من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز
استدراك سقط أثناء الطبع في صفحة بعد قوله:
همتُ بها وأعجبُ الإبْداعِذو طَيْلَسانٍ هام في قِناعِ
قوله:
أفدي بقلبِ المُسْتهامِ دَلّهامَن ذا على قتْل النفوس دَلّهَا
الجزء الرابع
الباب السادس
في عجائب نبغاء الحجاز
هذا الباب ورب الكعبة، أعظم ما حوته الجعبة.
وهو باب واسع الأطناب، والإيجاز فيه أولى من الإطناب.
فإذا قل مدحي في أوصاف أهله نثيراً ونظيماً، فإن فكري يمر بنعتهم فيقف له إجلالاً وتعظيماً.
فإن بسطت القول، مع هذه القوة والحول فعلى الصراط أحكم الأوصاف، وفي الميزان أتوفى الإنصاف.
وغاية ما أقول إذا وجهت إلى الكعبة مجدهم صلوات التقديس والتعظيم، وزينت معاطفها بدر ثناء أبهى من در العقد النظيم:
كفى شَرفاً قُطْراً به أهلُ مكةٍعلى جسَدِ المجدِ الموثَّلِ رَاسُ
وما الناسُ إلاَّ هُمْ وليس سواهُمُإذا قال ربُّ الناسِ يا أيها النَّاسُ
فأول من أبدأ به منهم آل البيت والمقام، ورؤساء النبعة التي تقرأ في صحائفهم فواتح الأرقام.
وهم الأشراف بنو حسن بن أبي نمى أصحاب النسب الواضح، ونخبة قريش الأباطح.
ورونق ضئضىء المجد وبحبوح الكرم، وسراة أسرة البلدة التي أكنافها حرم، وذؤابة الشرف التي مجاذبتها لم ترم.
مون الفضل المبر، الذين سقوا شجر الكرم بغيث البر.
أقول فيهم مقالة يحيى بن معاذ: طينةٌ عجنت بماء الوحي وغرست فيها أشجار النبوة، وسقيت بماء الرسالة والفتوة.
فهل يفوح منها إلا مسك الهدى، وعنبر التقى، وهل تثمر إلا ثمار الندى، وتهدل إلا الأغصان الشامخة المرتقى؟ شرفٌ ضخمٌ ونائلٌ جزيل، وفخر شاهداه وحيٌ وتنزيل.
يفتخر الزمان بوجودهم على ما مضى من الأزمنة وسلف، ويتوج الدهر بأيامهم الخضر رءوس سنية فيحصل لها بذلك غاية الشرف.
الشريف إدريس بن حسن سلطان الأكياس، ومن سيرته سيرة ابن سيد الناس.
رفعه الله مكاناً علياً، وأغدق عليه عهاد المجد وسمياً وولياً.
فأبوابه كعبةٌ تطوف بها آمال العفاة، وتصلى بالقبل إلى أبوابها الشفاه.
وثم رأيٌ يختفي منه في غمده السيف، وصدرٌ يسع رحلة الشتاء والصيف.
إذا سطا فالشهب من نصاله، وإذا فخر فالحمد أقل خصاله.
فلو راع الهضاب لأنحلت معاقدها، أو تناول السماء لخوت فراقدها.
إلى نعمٍ أنجدت على صدمات الزمان، واتخذت عقيدة الكرم كعقيدة الإيمان. فحضرته مقصد المنتاب، إذا حدت الحداة ذوات الأقتاب.
وله أدب راق ورق، وشعرٌ رقيقه لحر العقول استرق.
وقد وقفت له على ترجمة، ترجمه بها السيد محمد العرضي الحلبي، فلم أتمالك إلا أن ذكرتها.
قال فيها: ذو الجبين المستنير بالعرفان، إذا غدا غيره جهولاً مقنعاً بقناع الذل والهوان.
ماجدٌ احتبى بنطاق المجد كما احتبى السحاب ثهلان، وجواد أقسم جوده بيوم الغدير والنهروان.
فأقسم برب البدن تدمى منها النحور، إنه الوارث منه وقفة الحجيج والوفادة، وسقايتهم والرفادة.
وشهوده على ذلك منىً والمخيف، وصم الصفا والمعرف.
كما قال الشاعر الرضي:
له وَقفَاتٌ بالحَجيجِ شُهودُهاإلى عَقِب الدنيا مِنىً والمُخَيَّفُ
ومن مَأْثُراتٍ غيرِ هاتيك لم تزَلْله عُنُقٌ عَالٍ على الناس مُشْرِفُ
سار المذكور في أهل الحجاز بسيرة جده، من غير أن يغمد فيهم سيف حده.
ومما أنشدت له من شعر الملوك المحمود، وإن قيل: شعر الهاشمي لا يكاد يجود.
قوله في الاعتذار عن خضاب الشيب بالشباب المتلبس بالمعاد، والتسربل على موت الصبا بثياب الحداد:
قالُوا خضبْتَ الشّيْبَ قلتُ لهم نعمْما إن طمِعتُ بذاك في رَدِّ الصِّبا
لكنَّ عقلَ الشيبِ ما أحْرَزْتُهفخشيت أن أُدْعَى جَهولاً أشْيَبَا
السيد أحمد بن مسعود بن حسن نابغة السادة، ومن له في الفضل صدر الوسادة.
لم تنجب بمثله أم القرى، ولم تنضم على مثل وجوده الشريف العرى.
نفذ في العز نفوذ السهم، وبلغ العليا بمعراج الفهم.
وبرز في فرسان الكلام وشجعانه، وجاء من الشعر بما هو أنضر من عهد الصبا في ريعانه.
فلله ما أقوم نهجه، وأوثق نسجه.
وأسمح ألفاظه، وأفصح عكاظه.
وأحمد نظامه ونثاره، وأغنى شعاره ودثاره.
يجولُ بذهْنِه في كلِّ شيءٍفيدركُه وإن عَزَّ المَرامُ
تطوف ببَيْتِ سُؤْددِه القوافِيكما قد طاف بالبيتِ الأنامُ
وتسجدُ في مَقامِ عُلاه شكراًونعمَ الرُّكْنُ ذلك والمَقامُ
وكانت له همة تجاوز الأفق مصعداً، ولا ترضى إلا فلك الأفلاك مقعداً.
فلم يزل يقدر من نيل الشرافة ما أطال تعنيه، والأيام تعده بها وتمنيه.
فلم يظفر منها بلحظة لحظ، " وما يلقاها إلا ذو حظ ".
فاقتحم لطلبها بحراً وبراً، متوسعاً أينما حل رفاهيةً وبراً.
قال ابن معصوم: وكان قد دخل شهارة، من بلاد اليمن، وامتدح بها إمامها محمد بن القاسم، بقصيدة راح بها ثغر مديحه وهو ضاحكٌ باسم.
وطلب منه مساعدته على تخليص مكة المشرفة له، وإبلاغه من تحليته بولايتها أمله.
وكان ملكها إذ ذاك الشريف أحمد بن عبد المطلب، فأشار في بعض أبياتها إليه، وطعن فيها بسنان بيانه عليه.
ومطلع القصيدة:
سَلا عن دَمِي ذاتَ الخلاخلِ والعِقْدِبماذا استحلّتْ أخْذَ رُوحي على عَمْدِ
فإن أمِنتْ أن لا تُقادَ بما جَنَتْفقد قيل أن لا يُقْتَل الحرُّ بالعَبْدِ
منها، وهو محل الغرض:
أغِثْ مكةً وانْهَضْ فأنتَ مُؤيَّدٌمن اللهِ بالفَتْح المُفوَّضِ والجَدِّ
وقَدِّمْ أخا وُدٍ وأخِّرْ مُباغِضاًيُساوِر طَعْناً في المُؤيَّد والمَهْدِي
ويطْعن في كلِّ الأئمّةِ مُعْلِناًويرْضَى عن ابن العاصِ والنَّجْلِ من هنْدِ
فلم يحصُل منه على طائل، إلاّ ما أجازه به من فضل ونائل.
فعاد إلى مكة المشرفة، ثم توجه إلى الروم.
قلت: فمر على ساحل الشام، ونزل طرسوس، وبها عمل سينيته التي زفها خريدةً على أرائك الطروس، وعطر برياها أندية الأدب ولا عطر بعد عروس.
وكان هام بالوطن، هيام ابن طالب بالحوض والعطن.
وحن إلى تلك البقاع، حنينه إلى أثلاث القاع.
والقصيدة هي هذه، وإنما ذكرتها بتمامها لمكانتها من القلوب:
حُثَّ قبل الصباحِ نَخْب كُؤوسيفهْي تَسْرِي مَسْرَى الغِذَا في النُّفوسِ
وانتخِبْها بِكْراً فقد ثَوَّب الدَّاعي إليها من حانةِ القِسِّيسِ
بِنْتُ كَرْمٍ إن تَلْقَ مَلْسُوعَ حَيٍوهْو حِلْسٌ لن يرْتضِي بالجلوسِ
كشفَتْ غَيْهَب الخُمارِ ولو تَرْشحُ رَمْساً ردَّتْ بقَا المَرْمُوسِ
غَرَستْها بين الحدائقِ في النَّوْروزِ والشّطِّ كفُّ بَطْليموسِ
فتلقَّ أمَّ المَسَرَّة طَلْقاًوالنَّدامَى بمَهْرِ كَيْسٍ وكِيسِ
واطْلِقِ النَّدَّ والكِبا الرَّطْبَ واسْتَجْلِ عَرُوساً لا عِطْرَ بعد عَرُوسِ
عانِسٌ في الدِّنانِ بالحْانِ لن تُطْمثَ من عهد جُرْهُمٍ وجَدِيسِ
نار أُنْسٍ يْعشُو الكَليمُ ويَصْبُولِغناها بالذُّلِّ والتَّقديسِ
حرقتْ حُلّةَ الجِنانِ وأبْدَتْمُسْتطيرَ الصَّباح في الخَنْدرِيسِ
زعم الجاهلون ظُلْماً بأن قدعصَرتْها قِدْماَ يَدَا عُبْدوسِ
وهْي من لُطْفِها كشَكٍ نَفاهُصادقُ العِلْم عند ذي تَوْسِيسِ
فأدِرْها في كأسِها دون خَدَّيْك وفوق الشّقِيقِ من خَنْدَرِيسِ
واسْقِ بالخَيْزَلَى النَّدامَى لتبدُوقُدرةُ اللهِ في المَقام النَّفِيسِ
لترى أنْجُماً بفُلْكٍ وبَدْراًفوق غُصْنٍ يخْتال بين شُموسِ
ولكلٍ إرْبٍ وما أنَا بالرَّائي شَرِيفاً في جَنْبِ وَجْهٍ خَسِيسِ
لستُ من قبلها أُصدِّق أن الرّاحَ ظَلْمٌ في لُؤلُؤٍ مَغْروسِ
ظَبْيةٌ رَخْوةُ العرِيكةِ تَغْتالُ أُسودَ الشَّرَى بِدَهْيِ شُموسِ
لَبِستْ من غلائلِ الحُسْنِ بُرْداًمنه كلُّ العقولِ في تَلْبِيسِ
تتهادَى فيه فتسْتقْبِحُ الرَّوضَ أنِيقاً بحَوْزةِ التَّدْنيسِ
لو رآها تَخْتالُ عُجْباً أبوهالَخَشِينا عليه دِين المَجُوسِ
كلُّ خِلْوٍ منها اسْتجَدَّ رَسِيساًوقَديِمي فيها اسْتمدَّ نَسِيسي
تركتْني نِضْواً على رسمٍفيه دمعي خِلِّي وسُهْدِي جَلِيسي
مُوحِشاً من هُنَيْدةٍ بعد أن كانَ حَقِيقياً بالمرْبَعِ المأْنُوسِ
طالَما قلتُ للعُذافِرِ واللَّيْث قد ألْقَى بها عصا السْيرِ هيسي
لنَقْضي به حُقوقاً ونبْكيفيه وُرْقَ الحِمَى وثُكْلَ العِيسِ
ونُرجِّي الآمالَ أن تبعثَ الرِّيحُ أَرِيجاً من معهدٍ مَطْمُوسِ
فرَعَى اللهُ بالأجارِعِ عَصْراًمَرَّ أمْسَتْ نجُومُه في طُموسِ
حيث جَوُّ الشبابِ صَحْوٌ وبَحْرُ اللَّهْوِ رَهْوٌ لم أُلْقِ فيه بِروُسِي
ومَحَلِّي بين الأباطِحِ والقبَّةِمن طَيْبةٍ بسُوقِ الرَّسِيسِ
أحمدُ الاسْمِ أحمدُ الخُلْقِ في اللَّهِ غِياثُ المَنْجُودِ والمَلْبُوسِ
شافعُ الأُمَّةِ التي جاء فيهاكنتُمُ من مُهَيْمِنٍ قُدُّوسِ
أوَّلُ الأنْبياء والخاتِمُ العاصِمُ من صَوْلِ صَيْلَمٍ دَرْدَبيسِ
يتَّقِي حَيْدَرٌ وحمزةُ والفْاروقُ فيه إن جَاشَ قِدْرُ الوَطِيسِ
وكذا في المَعادِ عِيسى وإسْحاق وموسى الكَليم مَعْ إدْرِيسِ
وبه يسْألون إن دَمْدَمَ الهَوْلُ تجلِّيهِ في الزمانِ العَبوسِ
وهمُ الفائزون لكنْ لما طَمَّعلى الخلقِ من عذابٍ بَئِيسِ
مُهْطِعين الأعناقَ في موقفِ الرَّهْبَةِ لا يُسْمَعَنْ لهم من نَبِيسِ
فيُنادَى سَلْ تُعْط واشْفَعْ أيا خَيْرَ شفيعٍ في مُسْمَهِرٍ طَبِيسِ
أرْيَحيٌّ بقَصْدِه يَأْنفُ الأخْمَصُ أن يحْتذِي شَواةَ الرُّءُوسِ
نقَل الدَّهْرَ للجوامِعِ والأحْكامِ بعد الأزْلام والناقُوسِ
ترك الذئبَ والغَضَنْفَرَ والشَّاةَ جميعاً من خَوْف غبّ الفَرِيسِ
أيَّد الدِّينِ بالذَّوابل والشُّوسِ المَذاكِي تعدو بِبيضٍ شُوسِ
كل ذِمْرٍ في السِّلمِ هَيْنٍ وفي الحَرْب أبِيٍ يشُقُّ أنْفَ الخَمِيسِ
كعَليٍ وحمزةِ البِشْرِ إن بُدِّلَ بِشْرُ الوجوهِ بالتَّعْبِيسِ
بَيْهَسَىْ غابةِ الوَشِيجِ وطَوْدَيْمَفْخَرٍ في مُؤثّل قُدْمُوسِ
بهما والبَتُولِ والآلِ والسِّبْطَيْنِ والمُخْتبيْن في التَّغليسِ
الإماميْن بالنُّصُوص الشّهيدينِ البريئيْن من صَدَا التَّدْنِيسِ
فَرْقَدَيْ هالةِ السيادةِ وابْنَيْمن خص بالقَواضبِ التَّبخيسِ
ما رعى فيهما رئيسٌ إلى الفِدْيةِ إلاَّ فَضْلاً عن المَرْءُوسِ
وبمن قام في مَقامك يُسْتسْقَى به والمُحلّقِ الدَّعِّيسِ
وبنَجْمَيْك صاحِبَيْك ضَجِيعَيْك ظَهريْك في الرَّخا والبُوسِ
ذا رفيقٌ في الغارِ حِلْفٌ وذا يَنْفِرُ من حَبْسِه شَبَا إبْليسِ
وبِتِلْوِ الاثْنيْن جامعِ أشْتاتِ المَثاني بالرَّسْمِ والتدْريسِ
لم يراقَب للهدى والجيشِ من غَيْرِ فسوقٍ أتَى ولا تَدْليسِ
أدرِكْ أدرِك ذَا غُرْبةٍ وانْفرادٍوسُهادٍ ومَدْمَعٍ مَبْجُوسِ
قد لَقي مِن حَصائدِ النَّفْي ما لاَقَى كُلَيْبٌ فيها غدَاةَ البَسُوسِ
الْوَحَي الْوَحي فذلك مَلْهُوفٌ يُناديك من وَرا طَرَسُوسِ
يا نَبِيَّاه يا وَلِيَّاه يا جَدَّاه يا غَوْثَ ضارعٍ مَوْطُوسِ
أنت إن أعْضَلَ العُضالُ وأعْيَىكُلَّ آسٍ دَواهُ جَالِينوسِي
وإذا ما الخِناقُ ضاق فلم أرْجُ لكَرْبِي إلاّك للتَّنْفيسِ
ولقد جرّد العقول إلى أنلبِسَتْ منه بِزَّةَ المَخْلوسِ
فبِجَدْواك يقلِب السعدُ في الأزْمةِ سَعْداً تحديقَ عَيْنِ النُّحوسِ
يا خَفِيرِي إذا ارْتُهِنتُ وماليغيرُ كُتْبي في مَضْجَعِي مِن أنيسِ
أبِظُلمِ الحَوْبا أُقصِّر عن شَأْوِ جُدودِي وأنت أصلُ غُروسي
حاشَ للهِ أن يقصِّر مَن أفْعم فيكم مَدْحاً بُطونَ الطَّروسِ
فارْتبِطْها من الجِيادِ التي تسْبقُ خَيْلَ الوليد وابن سَدِيسِ
وأجْزِني بُرْداً من الأَمْنِ ما حِيكَ بصَنْعاَ حُسْناً ولا تِنِّيسِ
إن أَرُحْ مُطلقاً من الذنبِ فالتَّغْريضُ وَقْفٌ مُسَلْسَلُ التَّحْبيسِ
أو تناسَى به فَنِاءى وحَقِّيفعلى الحَظِّ دعوةُ المَبْخُوسِ
فأغِثْنِي دُنْيا وأخرَى بمَوْلاكَ ليهَْدا روُعي ويقْوى رَسيسي
لو تشفّعْتَ في سَبَا لعلِمْناأنهم فائزون بالمَحْسُوسِ
فعليك الصلاةُ ما هَجَّر الركْبُ وحَثَّ القِلاصَ للتَّعْرِيسِ
ثم دخل حلب.
قال العرضي: فنزل منها في صدرٍ رحيب، وقابلته بتأهيلٍ وترحيب.
ثم انثالت إليه من أبناء الشهباء عيون أعيانها، من وجوه علمائها وأشرافها، الذين هم إنسان حدقة إنسانها.
انثيال الدر، إلى الواسطة من عقد النحر، واحتفت به احتفاف النجوم بالبدر.
ممن دعاه ناديه فلباه، وحظي بإقبال وجهه وطلعة محياه.
فرأيناه يحاضر بأخبار الطالبين، الحسنيين منهم والحسينيين.
سيما الشريف الرضي، من وجهٍ مذهبه في البلاغة وضي، وطريقه وهو أخو المرتضى مرضي.
ويلهج كثيراً بأخباره، ويحفظ أغلب أشعاره.
قال: فمدحته بقصيدةٍ، مطلعها:
لِلهِ أكْنافٌ بخيفِطابتْ وطال بها وُقوفِي
إلى أن تخلصت إلى مديحه:
وإذا طلبتَ عَرِيفَهمولأَنْت بالفَطِنِ العَرِيفِ
فهُو الشريفُ بنُ الشريفِ بن الشّريفِ بن الشريفِ
فتمايل لدى إنشادها طرباً، وأظهر بها إعجاباً وعجباً.
قائلاً: لا فض الله فاك، وكثر من أمثالك.
فقلت: استجاب الله دعوتك هذه، كما استجابها من جدك رسول الله ﷺ، حين أنشده النابغة الجعدي:
بلَغْنَا السماءَ مَجْدَنا وجُدودَناوإنّا لَنرْجو فوق ذلك مَظْهَرَا
فقال رسول الله ﷺ: " فأين المظهر يا أبا ليلى "؟ قال: الجنة يا رسول الله.
فقال: " قل إن شاء الله ".
ثم قال:
ولا خيرَ في حِلْمٍ إذا لم يكنْ لهبَوادِرُ تَحْمِي صَفْوَه أن يُكَدَّرا
ولا خيرَ في أمرٍ إذا لم يكن لهحليمٌ إذا ما أوْرَد الأمرَ أصْدَرَا
فقال له ﷺ: " لا فض الله فاك ".
فبلغ عمره مائة سنة، لم يتغير له سنٌّ، بل كان أحسن الناس ثغراً.
ثم قصد الشريف أحمد دار السلطنة العلية، قسطنطينية المحمية، فلقي سلطان الوقت إذ ذاك السلطان مراداً بقصيدة فريدة، سأله فيها توليته مكة.
أولها:
ألا هُبِّي فقد بكَر النَّدامَىومَجَّ المَرْجُ من ظَلْمِ النَّدَى مَا
فقيل: إنه أجابه إلى ملتمسه ومراده، وأرعاه من مقصده أخصب مراده.
ولكن مدت إليه يد الهلك، قبل أن ينال الملك.
وقيل: بل أجزل عطاه فقط، فقد طمعه عما تمناه وقط.
ولم يعد إلى مكة، وتوفي في تلك السنة، أو في التي تليها.
وتتمة هذه القصيدة قوله بعد المطلع:
وهيْنمتِ القَبُولُ فضاعَ نَشْرٌروَى عن شِيحِ نَجْدٍ والخُزامَى
وقد وضَعت عَذارَى المُزْنِ طِفْلاًبِمَهْدِ الرَّوضِ تَغْدُوه النُّعامَى
فَهُبِّي وامْزُجِي خَمْراً بظَلْمٍليَحْيَى ما أماتتْ يا أُمامَا
ومُنِّي بالحياةِ على أُناسٍبشمس الرَّاح صَرْعَى والظّلامَا
فكم خَفَر الفوارسُ في وَطِيسٍفتىً منا وما خَفَر الذِّمامَا
وكم جُدْنا على قُلٍ بوَفْرٍوأعْطَيْنا على جَدْبٍ هِجامَا
قوله: وقد وضعت عذارى البيت. المراد بالطفل هو النبت، واستعارة الأم المرضع للمزن، كما وقع في قول الباخرزي، من قصيدة:
وترَعْرَعتْ فيه لَطِيفاتُ الكَلاَرَضْعانَة ضَرْعَ الغَمامِ الغَادِي
ومنه مطلع قصيدة يحيى بن هذيل التجيبي المغربي:
نام طفلُ النَّبْتِ في حِجْرِ النُّعَامَىلاهْتزازِ الطَّلِّ في مَهْدِ الخُزامَى
وهذا البيت مطلع قصيدة من المرقص والمطرب، بل مطلع شمس البلاغة وإن كان قائلها من المغرب.
وبعده
وسقَى الوَسْمِيُّ أغْصانَ النَّقَافهَوتْ تلثمُ أفْواهَ النَّدامَى
كحَل الفَجْرُ لهم جَفْنَ الدُّجَىوغَدا في وَجْنةِ الصبحِ لِثامَا
تحسَبُ البدرَ مُحَيَّا ثَمِلٍقد سقْته راحةُ الصُّبْحِ لِثامَا
حوله الزُّهْرُ كؤوسٌ قد غَدتْمِسْكةُ الليلِ عليهنَّ خِتاما
قوله: كحل الفجر. البيت، ما زلنا في تردد وشبهة في معنى هذا البيت؛ فإنه أسند التكحيل إلى الفجر، وهو لا يلائمه؛ لابيضاضه ونوره، وإنما يلائم التكحيل ما كان أسودَ مظلما، وبعض الأفاضل حمله على أنه في ليلة مقمرة، يغيب القمر فيها لدن طلوع الفجر، فتحدث حينئذ ظلمةٌ يستحق بها الفجر أن يستند التكحيل إليه.
وهو معنى متكلف كما تراه، حتى وقفنا على قول ابن الظهير الإربلي:
وكأنَّ الصباحَ مِيلُ لُجَيْنٍكاحلٌ للظلامِ طَرْفاً كَحِيلاَ
فكان قولاً شارحاً لبيت التجيبي، وصار التكحيل لا غبار عليه بوجه من الوجوه.
وبيت ابن الظهير من قصيدة يصف فيها الفلاة:
جئْتُها والظلامُ راهبُ دَيْرٍجاعلٌ كلَّ كوكبٍ قنْدِيلاَ
أو عظيمٌ للزَّنجِ يقدمُ جَيْشاًقد أعَدُّوا أسِنَّةً ونُصولاَ
وكأنَّ السماءَ رَوْضٌ أنِيقٌنَوْرُه بات بالنَّدى مَطْلُولاَ
ليلةٌ كالغُدافِ لو لم يَرْعُهانارُ فجرٍ ما أوْشكتْ أن تَزُولاَ
وتولَّتْ وأشْهَبُ الصبحِ يتْلُوأدْهمَ الليلِ وانِياً مَشْكُولاَ
ومن تتمة القصيدة:
فيا ملكَ المُلوكِ ولا أُحاشيولا عُذْراً أسوقُ ولا احْتشامَا
أنِفْتُ بأنني ألْقاك منهمبمنزلةِ الرِّجال من الأيامَى
إلى جَدْواكَ كَلَّفْنا المَطايادَواماً لا نُفارِقُها دَوامَا
وجُبْنا أيها الملِكُ المَوامِيإلى أن صِرْنَ من هزلٍ هُيامَا
وذُقْنا الشُّهْدَ في معنى التَّرَجِّيوذُقْنا الصبرَ من جُوعٍ طَعامَا
صَلِينَا من سَموُمِ القَيْظِ نَاراًتكون بنُورِك السَّامِي سَلامَا
وخُضْنا البحرَ من ثَلْجٍ إلى أنحسِبْناه على البِيدِ اللُّكَامَا
وجاوَزْنا العَنان على عِنانٍتسِيرُ بنا ولم تلبثْ شَآمَا
نَؤُمُّ رَحابَك الفِيحَ اشْتياقاًونأمُل منك آمالاً جِسامَا
ومَن قصَد الكريمَ غدا كريماًعلى ما في يديْه ولن يُضامَا
وحاشَا بحرُك الفَيَّاض أنَّانُرَدَّ بُغلةٍّ عنه حِيامَا
وقد وَافاك عبدٌ مُستَمِيحٌنَدَى كَفّيْك والشِّيَمَ الضِّخامَا
وحُسْنُ الظنِّ يقطعُ لي بأنِّيأنالُ وإن سَما منك المَرامَا
فقد نزَل ابنُ ذِي يَزَنٍ طَريداًعلى كِسْرَى فأنْزله شَمامَا
أتَى فَرْداً فآلَ يجُرُّ جيشاًكسا الآكام خيلاً والرَّغامَا
به اسْتبْقَى جميلَ الذكِّرَ دَهْراًوأنت أجَلُّ من كِسْرَى مَقامَا
وسَيْفٌ لو سَما دوني فإنِّيعِصامِيٌّ وأسْمُوه عِظامَا
بفاطمةٍ مع ابْنَيْها وطهوحَيْدَرةَ الذي أشْفَى العِقُامَا
عليهم رحمةٌ تُهْدِي سلاماًيكون لنَشْرِها مِسْكاً خِتامَا
ومن تفاريق شعره، قوله من قصيدة، مستهلها:
كيف العَزَا والفُؤادُ يلْتهبُوالحَيُّ زُمَّتْ لِبَيْنهِ النُّجُبُ
والعينُ عَبْرَى والجسمُ مُمْتَقِعٌوالنفْسُ حَرَّى والعقلُ مُضْطربُ
وهذه أرْبُعٌ بكاظِمَةٍعَفَتْ قديماً فنَدْبُها يجبُ
منها:
وابْكِ زماناً مضَى بها أنُفاًعنِّي فقد أذْهَلتْنِيَ النُّوَبَ
منها:
وبالنَّقا غادةٌ إذا خطَرتْتغارُ منها الأغصانُ والكُثُبُ
كأنها في الأَثِيثِ إن سَفَرتْبدرٌ بسَجْفِ الظلامِ مُحْتجِبُ
وكان ابن عمه الشريف محسن بن حسين يطرب لأبيات الحسين بن مطير، ويعجب بها، وهي:
ولي كبدٌ مَقْروحةٌ مَن يَبيعُنيبها كَبِداً ليستْ بذاتِ قُروحِ
أبى النَّاسُ وَيْبَ الناسِ لا يشْترونهاومَن يشْتري ذا عِلّةٍ بصحيحِ
أحِنُّ من الشوقِ الذي في جَوانِحيحَنِينَ غَصِيصٍ بالشَّراب قَريحِ
فسأل السيد أحمد تذييلها، فقال:
على سالِفٍ لو كان يُشْرَى زمانهُشَرَيْتُ ولكن لا يُباعُ بِروُحِي
تَقضَّى وأبْقَى لاَعِجاً يسْتفِزُّهتألُّق بَرْقٍ أو تنسُّمُ رِيحِ
وقَلْباً إلى الأطْلالِ والضَّالِ لم يزَلْنَزُوعاً وعن أفْياهُ غيرَ نَزُوحِ
فليت بذاتِ الضَّالِ نُجْبُ أحِبَّتِيطِلاحٌ فنِضوُ الشوقِ غيرُ طَلِيحِ
يُجشِّمُه بالأبْرَقَيْنِ مُنَيْزِلٌوبَرْقٌ سَرى وَهْناً وصوتُ صَدُوحِ
وموقفُ بَيْنٍ لو أرى عنه مَوْلِجاًوَلَجْتُ بنفسِي فيه غيرَ شَحيحِ
صَرَمْتُ به رَبْعِي وواصلتُ أرْبُعِيوأرْضيْتُ تَبْريحِي وعِفْتُ نَصِيحي
وبايَنْتُ سُلْواني وكلَّ مُلَوّحٍولاءَمْتُ أشْجانِي وكُلَّ مَلِيحِ
وكلَّفْتُ نفسِي فوق طَوْقِي فلم أُطِقْلِعَدِّ سَجايا مُحْسِنٍ بمديحِ
ومما قاله في تغربه:
أتَتْنِيَ سَلْمَى وهْي غَضْبَى أسِيفَةٌتُساقِطُ ياقوتاً على فضةِ النَّحْرِ
تقول أمَا هذا المُقامُ ببلدةٍغريباً على سَخْتِ النوائبِ والسُّمْرِ
أما تذكُر البَطْحاءَ والبيْتَ والصَّفاومنزةَ الوُفَّادِ بين بني فِهْرِ
فقلتُ لها والطَّرْفُ تَدْمَى كُلومُهوقلبِيَ من لَذْعِ الكَلامةِ في جمْرِ
ألا فارْبَعِي عنِّي وعِي القولَ واسْمعِيوتُوجِعي المحزونَ باللَّوْمِ والهجْرِ
إذا جاء نصرُ اللهِ والفَتْحُ بعدَهفتبَّتْ يدُ الأحْزابِ في زمنِ الكُفْرِ
وإنِّي على بُعْدِ المَزارِ وقُرْبِهعزيزٌ على هامِ السِّماكيْن والنَّسْرِ
وله:
ألا ليت شِعْرِي هل أُلاقيكَ مَرَّةًوصوتَ: قبل الموتِ هل أنا سامعُ
فيا دَهْرَنا للشَّتِّ هل أنت جامِعٌويا دهرَنا بالوصلِ هل أنت راجعُ
وقال مخاطباً عمه الشريف إدريس، وقد رأى تقصيراً منه في حقه:
رأيتُك لا تُوفِي الرِّجالَ حُقوقَهمْتوَهَّم كِبْراً ساء ما تتوهَّمُ
وتزعُم أنِّي بالمَطامِع أرْتضِيهَواناً ونَفْسِي فوق ما نِلْتَ تزْعُمُ
وما مَغْنَمٌ يُدْنِي لِذُلٍ رأيتَهفيُقْبَلُ إلاّ وهْو عنديَ مَغْرَمُ
وأخْتارُ بالإعْزازِ عنه مَنِيَّةًلأنِّي من القومِ الذين هُمُ هُمُ
المصراع الأخير صدر أبيات أبي الطمحان القيني، أورد المبرد في كامله، والشريف المرتضى في أماليه، وصاحب الحماسة البصرية منها أربعة أبيات.
وهي:
وإنِّي من القومِ الذين هُمُ هُمُإذا مات منهم سيِّدٌ قام صاحبُهْ
نجومُ سماءٍ كلَّما غابَ كوكبٌبَدا كوكبٌ تأْوِي إليه كواكبُهْ
أضاءتْ لهم أحسابُهم ووجوهُهمدُجَى الليلِ حتى نظَّم الجِزْعَ ثاقبُهْ
وما زال منهم حيث كانُوا مُسوَّدٌتَسِيرُ المَنايا حيث سارتْ كتائبُهْ
وأورد أبو تمام، في حماسته منها ثلاثة أبيات.
وهي:
إذا قيل أيُّ الناسِ خيرٌ قبيلةًوأصبرُ يوماً لا تَوارَى كواكبُهْ
فإنَّ بني لاَم بن عمرٍو أَرُومةٌسمَتْ فوق صعبٍ لا تُنال مَراقبُهْ
أضاءتْ لهم أحسابُهم....................................إلخ
وله في الغزل:
أفي المَضارب أسيافٌ وأجْفانُتصولُ أم هيَ ألْحاظٌ وأجْفانُ
أحَنَّتِ العِيسُ أم نَوْحُ الحمائمِ أمنسيمُ نَجْدٍ توالتْ منه أشْجانُ
لا بل هو الشوقُ يدعو الصَّبَّ نحوَهمُفيستجِيبُ لهم قلبٌ وجُثْمانُ
وكيف وهْو قَوِيُّ القلبِ لا سِيَمَاوجُنْدُه خُرَّدٌ غِيدٌ وغِزْلانُ
طاب الزمانُ به والعَيْشُ وابْتجَتْأوقاتُنا وكذا الأيامُ تَزْدانُ
هُم الأحبَّةُ إن جارُوا وإن عَدَلُواوهُم حُلولُ فؤادِي أينما كانُوا
وله في مغنٍ:
برُوحِيَ مَن غَنَّى ورَوضةُ خَدِّهمُخضَّبةٌ مُخضَلَّةٌ من دمِي غَنَّا
وأهْدَى لنا وَرْداً وبَاناً ونَرْجِساًولم يُهْدِ إلاّ القَدَّ والخَدَّ والجَفْنَا
وله في روض:
انْظُر إلى الروضِ كَساه الحَيَامَطارِفاً ضاع شَذاها الأرِيجْ
واهْتزَّتِ الأرضُ إلى أن رَبَتْوأنْبتتْ من كلِّ زَوجٍ بَهِيجْ
السيد عمار بن بركات بن جعفر بن بركات هو لأبنية المكارم عمار، ولمجتديه بمواهبه الدارة غمار.
أصلٌ كعمود الصبح في الإنارة، وطبعٌ كالأغر المحجل في الإثارة.
أحد فرسان الكلوم والكلام، وأحد حملة السيوف والأقلام.
سمعت له أشعاراً هي غايةٌ في الحسن، يجلو رونق ديباجها القلب من الحزن.
فعرفت أنه أحق حقيقٍ بأن يذكر، وأخلق في كل خليقٍ بأن تتلى آياته وتشكر.
وكان دخل البلاد الهندية، وتفيأ ظلال أندية ملوكها الندية الندية.
فما لبث أن تعلقت فيه خطاطيف الظنون، وطارت به عنقاء المنون.
وقد أثبت له ما تستهل البراعة من براعة استهلاله، ويؤذن بالسحر الذي لا حرج في القول باستحلاله.
فمنه قوله، مذيلاً بيت أبي زمعة جد أمية بن أبي الصلت ومادحاً النظام ابن معصوم:
اشربْ هنيئاً عليك التَّاجُ مُرْتفِقاًفي رأسِ غُمْدانَ داراً منك مِحلالاَ
تسْعَى إليك بها هَيْفاءُ غانيةٌمَيَّاسةُ القَدِّ كَحْلاَ الطّرْفِ مِكْسالاَ
إذا تثنَّتْ كغُصْنِ الْبانِ من تَرَفٍوإن تجلّتْ كبدرٍ زان تِمْثالاَ
كأنها وأدام اللهُ بَهْجَتهاشمسٌ على فَلَكٍ إشْراقُها طالاَ
وكيف لا وهْي أمْسَتْ ساحِبَةًبِخِدْمةِ السيِّد المِفْضالِ أذْيالاَ
ذاك الذي جَلَّ عن تَنْوِيهِ تَسْمِيةٍشمسٌ عَلَتْ هل تَرى للشمسِ أمْثالاَ
الباسمُ الثّغرَ والأبْطالُ عابِسَةٌوالباذلُ المالَ لم يُتْبِعْه أنْكالاَ
عَارٍ من العْارِ كَاسٍ من مَحامِدِهلا يعرفُ الخُلْفَ في الأقوالِ إن قالاَ
إن قال أفْحَم نَدْبَ القومِ مِقْوَلُهُأوصال أخْجَل لَيْثَ الغابِ إن صَالاَ
عَلاَ به النّسَبُ الوَضّاحُ مَنْزِلةًعن أن يُماثَل إعْظاماً وإجْلالاَ
خُذْها رَبِيبةَ فِكْرٍ طالَما حُجِبتْلولا عُلاك ووُدٌّ قَطُّ ما حالاَ
واسْمَحْ بفضلِك عن تقْصيرِ مُنْشِئِهاوحُسْنُ بِشْرِك لم يبرَحْ بها فَالاَ
قلت: وقد عارض البيت المضمن بعض الشعراء، مخاطباً عبد الله بن طاهر، حيث قال:
اشْرَبْ هَنِيئاً عليك التَّاجُ مُرْتَفِقاًبالشَّاذِياخِ ودَعْ غُمْدانَ لليَمنِ
فأنتَ أوْلَى بتاجِ المُلْكِ تلْبَسهُمن هَوْذَة بن عَلِيٍ وابنِ ذِي يَزَنِ
وقصر غمدان باليمن، بناه ليشرح بأربعة وجوه؛ أحمر، أخضر، وأبيض، وأصفر، وبنى داخله قصراً بسبعة سقوف، بين كل سقفين أربعين ذراعاً، وهو أحد الأبنية الوثيقة للعرب، يتمثل بها في الحصانة والوثاقة.
وقال بعض شراح المقصورة الدريدية، عند شرح قوله:
وسَيْفٌ اسْتعلَتْ به هِمَّتُهُحتى رمَى أبعَدَ شَأْوِ المُرْتَمَى
فجرَّع الأُحْبُوشَ سَمَّاً ناقِعاًواحْتَلَّ مِن غُمْدان مِحْرابَ الدُّمَى
ما صورته: غمدان بناءٌ بصنعاء، لم يدرك مثله، هدمه عثمان بن عفان في الإسلام وله رسومٌ باقيةٌ إلى اليوم، والمحراب: الغرفة بلغتهم.
وغمدان: قصر بناه النعمان بن المنذر.
والشاذياخ: اسم نيسابور، وقريةٌ بمرو، كذا في القاموس، ووجد على حاشية مكتوبٌ بخط بعض فضلاء الشام على هامش القاموس صورتها: بل اسم مدينةٍ بخراسان، قرب نيسابور وكانت بستاناً لعبد الله بن طاهر بن الحسين، ذكر في تاريخ نيسابور أنه لما نزل عبد الله بها، نزلت عساكره في دور أهلها، فرأى امرأةً حسناء تسقي فرس جندي، فقال: ما شأنك، لست أهلاً لهذا؟! فقالت: هذا فعل عبد الله بن طاهر.
فغضب، ونادى في عسكره: من بات في المدينة حل ماله ودمه.
وسار إلى الشاذياخ، وبنى بها قصراً، وبنى الجند حوله، فعمرت، وكانت من أطيب البلاد تربةً وهواء.
وكتب إلى النظام المذكور، يخاطبه بقوله:
زُرْتُ خِلاّ صَبيِحةً فحبانِيبسُؤالٍ أشْفَى وأرْغَم شَانِي
قال لمَّا نظرتُ نُورَ مُحَيَّاهُ ونِلْتُ المُنَى وكلَّ الأمانِي
كيف أصْبَحتَ كيف أمْسَيْتَ مِمَّايُنْبِتُ الحُبَّ في قلوب الغَوانِي
فتحرَّجْتُ أنْ أفُوه بما قدكان مِنِّي طَبْعاً مدَى الأزْمانِ
يا أخا المَجْدِ والمَكارم والفَضْلِ ومَن لا أرى له اليومَ ثَانِي
أدْرِك أدْرِك مُتَيَّماً في هواكُمْقبلَ تَسْطُو به يَدُ الحِدْثانِ
وابْقَ واسْلَمْ مُمَتَّعاً في سُرورٍما تغنَّتْ وُرْقٌ على غُصْنِ بَانِ
فراجعه بقوله:
ليت شِعْرِي متى يكون التَّدانِيلبلادٍ بها الحِسانُ الغوانِي
وبها الكَرْمُ مُثْمِرٌ والأَقاحِيضحِكتْ عن ثُغورِ زَهْرٍ لِجَانِ
والبساتينُ فائحاتٌ بِعِطْرٍيُخْجِلُ العَنْبَرَ الذَّكِيَّ اليَمانِي
وطيورٌ بها تَجَاوَبْنَ صُبْحاًوعَشِيّاً كنَغْمةِ العِيدانِ
وبألْحانِها تُذِيبُ ذَوِي اللُّبِّوتُحْيي مَيْتاً من الهِجْرانِ
وتَمشَّى بها الظِّباءُ الْحَوالِيمائساتٍ كناعمِ الأغْصانِ
كلُّ خَوْدٍ تسْطُو بلَحْظِ حُسامٍوتَثَنٍ كما القنا المُرَّانِ
وَجُهها الصبحُ لكنِ الفَرْعُ منهاليلُ صَبٍ من لَوْعةِ الحبِّ فانِ
غادةٌ كالنُّجُومِ عِقْدُ طلاهاما الَّلآلِي وما حُلَى العِقْيانِ
إنَّ ياقوتَ خَدِّها أرْخَص الْياقوتَ سِعْراً وعاب بالمَرْجانِ
كلُّ يوم يُقْضَى بقُرْبٍ لَديْهافهْو يومُ النَّوْروزِ والمِهْرجانِ
منها:
تلك مَن فاقتِ الظِّباءَ افْتناناًفلذا وَصْفُها أتى بافْتِنانِ
ما لِمُضْنىً أُصِيب من أسْهُم اللَّحظِ نجاةٌ من طارقِ الحِدْثانِ
أذْكرتْني أيامَ تلك وأغْرَتْأعْيُنِي بالبكاءِ والهَمَلاَنِ
نَفَثاتٌ كالسِّحْر يَصْدَعْنَ في قَلْب مُعَنّىً من المَلامةِ عَانِ
ومنها:
كلماتٌ لكنَّها كالدَّرارِيوسطورٌ حَوَتْ بديع المَعانِي
إذْ أتتْ من أخٍ شقيقِ المَعاليفائقِ الأصْلِ غُرَّةٍ في الزَّمانِ
ضَافِيَ الوُدِّ صافِيَ القلبِ قَرْمٌكعبةٌ قد عَلا على كِيوانِ
ذاكراً لِيَ فيها تزايدَ شَوْقٍووُلوعاً بها مدَى الأزْمانِ
ففهِمْتُ الذي نَحاهُ ولكنْليت شِعْرِي يَدْرِي بما قد دَهاني
أنا قيسٌ في الحُبِّ بل هُو دونِيلا جميلٌ حالي ولا كابْنِ هانِي
يا أخا العَزْمِ قد سَلِمْتَ ووَجْدِيطافحٌ زائدٌ بغيرِ تَوانِ
فلِحَتْفِي أبصرتُ مَن قد رَمانيوعَناءٌ تَصَيُّدُ الغِزْلانِ
إن تشأْ شَرْح حالِ صَبٍ كئيبٍفلقد قاله بديعُ المَعانِي
مَرَضِي من مَريضةِ الأجْفانِعَلِّلاني بوَصْلِها عَلِّلانِي
البيت الأخير مشهور، وهو مطلب قصيدةٍ للشيخ الأكبر، قدس الله سره الأنور.
الإمام عبد القادر بن محمد الطبري إمام الإئمة، وعالم هذه الأمة.
فضائله يقل عند عدها رمل يبرين، ومحامده يتضاءل لديها مسك دارين.
وهو من الرتبة المكينة، والمهابة التي جملت الوقار والسكينة.
في محلٍ اتخذ المجرة ممشى، والفلك الأطلس عرشا.
ثم إذا اعتبر حاله من أرقامه، شهد الوصف بأن ذلك دون مقامه.
وأما تصلبه في أمر الدين، فهو فيه من أعظم الراشدين والمرشدين.
إلى بلاغة وبراغة، أعجز بهما فرسان اليراعة.
وقد أثبت له ما يقوم بالحجة.
فمن ذلك قوله من قصيدة يمدح بها الشريف حسن بن أبي نمى:
بَدَتْ تجُرُّ ذُيول التِّيهِ والُخيَلاَفي روضةِ العُجْبِ حتى قلتُ حَيَّ عَلَى
خَوْدٌ تُجرِّد بِيضاً من لَواحظِهافتتركُ الأُسْدَ في ساحاتِها قتلاَ
وتنْثَني بقَوامٍ زَانَه هَيَفٌفتُخْجِلُ الغُصْنَ تَعْدِيلاً كذا مَيَلاَ
ما أطلْعتْ لِي هلالاً من مُبَرْقَعِهاإلاّ وعايَنْتُه بَدْراً فلا أفَلاَ
ولا رَنَتْ لي بلَحْظٍ فَتْرةً كَسَلاَإلاّ وقد بعثتْ خوفَ الحشاَ رُسُلاَ
يا حُسْنَها من فتاةٍ حَلَّ مَبْسَمُهاظَلْمٌ يفوق على لَذَّاتهِ عَسَلاَ
ورَصَّعَتْه لآَلٍ حولَ مَنْبَتِهازُمُرُّدُ الوَشْمِ ياللهِ ما فَعَلاَ
ناديتُها ورماحُ الحيِّ مُعْلَنةًيا ظَبْيةَ الحَيِ هل ما يُبْلِغُ الأمَلاَ
لِوَالِهٍ عبثَتْ أيْدِي الغرامِ بهأما تَرَىْ شأنَه أن يُبْدِعَ الغَزَلاَ
قالتْ صدقْتَ ولكنْ ذاك تَوْطِئَةٌلِمَدْحِ أفضلِ مَن في الأرضِ قد عَدَلاَ
السيِّدِ الحسَنِ المَلْكِ الهُمامِ ومَنتراه بالحقِّ للجَوْزاءِ مُنْتعِلاَ
سلطانُ مكّةَ حامِي البيتِ مَن شهِدتْبعَدْلِه الأرضُ لمّا مَهَّد السُّبُلاَ
مُؤيِّدُ الدِّين بالعَزْمِ الذي اقْتربَتْبه السَّعاداتُ في حالاتِه جُمَلاَ
لَيْثُ الكتيبةِ مُرْوِي المشْرَفيَّةِ مِندمِ العِدَآ مَنْهَلاً إذْ أرْعَف الأسَلاَ
صادَ الصَّناديدَ يوم الحربِ ما بَطَلٌرأَى عَجائبَه إلاَّ وقد بَطَلاَ
كم ذا أبانَتْ عن العَلْياءِ هِمَّتُهوكم أبادتْ مَعالِي عَزْمِه رَجُلا
وكم مَحا سيفُه أهلَ الفَسادِ وأرْبابَ العِنادِ فجارَى سيفُه الأَجَلاَ
فأصبحُوا لا تُرَى إلا مَساكنُهمْبَلاقِعاً قد كَساها الذُّلُّ ثَوب بِبلى
وليس بِدْعاً فهذا شأْنُ والدِهعليٌّ المُرْتَضى السامِي بفضْلِ وَلاَ
فسَلْ حُنَيْناً وسَلْ بَدْراً وسَلْ أُحُداًوالنّهْرَوانِ وسَلْ صِفَّينَ والجَمَلاَ
فيا ابنَ طه عَلَوْتَ الناسَ قاطبةًوجَلَّ قَدْرُك أن تَحْكِي له مَثَلاَ
هل أنتَ مَلْكٌ عظيمُ الخَلْقِ أم مَلَكٌأبِنْ فأمْرُك هذا حَيِّرَ العُقَلاَ
وقوله من أخرى يمدحه بها، وأولها:
رَبْرَبُ الأخْدارِ من شَمَمِهْلا يُراعِي النَّقْضَ في ذِمَمِهْ
حجَب الأبْصارَ رُؤْيتُهوتجلَّى في خِبَا خِيَمِهْ
وأرى أحْبابَ حَضْرتِهغَضَباً ما كان من شِيَمِهْ
ما يراه حالَ نُفْرتِهغيرُ مَن بارَى بسَفْكِ دَمِهْ
زُرْتُه والعَزْمُ يُسْعِفنيآمِلاً منه ابْتسامَ فَمِهْ
جُنْحُ ليلٍ مُسْفِرٌ بسَنَاطَلْعةِ المَأْمولِ عن ظُلَمِهْ
فحَدانِي عَرْفُ ساحتِهوهَدانِي مُرْتقَى أَكَمِهْ
فبدَا لي في الحجابِ فمِنفَرْقِهِ نُورٌ إلى قَدَمِهْ
هو للرَّائِي مُعايَنةًمثلُ طَيْفِي مَرّ في حُلُمِهْ
هِمْتُ من حُبِّي له زَمَناًفي رُبا نَجْدٍ وفي سَلَمِهْ
أنْظِمُ الآدابَ من غَزَلٍأُسْنِدُ الإعْجازَ عن كَلِمِهْ
لِنَسِيبٍ في المديحِ يُرَىحَسَناً عند اجْتِنا نِعَمِهْ
سَيِّداً من آل حَيْدرةٍوعَرِيقاً باقْتِفَا عِصَمِهْ
وحكيماً في مَمالكِهقَطُّ ما انحَلتْ عُرَى حِكَمِهْ
فاق قُسّاً في فَصاحتِهوسَما الطَّائِيَّ في كَرَمِهْ
وابْنُ سُعْدَى لو يُقاسُ بهكان مَطْروحاً بمُلْتَزِمهْ
هَزَّه للمَكْرُماتِ سَنَاعُنْصِرٍ منه انْتِها هِمَمِهْ
كيف لا يهْتزُّ مُغْتبِطاًوكتابُ اللهِ في عِظَمِهْ
وملوكُ الأرضِ قاطبةًكلُّهم واللهِ مِن خَدَمِهْ
جَدُّه طه الشَّفيعُ لنافَوْزُ مَن يأْوِي إلى عَلَمِهْ
طِبْتَ نفساً يا مليكُ بهفي غَدٍ طُوبَى لِمُعتْصِمِهْ
أُمُّك الزَّهْراءُ إبْتتُهوابوك السِّبْطُ من رَحِمِهْ
أيَّد الرحمنُ قِبْلَتهُبك واسْتَحْمَى حِمَى حَرَمِهْ
وحَباك المجدَ أجْمَعهحيثما ذَبَّيْتَ عن حُرُمِهْ
قَسَماً باللهِ يُقْسِمُهعبدُ بِرٍ بَرَّ في قَسَمِهْ
إنَّك المَهْدِي وحُجَّتُهعَدْلُك المعدودُ مِن قسمِهْ
يا أميرَ المؤمنين ويا مَنشاد بالعَلْيَا على أُطُمِهْ
خُذْ مَديحاً كلُّه دُرَرٌجاء يسْعَى نحو مُسْتَلِمهْ
هَزأتْ بالفَجْرِ غُرَّتُهحيث لاحَتْ من دُجَى لِمَمِهْ
نَظْمُ عبدٍ نَثْرُ مَدْحِك مازال يُرْوَى عن حِجَى قَلَمِهْ
دُمْتَ مولاه وسيِّدَهما شَدا القُمْرِيُّ في نَغَمِهْ
ووقف على قول البدر الدماميني:
يا ساكني مكة لا زلْتُمأُنْساً لنا إنِّيَ لم أنْسَكُمْ
ما فيكمُ عَيْبٌ سِوَى قَوْلِكمْعند اللِّقا أوْحَشَنَا أُنْسُكُمْ
فقال مجيباً:
ما عَيْبُنا هذا ولكنَّهمِن سُوءِ فَهْمٍ جاءَ مِن حَدْسِكُمْ
لم نَعْنِ بالإيحاشِ عند اللِّقابل ما مضَى فابْكُوا على نَفْسِكُمْ
وحذا حذوه ولده زين العابدين، فقال:
يا مُظْهِرَ العَيْبِ على قَوْلِناعند اللِّقا أوْحَشَنا أُنْسُكُمْ
ما قَصْدُنا ما قد جَنَحْتُم لهمن خطأٍ قد جاء في فَهْمِكُمْ
فقَوْلُنا المذكورُ جارٍ علىحَذْفِ مُضافٍ غاب عَن حَدْسِكُمْ
والقَصُدُ فَقْدُ الأُنْسِ فيما مَضَىلا ضِدُُّّه الواقِعُ في وَهْمِكُمْ
فالأُنْسُ لم يُوحِش بلَى فَقْدُههو الذي يُوحِش مِن مِثْلِكُمْ
وبعد أن بان لكم فاجْزِمُوابنِسْبةِ العَيْبِ إلى نَفْسِكُمْ
ولما وقف على ما قالاه أحمد بن عبد الرءوف، قال مجيباً ومعتذراً عن الدماميني:
صَوْناً مَوالِي الفضلِ بين الورَىللبدرِ أن تُدْرِكَه شَمْسُكمْ
وجَلِّلوه بعَباءِ الإِخَافإنه الأنْسَبُ من قُدْسِكُمْ
فإنه الكنزُ وبُنْيانُهمُؤسَّسٌ قِدْماً على أُسِّكُمْ
كأنه أضْمَر أن شَأنَكُمْصِناعةُ الإِبْهامِ في لَفْظِكُمْ
فاسْتعمَلَ النَّوَع الذي أنْتُمُأدْرَى به كي يُجْتَنى غَرْسُكُمْ
ولم يسَعْه كونهُ مُنْكِراًلِمثل هذا الحِذْقِ من مثلِكُمْ
فإنَّ هذا سَائغٌ شائِعٌبُرْهانُه أوْحَشَنا أُنْسُكُمْ
ولده علي الإمام ابن الإمام، والقطر ابن الغمام.
نشأ في كفالته بذاخ المربض والعري، شامخ الأنف بذلك الوالد أشم العرنين.
أرتعه معه في روضه، وسقاه بيده من حوضه.
حتى بلغه رتبةً تتقاعس عنها رتبة التمني، واعتنى به فأوصلها إليه بغير مشقة التعني.
فقام مقامه في الإمامة والتدريس، وانتصب للفتيا على مذهب الإمام محمد بن إدريس.
وألف وصنف، وقرط الأسماع بلآليه وشنف.
وهو في الأدب ممن سبق وفات، وجمع على أحسن نسقٍ كل متفرقٍ رفات.
وله نظمٌ كانتظام الأحوال، ونثرٍ تعرف منه كيف تشتبه الجواهر بالأقوال.
فمن نثره، ما كتبه إلى القاضي تاج الدين المالكي مسائلاً: سيدنا المقتدى بآثاره، المهتدى بأنواره.
إمام محراب العلوم البديعة، وخطيب منبر البلاغة التي أضحت مذعنةً له ومطيعة.
قمر سماء المجد الأثيل، فلك شمس فخر كل ذي مقام جليل.
المميطة يد بيانه حواجز الأشكال عن وجوه المعاني، المعترف بمنطقه الفصيح القاصي من هذه الأمة والداني.
عمدة المحققين قديماً وحديثاً، ملاذ المدققين تفسيراً وتحديثاً.
الصاعد معارج العليا بكماله، المنشد في مقام الافتخار لسان حاله:
لنا نفوسٌ لِنَيْلِ المجدِ راغبةٌولو تسَلَّتْ أسَلْناها على الأسَلِ
لا ينْزِل المجدُ إلاَّ في مَنازِلناكالنَّوْمِ ليس له مَأْوىً سِوى المُقَلِ
والقائل عند المُجادلة في مَقام المباهلة:
نحن الذين غَدَتْ رَحَى أحْسابِهمْولَها على قُطْبِ الفَخارِ مَدارُ
المملوك يقبل الأرض التي ينال بها القاصد ما يؤمله ويرتجيه، وينهي أنه نظم بعض الجهابذة الأعيان بيتين في التشبيه.
والسبب الداعي لهما، والمعنى المقتضى لنظمهما.
أنه أبصرت العين ظبياً يرتع في رياضه، ويمنع بسيوف لحاظه عن ورود حياضه.
يرى العاشق سيآته حسناتٍ جاد بها وأحسن، ويعترف له بالحسن كل حسنٍ في الأنام وابن أحسن.
بدا وهو الجوهر السالم من العرض، وظهر وعليه أثرٌ من آثار المرض.
فأراد المشبه تشبيهه في هذه الحالة، فشببه بغصنٍ ذابلٍ قائلاً لا محالة.
ونظم ذلك المعنى، فشدا بما قاله صادح الفصاحة وغنى.
وهو:
بَدا وعليه أثْرٌ مِن سَقامِكمكْحولٍ من الآرامِ ساهِي
فخُيِّل لي كبدرٍ فوق غُصْنٍذوَى للبُعْدِ من قُرْبِ المِياهِ
فاعترض معترضٌ عالم بالإصدار والإيراد، قائلاً: إن البيت الثاني لا يؤدي المعنى المراد.
إذ القصد تشبيهه بالغصن الموصوف، وليس المراد تشبيهه بالبدر فالبدر لا يوصف إلا بالخسوف.
فطالت بين المعترض والمعترض عليه المنازعة، ولم يسلم كل واحد منهما للثاني ما جادل فيه ونازعه.
فاختارا القاضي الفاضل حكماً، ورضيا سيدنا حاكماً ومحكماً.
فليحكم بما هو شأنه وشيمته من الحق، وليتأمل ما عسى أن يكون قد خفي عن نظرهما ودق.
والأقدام مقبلة، وصلى الله على سيدنا محمدٍ ما هبت الريح المرسلة.
فأجابه بقوله: سيدنا الإمام الهمام، الذي أضحى علم الأئمة الأعلام.
الإمام المقتدى به وإنما جعل الإمام، الحبر الذي قصرت عن استيفاء فضائله الأرقام " ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلام ".
وارث الجلالة عن آبائه الذين زهت بذكراهم الأخبار والسير، المقيم من نفسه العصامية على ذلك أوضح دلالةٍ يصدق فيها الخبر الخبر.
الحري بما استشهد به في شأن المملوك، السالك من الكمال طريقةً عز على غيره فيها لعزتها السلوك.
يقبل المملوك الأرض بين يديه، ويؤدي بذلك ما هو الواجب عليه.
وينهي وصول المثال العالي، الفائقة جواهر كلماته على فرائد اللآلي.
يتضمن السؤال عن بيتي ذلك الجهبذ، في الشأن الذي قضى حسنه أن تسلب الأرواح وتؤخذ.
ومنع حبه الكلام الألسن، وكان الدليل على ذلك اعتراف ابن أحسن.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع