من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر مفاريد الأسماء في هذا الحرف (٨)
هارون بن الحسين بن كرجى بن هارون
ذكره الصاحب الوزير شرف الدين أبو البركات المستوفى- رضى الله عنه فى تأريخه،
وقال: إربلى المولد والمنشأ، خدين لا يطمع الغدر فى وفاته، وقرين لا يحل الدهر عقد إخائه، ومصاحب استوى فى الصحبة مغيبه ومشهده، ومخالط اعتدل فى الخلطة مصدره
ومورده، فهو مأمونة مكائده وغوائله، محمودة أواخره وأوائله، عذبت أخلاقه رقَّة صفاء،
وملئ وجهه بشراً وحياءً، له أدب نفس كالزهر النضير، ووثيقة رأى محكمة التدبير،
إشفاق على معاشره وصديقه، تجاوز إشفاق الأخ على شقيقه، ونصيحة للمستشير بارائه، يستشف المغيب من ورائه.
وكان شيخنا أبو المظَّفر المبارك بن طاهر الخزاعى البغدادى - رحمه الله تعالى
يسمَّيه شيخ ب/ الجماعة، لما عنده من العقل والحزم، وجودة التصرٌّف، وكثيراً كان
يصفه وفيه يقول:
شيخ الجماعة مخدوم ومشكور... وربعه ببنى الحاجات معمور
وقال فيه أيضاً:
شيخ الجماعة بدر الدِّين هارونبالخير والبرِّ ولإحسان معجون
ذو الفهم يعرفه والغمر يجهلهكالدر والدٌّرَّ فى الأصداف مكنون
ثم قال: وعنده دين لا يهديه إلى غير الصدق سبيله، ويقين لا يميل به عن سواء الحق دليله، حنفىٌّ المذهب، مائل [إلى] التشيع غير مغال فيه، مواظب على الصلوات الخمس، وصيام كل خميس. كناه شيخنا أبو المظفر ابن طاهر الخزاعى بأبى الرأى.
وكان من أولاد الأمراء الأجناد، وذوى العدَّة والعتاد. وكان أبوه –﵀ – وأدركته، من المشهورين بإربل فى زمن الحاجب أبى منصور سرفتكين ابن عبدالله – متوليها – يقوم إذا غاب عنها، ولا يتخلف عنه إذا عاد إليها.
أولد خمسة من البنين لم يكن أ/ فيهم أبرع منه ولداً ولا أكثر سؤددا. وكان ربما قرض البيتين الأبيات من الشعر، سلامة طبع جبل عليها، وصحة خاطر هداه الظرف إليها، وأنا ذاكر جميع ما وقفنى عليه من ذلك عن آخره.
وكانت وفاته بعد عشاء الآخرة من الليلة المسفرة عن الأحد الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وستمائة بإربل، فأسكنه الله فسيح جنانه، وأورده موارد غفرانه،
فى نعيم غير منقطع أمده، وثواب لا يحصى عدده.
وكان مولده بإربل فى شهر رمضان سنة ستين وخمسمائة، وسمع الحديث على أبى المعالى نصر الله بن سلامة الهيتى، وأبى المعالى صاعد بن على بن عمر الواسطى الواعظ،
وأبى المظفر المبارك بن طاهر بن المبارك الخزاعى البغدادى وغيرهم.
ومن شعره ما انشدنى الصاحب الوزير أبو البركات المستوفى الإربلى بها – رحمة الله عليه – فى خمس وعشرين وستمائة، قال: أنشدنى أبو الرأى هارون بن الحسين لنفسه:
/ ب/ ى موقد النَّار فى قلبى وفى كبدىهلاَّ رحمت قتيل الهمِّ والكمد
هلاَّ عطفت على صبٍّ اسير هوًىمغرى بحبِّك فى قرب وفى بعد
يفنى الزَّمان ولا تفنى صبابتهمخيراً فيك بين الَّشًوق والسٌّهد
كن كيف ما شئت لا صبر ولا جلدلم يبق هجرك لا صبرى ولا جلدى
وانشدنى أيضاً، قال: أنشدنى هارون بن الحسين لنفسه:
ينام خلىٌّ القلب من ليس عنده... من الشوق ما تطوى عليه اضالعى
لقد لامنى الواشون فيمن احٌّبهولكنَّ دون العذل سدَّت مسامعى
كتمت الهوى خوف الوشاة ولومهمفنمت عليه جاريات مدامعى
وأنشدنى، قال:أنشدنى أبو الرأى قوله فى صفر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة:
يا لائمى فى حِّبه ومعَّنفىمهلاً فما ذقت الَّذى قد ذقته
والله لو علق الفؤاد من الورىبهوى حبيب غيره مزَّقته
/ أ/ قال العواذل خلِّه فأجبتهملو كنت اصبر عن هواه تركته
وأنشدنى، قال أنشدنى أبو الرأى لنفسه:
يا غافلاً عِّنى بلذاتهإشرب وطب دام لك العمر
وارحم فتًى لا يرتقى دمعهقد خانه وصلك والدَّهر
وأنشدنى، قال أنشدنى من شعره:
يا تائهاً بالحسن صلنىفقد اشتفى الهجران مِّنى
إرجع إلى طيب الرَّضافإلى متى هذا التَّجنَّى
يا لائمى فى حبِّهومعارضى فى كلِّ فنِّ
دعنى اموت بحِّبهيا لائمى بالله دعنى
لو كان عندك بعض مااخفيه من ألم وحزن
لعذرتنى فيما لقيت مــن الغرام ولمً تلمنى
وأنشدنى، قال: أنشدنى لنفسه:
/ ب/ هنِّيت بالخلِّ الجديديا ناقصاً ابداً عهودى
حتَّى م ارغب فى الوصال وانت ترغب فى الصٌّدود
والله لولا ان يقال اعير سلوان الجديد
لأتاك منى مايليــن لوقعه صلب الحديد
يا ايٌّها القمر الَّذىتنمى برؤيته سعودى
إرجع إلى حسن الرِّضافقد اشتفى منِّى حسودى
واقبل وصايا الله فىحسن الرِّعاية للعبيد
هذاب بن محمد بن الحسن بن عبد الكريم بن هذّاب ...،
أبو المفاخر الأسعردىٌّ الكاتب، المعروف بابن العالمة.
كان ذا أدب وكتابة وفضل وشعر.
أنشدنى الشيخ الحافظ أبو على الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك
البكرى – من لفظه – بحلب بخانكاه القصر فى ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وستمائة، قال:
أنشدنى أبو المفاخر هذاب بن محمد بن الحسن الكاتب الأسعردى لنفسه:
/ ا/ جوهر العالم مكنونةيبرزها من بحره الغائص
والطَّير لا يحظى بغرِّيدها... فى النَّاس إلَّا الرجل القانص
وأنشدنى، قال: أنشدنى أبو المفاخر انفسه يصف الشبَّابة:
وساجعة من بنات النَّبات... لها نغم لست تعلم ماهى
مصوِّتة تستفزٌّ العقول... ولكنَّ اوكارها فى الشِّفاه
هرير بن المعمَّر بن سنان بن غفيلة بن شبانة، أحد بنى قديمة بن
نباتة بن عامر بن ربيعة بن عقيلٍ العقيلى.
أخبرنى الصاحب الوزير شرف الدين أبو البركات المستوفى بإربل – من لفظه رحمه
الله تعالى – قال: كان بين هرير وبين عيسى بن المفدّى صفاء ومودّة لا يشوبه ريب من مفاوضة بالمال والأنفس. ثم ضرب الدَّهر ضربانه، فاحتربو الأمور بينهم ومنافسات.
وكانوا على زمان صفائهم وودادهم، يقول هرير الأشعار فى عيسى بن المفذَدى،
وقتل يوم ثاج، قتله/ ب/ عيسى بن المفدَّى. وكان حسبه دارعاً فاعترضه وهو يطرد
الخيل، فنظمه برمح على الفريضة، فبرز من الفريضة الأخرى، فلمّا على انَّه قد قتله أسف
عليه أسفاً شديداً، وبلغ ذلك أخا هرير مرغما ً فأقسم لا يأخذ عن كلّ طرف
منه إلَّا قتيلاً. ثم التقوا بعد ذلك بالجيش وكان قتل هرير سنةّ ستٍّ او سبع وستمائة. وكان من قبيلة قد بلغو من العز والمنعة ما لم تبلغه قبيلة من قبائل العرب حتى بلغوا أربعمائة فارس تركب الخيل.
ثم أنشد من شعر هرير هذا:
اقول وقد حَّنت بجودة ناقتىولم يدر ورد الماء... ما حنينها
تحنٌّ على عيسى وقد شطَّت النوىبعيسى وبيات البوادى تبينها
فيا ليت عيسى ينظر اليوم او يرىدموع امرئ بالماء جاد معينها
مضى زمن عينى تعين على البكاوذا العام عادت تبتغى من يعينها
وأنشدنى أيضاً من شعره يقول:
/ أ/ عزيز علينا من عقيل ظعائن... غدون من الدَّهنا بغير بعول
جررن ذيولاً للقطيعة عندناعلى الغدر لا عادت لجرِّ ذيول
همام بن راجى الله بن سرايا بن أبى الفتوح ناصر المصرىَ.
كانت ولادته فى أواخر سنة تسع وخمسين وخمسمائة
كان شاعراً فاضلاً، امتاح الملك الكامل ناصر الدين أبا المعالى محمد بن أبى بكر بن
أيوب – صاحب الديار المصرية.
أنشدنى الشيخ الأمين العدل أبو عبد الله محمد بن عبدالقاهر بن هبة الله بن النصيبى
بحلب – رحمه الله تعالى – قال: أنشدنى همام بن راجى الله لنفسه:
ارى الدَّهر فى كلَّ الأمور معاندى... وما فيه لى عيب ولآ لى له ذنب
إذا طمحت نفسى لشئ انا له... فإنَّ الذَّلول السَّهل لى مرتقًى صعب
إلى كم اقاسى ضيق عيشى ومكسبىكأنَّ زمانى قدغدا وهو لى حرب
وقد قلَّ فى الدنيا صديق مساعدإذا قلَّ مطلوبى وإن اعضل الخطب
ومن عجب الدَّنيا بأنِّى خاملوقد ضاق عن علمى بها الشَّرق والغرب
/ ب /ومن نكد الأيَّام انِّى إمامهاويحكم فى رزقى وفى مهجتى كلب
وامنع من حقِّى ويوقف راتبىولى مسجد جاريه فى وقفه نهب
وقد حار قس فى بلوغ بلاغتى... وفى وصف تصنيفى وتابعه وهب
ولو كنت ارضى الشِّعر عندى صناعة ًلما كان مذكوراً زهيرولا كعب
ومالى مركوب ولا لى مؤمة... ولا لى ملبوس غليظ ولا شرب
ولكنَّما القى إذا ما شكوتهإلى الكامل السٌّلطان لم يبق لى عتب
وأنشدنى أيضاً، قال: أنشدنى همام لنفسة:
وكيف يلذ العيش فى مصر ساعةولا حظَّ لى فيها ولست معظَّما
واعيظ ما لاقيت فيها بأنَّنى... ارى كلَّ ذى نقص علىَّ تقدَّما
وأنشدنى أيضاً، قال: أنشدنى لنفسه:
دع الفضل لا تعبأ به فى زماننافإنَّ كمال الفضل للمرء عائب
يقدَّم فيه الطَّرد غير ملائم... ويطرد فيه مشبه ومناسب
وأنشدنى، قال أنشدنى من شعره:
قلونى إذ نشأت بهم وحيداً... وما لى فى البريَّة من يوازى
فدع قول المخرِّق واطَّرحهفليس بلا حقى ابن خطيب رازى
اذئب للسِّباع يكون قرناًوعصفور يطير مع البوازى
وأنشدنى، قال: أنشدنى لنفسه:
قالوا: نراك قليل الحظِّ فى بلدوانت بالفضل معناه وناظره
الهيثم بن جعفر، أبو المتوكل الأشبيلى.
الأديب الفاضل الشاعر من المجيدين فى علم الأدب ونظم الشعر بقطره، يفوق أهل زمانه، فضلاً وفهماً وفصاحةً ورجاحة.
ومن شعره ما قاله على لسان غيره:
بأرض رنَّة اوطانى واوطارىولى هوى فيهم عار من العار
سمىٌّ يحيى ولكن فى لواحظهعصا الكليم فماذا صنع سحَّار
وقوله وهو أوَّل شعر قاله فى المكتب:
/ ب/هل تبدَّى فى النَّاس وجد كوجدىبهلال الملاح يحيى بن رشد
لاح عذرى للٌّاهى لله ما بىمن غزال يشيبٌّ وجداً بوجد
بذرتمَّ بدا، فقلت: تعالىجلَّ رب اهداك يا بدر سعد
أراد بقوله " اللاهى " من اللهو.
/ أ/ ...
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع