من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (١٢)
وأنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدِّين أبا البركات المبارك بن أحمد المستوفي –رحمه الله تعالى-:
أنكرت ما بي ولكن دمعي اعترفاإذ خان صبري وطرفي بالدُّموع وفى
فرحت إذا ظهرت سرِّي الدُّموع أخاتهتُّك في الهوى مستهترًا كلفا
إني لاستعذب التَّعذيب من قمرٍلم يعره النَّقص في حسن ولا انكسفا
/ أ/ ريمٌ رنا فرمى عن قوس حاجبهسهمًا فصادف أحشائي لها هدفا
فيا له يوسفي الحسن حاز من الــجمال أنواعه واستكمل الطرُّفا
لدن المعاطف مثل الغصن قامتهلكن على عاشقيه قلَّما انعطفا
عذب الرُّضاب شهيُّ الرِّيق يحسبهالصَّهباء والشَّهد طعما من له رشفا
قويم قدٍّ إذا ما ماس من هيفٍيعلَّم اللُّدن الخطِّيَّة الهيفا
أنكرته ما ألاقي من محبتهفقال: أنكرت من بالحال قد عرفا
ستقرع السنَّ إذا انكرت حبَّك ليعلى الَّذي أنت راج في الهوى أسفا
وسوف تصبح إذا رمت الشَّفاء من الــغرام بي بعد ذا الإنكار حلف شفا
فقلت أترك حبًا أنت تملكنيبه وأمدح خير العالم الشَّرفا
أعني أبا البركات الأريحيَّ ومنبجوده الغمر كلٌّ راح مغترفا
خير الورى الماجد المأمول والنَّدس الَّـذي حوى العزَّ في الأيَّام و
ممجَّدًا من أناس في العلا لزموالغامر الجود في بذل النَّدى السَّرفا
إذا نزلت بهم يومًا لحادثةعرتك ألفيت منهم سادةً رؤفا
قومٌ مناقبهم مثل النُّجوم وقدحباهم الله منه الفخر والأنفا
إذا جرى ذكرهم في محفل فغم الــعبير أدخلت فيه روضةً أنفا
/ ب/ تبارك الله ما أجراهم سبقاًإلى المعالي إذا ما غيرهم وقفا
هم أنجمٌ وابن موهوب سهيلهم الَّــذي لناظر شانيهم قد اختطفا
كريم قومٍ إذا عدَّ الكرام غداأممهم إثره كلٌّ تلا وقفا
فيه يجمع ما في النَّاس مفترقٌفأيُّ وصفٍ جميلٍ ما به وصفا
وأنشدني قوله يهجو أمراء إربل:
أمراء إربل كلُّهم نسقٌما فيه من عنده كرم
قصرت به عمَّا يطول إلىكسب الثَّناء بمثله الهمم
وتكاد لو قطعت أناملهممن شحِّها أن لا يشحَّ دم
وأنشدني لنفسه في الأمير عز الدين محمد بن بدر الحميدي الكردي:
من مبلغٌ لابن بدر غير مكترثعنِّي مقالة مشهور من الدُّول
أنفقت من عمري في غير فائدةٍيوماً ببابكم واخيبة الأمل
وأنشدني قوله:
إنَّ ابن آدم إن أضحى وليس لهقوتٌ وأمسى ضعيف البطش والجلد
للموت خيرٌ له إذ عيشه نكدٌمن الحياة ولو دامت مع الأبد
/ أ/ وأنشدني من شعره لنفسه:
يا مليكاً له نواله ينشر العامي وقد كان قبل عظماً رفاتاً
شرف الدِّين بحر نعماك أضحىلجميع الورَّاد عذباً فراتاً
أنا ميتٌ وأنت عيسى ومن معــجز عيسى أن يحيي الأمواتا
وأنشدني لنفسه ملغزاً، في فص النرد:
وأسمر الجسم غرَّار يهام بهمسدَّس الشَّكل فيه النَّفع والضَّرر
أفعاله قدريَّاتٌ فصاحبهلم ينجه منه في تصريفه القدر
وأنشدني لنفسه أيضاً:
وقائل قم إلى رزق تحصِّلهفقلت دعني فإنَّ الرِّزق مقسوم
ما كان لي سوف يأتيني فما لي والــحرض الَّذي هو عند النَّاس مذموم
محمَّد بن يحيى بن الفضل بن يحيى بن عبد الله بن القاسم بن
المظفر بن عليٍّ، أبو حامد بن أبي طاهرٍ الشهرزوريُّ الموصليُّ.
أخبرني أنه؛ ولد ثامن عشر شهر رمضان ب/ سنة تسعين وخمسمائة. من أبناء القضاة المشهورين. وكان والده قاضي الجزيرة العمرية.
وهم أهل بيت أشهر من أن ينبه على محله في الجلالة والمكانة في العلم والجاه، وانتشر ذكرهم في الأقطار.
وأبو حامد تفقّه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ بالموصل وبغداد، ونظم شعراً كثيراً، فأجاد وأحسن. مدح الرؤساء والأمراء والملوك، وهو شاب جميل له رواء ومنظر، يتزيا بزيّ الجند؛ فيه لطافة، لقيته بمدينة السلام، متوجهاً [إلى] بيت الله الحرام- حرسه الله تعالى- سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى المولى الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، نصير أمير المؤمنين –أدام الله سلطانه-:.
ألا يا مالكاً عمر البرايابسيب نواله الجمِّ الغفير
أتيتك مستجيراً بعد ضرٍّفهل لك في إجارة مستجير
عددتك للنوائب خير ذخرٍوها أنا في يديها كالأسير
فلا تشمت بي الأعداء إنِّيعلى أعداك كاللَّيث الهصور
/ أ/ وسوف أصدِّق الدَّعوى بيومٍعبوس في الكريهة قمطرير
وليس يطول للإنسان ذيلٌإذا ما خاف من أجلٍ قصير
وأنشدني أيضاً لنفسه:
وليلة أقبلت كالبذر نشوىيميِّل عطفها مرُّ الرِّياح
تعاطيني كؤوس الثَّغر لمَّاحماها الثَّغر بالبيض الصِّفاح
فأرشف من مراشفها الحُميَّاوالثم من ملثَّمها الأقاحي
وجيش اللَّيل مهزومٌ وأيديكواكبه تطرِّق للصباح
يقوم الدِّيك كالنشوان فيهاليوقظنا بتصفيق الجناح
ينادي للصباح إذا غفلناعن الأقداح: حيَّ على الفلاح
فنبتكر السُّلاف بكفِّ بكرٍمهفهفةٍ معاطفها رداح
على وردٍ من الوجنات غضٍّوريحان به تعي وراحي
ونشر من كمال الدِّين هبَّتبه كالمسك أنفاس الرِّياح
أبي الكرم الَّذي لولا نداهلما ظفر العفاة بمستباح
محمَّد الرَّسول إلى البرايابآيات المكارم والسَّماح
محمَّد بن عبد اللطيف ب/ بن أبي الفتح بن أبي نصرٍ،
أبو عبد الله التبريزيُّ
ويكتب في نسبته النثري؛ لتعاطيه نوع المنثور، دون المنظوم.
