٍ يُخْجِل البدرَ التِّمامَا
حَلَّل الوصلَ وقد كان يرىوَصْلَ مَن يشْتاقُه شيئاً حَرامَا
ويَرى سَفْك دمِ العشاقِ فَرْضاًفي هَواه أو يمُوتون غَرامَا
زارَني وَهْناً ولا أعرف لِيمنه مِيعاداً فأدركتُ المَرامَا
جاء في حُلَّةٍ من سُنْدُسٍثمِل الأعْطافِ سُكْراً يتَرامَى
فاعْترتْني دَهشةٌ من حسنِهحين أرْخَى لي عن الوجهِ اللِّثامَا

منها:

ليلةٌ كانت كإبْهامِ القَطَاأو كرَجْع الطَّرْف قِصْراً وانصِرامَا
حيثُ كان العيشُ غضّاً والصِّبامَجْمَعَ اللذَّاتِ والدهرُ غُلامَا
يا حَماماً ناح في أيْكَتهِصادِحاً ما كنتَ لي إلاَّ حِمامَا
تندُبُ الإلْفَ ولا تَذْرِي دَماًودُموعِي تُشْبِه الغيثَ انْسِجامَا

السيد علوي بن إسماعيل من خلص الأسرة العلوية، الضاربين خيامهم في المنازل العلوية.

له في هجر ذكرٌ لم يعرف الهجر، وفضائل توضحت مثلما توضح الفجر.

أطلعته السيادة من شرقها، فوضعته تاجاً فوق فرقها.

وهو في الكمال مخلوق على أحسن فطرة، والبحران عنده لا يتجاوزان قطرة.

وقد رأيت له في النسيب ثلاثة عشر بيتاً، تحيي الطرب إذا كان ميتاً.

فأثبتها وأنا مستطار فرحاً، وأهز عطفي بحسن انسجامها مرحاً.

وهي قوله:

بنفسِي أُفَدِّي وقلَّ الفِداغزالاً بوادِي النَّقا أغْيَدَا
مَلِيحاً إذا فُضَّ عن وجهِهنِقابُ الحيَا خِلْتَ بدراً بَدَا
غزالاً ولكنْ إذا ما نَصْبشِراكاً لأصطادَه اسْتأْسَدَا
سقيمُ اللَّواحظِ مكحولُهاولم يعرف المِيلَ والإثْمِدَا
رشيقُ القوامِ إذا هَزَّهرأيتَ الغصونَ له سُجَّدَا
له رِيقَةٌ طعمُها سُكَّرٌيُجَلِّي الصَّدَا ويُرَوِّي الصَّدى
ولَحْظٌ كعَضْبٍ ولكنَّهيشُقُّ القلوبَ وما جُرِّدَا
تفرَّد بالحُسْن دون المَلاَفسبحان مَوْلىً له أفْرَدَا
نأَى بعدُ فهْو لغيرِي ولِيقريبُ المَزارِ بعيدُ المَدَى
رعَى اللهُ أيامَنا الماضياتوعيشُ الفُتَاءِ به أرْغَدَا
وصَبَّ على تُرْبِ تلك الرُّبوعِمُثْعَنْجِراً مُبْرِقاً مُرْعِدَا
إلى حيثُ أخْفَتْ صُروفُ الزمانِوشَمْلُ الوِصالِ بها بُدِّدَا
وأضْحَتْ قِفاراً وليس بِهِنَّمن ذلك الجَمْعِ إلا الصَّدَى
إذا قلتُ أين حبيبي غَدَايُجيب بأيْنَ حبِيبي غَدَا

السيد محمد بن عبد الحسين بن إبراهيم بن أبي شبابة جمال هذا البيت وجملة مفاخره، وفذلكة حسابه المنوطة به أحساب أوائله وأواخره.

تكونت بالبحرين جوهرة ذاته، وبها كانت أوطانه وأوطار لذاته.

ولما حلت بيد الشباب تمائمه، وصدحت في أفنان الفتوة حمائمه.

تنقل في البلاد فأحرز الطارف من الكمال والتلاد.

كما تنقل الدر من البحر، فعلا على التاج والنحر.

ثم أقام آخراً بأصبهان، وبها انتقل من دار العياء والامتهان.

فمن شعره قوله، من قصيدة يمدح بها النظام ابن معصوم، وهو بالهند.

ومطلعهام:

أرى عَلماً ما زال يخفُق بالنَّصْرِبه فوق أَوْج المجد تعلُو يدُ الفَخْرِ
مضَى العمرُ لا دنيا بلغتُ بها المُنَىولا عملاً أرْجُو به الفوزَ في الحشرِ
ولا كَسْبُ علمٍ في القيامةِ شافعٍولا ظفِرت كفِّي بمُغْنٍ من الوَفْرِ
وأصبحتُ بعد الدَّرْسِ في الهند تاجراًوإن لم أفُز منها بفائدة التَّجْرِ
طوَيتُ دَواوينَ الفضائل والتقىوصرتُ إلى طَيِّ الأمانِيِّ والنَّشْرِ
وسوّدت بالأوْزارِ بِيضَ صحائفيوبيَّضْت سودَ الشِّعر في طلَب الصُّفْرِ
وبعتُ نَفِيسَ الدِّين والعمرِ صَفْقةًفيا ليت شِعرِي ما الذي بهما أشْرِي
إذا جَنَّني الليلُ البَهِيمُ تفجَّرتْعليَّ عيونُ الهَمِّ فيها إلى الفَجْرِ
تفرَّقتِ الأهْواءُ منِّي فبعضُهابِشِيرازَ دارِ العلم والبعضُ في الفكْرِ
وبالبَصْرة الرَّعْناءِ بعضٌ وبعضُها الْقَوِيُّ ببَيْتِ اللهِ والرُّكْنِ والحِجْرِ
فما لي وللهند التي مُذ دخلْتُهامَحَتْ رَسْمَ طاعاتِي سيولٌ من الوِزْرِ
ولو أن جِبْرائيلَ رام سُكونَهالأعْجزه فيها البقاءُ على الطُّهْرِ
لئن صِيدَ أصحابُ الحِمَى في شباكِهافقد تأخذُ العقلَ المقاديرُ بالقَهْرِ
وقد تُذهب العقلَ المطامعُ ثم لايَعُود وقد عادت لَمِيسُ إلى العِتْرِ

هذا تلميح إلى المثل المشهور، وهو قولهم: عادت إلى عترها لميس. أي رجعت إلى أصلها.

والعتر، بكسر المهملة وسكون المثناة من فوق: الأصل.

ولميس: اسم امرأة.

يضرب لمن رجع إلى خلق كان قد تركه.

وليس هذا المثل بعينه حتى يعترض بأن الأمثال لا تغير.

مضَتْ في حروبِ الدهر غايةُ قُوَّتيفأصبحتُ ذا ضَعْفٍ عن الكَرِّ والفَرِّ
إلى مَ بأرضِ الهنْدِ أُذْهِب لَذَّتبيونَضْرة عَيْشٍِ في محاولة النَّضْرِ
وقد قنِعتْ نفسِي بأوْبَةِ غائبٍإلى أهلِه يوماً ولو بَيَدٍ صَفْرِ
إذا لم تكنْ في الهندِ أصنافُ نعْمةٍففي هَجَرٍ أحْظَى بصِنْفٍ من التَّمْرِ
على أنَّ لي فيها حُماةً عهِدتُهمْبُناةَ المَعالي بالمُثقَّفة السُّمْرِ
إذا ما أصاب الدهرُ أكْنافَ عِزِّهمْرأيتَ لهم غاراتِ تَغْلِبَ في بَكْرِ
ولي والدٌ فيها إذا ما رأيتَهرأيتَ به الخَنْساءَ تبْكي على صَخْرِ
ولكنَّني أُنْسِيتُ في الهند ذكْرَهمبإحْسانِ مَن يُسْلِي عن الوالد البَرِّ
إذا أذْعَرَتْني في الزَّمانِ صُرُوفُهوجدتُ لديه الأمْنَ من ذلك الذُّعْرِ
وفي بيته في كلِّ يومٍ وليلةٍأرى العِيدَ مقْروناً إلى ليلةِ القَدْرِ
ولا يُدْرِك المُطْرِي نِهايةَ مَدْحِهولو أنَّه قد مُدَّ من عُمُرِ النَّسْرِ
وفي كُلِّ مِضْمارٍ لدَى كلِّ غايةٍمن الشرفِ الأوْلَى له سابِقٌ يجرِي
إذا ما بدتْ في أول الصبحِ نِقْمةٌترى فَرَجاً قد جاء في آخر العَصْرِ
فقُل لي أبَيْتَ اللَّعْنَ إن عَزَّ مَقْطَعٌأأصبِرُ أم أحْتاجُ للأوْجُهِ الغُرِّ
إذاً لا علَتْ في المجد أقدامُ هِمَّتيوإن كان شعرِي فيك من أنْفَسِ الشعرِ
وإنِّي لأرْجو من جَميلِك عَزْمةًتُبلِّغني الأوطانَ في آخرِ العُمرِ
تُقِرُّ عيوناً بالعراقِ سَخِينَةًوتُبرِد أكْباداً أحَرَّ من الجمرِ
وتُؤْنس أطفالاً صِغاراً تركْتُهملفُرْقتِهم ما زال دمعيَ كالقَطْرِ
وعيشْي بهم قد كان حُلْواً وبعدهموجدتُ لذيذَ العيشِ كالعَلْقَمِ المُرِّ
إذا ما رأَوْني مقبِلاً ورأيتُهمتقول أيومُ القَرِّ أم ليلةُ النَّفْرِ
وما زلتُ مُشتاقاً إليهم وعاجزاًكما اشْتاقَ مَقْصوصُ الجناح إلى الوَكْرِ
ولكنَّما حسبِي وُجودُك سالماًولو أنني أصبحتُ في بلدٍ قَفْرِ
فمَن كان موصولاً بحَبْلِ وَلائِكمفليس بمُحْتاجٍ إلى صِلةِ البِرِّ

وله من قصيدة، على لسان أهل الحال، وأجاد فيها.

ومستهلها:

لَعَمْري لقد ضلَّ الدليلُ عن القَصْدِوما لاح لي برقٌ يدلُّ على نَجْدِ
فبِتُّ بلَيْلٍ لا ينام ومُهْجةٍتقلَّب في نارٍ من الهمِّ والوجْدِ
وقلتُ عسى أن أهْتدِي لسَبِيلِهابنَفْحة طيبٍ من عَرارٍ ومن رَنْدِ
فلما أتيْتُ الدَّيْرَ أبصرتُ راهباًبه ثَمَلٌ من خَمْرةِ الحبِّ والوُدِّ
فقلتُ له أين الطريقُ إلى الحِمَىوهل خَبرٌ من جِيرةِ العَلَم الفَرْدِ
فقال وقد أعْلَى من القلْبِ زَفْرةًوفاضتْ سيولُ الدمعِ منه على الخَدِّ
لَعلَّك يا مسكينُ ترجُو وِصالَهموهيْهات لو أتلفْتَ نفسَك بالكَدِّ
إذا زُمْرةُ العُشَّاقِ في مجلسِ الهوىنَشاوَى غَرامٍ من كُهولٍ ومن مُرْدِ
ألم تَرَ أنَّا من مُدامةِ شَوْقِهمْسُكارَى ولم نبلُغْ إلى ذلك الحَدِّ
فكم ذهبتْ من مُهْجةٍ في طريقِهمْوما وصلتْ إلاَّ إلى غايةِ البُعْدِ
فقلتُ أأدْنُو قال مِن مِحْنةٍفقلتُ أأرجُو قال شيئاً من الصَّدِّ

هذا البيت فيه المراجعة، وهي كثيرة في كلامهم.

ألم تَرَنَا صَرْعَى بدهشةِ حُبِّهمْنُقلِّب فوق التُّرْبِ خَدّاً إلى خَدِّ
فكم طامعٍ في حبِّهم مات غُصَّةًوقد كان يرضَى بالمُحالِ من الوَعْدِ

ولده السيد عبد الله عرف ذلك الطيب، واريجه الذي يذكو ويطيب.

تحلى بالأدب من منذ ترعرع، وارتوى منه بكأس مترع.

فاستباح جني قطافه، واستماح روي نطافه.

وقد وقفت له على أشعارٍ باهت الطراز المعلم ببذرقة التطريز، وجرت جداولها لطالب الأدب بمذاب اللجين والإبريز.

فدونك منها ما تستجيده، وتعلم منه أنه محسن القول ومجيده.

فمنه قوله، من قصيدة أولها:

أغَار في تِيهِه وأنْجَدْفصوَّب الفكرَ بي وصَعَّدْ
وجَدَّ في مَطْلَب التَّجنِّيفجذَّ حبلَ الوِدادِ بالصَّدّ
أتيتُ أشكُو إليه وَجْدِيفصدَّ كِبراً وصعَّر الْخَدّ
سَما به عُجْبُه فأضْحَىيضِنُّ عند السلامِ بالرَّدّ
ظَبْيٌ بديعُ الجمالِ أحْوَىأغَرُّ حُلْوُ الدَّلالِ أغْيَدْ
مُهَفْهَفٌ تخضَع العَوالِيإذا تثنَّى ورَنَّحَ الْقَدّ
مُجاذِبٌ رِدْفُه لخَصْرٍدَقّ فخِفْنا عليه ينْقَدّ
ذُو مَبْسَمٍ بالرُّضابِ حَالٍمِن حولِه اللُّؤْلُؤُ المُنضَّدْ
كم بات يرْوِي لنا قديمَ الحديثِ نَقْلاً عن المُبَرِّدْ
فنَال منَّا المُدامُ منهما لم تنَلْه مُدامُ صَرْخَدْ
بدرُ تَغارُ النجومُ منهإذا سَنَا وجهِه تَوقّدْ
أحلَّ قتْلَ الأنام عَمْداًولا قِصاصاً يَرى ولا حَدّ

منها:

ما لاح يوماً لعاشِقيهِإلاَّ وخَرُّوا لديْه سُجَّدْ
كلُّ عَمِيدٍ به عَمِيدٌوكل مَوْلىً له مُعَبَّدْ
أُطلِق حُبِّي له فأمسَىقلبِي به واجِباً تقيَّدْ
هوَيْتُه عامِداً لمعنىًمنه أتى بالجمالِ مُفْرَدْ
ولستُ أبْغِي به بدِيلاًوإن تجافَى قِلىً وإن صَدّ
ما زلتُ شوقاً إليه أصْبُووعهد وُدِّي له يُجدَّدْ
كما صَبَا للنَّدى ارْتياحاًسيدُنا ابنُ النبيِّ أحمدْ
أرْفَعُ من ترفعُ المَعالِيطَوراً إلى مجدِه وتُسْنَدْ
كم جمعتْ للكرامِ شَمْلاًيَدٌ له مَالُها مُبدَّدْ
وكم أقالتْ عِثارَ قَيْلٍأطاحَه دهرُه وأقْعَدْ

منها:

أبا عليٍ فِداك نفسيوما حَوَتْه يَدايَ من يَدْ

منها:

وابْق بقاءَ الدهورِ ما إنْأضاءَ برقٌ ولاح فَرْقَدْ

وله من قصيدة أخرى، مستهلها:

ما نضتْ ليلةَ المَزارِ الإزارَهندُ إلا لتهتِكَ الأسْتارَا
طرَقتْنا ولاتَ حين طُروقٍحبَّذا زائرٌ إذا النجمُ غارَا
رَقَّ بعد الصُّدودِ عَطْفاً لِرقٍورعَى حُرمةَ العهودِ فزارَا
قابلتنا بطَلْعةٍ قد أرتْنا الشَّمسَ ليلاً فأوْهمتْنا النهارَا
طَفلةٌ تخلِبُ العقولَ بطَرْفٍوبدَلٍ تستعْبِدُ الأحْرارَا
دُميةٌ لو تصوَّرت لِمَجُوسٍتَخِذُوها إلهاً وعافوا النَّارَا
ناهدٌ تسلُب النفوسَ بطَرْفٍغَنِجٍ زادَه الفُتورُ احْوِرارَا
زاتُ خدٍ جلَى لنا الوردَ غَضّاًوشَتِيتٍ جلَى علينا العُقارَا
وفمٍ مثل خاتمٍ من عَقِيقٍعمَّر الدُّرَّ في نَواحِيه دَارَا
ولِحاظٍ تسْبي العقولَ وخَصْرٍزادَه باسطُ الجمال اخْتصارَا
وإذا ما ترَنَّح القَدُّ منهاقلتُ قد هَزَّ ذابِلاً خَطَّارَا
غادةٌ لَذَّ لي بها هَتْكُ سِتْرِيفي طريق الهوى وخَلْعِي العِذارَا
وعجيبٌ ممَّن توغَّل أمْراًفي الهوى أن يرومَ منه اسْتتارَا
أيْسَرُ الهوى وشأنُ دموعِ الصَّبِّ بالصَّبِّ تظهِر الأسْرارَا
والذي عقلُه غدا بيَدِ الغِيدِ أسيراً لا يستبدُّ اخْتيارَا
كيف أرجو من الخُطُوب خَلاصاًبعد ما أنْشَبتْ بيَ الأظْفارَا
أرْهَفتْ إذ عدَتْ عليَّ نِصالاًليس ينْبو فِرِنْدُها وشِفَارَا
قصَدتْ أن تسُومنِي الخَسْفَ ظُلْماًوالبَرِيُّ الأبيُّ يأْبَى الصَّغارَا
ما درَتْ أنني رُفِعتُ مقاماًبحِمَى أحمدٍ وزِدْتُ اعْتبارَا
وهو أسْمَى في رُتْبةِ المجد من أنيُدرِك الضَّيْمُ لَمْحةً منه جَارَا
سيِّدٌ ساد في البريَّةِ نُبْلاًوزكا عُنْصُراً وطاب نِجَارَا
ماجدٌ نال رُتبةً في المعاليلم ينَلْها من قبلُ كِسرَى ودَارَا
أرْيَحيٌّ إذا أراحَ لنَيْلٍأرْسلتْ سُحْبُ راحِه الأمْطارَا

السيد عبد الله بن الحسين أربى على الخلص من عتاة فن الأدب، فكان أجل من جد في تحصيله ودأب.

رأيت له شعراً ينسي محاسن التقدم، ويترك المجتري على معارضته بغبن التندم.

فلو منحه ابن الحسين لما تنبأ عجباً بالقريض بل كان تأله، أو سمعه أبو تمام لاتخذه تميمةً لعود عقله الذي تدله به وتوله.

وها أنا ذا أتلو عليك منه قطعةً تستنزل الثريا، وتغنيك عن اجتلاء زهرات الروضة الريا.

وهي قوله في الغزل:

أتتْ تحمل الإبْرِيقَ شمسُ الضحىَ وَهْنَاولو سَمحْت بالرِّيق كان لها أهْنَا
حَكاها قَضِيبُ الخَيْزُرانِ لأنهيُشارِكها في اللِّين واللفظِ والمعنَى
تُرِيني الضُّحَى والليلُ ساجٍ وما الضحىوطلْعَتُها من نُورِ طلعتِه أسْنَى
مُهَفْهَفةُ الأعْطافِ حَوْراء خِلْتُهامن الحُورِ إلا أنَّ مُقْلتَها وَسْنَا
لها كَفَلٌ كالدِّعْصِ مِلْءُ إزارِهاوقَدٌّ إذا ماسَتْ به تُخْجِل الغُصْنَا
عليها بُرودُ الأُرْجُوانِ كأنهاشَقائقُ أو من وَجْنتيْها غَدَا يُجْنَى
ولا عَيْبَ فيها غيرَ أنَّ مَلِيكَهابَراها بخُلْقٍ يُعْقِب الحُسْنَ بالحُسْنَى
تقوم تُعاطِينا سُلافَة ثَغرِهاعلى وَجَلٍ نِلْنا به المَنَّ والأمْنَا
هي الرُّوحُ والرَّيحان والرَّاحُ والمُنىعلينا بها مُعْطِي المَواهب قد مَنَّا
قصَرتُ عليها مَحْضَ وُدِّي فلم يكنْسواهَا له في القلبِ رَبْعٌ ولا مَغْنَى

السيد داود بن شافيز سيد شهم، للآمال منه نصيبٌ وسهم.

استوطن في السيادة نجداً، وتوسد الجوزاء مجداً.

وله في الشعر بدائع كثيرة العيون، لم يتحمل لأجلها فكره الصقيل منة القيون.

فقد ألان الله لطبعه الحديد الكلام، كما ألان الحديد لداود ﵇.

وقد أوردت له ما لا يرى العيان مثله، ومن طمع في لحاقه فيوشك أن يصير في العالم مثلة.

فمنه قوله في الغزل:

أنا واللهِ المُعَنَّىبالهوَى شوقِيَ أعْرَبْ
كلَّما غَنَّى الهوَى ليأرْقصَ القلبَ وأطْرَبْ
وغَدا يسْقيه كاساتِ صَباباتٍ فيشْرَبْ
فالذي يطمَع في سَلْبِ هوى قلبيَ أشْعَبْ
قلتُ للمحبوبِ حتَّىمَ الهوى للقلْبِ ينْهَبْ
وبمَيْدان الصِّبا واللَّهوِ ساهٍ أنتَ تلعبْ
قال ما ذنبْي إذا شاهدت خدّاً قد تلهَّبْ
فهوَى قلبُك فيهاذاهباً في كلِّ مَذْهَبْ
قلتُ هَبْ أن الهوى هَبَّفألْقاه بهَبْهَبْ
أفلا تُنقذ مَن يهْواكَ من نارٍ تلَهَّبْ

وقوله:

طال في الحبِّ غرامِيإذْ رمى المُهْجةَ رامِ
فأصابَ القلبَ مَجرُوحاً بمَسْموم السِّهامِ
والهوى فوقي وتحتيوورائِي وأمامِي
ويمِيني ويَسارِيوهْو لاشكَّ إمامِي
قائداً قلبي إلى نارِ هَوانٍ وهُيامِ
قلتُ للمحبوبِ حتىمَ بِنيرانِ الغَرامِ
من ضَرِيعِ الشوقِ والأحْزانِ أُكْلِي وطَعامِي
وشَرابِي من حَمِيم الْهجرِ أغْرَى بي حِمامِي
لا تُغنِّي في أرَاكِ الْوصلِ في زَفِّ حَمامِ
قال قِفْ واصبرْ علىبَلْوَى الهوى صَبْرَ الكرامِ
فعسَى تحْظَى بجَنَّاتِ وصالِي وسَلامِي

السيد ناصر بن سليمان القاروني الخطيب النضيح، والشاعر الفصيح.

قضى فأرضى، ونضى فأمضى.

وفرع وأصل، وأجمل وفصل.

وذهب في البراعة كل مذهب، وارتدى من النباهة بكل رداءٍ مذهب.

فنظمه حظ الزمان، بل هو حظ الأمان.

وسجع الحمام، بل سفح الغمام.

وريق النحل، بل الخصب بعد المحل.

وقد ذكرت له ما تحله قلبا، وتضم عليه شغافاً وخلبا.

فمنه قوله:

أيا مَن يُغالِي في القريبِ ويشْترِيقرابةَ إنْسانٍ بألْفٍ أبَاعِدِ
تعالَ فإنِّي ليْتني لا قَريبَ ليأبِيعُك منهم كلَّ ألْفٍ بواحِدِ

وقوله من مرثية:

أيها النائمونَ والدهرُ يقَظْانُ أصاحونَ أنتمُ أم سُكارَى
طاَما نِمْتُم فهُبُّوا من النومِ فداعِي المَنونِ يدعُو جِهارَا
هو دَاعٍ إذا أهابَ بمَن فيرأسهِ نَشْوةٌ أطار الخُمارَا
هو داعٍ يُجيِبه مَن دعاهكارهاً للِّقاءِ أو مُختارَا
هو ذا منزلُ الملوكِ برَغْمٍلِرَغامٍ من الصَّياصِي اقْتسارَا
هو هذا مُكَسِّرٌ عَظْم كِسرَىومُدِيرٌ رحَى المَنُونِ بِدَارَا
فبِداراً ليومِ عَيْشٍ عزيزٍقبل أن يُذيع الرحيلُ بِدارَا
وانْتهازاً لفُرصةٍ ليس تبْقَىقبل أن تُسلَبُوا عليها الخِيارَا

السيد أحمد بن عبد الصمد أحد من اجتنى طري القول واهتصر، إلا أن طريقه إلى الأدب مختصر.

له من الشعر بيتان، على جودة طبعه بينان.

لم يسمع له غيرهما قط، من برى قلماً وقط.

وهما قوله:

لا بلَّغتْنِي إلى العلْياء مَعْرفتيولا دَعتْنِي العُلاَ يوماً لها وَلدَا
إن لم أُمِرَّ على الأعْداء مَشْربَهممَرارةً ليس يصْفُو بعدها أبَدَا

ماجد بن هاشم بن المرتضى بن علي بن ماجد خطيب شيراز وإمامها، ورئيسها المشار إليه وهمامها.

ماجد جد فوجد، وارتقى مثلما ارتقى له أبٌ وجد.

نسبٌ من النبي مبتدى، وحسبٌ ببرد النباهة مرتدي.

وقد شفع شرف النسب بمزية الكمال، وقرن إلى صدق الأقوال فضل الأعمال.

وراء ذلك أدبٌ بلغ به الأرب، وملأ دلوه منه إلى عقد الكرب.

فمن شعره الذي تقف دونه الأطماع، وتشنف به على السماع الأسماع.

قوله في مليح قارىء:

وتالٍ لآيِ الذِّكْرِ قد وقفتْ بناتلاوتُه بين الضَّلالة والرُّشْدِ
بلفظٍ يسُوق الزاهدين إلى الخَنَاومعنىً يشُوق العاشقين إلى الزهدِ

وقوله:

وذي هَيَفٍ ما الوردُ يوماً ببالغٍحُلَى وَجْنتيْه في احمرارٍ ولا نَشْرِ
برِئْنا من العَلْياء إن سِيمَ وصلُهعليْنا بما فوق النفوسِ ولا نَشْرِي

وقوله متغزلاً:

حسناءُ ساءتْ صَنِيعاً في مُتيَّمِهايا ليتَها شفَعت حُسْناً بإحْسانِ
دَنَتْ إليه وما أدْنتْ مَودَّتَهافما انتفاعُ امرىءٍ بالباخِل الدَّانِي

جعفر أبو البحر بن محمد الخطي العبدي أحد بني عبد قيس الخط والحظ للخطى، وهذا من الجناس الخطي.

فآثار قلمه زينة الصحائف، وأخبار أدبه حلية التحائف.

وهو أحد الجلة المشاهير، وأوحد أولئك الجماهير.

وله في البحرين حديثٌ فاح أريجه، وتدفق بالثناء نهره وخليجه، فأنشد لسان مجده:

وهل يُنْبِتُ الخَطِّيَّ إلاَّ وشِيجُه

فكم زمت إليه المطية، وركزت على رماحه الخطية.

وقد أثبت له ما يسو على النيرين، ويحسد اتساقه ما يخرج من بين البحرين.

فمنه قوله:

عاطِنيها قبل ابْتسام الصباحِفهْي تُغنيك عن سَنا المِصباحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
أنت تدْرِي أن المُدامة نارٌفاقْتدِحْها بالصَبِّ في الأقداحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
فهْي تمحُو بضَوئها صِبْغةَ اللَّيْلِ فيغدُو وجهُ الدجَى وهْو ضاحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
وإذا ما أحاط بِي وفْدُ هَمٍمُهدِياً لي طرائفَ الأتْراحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
فارْسِلَنْها وَرْدِيَّة كدَمِ الظَّبْيِ أسالتْه مُدْيةُ الذَّبَُّّاحِ
فهي تُقْصِي إمَّا دَنتْ وارِدَ الهَمِّوتُدْنِي شواردَ الأفْراحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
ألْحَفتْ في السؤالِ هل من فَكاكٍلأسيرٍ ما إنْ له من بَراحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
مَزَجُوها فقيَّدوها فلو تُتْركُ صِرْفاً طارتْ بغير جَناحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
يا خليلِي ولا أرَى لي من الناسِ خليلاً إلاَّ فتىً غير صاحِ
يتلقَّى عَذْلَ العَذُولِ بهَيْهاتَ ويحْثُو في أوْجُه النُّصَّاحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
ألِفَ الرَّاحَ فهْو بين اغْتباقٍلا يُنادَى وليدُه واصْطباحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
رُحْ على الرَّاس بي فليس على الأجْسامِ عَيْبٌ في السَّعْيِ للأرواحِ
واسْقِنيها صِرفاً فللنَّارِ نأتْجانباً عن وِصال ماءٍ قَراحِ
خيرُ ما يُشرَب المُدامُ عليهوجهُ خَوْد من الكَعابِ رَداحِ
ذات قَدٍ تثْني الغصونُ عليهاحين يهْفو بها نسيمُ الصباحِ
فوقه طُرَّةٌ تُظِلُّ مُحَيّاًجائلاً ماؤُه مُضِيء النَّواحِي
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
فهْي من نُورِ وجهِها وظلامِ الشَّعرِ في حالتيْ مَساً وصَباحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
وثُغورٌ يُخَلْنَ في بارد الظَّلْمِ حَباباً يطْفُو على وجهِ راحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»
ما تَرى الدهرَ كيف رقَّتْ لياليهـ فشقَّتْ عن أوْجُه الأفراحِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «عَاطِنيها قبلَ ابتِسَامِ الصَّبَاحِ»

ولما دخل بأصبهان، اجتمع بالبهاء الحارثي، وعرض عليه أدبه، فاقترح عليه معارضة قصيدته التي مطلعها:

سرَى البرقُ من نَجْدٍ فهيَّج تَذْكارِيعهوداًبحُزْوَى والعُذَيبِ وذي قارِ

فعارضها بقصيدة طنانة، أولها:

هي الدارُ تسْتسْقِيك مَدْمعَها الجارِيفسَقْياً فخيرُ الدمعِ ما كان للدَّارِ
ولا تسْتضِع دمْعاً تُرِيق مَصُونَهلِعزَّته ما بين نَوْءٍ وأحْجارِ
فأنت امرؤٌ بالأمسِ قد كنت جارَهاوللجارِ حقٌّ قد علمتَ على الجارِ
عشوتَ على الَّلذَّاتِ فيها على سَنَاسَناءِ شموسٍ ما يغِبْن وأقْمارِ
فأصبحتَ قد أنفقْتَ طَيِّبَ ما مضَىمن العمرِ فيها من عُونٍ وأبْكارِ
نواصِعُ بِيضٌ لو أفَضْن على الدجىسَناهُنَّ لاسْتغْنى عن الأنْجُمِ السارِي
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
خرائدُ يقْصرن الأصولَ بأوْجُهٍتغَصُّ بأمْواهِ النَّضارةِ أحْرارِ
مَعاطيرُ لم تُغْمَس يدٌ في لَطِيمةٍلهُنَّ ولا اسْتَعْقَبن جَوْنةَ عطَّارِ
أبحَنْكَ مَمنوعَ الوصالِ نوازلاًعلى حُكْمِ ناهٍ كيف شاء وأمَّارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
إذا بِتَّ تستسْقي الثغورَ مُدامةًأتَتْك فحيَّتْك الخدودُ بأزْهارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
أموسمَ لذَّاتي وسُوقَ مآربيومَجْنَى لُباناتِي ومَنْهب أوْطارِي
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
سقْتك برَغْمِ المُزْنِ أخْلافُ مُزْنةٍتلُفُّ إذا جاشتْ سُهولاً بأوْعارِ
وفَجٍ كما شاء المجالُ حشَوْتَهبعَزْمةِ هَوَّالٍ على الهَولِ كَرّارِ
تمرَّس بالأسْفار حتى تركْنَهلدِقَّته كالقِدْحِ أرْهفَه البَارِي
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
إلى ماجدٍ يُعْزَى إذا انْتسب الورَىإلى مَعْشرٍ بِيضٍ أماجدَ أخْيارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
ومُضطلِعٍ بالفضْل زَرَّ قميصَهعلى كَنْزِ آثارٍ وعَيْبَةِ أسْرارِ
سَمِيِّ النبيِّ المصطفَى وأمينهِعلى الدِّين في إيرادِ حُكْمٍ وإصْدارِ
به قام بعد المَيْل وانتصبتْ بهدعائمُ قد كانت على جُرُفٍ هارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
فلما أناخَتْ بي على باب دارِهمَطايايَ لم أذمُم مغَبَّة أسْفارِي
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
نزلتُ بمَغْشِيِّ الرُّواقيْن دارُهمَثابةُ طُوَّافٍ وكعبةُ زُوَّارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
فكان نُزولي إذ نزلتُ بمُغْدِقٍعلى المجد فضلَ البِرِّ عارٍ من العارِ
أساغ على رَغم الحواسدِ مَشرَبِيوأعْذَبَ وِرْدَ العيش لِي بعد إمْرارِ
وأنقذني من قبْضةِ الدهرِ بعد ماألَحَّ بأنْيابٍ عليَّ وأظفارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
جُهِلتُ على معروفِ فَضْلي فلم يكنْسواهُ من الأقوامِ يعرف مِقْدارِي
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»

ولما انتهى إلى هذا البيت في الإنشاد، قال، وأشار إلى جماعة من سادات البحرين: وهؤلاء يعرفون مقدارك إن شاء الله تعالى.

على أنه لم يَبْقَ فيما أظنُّهمن الأرضِ شِبْرٌ لم تُطبِّقْه أخْبارِي
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
ولا غَرْوَ فالإكْسِير أكبرُ شُهْرةًوما زال من جهلٍ به تحت أسْتارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
متى بُلَّ لي كفٌّ فلستُ بآسِفٍعلى درهمٍ إن لم ينَلْه ودينارِ
فيا ابنَ الأُلى أثْنَي الوَصِيّ عليهمُبما ليس تَثْنِي وجهَه يدُ إنْكارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
بِصفِّين إذ لم يُلْفِ من أوْليائهوقد عَضَّ نابٌ للورَى غير فرَّارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
وأبْصر منهم جِنَّ حَرْبٍ تهافتُواعلى النارِ إسْراعَ الفَراشِ إلى النارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
سِراعاً إلى داعِي الحروب يرَوْنَهاعلى شُرْبِها الأعمارَ موردَ أعْمارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
أطارُا غُمودَ البيض واتَّكلُوا علىمَفارِق قومٍ فارَقُوا الحقِّ كُفَّارِ
وأرْسَوْا وقد لاَثُوا على الرُّكَبِ الحُبَىبُروكاً كهَدْيٍ أبْرَكوه لَجزَّارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
فقال وقد طابتْ هنالك نفسُهرِضاً وأقَرُّوا عينَه أيَّ إقْرارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»
فلو كنتُ بَوَّاباً على بابِ جَنَّةٍكما أفحصتْ عنه صَحِيحاتُ آثارِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «هِيَ الدارُ تَستسقيكَ مَدْمَعَكَ الجاري»

يشير إلى همدان، وهي قبيلة من اليمن، ينتهي إليهم نسب الممدوح، وكانوا قد أبلوا يوم صفين بلاءً حسناً، فروي أنهم في بعض أيامهم حين استحر القتل، ورأوا فرار الناس عمدوا إلى غمود سيوفهم فكسروها، وعقلوا أنفسهم بعمائمهم، وجثوا للركب، وبركوا للقتل، فقال فيهم أمير المؤمنين، كرم الله وجهه:

لَهمْدان أخلاقٌ ودِينٌ يزِينُهاوبأسٌ إذا لاقَوْا وحُسْنُ كلامِ
فلو كنتُ بَوَّاباً على بابِ جَنَّةٍلقلتُ لهَمْدان ادْخُلوا بسَلامِ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ولما رأيت الخيل تقرع بالقنا»

وقال فيهم يوم الجمل: لو تمت عدتهم ألفاً لعبد الله حق عبادته.

وكان إذا رآهم تمثل بقول الشاعر:

ناديتُ هَمْدان والأبوابُ مُغْلقةٌومثلُ هَمْدان سَنَّى فتْحةَ البابِ
كالهُنْدُوانِيِّ لم تُفْلَل مَضارِبُهوجهٌ جميلٌ وقلبٌ غيرُ وَجَّابِ

ذكره ابن عبد ربه في العقد.

وهمدان بسكون الميم، وبعدها دال مهملة، وأما همذان، بفتح الميم والذال المعجمة، فبلد من بلاد العجم، وهي أول عراق العجم، وإليها نسب بديع الزمان الهمذاني، صاحب المقامات التي اقتفى الحريري أثره فيها.

ومن شعر صاحب الترجمة، قوله من قصيدة يمدح بها وزير البحرين محمود بن نور الدين، وهي أول قصيدة أثبتها في المدح، وأنشدها يوم عيد الفطر:

ماذا يُفيدُك من سُؤالِ الأرْبُعِوهي التي إن خُوطِبَتْ لم تسمَعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
سَفَهٌ وقوفُك في رُسومٍ رَثَّةٍعَجْماءَ لا تدرِي الكلامَ ولا تعِي
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
فذَرِ الوقوفَ على مَخافِي منْزلٍعافٍ لمُختلِف الرِّياح الأرْبَعِ
وامْسِك عِنانَ الدمعِ عن حَوْبائِهفي دِمْنةٍ لم تحمْدَنْك ومَرْبَعِ
اللهُ جارُك هل رأيتَ منازلاًعطِلتْ فحلَّتْها عقودُ الأدْمُعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
واسْتبْقِ قلبَك لا تَعيشُ بغَيْرِهوشعاعَ نفس إن يَغبْ لم يَطلُعِ
واصرِفْ بصِرْفِ الرَّاح همَّك إنهامهما تفرَّق من سرورِك تجمْعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
كَرْمِيَّةٌ تذَرُ البَخيلَ كأنمانزَل ابن مَامةَ من يدَيْه بأُصْبُعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
فهي التي آلتْ ألِيَّةَ صادقٍأن لا تُجاورها الهمومُ بمَوْضعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
مع كلِّ ساحرة اللِّحاظِ كأنهاترْنُو بناظِرتَيْ مَهاةٍ مُرْضِعِ
وكأنما تَثْنِي على شمسِ الضحىإمَّا هي انْتقبَتْ حواشِي البُرْقُعِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «ماذا يفيدُكَ من سؤالِ الأَرْبُعِ»

إما مركبة من إن الشرطية، وما الزائدة، وأدغمت النون في الميم.

وكأنما وُضِع البُرَى منها علىعُشَر تعاوَره الحَيا أو خِرْوَعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة

البرى هنا جمع برة، وهي الخلخال.

والبيت وصفٌ لها بالطول وتمام الخلق.

وتعاوره الحيا تأكيدٌ وتحسين لهذا الوصف.

يا مَن يفِرُّ من الخُطوب وصَرْفِهاأنَّى رآه يفِرُّ عنها يتْبعِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «ماذا يفيدُكَ من سؤالِ الأَرْبُعِ»
لُذْ بالوزير ابنِ الوزير فإنماتأْوِي إلى الكَنَفِ الأعزِّ الأمْنَعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
ملِكٌ رَقَى دَرْجَ الفخارِ فلم يدَعْفيها لِرَاقٍ بعده من مَطْمَعِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «ماذا يفيدُكَ من سؤالِ الأَرْبُعِ»
وتناولَتْ كفَّاه أشْرفَ رتبةٍلو قام يلْمِسُها السُّهَا لم يَسْطَعِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «ماذا يفيدُكَ من سؤالِ الأَرْبُعِ»
أنْدَى من الغيْثِ المُلِثِّ إذا اجْتُدِيأحْمَى من الليثِ الهِزَبْرِ إذا دُعِي
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
التَّارِكُ الأبطالَ صَرْعَى في الوغَىفكأنهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة

منقع من الاكتفاء، وله معنىً بدون الاكتفا؛ بأن يكون مأخوذاً من أقعى فرسه، إذا رده القهقرى، فيزادياءً، أو من أنقع الميت، أي دفنه، والمراد دفنها بعشية القتال.

يذَرُ الجماجمَ في المَكَرِّ سَوَاقِطاًسَقْط الثِّمار من المَهَبِّ الزَّعْزَعِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «ماذا يفيدُكَ من سؤالِ الأَرْبُعِ»
أفْدِيه وهْو على أغَرَّ مُحجَّلٍظامِي الفُصوصِ سليم سَيْرِ الأكْرَعِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «ماذا يفيدُكَ من سؤالِ الأَرْبُعِ»

الفصوص: جمع فص، وهو ملتقى كل عظمين.

وظامي الفصوص، كناية عن لطافة مفاصله.

نَهْدِ المَراكل واللَّبان بعيدِ ماوُضِع العِنانُ به عَصِيٍ طَيِّعِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «ماذا يفيدُكَ من سؤالِ الأَرْبُعِ»
فكأنه لمَّا اسْتقام تَلِيلُهمُصْغٍ تلقَّفَ نَبْأةً من بُرْقُعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
في جَحْفلٍ كالْيَمِّ إلاَّ أنهلا ماءَ فيه غيرُ لَمْعِ الأدْرُعِ
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «ماذا يفيدُكَ من سؤالِ الأَرْبُعِ»
حتى ترجَّل للصلاةِ ولم نجِدْأسداً يُصلِّي قَبْلَه في مَجْمَعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة

لو قال: أخشع خاشع متورع. لكان أنسب بأفتك فاتك.

حُيِّيتَ يا كسرى الملوكِ تحيَّةًتُرْبى على كسرَى المُلوكِ وتُبِّعِ
يا ابنَ الأُلَى جعلوا مراكز سُمْرِهمْحَبَّ القُلوبِ بكل يومٍ مُفْظِعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
واستبْدلُوا لِلْبِيض من أغْمادِهافي الحرب هامةَ كلِّ ليثٍ أرْوعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
النازلين من العُلَى في رتبةٍهامُ السُّها منها بأدْنَى موضعِ
ما حدَّثتْ نفسُ امرىءٍ ببُلوغِهاإلاَّ ومات بغُلَّةٍ لم تُنْقَعِ
وإليك من عُرْبِ الكلامِ خريدةًجاءتْك مُسْفِرةً ولم تتَبرْقَعِ
عذراءَ أوّلُ ما جَناه لناظرٍنَظْمِي وأولُ ما تلاه لِمَسْمَعِ
مِن شاعرٍ ذَرِبِ اللسانِ مُفَوَّهٍطَبٍ بترْكيب القوافِي مِصْقَعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
فاضمُمْ عليه يديك تَحْظَ بآخِرٍأذْكَى من المتقدِّمين وأبْرعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة
فَليُسْمِعنَّك إن بَقِي لك بعدهاما يسْتبين لديْه ذُلُّ الأشْجَعِ
للشاعر أبو البحر الخطي، اقرأ القصيدة

قلت: لله دره من فارس مجال هو على تناول المعاني أشجع من أشجع، وخطيب حفل كلماته أفيد من قائل أما بعد وأنجع.

وقد انتهى ذكر أهل البحرين الذين ارتفع قدرهم وسما، وروت غررهم في رياض آدابها حديث النعمان عن ماء السماء.

وهنا أذكر من نجم من بلاد العجم ممن وقع عليهم الاتفاق، وانهلت فوائدهم كالسحاب الدفاق.

فمنهم: الحكيم أبو الحسين بن إبراهيم الطبيب الشيرازي فارس حكماء الشرق، المستوفي في السبق شوط البرق.

بلغ وهو شاب مبلغ الشيخ فقضى له بالرياسة، وبرع في صناعة الطب براعة حكمت له بالاستيلاء على النباهة والكياسة.

إلى أدب يتخيله الفكر فيشفى به عليله، وينطبع في الطبع فيشحذ به كليله.

وحسن طلعةٍ تتعشقها الصور، ولطف علاجٍ لم يبق معه ما تشتكيه مرضى العيون إلا الحور.

وقد وقفت له على شعر ألذ من العافية للسقيم، وألطف من بشرى الولد الكريم للشيخ العقيم.

فأثبت منه ما هو غايةٌ في حسن الأسلوب، وكأنما هو دواءٌ لأمراض القلوب.

فمنه قوله:

كشف الصبحُ اللِّثامَاوجَلى عنَّا الظلامَا
فأجِلْ لي الكأسَ ونَبِّهْ أيها السَّاقي النُّدامَى
عَلَّنا نقضِي كما رُمْنا من الأُنْسِ المَرامَا
ما ترى الوُرْقَ على الأيْكِ يُجاوِبْنَ الحَمامَا
وزُهورَ الروضِ أصْبَحْنَ يفُتِّقْنَ الكِمامَا
والحَيا يبْكِي عليهِنَّفيَضْحكْنَ ابْتسامَا
ووميضَ البَرْقِ قد سَلَّعلى الأُفْقِ الحُسامَا
وحبِيبَ النفسِ قد لاحَ لنا بَدْراً تِمَامَا
أيُّ عُذْرٍ لك إن لمتصلِ الراحَ مُدامَا
فاغْنَمِ الأُنْس وبايِنْمَن لَحَى فيه ولاَمَا

وهي عروض أبيات بلديه الشيخ سعدي، صاحب الكلستان، وهي:

يا نَدِيمي قُمْ بليلٍواسْقِني واسْقِ النُّدامَى
خَلِّني أسهرُ ليلِيودَعِ الناس نِيامَا
اسْقِيانِي وهدِيرُ الرَّعدِ قد أبْكَى الغَمامَا
للشاعر سعدي الشيرازي، اقرأ القصيدة
في أوانٍ كشفَ الوَرْدُ عن الوجهِ لِثامَا
أيها المُصْغِي إلى الزُّهَادِ دَع عنك الكلامَا
فُزْ بها من قبلِ أن يجْعلك الدهرُ عِظامَا
قُل لِمَن عيَّر أهْلَ الْحُبِّ في الحبِّ ولاَمَا
لا عرفتَ الحبَّ هَيْهاتَ ولا ذُقْتَ غَرامَا
للشاعر سعدي الشيرازي، اقرأ القصيدة
لا تلُمْني في غُلامٍأوْدعَ القلبَ سَقامَا
للشاعر سعدي الشيرازي، اقرأ القصيدة
فبِداء الحبِّ كم منسيِّدٍ أضْحى غُلامَا
للشاعر سعدي الشيرازي، اقرأ القصيدة

ومن رقيق شعره قوله في الغزل:

مَن أوْدَع الشُّهْدَ والسُّلافَ فَمَهْوالجوهرَ الفَرْدَ فيه من قَسَمَهْ
وواوُ صُدْغَيْه فوق عارضِهيا ليت شِعْرِي بالمِسْك من رَقَمَهْ
ووافرُ الحُسْنِ والجمالِ بهمن دون كلِّ الحسانِ مَن رَسَمَهْ
وخَدُّه الوردُ في تضرُّجِهما ضَرَّهُ لو مُحِبُّه لَثَمَهْ
دمِي ودَمْعِي بلَحْظِه سُفِكَافلا شفَا منه رَبُّه سَقَمَهْ
كم من قتيلٍ بسيفِ مُقْلتِهلم يَخْشَ ثاراً لمَّا أباح دَمَهْ
كتمْتُ حُبِّي عن الوُشاةِ فماظَنَّ به كاشحٌ ولا عَلِمَهْ
وكم مُحِبٍ أعْيَتْ مذاهبُهأذاع سرَّ الهوى وما كَتَمَهْ

وقوله، وأجاد في الجناس:

قضَى وَجْداً بحُبّ أُهَيْل رَامَهْوما نال الذي في الحبِّ رَامَهْ
مُحِبٌّ لم يُطِع فيهم عَذُولاًولا قبلتْ مَسامعُه المَلامَهْ
نَهاهُ عن الهوى لاَحِيه سِرّاًفقال لها جِهاراً في المَلامَهْ
فقولوا يا أُهَيْل الوُدِّ قولُواعلى مَ هجرتُمُ المُضْنَى على مَهْ
وقد أمسَى بهجرِكُمُ قتيلاًوحُبُّكُمُ له أضْحَى علامَهْ

المنلا فرج الله الششتري أحد شعرائهم المفلقين، وأوحد لطفائهم الذيقين.

شعره نظم الإحسان في لبة القريض، وأسمع فيه ما هو أطرف من نغم معبد والغريض.

وشعره في الصنعة بردٌ مروي، وفي العذوبة حديث للشباب مروي.

فمما انتخبته من شهيه، وألمعت به من بهيه.

قوله من قصيدة، مستهلها:

ما بين دِجْلَة والفُراتِ مَراتِعٌهي للنفوسِ معارجٌ وسَماءُ
ومنازلٌ هي للقلوب منازِلٌلا جاوزَتْها دِيمةٌ هَطْلاءُ
لا الْجِزْعُ يُسْلِيني ولا وادي الغَضاعنها ولا نَجْدٌ ولا الدَّهْناءُ
لا رامَةٌ رَوْمِي ولا حُزْوَى ولاوادي النَّقا والخَيْفُ والخَلْصاءُ
سَقَتِ الغوادِي رَوْضَها وفَلاتَهاورعَتْ بمَرْعاها مَهاً وظِباءُ
أصْبُو إلى سُكانها طولَ المدَىلم تُلْهِني خَوْدٌ ولا هَيْفاءُ
إنَّ الأماكنَ تُسْتحَبُّ لأهلِهاأنا عُرْوةٌ وجميعُهم عَفْراءُ
بهمُ أُشَبِّب لا بعاتكةٍ وكمفي مُهْجتِي من بينهم بُرَحاءُ
أسماؤُهم ملأتْ خُروقَ مَسامعِيلا مَيُّ تسْكنها ولا أسْماءُ
للنَّازِلين على الفُراتِ مَواطِنٌلهمُ بهنَّ عن الخيامِ غَناءُ
وبِسُوحِهنَّ مراتعٌ ومَلاعبٌالليلُ فيها والنهارُ سَواءُ

قد تلطف في هذا، ومراده أنها لشدة اعتدالها تساوى فيها الليل والنهار، كما يكون ذلك في البلاد التي في خط الاستواء، أو في الربيعين اللذين هما أعدل الأزمنة.

ووقع لي من قصيدة:

قد لاح في خَدِّه العِذارُفاعتدلَ الليلُ والنَّهارُ
مُستوطنُ الآمال غاياتُ المُنَىللغانياتِ بها الغَداةَ ثُواءُ
يرْتعْنَ بين ضُلوعِنا فكأنَّماأرْباعُها الألْبابُ والأحْشاءُ
آرامُ أُنْسٍ للنفوسِ أوانِسٌداءٌ ولكنْ للعيون دواءُ
يُصْغِي إليهنَّ الجليسُ فينْثنِيوهناك لا خمرٌ ولا صهْباءُ
حلَّ الربيعُ متى حَلَلْنَ بمنزلٍفكأنهنَّ عوارضٌ وحياءُ
وإذا ارْتحلْنَ ترى الديارَ كأنهامن فَقْدِهنَّ سباسبٌ قَفْراءُ
كم من مناهلَ للفُراتِ ورَدْنَهاوصَدَرْنَ وهْي لِعَوْدِهنَّ ظِماءُ
لا تعجَبنْ إن لم يَفِينَ بمَوْعدٍإن الغوانِي ما لهُنَّ وَفاءُ
سُكانُ تلك الأرضِ كلُّهم لهمعندي هوىً وصداقةٌ وإخاءُ
إن يسْلِبوا عنِّي السرورَ ببَيْنِهمْفلِمُهْجَتِي بحديثِهم سَرَّاءُ
فهمُ مَناطُ مَساءَتي ومسرَّتِيوهمُ لقلبِي شِدَّةٌ ورخاءُ
أكبادُنا نارُ الغَضا من بعدهمْتُذْكِي الأسَى وجفونُنا أنْواءُ
الظَّاعِنون القاطنونَ قلوبَناهم واصِلين وقاطِعين سواءُ
وإذا المَحبَّةُ في الصدورِ تمكَّنتْفقد اسْتوَى الإبْعادُ والإدْناءُ
ألقتْنِيَ الأيامُ من أرضٍ إلىأرضٍ لها أرضُ العراقِ سَماءُ
شتَّان ما بيْني وبين مَزَارِهمْهيهات أين الهندُ والزَّوْراءُ
كيف احْتيالِي في الوُصولِ إليهمُإن الوصولَ إليهم لَرَجاءُ
لا تركَبنْ ظهرَ الرجاءِ مَطِيَّةًإن الرجاءَ مَطِيَّةٌ عَوْجاءُ
وكواذِبُ الآمالِ لا تُهدَى بهادَعْها فتلك هدايةٌ عَمْياءُ
يا ساكنِي دارِ السلامِ عليكمُمني السلامُ ورحمةٌ ودعاءُ
أين الغَرِيُّ وأهلُه وضجِيعُهرُوحي له ولِمَا حَواه فِداءُ

ومن مديحها قوله:

الأحمدُ المحمودُ كلُّ فِعالِهما شاءَه وقضى به فقَضاءُ
فله يَدٌ وله أناملُ فِعْلُها الْإحسانُ والإنعامُ والإعطاءُ
لا كالبحارِ تظَلُّ تجمع ماءَهابل كالجبالِ يسيلُ عنها الماءُ
مالَ الخلائقُ حيث مالَ كأنهشمسُ السَّما وكأنهم حِرْباءُ

يعني أنهم يتلونون معه، ولا يستقرون من الطيش على حال، كما تتلون الحرباء ألواناً مع الشمس.

والحرباء دويبة تسمى أم حبين، وتكنى أبا قرة.

ويقال حرباء الهجري لما ذكر، وحرباء تنضب، كما يقال ذئب غضا، وهو شجر يتخذ منه السهام، جمع تنضبة.

وفي شفاء الغليل للشهاب: الحرباء، جنس من العظاء، معرب حوربا، أي حافظ الشمس؛ لأنه يراقبها ويدور معها.

وفي المثل: أحزم من حربا، لأنه مع تقلبه في الشمس لا يرسل يده من غصن حتى يمسك آخر.

وإياه عنى التميمي في قوله:

لنا صديقٌ له في الغانياتِ هَوىًوأيْرُه لا يزال الدهرَ طَرَّاقَا
كأنما هو حِرْباءُ الهَجيرِ ضُحىًلا يُرسِل الساقَ إلا مُمْسِكاً ساقَا

وهو تضمين، من قول بعض شعراء الجاهلية:

أنَّى أُتِيحَ له حِرْباءُ تنْضُبَةٍلا يُرسِل الساقَ إلاَّ مُمْسِكاً ساقَا

وضربه بعض العرب مثلاً للألد الخصام، الذي كلما انقضت له حجة أقام أخرى.

وضربه ابن الرومي مثلاً للقبيح.

ويضرب به المثل في كثير التقلب.

عادتْ عصافيراً بُزاةُ زمانِهوتصاغرتْ لجَلالهِ الكُبراءُ

منها:

حسْبي سُمُوّاً إن تكن بي عارفاًما ضَرَّني أن يُنكِر الضعفاءُ
لا غَرْوَ إن لم تُفْصِح الأيامُ بيالدهرُ ابنُ عَطا وإنِّي الرَّاءُ
وبذا جرَى طبعُ الزمانِ وأهلِهدُفِن الكمالُ وأهله أحياءُ
هب لي قُصورِي واغْفِرَنْ ذنبي فماأنا منه في هذا الهُذاء بُراءُ
ما الجُود مخصوصاً ببَذْلِ المُقتنَىبل منه عندي العَفْوُ والإغْضاءُ
هذا مديح من خُلوصِ عقيدةٍمعلومةٍ وتحيَّةٌ وثَناءُ

قوله: الدهر ابن عطا وإني الراء يريد واصل بن عطاء المعتزلي، وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، وكان يخلص كلامه من الراء، ولا يفطن لذلك؛ لاقتداره على الكلام، وسهولة ألفاظه، ففي ذلك يقول أبو الطروق الضبي:

عليمٌ بإبْدالِ الحروفِ وقامِعٌلكلِّ خطيبٍ يغلبُ الحقَّ باطلُهْ

وقال فيه أيضاً:

ويجعل البُرَّ قَمْحاً في تصرُّفهِوخالف الرَّاءَ حتى احتال للشّعَرِ
ولم يُطِق مَطَراً والقولُ يُعجِلُهفعاد بالغيْث إشْفاقاً من المطرِ

ومما يحكى عنه، وقد ذكر بشار بن برد: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله: أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسياً أو عقيلياً.

فقال: هذا الأعمى، ولم يقل: بشاراً، ولا ابن برد، ولا الضرير.

وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل المغيرية، ولا المنصورية.

وقال: لبعثت، ولم يقل: لأرسلت.

وقال: على مضجعه، ولم يقل: على مرقده، ولا على فراشه.

وقال: يبعج بطنه، ولم يقل: يبقر.

وذكر بني عقيل؛ لأن بشاراً كان يتوالى إليهم.

وذكر بني سدوس؛ لأنه كان نازلاً فيهم.

وكلف تأدية هذه العبارة، وهي: أمر أمير الأمراء أن يحفر بئرٌ على قارعة الطريق؛ ليشرب منه الوارد والصادر.

فقال: حكم حاكم الحكام أن ينبش جبٌّ على الجادة؛ ليستقي منه الصادي والغادي.

واستعمل الشعراء إسقاط الراء في أشعارهم.

فمنه قول أبي محمد الخازن، من قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد:

نعَم تجنَّب لا يوم العطاءِ كماتجنَّب ابنُ عطاءٍ لَثْغةَ الرَّاءِ

وقال آخر، في محبوب له ألثغ:

أجعَلتَ وصلِي الراءَ لم تنطِقْ بهاوقطَعْتني حتى كأنَّك واصلُ

وللمترجم في مليح ألثغ في الراء:

أعِدْ لَثْغةً لو أنَّ واصلَ حاضرٌفيسْمَعها لم يهجُر الراء واصلُ

عرفي الشيرازي هو في أدباء فارس، لدر الكلم في روض الطوس غارس.

وكان دخل الهند فجاس خلاله، وملأ بلاده جلالة.

وحل به محل الماء من الصديان، والروح من جسد الجبان.

فنشل ما في كنانته من المكنونات، ونثر ما في ذخائره من المخزونات.

وبها دعاه الله إليه، فلا زالت سحائب الرحمات منهلةً عليه.

ولم أقف له على شعر عربي تنقله الرواة، فعربت مفردات جعلتها حلى الأسماع والأفواه.

فمنها:

كلُّ عَزْمٍ حوَى الأنامَ هَباءٌعند عَزْم العلاَّمةِ الأستاذِ
لو يكن كفُّه وحاشَاه شَمْعاًجذَب النارَ من حشَا الفُولاذِ

ومنها:

وَيْلايَ قد وُجِدتُ بعد ما انْمَحتْمراسِمُ الشَّبِيبةِ المأْهولَهْ
فصرتُ شيخاً هَرِماً من قبل أنأُعاينَ الشبابَ والكُهولَهْ

من هذا:

وأرجُو أن يُعِيد رُوا شبابيزمانٌ غادَر الوِلْدانَ شِيبَا

طالب الآملي شاعرٌ مراميه مصميةٌ لأغراضها، وجواهر كلماته خلصت من شائنة أعراضها.

قبلة النفوس من جميع الجهات، فكل قضاياه إلى الصواب موجهات.

وقد عربت له:

لَوَ انَّ الجاهَ مخصوصٌبأهل الجودِ والكرَمِ
لَخُصَّ المسكُ بالغزلاَنِ حول البيْتِ والحَرَمِ

صائب واحدٌ معدودٌ بألف، جميع من تقدمه من شعرائهم متأخر مع الخلف.

لا يوتر إلا رشق رشق صائب، وأشعاره عندهم أكاليل على الجباه وعصائب.

رفعته ملوك أوانه، وباهت أهل داووينها بديوانه.

وأوسعته رعيا، وأحسنت فيه رأيا.

تييه الأقلام تحية كسرى، وتقف الآراء دون مداه حسرى.

وقد تلاعب بالمعاني تلاعب الصبا بالبانة، والصبا بالعاشق ذي اللبانة.

فكأنما قلمه مزمارٌ ينفخ الأهواء في يراعته، وعزيمةٌ تنطق مجنون الوجد من ساعته.

وقد أوردت من معرباته ما تطيش عند تخيله الأذهان، وتبطل فيه رقى الهند وتزاويق الكهان.

فمنه:

مَن لي بمَن ألْقاه من إعْجابهبتَتابُع الأنفاسِ دَلاً يُحْدِثُ
لولا فَنائِي عند كلِّ دقيقةٍلحسِبْتني إن قلتُ آهاً ألْهَثُ

ومنها:

ما المُلْكُ بالمالِ ولابالخيلِ ولا بالدَّرَقِ
إسْكندرُ الدهر فتىًيملِك سَدَّ الرَّمَقِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الرابع في ظرائف ظرفاء العراق والبحرين والعجم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.