أخبرني، أنه ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة، بتبريز. وشدا طرفاً من العلم في
صباه، واعتنى بصناعة النثر، وتعاطي الكلام المسجوع والقرائن، وكان يتبع الكلمة بما وازنها ويلحقها بأختها، تشبهاً بطريقة وطواط الكاتب، فيما ينشئه، غير أنَّه يبين فيه تكلّف وركاكة، للزومه الأسلوب الذي يتوخّاه.
وله شعر بارد، وكان ذا هوسٍ شديد في الطِّلَّسمات والنجوم، ونزل الموصل، وسكنها مدة طويلة، وانضاف إلى خدمة المولى المالك، الملك الرحيم بدر الدين أبي الفضائل –ضاعف الله جلاله- وصار أحد ندمائه، وأجرى عليه رزقاً.
ثم سافر إلى بلاد الشام، وعاود الموصل، فمكث بها أشهراً، وتوفي في ربيع الأول سنة ثماني وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك، الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، نصير أمير المؤمنين- أعز الله أنصاره-:
نسيم الصَّبا عج بالخيام رسولاتجد عندها برد الحياة رسولا
/ أ/ وحيِّ مليك الأرض تحظ بقربهتنل غرراً من جوده وحجولا
تأنَّ إذا بادرت نحو جنابهوعرِّج برفق لا يراك عجولا
فإنَّك إن لم تعتضد بجلالهأفادك شوب الحادثات ذبولا
وجانب ملك الأرض عند لقائهفأخلاقه للمكرمات هيولى
تر العدل والإحسان والعزَّ والعلاجائبه في سيره وخيولا
مليكٌ إذا ما جئت تطلب رفدهأفاض من النُّعمى عليك سيولا
من النَّفر البيض الَّذين برأيهميجرُّون فوق الكائنات ذويلا
هو البدر والعلياء تحوي منازلاًوجثته فيها تحلُّ حلولا
أرى الدهر لمَّا أن ارانا بعادهأحلَّ بنا ريب الزَّمان غلولا
فصرنا فروعاً لا بقاء لذاتنالقضبان بان قد فقدن أصولا
الا بح بأشواقي وكرِّر مدائحيوبلِّغ دعائي دائماً ونصولا
فلو سامح الدَّهر الخؤون بنظرةوصلت إلى ذاك الجناب وصولا
وهنَّيت مولى العالمين مبشَّراًبفتحٍ جديدٍ أو لكنت أصولا
وأنشدني أيضاً لنفسه:
مالك لا تبكي بدمعٍ هتونقد كسر الموت متون المنون
/ ب/ إذ قال جبريلٌ وهم صامتونإنَّك ميتٌ وهم ميِّتون
محمدبن يوسف بن مسعود بن بركة بن سالم بن عبد الله بن
جساس بن قيس بن مسعود بن محمد بن خالد بن محمد بن
خالد بن يزيد بن خريد بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن
قيس بن شراحيل بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، أبو عبد
الله بن أبي المحاسن الشيبانيُّ التَّلعفريُّ الموصليُّ.
أخبرني، أنه ولد في خامس عشري جمادى الآخرة، سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالموصل. وكان أبوه شاعراً من أهل تلعفر.
ومحمد هذا، شاب أسمر لطيف الخلقة مكتنز، بذيء اللسان، بهيّ الشعر، مدّاح هجاء. له هجاء شنيع، لم يسلم منه أحد، وله في كل صنف من المنظوم: كالموشح، والدوبيت، والمواليا، والرجز، والمزدوج، وكان وكان؛ وغير ذلك، إلاَّ أنَّه غير مرضي الطريقة؛ بتبذله وانهماكه في الشرب، والتظاهر بالخلاعة، والتهتك والفسق والقمار والسرقة، وأشياء مما تقارب هذه الأشياء المنكرة التي لا تليق بذوي
الفضل والأدب فهي التي أ/ أهبطته وأسقطته في أعين الناس.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك العالم العادل المؤيد الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين أتابك طغرل تكين أبا الفضل غرس أمير المؤمنين- خلد الله دولته- وأنشه إياها بظاهر الموصل، في الجوسق المعمور ببستانه، وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة:
لا تلمه على الهوى فافتضاحهصونه فيه والفساد صلاحه
كلكم معشر العواذل في نهــج على العاشقين ضاق انفساحه
خنتم المستهام ظلماً وجرتموزعمتم بأنَّكم نصّاحه
عذبت طيبة مطارحة العشــق فصعبٌ على المحبِّ اطِّراحه
وقليلٌ إلى مواسمه بالــعين منه غدوُّه ورواحه
يا خليي سر بي متى ما تبدَّتلمعٌ منه هان لي إيضاحه
سل نسيم الصَّبا إذا ريض في مســكيِّ روض الحمى الأريض جماحه
ألريَّا هذا الذي فيه من ريَّــا أم الزَّهر فتَّحته رياحه
جاده طيَّبٌ من المزن يحكيصوبه دمع مقلتي وانسفاحه
ورعى الله عهد ذات جمالٍجال في كشحها الهضيم وشاحه
/ ب/ غادةٌ خال خدِّها أين لثميمنه في خدِّها وأين امِّساحه
شعرها والظَّلام منه كسى جســمي سقاماً أم وجهها وصباحه
ربَّة المبسم الذي راحة الأرواح في أن تريحها منه راحه
هبك بالوصل تبخلين وشرط الــحبِّ أن تهجر السَّماح ملاحه
أجناحٌ على الخيال إذا مازار وهناً واللَّيل وحفٌ جناحه
أرسليه فوانعطافك لاريــع برعبٍ ومقلتاك سلاحه
واسأليه يجبك كيف رقاديفلقد طال عن جفوني انتزاحه
حسب قلبي بأنَّه بالأسى قدأعجزت فيك كلَّ آس جراحه
وفؤادي بأنه جدَّ فيه الــوجد لمَّا جناه منه مزاحه
لك منِّي الهوى الذي راق حسناًولبدر الدِّين الرَّحيم امتداحه
ملكٌ فاتكٌ جوادٌ لمن زاغ ومن زار بأسه وسماحه
بالمعالي ارتداؤه فله اللّــه نصيرٌ وبالفخار اتِّشاحه
ضمنت كفُّه الأماني وقالتللبرايا: العافي عليَّ نجاحه
أيُّ باب للرزق أغلقه الدَّهـر وما كان عنده مفتاحه
كلَّما قلَّ ماله بالعطايازاد من صدره الرَّحيب انشراحه
/ أ/ ولعمري أبو الفضائل ما يذخرمالاً صان العلا مستباحه
غيث جذب يسدي الأيادي نداهليث حرب يردي الأعادي كفاحه
ما دجا ليل عثير النَّقيع إلاّوأضاءت سيوفه ورماحه
نشر الجود عنه نشر ثناءأرج الأرض بالشَّذا نقَّاحه
فاللَّيالي والإنس والجنُّ والطَّيـر مع الوحش كلُّهم مدَّاحه
لم يدبر تدبيره الملك لا منــصوره قبله ولا سفَّاحه
مستهامٌ بالبرِّ ما ألفت غيــر شتات الكنوز بالبذل راحه
فإذا لامه على الرِّفد لاحزاد في بذله اللُّهى إلحاحه
مكرماتٌ قلب المآثر والمجــد بها اليوم جمةٌ أفراحه
ملك الأرض دعوةً من وليٍّلاح لمَّا إليك مال فلاحه
فو رأى الجوهريُّ أشعاره فيــك لكانت قد أودعتها صحاحه
علَّمتني صفاتك الشِّعر حتَّىعذبت راحه وراق قراحه
فرفضت العلا ولا كنت يوم الــفضل ممَّن يبينه فصَّاحه
إن حبست الثَّناء عنك إلى حــين أرى جسمي الرَّدى يجتاحه
جدت لي بالنَّوال عفواً وإحسانك كم عمَّ آملاً سحَّاحه
/ ب/ دمت للملك ما تغنَّت من الطَّيــتر على الدَّوح عجمه وفصاحه
في سرورٍ قد قارنت غراراً تشــرق منه طول المدى أوضاحه
وأنشدني لنفسه أيضاً، يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي بإربل –رحمه الله تعالى-:
لو كان طيفك زائري يا هاجريما أسبلت صوب الدُّموع محاجري
لكن غرامي طال فيك وإنَّهلمَّا رأيتك رب طرفٍ قاصر
يا مالكاً رقَّ القلوب وباسطاًفيها ظلامة حاجبٍ أو ناظر
عجبي لقدِّك كيف أصبح عادلاًمن تحت طرفك وهو أفتك جائر
من للمقيَّد في هواك ووجدهمترادفٌ من هجرك المتواتر
لو لم تته عجباً بحسن كاملما بتُّ فيك حليف حزن نافر
أنت المعزُّ لمن تشاء وها أنا الــمشغوف منك بحاكمٍ وبآمر
أرسلت صدغك آيةً ثعبانهفي فترة الجفن الأغنِّ السَّاحر
صوِّرت لي صنماً فزاد ضلالتيلمَّا عكفت عليه لهو السَّامري
لو لم أرح وأنا المطيع للوعةٍأضرمتها لأخذت أخذ القادر
/ أ/ ورضاب ثغرك وهي أيُّ أليةًميني بها وأعوذ منه ضائري
إن الذي عاهدته وعهدتهمنِّي لذو صدقٍ وسقمٍ ظاهر
أتهمت إذا اتهمت قلبي بالقلىفهدمت منه أخاً الغرام العامري
أيجوز عندك نهر سائل مدمعيجار على رسم الخدود الدَّاثر
حتَّى م تصبح في وصالي زاهداًوأبيت في وله لعيني فاجر
أصبو إلى ريق بثغرك باردٍوأخاف من لحظً بطرفك فاتر
ومن البليَّة لوم ذي لؤم لحاً..... وعذار خدِّك عاذري
ماذا عليه وقد رآني راضياًبالعذر منك ومنه شيب غدائري
يا ساكباً منِّي السَّواد وهادماًركني أتئذ إن ابن أحمد ناصري
شرف الورى والدِّين والباني العلاالمطرى بجود كالسحاب الماطر
صدرٌ يحدِّث مورداً سير العلاوالمجد عنه واردٌ عن صادر
غيث النَّدىِّ لكلِّ عاتق غارمٍهو معتقٌ بندى يديه الغامر
يا باغي العلم المصون وخائفاًباغي العدا من كلِّ ضار ضائر
يمِّم أبا البركات تظفر عندهبالفضل بل بمضاء جدًّ قاهر
لولاه كان الدَّهر أفرغ فارغٍلكن غدا بثناه أفغر فاغر
/ ب/ ومن الفريضة شكر اهجر هاجرلخناً وبالإحسان أجهر جاهر
ما روضةٌ ضحكت ثغور أقاحهاأصلاً بدمع بكا السَّحاب الباكر
وشَّى الرَّبيع لها مفوَّف حلّةقد رصِّعت من حليه بجواهر
وغدت تلامح زهرها شمس الضُّحىمن خلف سجف الغيم بين ستائر
حتَّى إذا ما اليوم رقَّ رداؤهوأنهار جرف نهاره المتقاصر
باتت خدود شقيقها محميَّةًمن عين نرجسها بطرفٍ ساهر
وجرى النَّسيم بها تجرُّ عليلهذيلاً ويخطو فيه خطو العاثر
متحمِّلاً في برده من عرفهاأرجاً ينمُّ على شذاها العاطر
كثنا ابن أحمد ذي المكارم والعلانشراً وقف نسمع حديث النَّاشر
عن ذي جبين بالبشاشة سافرٍطلق الضِّياء لكلِّ ذنبٍ غافر
متبرِّع متورِّع فاعجب لهمن ذاكر من لم يسله وشاكر
حاز الصِّفات فما يشقُّ غبارهمن فاق من آت ولامن غابر
يسمو به في كلِّ يوم تشاجرٍقلمٌ يطول على القنا المتشاجر
يسطو إذا ما ثار نقع مسائلٍقد أشكلت بشباه سطوه ثائر
قلمٌ لجوهر كلِّ مجدٍ حارزٍفالدَّهر منه مدير لحظ خازر
/ أ/ يجريه حكم أغنَّ سام دارهعمرت على فلك السَّماء الدَّائر
سار إلى سرِّ الفخار وآسرما ندَّ من مثل العلاء السَّائر
قل للمثير عجاج عجز خلفهويروم معجزة بغير مآثر
أينال ما قد نال أصلع حاسرٌعن ساعديه وأنت اطلع حاسر
شرف المعالي اسمع ثناءً لم يكنلولاك يجري خاطراً في خاطري
قد كنت صنت قصائدي في خدرهافأبانها مدح الهزبر الخادر
إليك أشكو جور دهرٍ زائغٍبأذاه عن غير فكم هو زائري
فعساك تنجد ربَّ صبرٍ عابرٍممَّا يكابده ودمع غائر
اجبر بصنعك سؤر ما أبقاه منعمري زمانٌ كالعقاب الكاسر
واسعد بها يا ذا النَّدى رائيَّةًآنست منها كلَّ معنى نافر
أتقنت محكمها بحذقٍ صناعةمن ذي ضميرٍ كالجواد الضَّامر
إن قال في هذي البريَّة شاعرٌأختاً لها فحشرت محشر كافر
زارت على بعد المزار وخلفهامن فرط شوقي أيُّ حاد زاجر
فانظر لنظرتها بناظر مرتضٍراضٍ لها نظر الصَّفوح العاذر
لازلت تبلغ ما ترنَّم طائرٌما شئت من أملٍ بأيمن طائر
/ ب/ وأنشدني أيضاً لنفسه، غزل ابتداء قصيدة:
حتى م أرفل في هواك وتغفلوإلى م أهزل من جفاك وتهزل
يا مضرماً بصدوده في مهجتيحرقاً يكاد لهنَّ يذبل يذبل
القلب دل عليك أنَّك في الدُّجىقمر السَّماء له لأنَّك منزل
هب أن خدَّك قد أصيب بعارضٍما نال صدغك راح وهو مسلسل
قسماً بحاجبك الذي لم ينعقدإلا أرانا السَّبي وهو محلَّل
وبماء ثغرك من سلافة ريقهعذبت فقيل هو الرَّحيق السَّلسل
لولا مقبَّلك المنظَّم عقدهما بات من يهواك وهو مقبَّل
حزني وحسنك إن لغا من لا منيونحوت هجري مجملٌ ومفصل
لو كنت في شرع المحبَّة عادلاًيا ظالمي ما كنت عنِّي تعدل
ألحى عليك ولو درى بصبابتيلأراحني من لومه من يعذل
أوما العجيب أنَّ دمعي معربٌعن سرِّ ما أخفيه وهو المهمل
أضحى ويا لك من بلاء هاتكاًسرَّ الهوى وعليه أصبح يسبل
يا آمري بسلوِّه ليغرَّنيإنَّ السُّلوَّ كما نقول لأجمل
/ أ/ لكن يعزُّ خلاص قلب متيَّمٍتركته أيدي الهجر وهو مبلبل
هيهات كلاَّ لا نجاة لمن غدامن جسمه في كلِّ عضوٍ مقتل
وأنشدني لنفسه في الملك الأشرف مظفر الدين، وكان معه في الخيمة، بحباب التركمان بين حماة وحلب، عند رجوعه من جهاده، وقد لسعته عقرب في كفه، فأنشأ ارتجالاً:
يا ملك الأرض وكهف الورىومن إلى ساحته المهرب
ما لسعت كفَّك عن هفوةأقسم منها هذه العقرب
لكن رأته وهو سمٌّ علىمالك لا يرقى ولا يذهب
فأقبلت تشتاق من بعضهباللسع شيئاً علَّها
وأنشدني أيضاً لنفسه:
سل عن دمي ليلى إذا هي أقبلتبين النِّساء وخدُّها كالعندم
ومتى أبت إلا الجحود وانكرتفانظر على وجناتها أثر الدَّم
يا للرجال وإنَّها لعجيبةٌما مثلها أبداً إليه مقسَّم
/ ب/ أخشى قناة قوامها ومقاتليغرضٌ لما في لحظها من أسهم
وأهاب عقرب صدغها ويدي علىوما أرسلت من شعرها من أرقم
ما ذاك من سفه ولكن لا هو ىما لم يذر ربَّ البصيرة كالعمى
ومعنَّفي جهلاً على عشقي لهاذكى بمرِّ العذل نار تألُّمي
ناديته قسها إلى شمس الضُّحىحسناً فإن هي لم ترد نوراً لم
وأنشدني لنفسه أيضاً، يهجو ابن عنين الشاعر:
أرى أبن عنين لا كلا الله نفسهأخاف الورى طرًّا بمرِّ هجائه
ولم يهملوه خشيةً منه إنَّمارواه مهينًا ذمُّه كثنائه
وأنشدني أيضاً لنفسه من أبيات:
تتيه على عشَّاقها كلَّما رأتحديث صفات الحسن عن وجهها يروى
فتاةٌ لها في مذهب الحبِّ حاكمٌبقتل الورى أعطى لواحظها فتوى
يرنِّحها سكر الشَّباب فتنثنيبقدٍّ إذا ماست تكاد بأن تلوى
ولو لم يكن في ثغرها نبت كرمةٍلما أصبحت أعطاف قامتها نشوى
وأنشدني لنفسه، يمدح أهل البيت أ/ صلوات الله عليهم وسلامه-:
خلِّني من حديث زيد وعمروواسع بي يا نديم نحو العمر
واسقني قهوةً إذا ما تبدَّتفي الدُّجى خلتها عمود الفجر
بنت كرمٍ ما لي إذا بتُّ منهاصاحياً فرد ليلة من عذر
فأدر لي في جامد الفضَّة البيــضاء من كأسها مذاب التِّبر
ثمَّ قل للَّذي يلوم عليهاخلِّني أيُّخا العذول وزري
أإذا كنت ذا ضلال وإثمٍتغتدي أنت نائماً في قبري
قسماً لا ثنيت عنها إلى الموت عناني فدع ملامي وزجري
أنا راضٍ أن ألتقي الله فرداًوالحميَّا ما بين سحري ونحري
فأدرها في كأسها واسقنيهاليلة القدر أو ليالي العشر
من يدي فاتر اللَّواحظ معسول الثَّنايا أحوى دقيق الخصر
تحسب الكأس وهي في يده تشــرق شمسًا تلوح في كفِّ بدر
لا حياةٌ لغير من لم يبت يحــيي الدَّياجي ما بين عود وزمر
في رياضٍ خضر يطوف بها البيــض مع السُّمر بالكؤوس الحمر
بين دوحٍ تميل منه غصوناًمورقاتٍ ريح الصَّبا حين تسري
/ ب/ كلَّما حركت أنامل شادٍوتراً جاوبته ألحان قمري
محمَّد بن العباس بن أبي الفضل بن أبي القاسم بن أبي محمَّدٍ،
أبو عبد الله الموصليُّ الحكم.
تولّى في الدولة البدرية الحكومة في الملاعب والحرف والصنائع، كصنعة المنافقة، والصرَّاع. وذوو الشطارة والسعادة، وأصحاب المعالجة، يرجعون إلى كلامه، ويقتدون بقوله، وإليه الحكم في ذلك. ويكتب خطاً حسناً، ويقول الشعر الرائق.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين، وعضد الإسلام والمسلمين، تاج الملوك، شرف السلاطين أتابك طغرل تكين أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين –خلد الله دولته- وكبت أعداءه وحسدته-:
ألاَّ سألت الربع والأطلالافعسى المعالم أن يجبن سؤالا
هي وقفةٌ إمَّا لإدراك المنىأو أن تضاعف عندك البلبالا
أمّا الخليط نأى بقلبك عاجلاًوحنين قلبك زاده إعجالاً
جعلوا السُّها نصب المطيِّ وحجَّبوافي كلِّ سجفٍ للحدوج هلالا
/ أ/ فأذل دموعاً صنتها فلطالماأذرفت قلبك مدمعاً هطالا
وأجنح لترجيع الحمام فطالمابكت الهديل فأبكت الأطلالا
ما هذه في الربع أول وقفةالمشتاق تهمل دمعه إهمالا
فاعص العواذل ما استطعت فقلَّمايدعى ملولاً من عصى العذَّالا
ومتى أضرَّبك الهوى فاجنح إلىملك تصادف عنده الإحلالا
ملكٍ لو ادَّعت السَّماء تطاولاًبمكارمٍ لسما السَّماء وطالا
أسدٍ وما الأسد الهزبر وإنَّنالنجلُّه عن مثله إجلالا
وأنشدني لنفسه أيضاً، مبدأ قصيدة:
أشاقك البرق بتيماء ومضأم استباك السِّرب صبحًا إذ عرض
لا تبعثنَّ الطَّرف إثر غادرفربَّ رامٍ سهمه أخطا الغرض
ما من وفى بعهده ووعدهدهراً لمن خان الحفاظ ونقض
وافه الوعد المطال فاستعرصبراً وإن عزَّ عليك فافترض
يا بأبي الناشد قلباً بالحمىضلَّ ولمَّا يبغ عنه [من] عوض
كلَّفه حمل الهوى من كلفالنَّاشط من عقاله حين نهض
/ ب/ بانوا فأي كبدٍ لم تستعرناراً وأيٌّ دمع عينٍ لم يفض
وأنشدني أيضاً لنفسه من أخرى:
نعم نعمت صباحاً أيُّها الطَّلللأهلك الأهل إن حلُّو وإن رحلوا
سجيَّةٌ من كريم لا يغيِّرهنأى الأحبَّة إن جاروا وإن عدلوا
ما لاح برقٌ ولا ناحت مطوَّقةٌإلاَّ صدفت فلا ميلٌ ولا ملل
أعلِّل النَّفس والعذَّال تكثر منلومي وأني يفيد اللَّوم والعذل
واكتم الوجد وهو الدَّمع يفضحهكأن دمعي رقيبٌ حين ينهمل
يا صاحبيَّ أناةً بالمطيِّ ولولوث الأزار فبي عن وخدها شغل
هل شيَّع الركب من دعواه صادقةٌفي الحبِّ أم كلُّهم للوجد منتحل
كلٌّ يلوم النَّوى يوم الفراق ومايجني التَّباعد إلاَّ الخيل والإبل
كم ليلة بتُّها والنَّجم يلحظنيشزراً وجفني بالتَّسهيد مكتحل
حتَّى إذا رقد الواشي وأمكن منليلى المزار و .... بيننا السُّبل
زارت على وجل خوف الرَّقيب وماأحلى الزِّيارة حيث الزَّائر الوجل
بيضاء تسفر عن بدر وتبسم عندرٍّ يجيب ليلاً شعرها الوجل
في وجهها خفرٌ في طرفها حورٌفي قدِّها خفَّةٌ في ردفها ثقل
/ أ/ لها من الظَّبي جيدٌ والمها حدقٌوالخيزرانة قدٌّ والنَّقا كفل
تمشي ودل الصِّبا يثني معاطفهاكأنها شاربٌ من ريقها ثمل
وتحمل الرِّيح ريَّاها إذا انبعثتمن خدرها فيضوع الحيُّ والكلل
وأنشدني لنفسه من قصيدة أخرى:
هلا ليس ما دون الثَّنَّية منزلوصبراً فهل غير الثَّويَّة منهل
أناق لئن قصَّرت عن غاية المدىفعزمي أهدى ما امتطيت وأهمل
حرامٌ عليَّ النَّوم يا ميُّ بعدهاإذا لم أنل من هذه ما أؤمِّل
وبي فرط وجد حلَّ بين جوانحيوصدري فلا ينأى ولا ينتقَّل
متى شمت من أطلال برقة بارقاًدعاني هوى خلَّفته ثم أول
ومن ولهي بالربع لم أر منزلاًبتيماء إلاّ قلت حيِّيت منزل
فلولا الهوى العذريُّ لم أدر ما الهوىولولا الحمى النَّجديُّ ما عجت أسأل
خليلي هلاَّ تعذران أخاكماعلى دائه فالعذر بالحرِّ أجمل
أجدَّ كما أنِّي جليدٌ على الهوىوما كلُّ من يستحمل الضَّيم يحمل
منعت جفوني من أن تطعم الكرىكأنَّ سهاداً بالجفون موكل
وقلت ارتقب طيف الخيال وإنَّنيلفرط غرامي بالمنى اتعلَّل
/ ب/ وأنشدني لنفسه:
صدَّ فليس الصُّدودمن شانهولجَّ في هجره وعدوانه
ريمٌ رماني عن قوس حاجبهسهماً مراشاً بهذب أجفانه
عذَّب قلبي على العذيب فمنينصف قلبي من جور جيرانه
ولو لوى باللَّوى ثنيت علىتلك الثَّنايا صدور ركبانه
يا بأبي قدَّه الَّذي يفضح الــغصن إذا ماس فوق كثبانه
أنست منه النِّفار إذ كلُّ إنــسان له رائدٌ بإنسانه
يا سعد من يسعد المحبَّ وقدأشقاه محبوبه بهجرانه
فانظر عياناً واضع استماعاً فماقام دليلٌ إلاَّ ببرهانه
لو عدل القلب في الحكومة ماشكوت قاضيه ظلم أعوانه
وأنشدني لنفسه:
تناءت فلم يضمن لها القلب سلوةًولمَّا يزدها البعد إلاَّ تدانيا
وإنِّي وإيَّاها على القرب والنَّوىصبوران إن موتاً وإمَّا تلاقيا
محمَّد بن سليمان بن كمشتكين أ/ بن إسفنديار المجلّد،
أبو عبد الله الموصليُّ
كانت صنعته في ابتداء أمره تجليد الكتب والدفاتر، ثم تركها وصار يكتب القصص، ويقول الشعر، ويمدح به الرؤساء والأكابر؛ وله بديهة في النظم، وخط حسن. ولقي جماعة من الشعراء، وأخذ عنهم من أشعارهم.
وهو شيخ ممتَّع بإحدى عينيه، أبيض اللون، تعلوه صفرة. وتوفي بسنجار في سنة ستٍّ وثلاثين وستمائة، وقد نيّف على التسعين.
أنشدني لنفسه، في المولى المالك، الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، قطب المعالي، ناصر الحق أتابك طغر لتكين بلكا، نصير أمير المؤمنين –أيد الله سلطانه- حين عمل القنطرة والشباك بالباب العمادي. وكان يجلس به يحكم بين الناس في قضاياهم:
لو أنَّ كسرى في زمانك لم يكنأذكى بسلسلة إلى الإيوان
شبَّاكنا في كلِّ عامودٍ لهيا سيٍّد الأملاك سلسلتان
وأنشدني لنفسه أيضاً:
من مجيري من طرفه النِّبالومعيني على صروف اللَّيالي
بدر تمٍّ حوى جميع المعانيغصن بان يهتزُّ كالعسَّال
/ ب/ حلَّل الهجر واستحلَّ دمالصَّبِّ وهذا في الشَّرع غير حلال
أتمنَّى وصاله كلَّ عامٍوأرجِّي خياله في الخيال
ولقد كان قبل هذا التجنِّيمستهاماً بزورتي ووصالي
في زمان يفوق كلَّ زمانٍوليال كأنهنَّ اللآلي
وجبينٍ كالبدر يحمل شمساًمن عقارٍ من غيره ما حلالي
وإذا أعوز المدام عليناعلَّني من رضابه السَّلسال
وأنشدني لنفسه:
دبَّ على خدِّه عذارٌكأنَّه اللَّيل غير سار
فلم يزل واقفاً حيياًيطلب إذناً من النَّهار
وأنشدني من شعره:
كان وما في العذار نبتٌمواصلاً دائم الوداد
فمذ بدا الشَّعر في المحيَّا إزداد في التِّيه والتَّمادي
فليت خدَّيه ما أريعتولا اكتست حلّة السَّواد
وأنشدني لنفسه أيضاً:
إن كان نزعكم الجواب تقاطعاًفأنا الودود مكاتبٌ ومواصل
/ أ/ أو كنتم لم تسألوا عن حالنافأنا المحبُّ مخاطبٌ ومسائل
وأنشدني لنفسه في إنسان يعرف بالقوام بن حمدان:
يا قواماً للفسق لا للدينومحلاًّ للشكِّ لا لليقين
وأميناً قد كان يا ليت شعريأخؤونٌ يدعى بعدل أمين
فلك العذر في فعالك هذاليس يرجى الوفاء من يقطين
أيُّ فضلٍ يعزى إليك وقدأصبحت ياءً ما بين تاءٍ وسين
وحدثني، قال: بات محمد بن يوسف بن عراج الشاعر عندي ليلةً، فسرق مني كساء، وكان أبو محمد شاعراً أيضاً، فقلت فيه:
لنجل عرّاج نجلٌمن كلٍّ خير تعرَّى
لصٌّ كمثل أبيهوالإبن بالإرث أحرى
فالأب يسرق شعراًوالنجل يسرق تبرا
قال: فبلغت الأبيات إلى أبيه، فأنفذ الكساء.
محمَّد بن الحسين بن محمَّد بن الحسن بن الحسين، الإربليُّ
المولد والمنشأ.
وأصل آبائه من أهل همذان ويعرفون ببني بسريان، من يت دين وتصوف
وأبو عبد الله هذا؛ شاب فاضل، عنده أدب وسكون، حافظ للقرآن الكريم، يشدو شيئاً من فقه الإمام الشافعي –﵁ ويكتب خطاً رائقاً، ويقول الشعر الحسن في الزهديات.
انتقل هو وأهله إلى دنيسر حدثاً، ودرس الفقه بها على الشيخ الإمام أبي محمد حمد بن حميد بن محمود الدُّنيسري، الخطيب المدرس، فلمّا جاء الخوارزمية، وقصدوا البلاد، سافر إلى حلب في سنة ستٍّ وثلاثين وستمائة، فنزل في بعض مدارسها، يرتزق من جامكيها.
أنشدني لنفسه:
يومٌ يمرُّ ويومٌ بعده يأتيينغِّصان حياتي ثمَّ لذَّاتي
والنَّفس في دعة ممَّا يراد بهامشغولةٌ بأمانيٍّ وفرحات
فبينما الموت إذا حطَّت ركائبهنحوي بغير احتشام أو تحيَّات
وقال حتَّى متى ترجو البقاء بهاأما علمت بأيامي وساعاتي
فاستنقذ الرُّوح ثمَّ اسكننيفي قعر لحدٍ بدارٍ عند أموات
/ أ/ سلاهم الأهل والأحباب كلُّهمكأنَّ ما عرَّفوهم بعض أوقات
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن محمَّد بن الجارود، أبو عبد الله
المارانيُّ القاضي الكفر عزّيُّ
ولد بكفر عزّة، قرية من قرايا إربل، ونشأ بها، وقرأ فقه الإمام الشافعي –﵁ على الشيخ الإمام أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك الإربلي. وتقلّد القضاء بإربل في أيام الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁ بعد القاضي أبي محمد جعفر بن محمد بن محمود الكفرعزي. وكان نائبه.
ولم يزل متولياً، إلى أن توفي ليلة السبت ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وستمائة، فجأة –﵁ وقد جاوز الثمانين بقليل. وكان من ظرفاء الحكام، ومحاسن الأنام، متحلياً بالنزاهة، معتلياً في ذروة النباهة؛ شيخاً لطيفاً كيساً، فكهاً رزيناً متواضعاً، بهي المنظر، دمث الأخلاق، فيه أدب وحسن عشرة، وطيب محاضرة وتودد.
أنشدني لنفسه، وأوائل هذه الأبيات ب/ إذا جمعت تكون بيت شعرٍ، وهو:
إنَّ الصَّلاح مجيريمن نكبة الحدثان
وهي جواب أبيات كبتبها إليه الصّلاح أحمد بن عبد السيد بن شعبان الإربلي، وهما بالديار المصرية، فقال القاضي:
إنِّي أحبُّ فتاةًكأنَّها غصن بان
نمَّت بوجدي عليهاسحائب الأجفان
أهوى فريدة حسنٍهيفاء شتَّى المعاني
لمياء لو شفتاهاقبَّلتها شفتاني
صدَّت فبان اصطباريبالبين والهجران
لا تلحني يا عذوليفالبين قد اضناني
حسبي الَّذي أنا لاقٍمن الوجوه الحسان
من البدور اللَّواتيبهنَّ صبري فإني
جزعت منهن َّ جداًولأن صعب جناني
يهوين قتلي وأهوىبهنَّ فرط هواني
رعى الإله زماناًقضَّيت فيه الأماني
/ أ/ يا من يسائل عنِّيحالي عجيب البيان
من لي بخلٍّ أمينٍخليله في أمان
نبيل قدرٍ نبيهصدرٍ عظيم الشَّان
نبني المدائح فيهوجوده خير باني
كتبت سرًّا وجهراًعنه فهلاَّ كناني
به أدافع ضرِّيوشرَّ أهل زماني
هذا ولي من نداهوفهمه بحران
أهواه طبعاً ولكنلو أنَّه يهواني
لكنت في خفض عيشولذَّة وأمان
حتَّى يقول عذوليويلاه واحرماني
ديوان مدحي فيهمذهَّب العنوان
ثمَّ الثَّناء عليهكنغمة العيدان
الموت والبعد عنهيا صاحبي سيَّان
نعم وفيه خصالخفيفة الأوزان
إن الصلاح مجيريمن نكبة الحدثان
/ ب/ وأنشدني لنفسه من قصيدة، يمدح بها بعض الرؤساء:
لا تلح من حنَّ إلى أحبابهوشفَّه الشَّوق إلى أترابه
وخلِّه يبكي إذا جنَّ الدُّجىوارث له وكفَّ عن عتابه
ولا تحمِّله على أحزانهحزناً فقد كفاه بعض ما به
أنَّي يلام مستهامٌ مدنفٌحلف أسى غرامه يغر به
انحله البين ولم يبن لهمساعدٌ على جوى إكتئابه
وأنشدني أيضاً قوله:
إن كنت خلِّي فخلِّ دمعييجري كحرِّ الفراق سكبا
ولا تلم مغرماً كئيباًمنِّي ببين الحبيب صبَّا
إذا دعاه الغرام سرًاأجابه معلناً ولبَّى
وأنشدني له في الشيب والوعظ:
مشيبٌ أتى وشبابٌ رحلأحلَّ العناء به حيث حل
وعمري تقضَّي بلا طاعةٍفويحك يا نفس ماذا الزَّلل؟
وذنبك جمٌّ ألا فارجعيوعودي فقد حان وقت الأجل
/ أ/ وديني الإله ولا تقصريولا يخدعنَّك طول الأمل
فما لك غير التُّقى مسعدٌولا صاحبٌ غير حسن العمل
وأنشدني لنفسه من أبيات ابتداؤها:
لا تكثر العي في عذلي وفي فنديوقل عني فما أصغي إلى أحد
هلاَّ نهضت إلى عذلي وما قدحتنار الصبابة بالأشواق في كبدي
أيَّام اغدو سليم القلب في دعةٍمن الغرام وحلمي في الهوى بيدي
وشادن قدُّه كالغصن معتدلمن فوق متَّزر كالحقف منعقد
أحوى مريض بحاري اللحظ مقلتهتعلم النَّافثات السِّحر في العقد
يزورُّ عنِّي إذا ما جئت أعتبهوليس يعلم ما عندي من الكمد
قد كنت قبل النَّوى والبين ذا جلدفمذ نأى خانني بعد النَّوى جلدي
محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكرٍ، أبو عبد الله بن
أبي محمدٍ الإربلي الكفر عزيُّ
وقد سبق ذكر والده في موضعه.
أخبرني والده؛ أن ولادة محمد كانت سهرة يوم الاثنين ثاني صفر سنة إثنتين وستمائة.
وهو من فتيان ب/ إربل، وأحد من إعتني بقول الشعر، تأدب على أبي عبد الله أحمد بن الحسين بن الخباز النحوي بالموصل. وأخذ طرفاً من فقه الإمام أبي حنيفة –﵁.
وهو شاعر، طويل اللسان، ذو إحكام في قوله وإتقان، يجيد معانيه في الهجاء، ويتصرف فيهنّ كيف شاء، سمح الخاطر منقاده، ذكي الطبع وقاده.
أنشدني لنفسه في الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي –﵀:
لا نال قلبي منكم ما أمَّلاإن كان يوماً من محبَّتكم سلا
وحرمت ما أرجوه من لقياكمإن حلَّ في قلبي سواكم أو حلا
أحبابنا عودوا إلى عهد الصِّباوعدو بوصلكم المحبَّ المبتلى
وإذا بخلتم بالوصال فحمِّلواريَّاكم ريح الصَّبا والشَّمالا
حمَّلتم المشتاق أثقال الهوىلمَّا تبدَّى ركبكم متحمِّلا
وسفحتم دم أدمعي لمَّا غداسفح الغوير لكم برغمي منزلا
من ذا يعيد ليالياً انفقتهاسرفاً وعهد صبًّا مضى وتبدَّلا
علِّقتكم طفلاً فشيَّب لمَّتيطول التَّجنِّي والتَّجنُّب والقلى
/ أ/ رقُّوا لرقِّ حليف وجد ما عصىأمر الغرام ولا أطاع العذَّلا
واغنَّ معتدل القوام مهفهفمنعته نخوة حسنه أن يعدلا
فتن الورى بجمالٍ وجهٍ ما بداإلاَّ وكبَّرا من رآه وهلَّلا
وأغار غزلان الصَّريم تلفُّتاًوأعار أغصان الأراك تفتُّلا
لمَّا بدا عاينت سنَّة وجههكالبدر في أفق الملابس يجتلى
ورأيت أنَّ الرُّشد في دين الهوىلمَّا رأيت الصُّدع منه مرسلا
أضحى ضنيناً بالسَّلام وطالماأمسى يعاطيني الرَّحيق السَّلسلا
في روضة حاك الرَّبيع لربعهاحبراً وحاكى النَّشر منها المندلا
فكأنَّما جود ابن موهوب غدادون السَّحاب بريَّها متكفِّلا
مولى إذا ما جئته تلقً امرءاًيلقاك بارق بشره متهلِّلا
يقظان ما ينفكُّ يسدي نعمةًويكفُّ حادثة ويوضح مشكلا
مغرىً بحبِّ المكرمات فما يرىإلاَّ بأبكارً العلا متغزِّلا
ما أمَّه يبغي نداه مؤمِّلإلاَّ أعادته يداه مؤمَّلا
يجلو بطلعته الظَّلام إذا دجاويفوق نائله السَّحاب المسبلا
في كفِّه القلم الَّذي قد غادرتحدَّاه حدَّ الحادثات مفلَّلا
/ ب/ وإذا امتطى القرطاس وهو بكفِّهراع الصَّوارم والرِّماح الذبلا
يحيى به العافي وقد ضنَّ الحياويردُّ في يوم الهياج الجحفلا
يا أيُّها المولى الوزير ومن غدتبنداه أخلاف الأماني حفَّلا
بك أصحبالحرون وأحسن الدَّ ... هر المسيء بنا وأصبح مجملا
ولديك أضحى مخصباً أملي وكمأمسي وأصبح عند غيرك ممحلا
قد سرت فينا سيرةً عمريَّةًكادت لها الآيات أن تتنزَّلا
وعممت مبتدئاً بنعماك الورىفملكت أحرار الكلام تفضُّلا
حتى لقد ظنُّوا السُّؤال محرَّمًافيهم ومالك للعفاة محلَّلا
فاستجل من غرري غريزة خاطرٍعذراء يرجو ربها أن تقبلا
ويرى الثَّناء وكلَّ مدحٍ فاخرٍمن دون أوصاف الوزير وإن علا
وأنشدني فيه أيضاً، يمدحه حيث تقلّد الوزارة للملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁:
أمَّا الزَّمان فقد وفى بوعودهوذوى من العدوان مورق عوده
/ أ/ وتردَّت الدُّنيا ملاءة بهجةًوالدَّهر قد نجمت نجوم سعوده
بعلا أبي البركات أصبح خالياًمن منصب العلياء عاطل جيده
شرفت بطلعته الوزارة مثلماشرفت بنو أيَّامه بوجوده
أمسى حفيًّا بالرِّعيَّة فاغتدىمتتَّبَّعًا فيها رضا معبوده
خلق التَّواضع للوزير خليقةٌقسمًا وأضحى الدَّهر بعض عبيده
لقن الشَّجاعة والسَّماح يراعهعن سيل واديه وبأس أسوده
وغدا مصيب الرَّأي في تحريفهومبيَّض الآمال في تسويده
يا أيُّها المولى الوزير ومن لهمجدٌ يغيض الدَّهر جفن حسوده
ما قال فيك وإن تناهى مادحٌإلاَّ وفضلك من أدل شهوده
هنِّئت بالعام الجديد ودمت مادام الزَّمان مبشّراً لخلوده
وسلمت محروس الجناب من الرَّدىما طرَّب القمريُّ في تغريده
وأنشدني لنفسه فيه أيضاً، ويلتمس منه فروة:
يا ماجداً لبَّى نداهـ المعتفي قبل النِّدا
ومن استرقَّ بجودهونواله حرَّ الثَّنا
/ ب/ الله أدعو أن يزيــدك رفعةً فوق السَّما
لازلت محروس الجناب ممتَّعًا طول البقا
البرد قد وافى يجرِّر ذيل تيه واعتدى
وجيوشه قد أقبلتفاستوعبت كلَّ الفضا
والصَّبر منذ راى بقاء البرد آذن بالفنا
فانعم عليَّ بفروةٍتعدى على برد الشِّتا
واسلم ودم في نعمةٍعمر الزَّمان بلا انقضا
وأنشدني أيضاً لنفسه، ما كتبه إليه، يطلب منه تحقيقه:
يا شرف الدِّين الجواد الَّذييمناه بالمعروف معروفه
ومن له نفسٌ على كلِّ أنــواع التُّقى والبرِّ موقوفه
عبدك لا شيء على رأسههامته في الحكم مكشوفه
وهو على كثرة تثقيلهيرجو من الإنعام تخفيفه
فاسمح بها واسمع ثناءً لهأجاد فيه الفكر تأليفه
واسلم ولازالت صروف الرَّدىعنك مدى الأيَّام مصروفه
/ أ/ وأنشدني له فيه من أبيات، حين وثب عليه ذلك الشخص وجرحه، وقتل شخصاً آخر، وكان اسم المقتول غزالاً:
لئن فدى الله إسماعيل من كرمٍبالذّبح واستعظمته الإنس والجان
لقد فداك بإنسانٍ ولا عجبٌأن يفتدى بجميع الخلق إنسان
وأنشدني أيضاً لنفسه:
أحنُّ إلى بان العذيب واثلهواشتاق ريَّاه وكثبان رمله
واصبوا إلى آصاله وهجيرهوكذر لياليه وبارد ظلِّه
أأحبابنا عودوا وعودوا متيَّماًبحبُّكم لا يستفيق لعذله
أضرَّ به إعراضكم عن ودادهوعجَّل صرف الدَّهر تشتيت شمله
وقد كان ذاعرٍّ منيعٍ فباعهرجاء رضاكم في هواكم بذلِّه
صبورٌ على جور الهوى وعذابهوقورٌ على حلم الزَّمان وجهله
ويحمل فيكم لا عدمتم فؤادهغراماً يهدُّ الرَّاسيات بثقله
ولولاكم لم يسفح الحزن دمعهعلى السَّفح من حزن الغوير وسهله
وكيف احتيالي في اللِّقاء وبيضكموسمرٌ كم كلٌّ يذاد بمثله
/ ب/ حرامٌ على عيني أن تردا الكرىإذا لم أفز ممَّن أحبُّ بوصله
وأغيد ممشوق القوام رشيقهمليح التَّثنِّي وافر الرِّدف عبله
أحلَّ دمي من غير جرمٍ سوى الهوىوقد كان قبل اليوم غير محلِّه
إذا جئت أشكو ما بقلبي يرقُّ ليويخلط لي جدَّ الحديث بهزله
ويطمعني حتَّى أقول ملكتهويؤنسني من طوله طول مطله
وإن عقد الزُّنَّار حلَّ تصبُّريويعقد عن جفني الكرى عن حلِّه
وأنشدني لنفسه:
فؤادٌ على مرِّ اللَّيالي يعذَّبوقلبٌ على نار الأسى يتقلَّب
وأنت لحيني معرضٌ متجنِّبٌبنفسي وأهلي المعرض المتجنِّب
مر الوجد يفعل ما يشاء بمهجتيفإنَّ عذابي في تجنِّيك يعذب
ولا تخش من قلبي سلوَّا عن الهدىوأنت على ما كان منك محبَّب
إذا كان طرفي موردي منهل الرَّدىفمن اشتكى أم من ألوم وأعتب
صددت فصفو العيش فيك مكدَّرٌوبنت فضوء الصَّبح بعدك غيهب
وإن عاد يوماً وجه ودِّك مقبلاًتبسَّم لي وجه الزَّمان المقطَّب
سقيت الحيا الغوريَّ يا أربع الهوىوجادك من دمع المحبِّين صيِّب
/ أ/ وحيَّتك أنفاس النَّسيم عليلةًتميل بها الأغصان نشوى وتطرب
وناحت بأعلى دوحتيك حمائمٌتهيِّج أشواق المحبِّ فيندب
ولا برحت فيك الرِّياض أنيقةًفإنَّك ملهى للحبيب وملعب
عهدتك دهراً للبدور مطالعاًوصرف الرَّدى عن ساحتيك منكِّب
فمذ رحلوا أضحى بك الدَّهر ناصباًخيام عفاء بالرِّياح تطنَّب
رعى الله ليلات بمنعرج اللَّوىتقضَّت وظلُّ العيش إذ ذاك مذهب
ليالي ترعى العهد لمياء في الهوىوتصبو إلى وصلي سليمى وزينب
تقضَّت على رغمي قصاراً حميدةًفبعداً لنفسٍ بعدها ليس تذهب
وأنشدني لنفسه:
وظبي غرير غرَّني لين لفظهوإجماله المشفوع لي بجماله
فهمت به مستعذباً مبدأ الهوىوأنساك الشَّيطان ذكرً ماله
وما خلت أنَّ الحين في سيف لحظهوخطِّ عذاريه ونقطة خاله
فلمَّا رآني واثقاً بحيائهوأنَّ فؤادي موثقٌ بحباله
تجاهل عنِّي معرضاً فكأنَّنيمن الدَّهر يوماً ما خطرت بباله
وخلفني لا آبساً من جفائهولا طامعاً في زور زور خياله
/ ب/ أروح بقلبٍ خافق من صدودهواغدو بظنٍّ مخفقٍ من وصاله
فيا حالياً بالحسن رفقاً بعاطلٍمن الصَّبر عان في يد الشَّوق واله
ويا غصناً هاجت عليه بلابليوجار على ضعفي بحسن اعتداله
تعطَّف على قلبٍ يقلِّبه الأسىوصل دنفاً أنت العليم بحاله
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع