من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه هبة الله
هبة الله بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الكندي, المعروف بابن مراجل.
من أهل حماة وأشهر بيت في الأصالة, يكنّى أبا القاسم.
كان يتصرّف لملوك زمانه في الولايات الرفيعة, ويحترم لبيته ومنصبه. وكان والده وزيرا للأمير فخر الدّين الزعفراني, وخدم للملك المظفر تقي الدين عمر بن شهناه بن أيوب -صاحب حماة-.
وأبو القاسم -ولده هذا- كان واسع المروءة, كبير النفس. توفي بحماة سابع عشر من رجب سنة سبع عشرة وستمائة عن اثنتين وخمسين سنة. وكان ربّما جاد طبعه بأبيات من الشعر حسنة.
وأنشدني ولده الرئيس الأجل نجم الدين أبو المعالي محمد بحلب المحروسة في سنة سبع وأربعين وستمائة, قال: أنشدني والدي أبو القاسم لنفسه مبدأ قصيدة:
/ ب/ جسم كما حكم الغرام نحيلومتيّم بعد الفراق عليل
ومدامع تجري سحائبها دمافلها بوجنات الخدود مسيل
وأضالع فيها لهيب دائمبين الحنايا والحشايا مشغول
الله يجمع بيننا وتضمّنادار الحبيب فنلتقي ونقول
هبة الله بن أبي البشر بن أبي المواهب بن شراقيّ, أبو البركات المصري.
كان في دولة الملك الأشرف مظفر الدين شاه أرمن موسى بن أبي بكر بن أيوب كاتبا, وله شعر قريب الأمر.
أنشدني أبو الفضل عباس بن زوان بن طرخان. الموصلي بإربل, قال: أنشدني أبو البركات بن شراقي المصري لنفسه يمدح الملك الأشرف من قصيدة:
أما أنت يا موسى سليمان حكمةولكنّ لم تفجأ بغيبة هدهد
بساطك فيه الأنس للأنس دائموما الجنّ إلّا حدّ عضب مجرّد
لك الرّيح تجري في مرادك بالمنىكذا الطّير بالبشرى تروح وتغتدي
وخاتمك الأعلى أمان لخائفوما فعل بلقيس لديك بموصد
/ أ/ فكملك من عرش إلى عرش أسّهوكم لك من صريح بهيج ممرّد
وكم لك من جند نصير وكم ندىوكم منّة في الله تسدى وكم يد
فسدوأنم وانعم واعل واسلم وصل وصلومر وأنه واسعف واعف واقبل ومهّد
وقم واغز أعداء الكتاب بهمّةوقل للكتاب اخضع إذا جدت واسجد
وحطّمهمولا تبغ عودهم ... بمسكنهم وانزل بعكّ وشرّد
فدمياط قد أضحت ميسّرة كمابتيسيره من كلّ فتح مؤيّد
وأنشدني الصاحب الوزير شرف الدين أبو البركات المبارك بن أحمد بن المبارك بن موهوب المستوفي الإربلي بها-﵁ قال: أنشدني أبو البركات بن شراقي المصري لنفسه:
على مثل هذا اليوم كانت مطالبيتطالبني حتى بلغت مآربي
فلله ما قدّمت من خير سفرةوللشّكر ما أسدت إليّ ركائبي
/ ب/ وللأشرف السّلطان منّي قصائدوقصد إلى أبوابه غير خائب
همام إذا الأعداء رامت نوالهففي كلّ ناد منهم ألف نادب
إذا شاء أن يعلو إلى العرش رفعةتدانت له الأفلاك قبل الكواكب
هب الله بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن رزين, القاضي السعيد, أبو القاسم بن أبي الفضل المصري.
كان جدّه يلقّب سناء الملك, وكان فيما ذكر عنه رجلا من أهل ديار مصر, وكان له ثروة ومال واسع, ومن مجوه أهلها وكبرائهم, وأرباب النعمة. ومات وخلّف ولده جعفرا, وكان له مضاربات وقروض وتجارات اكتسب بها أموالا جمّة, ولم يكن له شيء من العلم ما يشتهر به.
ونشأ له ابنه أبو القاسم هبة الله هذا فتردد بمصر إلى الأديب القاضي أبي المحاسن البهنسي النحوي, فقرأ عليه أدبا ونحوا, وعاشر في مجلسه رجلا مغربيا. وكان يتعانى عمل الموشح المغربي والأزجال, فوقفه على أسرارها, وباحثه/ أ/ فيها, وكثّر حتى انقدح له في عملها ما زاد على المغاربة حسنا واتقانا, وعانى بعد ذلك فنّ البلاغة والكتابة, ولم يكن خطّه بالجيد فجعل في جملة كتاب الإنشاء بديوان ملوك مصر, وأجري عليه لذلك رزق كان يتناوله, حضر الديون أو لم يحضر, وحبه أهل الدولة لدماثة كانت فيه, وحسن عشرة وتودّد, فسار له ذكر جميل.
وصنف كتبا منها كتاب "حصائد الشوارد", وكتاب "مراسلات", وكتاب "الموشحات" سماه "دار الطراز", و"ديوان شعره".
أخبرني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي العقيليّ بحلب –أيده الله تعالى- قال: أخبرني أبو محمد عبد العظيم بن أبي الأصبع العدواني الشاعر المصري, قال: أخبرني جلال الدين المكرّم أبو الحسن موسى بن الحسن بن سناء الملك بالقاهرة, قال ب/ دخلت على القاضي السعيد أبي القاسم هبة الله بن سناء الملك في مرضه الذي مات فيه, فلما رآني بكى وأشار إليّ فجلست وأخذت في تسليته, وقلت له فيما قلته: لقد رأيت الدنيا ونلت من ملاذّها ما لم ينله غيرك من أهل بيتك حتى أنك اتخذت لنفسك فراشا من العنبر, وأنت اليوم فعلى قدم خير. وكان قد تاب قبل موته بسنة, وحسنت حاله, فأشار إلى الدواة, مقال لي: كتب, وأملى على: [من المسرع]
أحسنت الدّنيا الّتي استرجعتمنّي تلك الحالة الفاخره
ما شغلت بالي بتقبيحهاإذ فرّغت قلبي للآخره
قال: فقلت له: أذكر الله, فقال: أنا في ذكره, قال: فما خرجت من عنده إلى الباب حتى مات.
قال ابن أبي الإصبع: وكنت سألت أبا الحسن المكرّم عن قوله: اتخذت لنفسك فراشا من العنبر, فقال: كان قد اتخذ له فراشا شربا ببطانة وظهارة, وأذاب العنبر مع المسك والعود أ/ على النار, وطلى البطانة والظّهارة به, ثم اتخذ العنبر تماثيل وحعلها عليها شبيها بالنقش, وكان ينام فيه. وكانت يوم وفاته الأربعاء الرابع من رمضان سنة ثمان وستمائة. وكان مولده –فيما بلغني- في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
أنشدني أبو منصور المظفّر بن يوسف بن أبي منصور العصافيري الموصليّ بها, قال: أنشدني القاضي السعيد ابن سناء الملك لنفسه بمصر من موشحاته:
يا من بكيت على الدّمنمن أجلها أسفا وحزنا
ورأيت أحداث الزمنقد اشتفت منها ومنّا
لا تسأل البستان عنرمّنه وسل المعنّى
قد صار في نهديكما كان في خدّيك
من قبل ذلك جلّنارا
أخشى عليك من العذولكما أمنت من العواذل
/ ب/ وكأنّ قلبي أن يميــل قوام قدّك في الغلائل
فلئن صحوت من الشمول فما صحت منك الشّمائل
فالموج في ردفيكوالميل في عطفيك
إخال أنّهما سكارى
أنت الحبيبة لا سواككما هواك هو الحبيب
لا أبتغي إلاّ رضاكولو تقلّبت القلوب
وإذا دعا داعي هواكولو يجب فأنا أجيب
يا عاشقها لبّيكويا حمام الأيك
لبّى الغرام معي مرارا
قد حل بي ما لا يطاقمن الغرام ولا يحدّ
وكلاهما عذب المذاقكأنّه سمّ وشهد
يخشى عليّ من العناقلها فتضحك ثمّ تشدو
إليك عنّي إليكخلّني من يديك
فبسكر بسكر طرارا
/ أ/ وأنشدني أبو المحاسن يوسف ين عبد العزيز بن إبراهيم المصري
المعروف بابن المرصص الشاعر بحلب, قال: أنشدني أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك لنفسه في غلام جميل حضر حومة الشلاق فأصابه فأصابه فكسرت أسنانه:
نثر الدّهر عقد ثغر حبيبيفدموعي عليه تحكي انتثاره
كلّ سنّ كالأقحوانة كانتفغدت بالدماء كالجلّنارا
كان في حومة الشّلاق وما كان بعيدا في جملة النّظّارة
فأتته الأحجار شوقا وزارتــه فلا مرحبا بتلك الزيارة
ما كفتنا تلك الملاحة منهوأرانا ملاحة وشطارة
كيف ينسى الفؤاد حبّ حبيبحسدتني عليه حتّى الحجارة
/ ب/ وقال في صديق له كيّس:
لي صاحب أفديه من صاحبحلو التأنّي حسن الإحتيال
لو شاء من رقّة ألفاظهأصلح ما بين الهدى والضّلال
يكفيك منه أنّه ربّماقاد إلى المهجور طيف الخيال
ومن بديع قوله في وصفة الخمر:
عروسكم يا أيهاّ الشّرب طالقوإن فتنت من حسنها كلّ مجتلي
دفعت لها مالي وعقلي معجّلافقالت: وجنّات النعيم مؤجّلا
وقال في المجون:
يا ربّ علق قال لي: مرّةيا هاجري ظلما ولم أهجر!
معتزليّا صرت قلت: اتئدواعتب على مبعرك الأشعري
وقال:
/ أ/ أذمّ شبابا لم أذق فيه لذّةولا نلت منه لا حراما ولا حلاّ
وأحمد منه أنّني لست باكياعليه كما يبكي سواي إذا ولّى
وقال في غلام مليح ينظر في النهر:
يا ناظر بالنّهر وهــو بشطّه يتنزه
النّهر كم أزرقوخيال وجهك طرزه
وقال:
إن لبس البدر عقد أنجمهفعقد ذا البدر درّ مبسمه
أو كان مسك الغزال سرّتهفمسك هذا الغزال في فمه
وقال في ابن مروان وابن المليحي:
إنّ أمين الحكم في مصرنايخون حتّى في مياه الرّجال
وكلّما أودعه الدّنى فيمبعره أفرغه في الغزال
والصّدر قد هام ضلالا بهما يصبر النّاس على ذا الضّلال
/ ب/ وقال في الحكيم ابن قوقا, وقد بلغه انّه تاب عن شراب الخمر:
سمعت حديثا ليتني لا سمعتهفعندي منه مقعد ومقيم
بأنّ الحكيم الآن قد هجر الطّلاوقد تاب منها والحكيم حكيم
وما كنت أخشى أن يتوب لظرفهكما لست أخشى أنّه سيصوم
أتهجر شمس الرّاح وهي منيرةوتترك وجه البدر وهو وسيم
وكم من يد عند الحكيم لكأسهغدت ولها حقّ عليه عظيم
أنامت له من لا ينام وربّماأقامت له ما لا يكاد يقوم
وذلك إنعام قضى بنعيمهومن جحد الإنعام فهو أثيم
فإن قال: إنّي قد سئمن بشربهافقد يعشقون الجسم وهو سقيم
وإن قال: إنّي قد سلمت فإنّهكما قيل يوما للدّيغ سليم
على الكرب من بعد الحكيم كآبةوللجام من بعد الحكيم وجوم
ومن بعده زوج الخلاعة طالقومن بعدها أمّ السّرور عقيم
/ أ/ وطمّنني إبليس حين عتبتهبأن قال: هذا الأمر ليس يدوم
فإن تسألوني بالحكيم فإنّنيخبير بأدواء الحكيم عليم
إذا خبى وجه المصيف فإنّنيبتحليل ناموس الحكيم زعيم
على إنّه إن قال: قد تاب مخلصاوخاف عقاب الله وهو أليم
فتوبته بسوء ظنّ بربّهتعالى وإلاّ فالكريم كريم
وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدّين أبا المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي –﵁ ويهنّيه بالبرء من مرضه:
نظر الحبيب إلىّ من طرف خفيفأتى الشفاء لمدنف من مدنف
ودنا يسكّن نار قلبي خدّهأسمعتم نار بنار تنطفي
وأرادت العبرات عادة جريهاأو جرى عادتها فقلت لها قفي
كفّي فقد جاء الحبيب بما كفىوصلا وعاشقه المروّع قد كفّي
/ ب/ ومليّة بالحسن يسخر وجههابالبدر يهزأ ريقها بالقرقف
لا أرتضي بالشمس تشبيها بهاوالبدر لا بل أكتفي بالمكتفي
الحسن تبرزه بغير تصنّعوالملح يبرزها بغير تكلّف
تتلو ملاحتها محاسن وجههافتريك معجز آية في الزّخرف
وتقول من هذا وقد سفكت دميظلما وتسأل عن فؤادي وهي في
لا شيء اعجب من تلهّب خدّهابالماء إلاّ حسنها وتعفّفي
أنا أنتوي عنها لئلاّ أرتويأتظنّ أنّي أشتهي أن أشتفي
لا سار عشقي لا أقام تصبّريلا قلّ مع نيل الوصال تلهّفي
وكذاك قل للبدر يا بدر الدّجىلا وجه إن تبدو بوجه أكلفي
وكذاك قل للشّمس يا شمس الضّحىجاء الأمان إليك من أن تكسفي
واشفع بسائر برئه ثمّ انظروابحمد الصّليب به وبشر المصحف
حاشاك من صرف الزّمان فإنّهبك للأعادي ماله من مصرف
وقال وهو بالشّام يتشوّق إلى الدّيار المصرية:
/ أ/ يا منية القلب لولا أن يقال سلاقلت: ما كنت أعصي القلب لولاك
رميت من مصر قلبا بالشّام فماأسراك سهما إلى أحشاء أسراك
أسرفت في الصدّ إذ أسرفت فيك هوىفالعذل والعدل ينهاني وينهاك
نأيت يقظي وقد ألقاك هاجعةوفي الحقيقة أنّي لست ألقاك
كم صاد طيفك طرفي بعد هجعتهفالجفن فخي والأهداب أشراكي
ردّي ودائع لثم جئت أطلبهاما كان أوفاك إذ أودعتها فاك
نشوان لم أدري من لهوي ومن طربيأمن محيّاك سكري أم حميّاك
وإذ جمالك قد أودى جميلك بيوبالتّعطّف قد أعلاك عطفاك
وإذ مغانيك بالأنوار زاهيةحتّى لقد خلت في مغناك معناك
رحلت عنكم وقد أولعت بعدكمفما بذكرك أو قلبا بذكراك
وما أظنّ ونار القلب مسكتكمبأنّني فيه قد أكرمت مثواك
فما مررت بربع كان ربعكمإلاّ ظننت صداه أنّه شاكي
وقال أيضا, وكان قد جلس في بستان له ب/ واستوحش من بعض أصدقائه:
جلست ببستان الجليس ودارهفهيّج لي مما تناسيته ذكرا
وسقّيت جم الكأس ساعة ذكرهفلم يستطع من ليل همي من مسرى
فيا ساقي الكأس الّتي قد شربتهارويدك إنّ القلب في أمّة أخرى
ويا أفق لو كان الحبيب مضاجعيلما سألتك العين أن تطلع البدرا
ولو وصلت سود اليالي بشعرهلما خشيت من غير غرّته فجرا
تذكّرت وردا للمليح محجّبايمدّ عليه ظلّ أهدابه سترا
فصرت أجازي القلب من أجل ذكرهفيقتلني ذكرا أو أقتله صبرا
أقبّل ذلك الطّلّ أحسبه اللّمىوألثم ذلك الزّهر أحسبه الثّغرا
وكم لائم لي في الّذي قد فعلتهوكم قائل دعه لعلّ له عذرا
لأجلك يا من أوحش العين شخصهأنست بسهد يمنع العين أن تكرى
وقاسيت منك الغدر والهجر والقلىوأنفقت فيك الشعر والعمر والدّهرا
وأفلس طرفي حين أنفق دمعهفأجرى فمي درّا يسمّونه شعرا
وفارت عزّا بالشّام لألتقيبمصر الّذي من حسنه فضّلوا مصرا
/ أ/ لئن طبت في متنزّه لم تكن بهفلا زلت ألقى عندك الصّدّ والهجرا
ولو كنت في بصري وحسبك لم أقلأيا بصري لا تنظرنّ إلى بصرى
وقال أيضا:
تركت حبيب القلب لا عن ملالةولكن لذنب أوجب الأخذ للترك
أراد شريكا في المودة بينناوإيمان قلبي قد نهاني عن الشّرك
وإنّي منه في عقابيل طربةوتبقى ويمضي المسك رائحة المسك
وقال أيضا:
وغانية من بعد عشرين حجّةأقول لها قولا لديه ثواب
عليك زكاة فاجعليها وصالنافإنّك في العشرين وهو نصاب
وقال في معشوقه مفضّل لما حبس وضرب:
فديت الّذي لم يضربوه لريبةولكن ليبدو الورد في سائر الغصن
ولم يودعوه السجن إلاّ مخافةمن العين أن تعدو على ذلك الحسن
/ ب/ وقالو: وكما شاركت في الحسن يوسفافشاركه أيضا في الدخول إلى السجن
وقال في الإمام عماد الدّين أبي حامد بن محمد بن حامد الكاتب الأصفهاني لما صنف الكتاب "خريد القصر وجريدة العصر"يهجوح:
خريدة أفّيه من نتنهاكأنها من ريح أنفاسه
فنصفها الأول في ذقنهونصفها الآخر في راسه
وبلغ هذان البيتان عماد الدين الكاتب, فجعل يردّدهما ويستحسنهما ويقول: والله لقد أحسن وإن أساء إلى في الهجاء.
وقال أيضا:
تكمّل فضلي بعد عشرين حجّةفكيف زقد جاوزتها بثلاث
/ أ/ وأفنيت عمري في مدائح معشركموتى ولو أنصفت كنّ مراثي
وقال أيضا:
قولوا لمن قال: إنّ هجوييفوق مدحي بلا امتراء
صدقت يا مانعا ثوابيمن ويا قاطعا رجائي
كآبة الكذب في مديحيورونق الصّدق في هجائي
وقال أيضا:
رأيت العشقين ولست منهموآخرهم شقاء لا سعاده
فعشّاق العلوق إلى بغاءوعشّاق القحاب إلى قياده
وله يذمّ الشمس:
لا كانت الشّمس فكم أصدأتصفحة خدّ كالحسام الصّقيل
وكم وكم صدّت بوادي الكرىطيف خيال جاءني من خليل
وأعدمتني من نجوم الدّجىومنه روضا بين ظلّ ظليل
تكذب في الوعد وبرهانهأنّ سراب الفقر منها سليل
وتحسب التهر حساما فترتاع وتحكي فيه القلب الدّليل
/ ب/ إنّ صدئ الطّرف فما صقلهإلاّ التّملّي بالحميّا جميل
وهي إذا أبصرها مبصرحديد طرف راح عنها كليل
يا غلّة المهموم يا جلدة الــمحموم يا زفرة صبّ نحيل
يا قرحة المشرق عند الضّحىوسلحة المغرب عند الأصيل
أنت عجوز لم تبرّجت ليوقد بدا منك لعاب يسيل
وأنت بالشيطان قربانةفكيف تهدينا سواء السّبيل
وقال أيضا:
أما والله لولا خوف سخطكلهان على محبك أمر رهطك
ملكت الخافقين فتهت عجباوليس هما سوى قلبي وقرطك
وهذه فصول من كلامه المنثور ومنه:
"كتبت وأنا أحمد الله الذي أحمده لأني أحمده, وأشهد لأنّي أشهده, وأعترف له بالعبودية لأني بالربوبية أعرفه وأصفه, ولا أحيط بشيء منه حين أصفه.
أنعم عليّ متفضّلا أ/ وتفضل علي منعما, وأنقذني من ردى, وبصّرني من عمى, ووفّقني وخلقني لينفعني ونفعني لمّا خلقني, وأوردني إلى الدّنيا على بر تقدّمي, ولطف سبقني. ووطأ لي أكناف النّعم, وثنى لي أعطاف الهمم, وعلمني ما لم أكن أعلم, وكفاني قبل القول أن أفحم, وبعد القول أن أندم, وفضّلني على كثير, وجعل عنايته بي ظاهرة التأثير:
وقال أيضا في ذكر دولة ورثها:
دولة ورّثها الجدّ السّعيد, وخولها الدر القهر, ومنحها الصر النصر, فركعت لها الأمم, وسجدت لها الدّول, وزالت بها الغمم, وانزاحت بها العلل, وقام بها مائل الملّة, وضحك بها مقبل القبلة,
وخطب بفضلها الأخرس, فطن لها الأبله, ووضحت بها لمن تهين البراهين, ولمن تديل الأدلة/ ب/ وتمسكت ولكن بالدين, واعتصمت ولكن بالله, سلطانها له من الله سلطان, وأعوانها لها من النّصر اعوان, وسيرته الفاضلة قد سارت بها الركبان, ولكن على العقبان. فالإسلام من طلقائه, والإيمان من عتقائه, والكفر يجاهره ولكن باتقائه, والشّرك به واقع في شرك انخفاضه وبعد ارتقائه, وعساكر تجعل الصّباح مساء يوم العرض, وسيوفه تجرّ في الأجسام البسط والأرواح القبض, ورماحه تكاد لطولها تمسك السماء أن تقع على الأرض:
فلو رام برجا في السّماء لما عصىعليه وقرنا في السّحاب لما نجا
فصل في دعاء:
"خلّد الله ملكه, وأبد فتكه, وأعزّ جنده, وأذلّ ندّه, وزيّن دولته بالسعود, ومملكته بالصعود, وجعل ضده المكتوب, مجده المسعود, ونصب مقامه قبلة تقابلاها ملائكة السماء بالسلام, وملوك الأرض بالسجود ولازال محمّر الظّبي, مخضّر أ/ الرّبى, جالسا والأنام في خدمته قيام, ساهر العزائم وملوك الأرض عنها نيام, منصفا بعدله الكرام من الأيام اللّئام, سابقا بسيفه كلام الأعداء فإن حربه أولها كلام, وإن الحرب أولها كلا:
كلّما قيل قد تناهى أراناكرما ما اهتدت إليه الكرام
فصل في دعاء الوزير:
"مولاي ورئيسي, وزير تسعى الملوك ببابه, وتستضيء بشهابه, وتستقي بسحابه, وتدفع خطوبها, وتستمد النصر لكتائبها من كتابه. ونستهدي الإصابة لسامها من صوابه, وتجني فضله صنوانا
وغير صنوان, ومتشابها وغير متشابه. قد قدر بعلو القدر وتصدر, لأنه الصدر, ووطيء على وجه الشمس ومفرق البدر, وملك ناصية المجد, وبلغ قاصية الفخر. ومضى له الحكم ولكن على العصر, ونفذ له الأمر ولكن على/ ب/ الدهر, وخشعت له قلوب الأنام في السّر والجهر:
فصل آخر في مثله:
" أدام الله أيامه ومد ظلها بامتداد ظله, وحلل عقدها بيمين عقده وحلّه, وجمع له الفضائل كلها بظهوره على الفضل كله, ولا زال عزّه لا يزول, وحال سعده لا تحول, وأيام دولته لا تقصر, وأيام أعدائه لا تطول. وأقلام يده العالية للأولياء تصل وعلى الأعداء تصول:
ولا زال ينبي النّاس فضل كلامهبأنّ كلام العالمين فضول
فصل في تقريض رئيس:
"خلق من صلصال الصولة, وحمأ الحميّة, ونفخت فيه روح الأريحيّة, وغذّته الأنفاس الرّوحانية, وربته الألطاف أ/ الربّانية, فجاء منه بشر إلاّ أنّه قمر, وجسد إلاّ أنّه أسد, وإنسان إلاّ أنّه سلطان, وملك إلاّ أنّه ملك:
وجاء يسدّ الناظرين ملاحةوجاء يسود الحاسدين معاليا
فصل في تقريض منعم:
"ثقّلت على كرمه, وأتعبت على متردّدات نعمه, وأنضيت في السير إلى هاطلات ديمة, وشرهت عليه والشره قبيح, وىثرت من النجح ولكنه المتعب, فكأنه اليأس المريح, وأوفدت عليه مطالبي حتى استحيت, وحملت مننه على عنقي حتى أعييت, وماء الوجه جديد, وماء الحياء بعيد.
أخلقت وجهي المطالب منهكيف لي عنده بوجه جديد
فصل في أيام سالفة:
/ ب/ "سقى الله دارا قضيت فيها اللّبانة, واجتليت فيها البدر زاهرا, واجتنيت منها العيش ناضرا, وبليت بها جلباب الشّباب, وأفنيت فيها رضاب الأحباب. وكانت أول أرض مسّ جلدي ترابها, وجدعي سرابها, ولما أطلت على أطلالها, وآنست طلوع هلالها:
ذكرت بها وصلا كأن لم أفز بهوعيشا كأنّي كنت أقطعه وثبا
فصل في شكوى فراق:
"وما يندب الخادم إلاّ نفسه, ولا يبكي إلاّ أمسه, لأنه قد فارق من مشاهدة سيدنا وبركة قربه, وقرب بركته, وتلقّى وفود الفوائد في وجهته من جهته ما جعله مغضوض الناظر, معضوض البنان, مجموع هموم القلب, منثور دموع الأجفان, طالبا من السلوّ ما لا يجده, وهيهات أن يسلو عن الماء الظمآن:
فذا الجسم قسم بين سقم وعبرةوذا القلب نهب بين فكر وأشجان
/ أ/ فصل في دعاء:
"أدام الله ظلّ المولى ممدود الرواق بين الآفاق, وأطلع بدور شعوره متضاعفة الإشراق آمنة من لحاق المحاق, وبسط أنامله التي هي مفتاح الأرزاق ومغالق الإملاق, وخلّد أيامه التي هي أحسن الأيام من محاسن الأخلاق وألطف من معاتبة العشاق, ولا برحت ذات ظل صفيق, وحواش رقاق."
فصل في استنجاد:
" الله الله أن ترقد عني والموت منتبه, أو تغفل أمري والأمر مشتبه, أو تنساني وقد ذكرتني الخطوب, أو تسيّبني وقد أوثقتني الذنوب, فقد والله حلّ الخطب الحبا, وسل الحتف الظبا, وبلغ السيل الزّبى, وأنا الرجل الذي ضعف احتماله, وقصّر احتياله, ولاحت مقاتله, وعلم قاتله, وقلّ ناصره, وكثر خاذله, وفات مداراة التلاقي فساده, وأعييت دلالات الخبير مجاهله."
/ ب/ فصل في وصف مجلس وحال:
ولما غاب العاذل, وجاد الباخل, وأنس الظبي النافر, وسفر البدر السافر, خلعت العذار وعذرت الإنخلاع, وواصلت الوصل, وقاطعت الإنقطاع, وهززت الغصن المثمر, ولثمت الوجه المقمر, وأطعت عناق العناق, وبلغت رسائل الأشواق, وأقدمت على المواضع التي كنت عنها أحجم, وأوردت في الموارد التي كنت عليها أحوم وأحمحم:
وهل يباعد عذب الماء ذو غصصأو ينثني عن لذيذ الزّاد منهم
فصل في مقال نفس سامية:
"وإنّ لي يا مولاي نفسا تواقة, وهمة ذواقة. لا تقف على حد, ولا تقفو إلاّ على جد, ولا تصير من الدهر على حالة واحدة, ولا تضمر من الهم إلاّ جمرة واقدة, ولا تألو جذبا لعناني, أ/ وعتبا على زماني, واضعا لأمالي الآماني, فأنا طول الدهر أثور ولا اركد, وأسهر ولا أرقد. وأطلب ولكن أين المطلب, وأغالب الدهر على أنه الأغلب. وأتعلق من الأمل بذمام نجم مغرب, وأشتاق إلى نيل الأرب وأين من الأمل عنقاء مغرب:
فيا ليت شعري ما الذي فيه راحتيوما آخر الأمر الذي أنا طالبه
فصل فيه تنبيه لمتكبّر:
"يا من ازدراني لما رآني, وحقرني لما نظرني, وهرب عني لما قرب مني, لا تغرك أطماري, وانظر إلى آثاري, ولا أثوابي وعليك بآدابي, ولا أسمالي وتفقد أعمالي, فما بالبزّة تنال العزّة, ولا بجدّة السربال يقبل الإقبال, ولا ببقاء الطيلسان ينطق الإنسان, وينطله اللسان:
قد يدرك الشّرف الفتى ورداؤهخلق وجيب قميصه مرقوع
فصل في استعطاف:
/ ب/ "وأنا أستعيذ بالله من ذنب يوجب عتبك, ويملح عذبك, ويصرف قلبك,
ويجعلك ثاني عطفك, ويؤلف تغيرك على إلفك:
لست على هجرك جلد القوىولا على عتبك شاكي السّلاح
فصل في شوق:
"ما ألأم ظفر الهموم, فإنها كثيرة تتساعد على قلب واحد, وما أتعب معاتب الأيام, فإنها تضرب من معاتبته في حديد بارد, وما أعجب بمن مني بقسوة الأقارب إذا رام الحنو من الأباعد. في لله كم تظلمت إلى مولاي من أغراض كتابه وصدوده, كم شكوت له طول ترقبي لوصوله وتطلعي لوفوده. وبالله لقد نسخ سوء الظن بانقطاع أخباره آية الأشواق, ولقد شغلني الوله عن إنفاق ذخائر الإملاق, ولقد عدل عندي ساعة فراق كتابه يوم الفراق".
فصل في ذمّ:
/ أ/ "قوبل جميلي بكل قبيح, وسكوتي بكل صريح, ﴿قل كلّ يعمل على شاكلته فربّكم أعلم بمن هو أهدى
سبيلا﴾ ولوتحاكمنا إلى المروءة لا فتضح منا من هو أخجل حجة, وأخزى دليلا, فظفر الضعفاء بالأقوياء مفهوم, فتك الجبناء بالشجعان معلوم, والوفاء في هذه الأيام معدوم, وصاحبه في سلك الليالي منظوم, وذلك المهين فقد سرت منه عقارب لو شئت لأسريت إليه قبالتها سريات, وطن أنه كوى في السر كية ولو شئت لكويته في الجهر كيّات, ولكن علمت الظفر به هزيمة, والإطراح له غنيمة, والغريزة العزيزة, والشيمة الكريمة تبعث على حفظ الصداقة القديمة:
وإذا باغى باغ عليك بجهلهفأقبله بالمعروف لا بالمنكر
فصل في وصف محبوبة:
/ ب/ " كيف أسلوها وهي لخلبي خلابة, ولغلبي غلابة, وبينها وبين نفسي قرابة, ولم تدع زاوية في قلبي حتى ملأتها صبابة, وما أدلت إلا بالحسن, وما أحست إلاّ بالدلال, ولا كسفت إلا وجوه النساء, ولا كشفت إلا أحوال الرجال, ما الخصر فمجدول, وأما الطّرف فبالكحل مكحول, وأما القد فما قصر وما طول, واما الجد فكالورد إلا أنه لا يحول:
هي الشّفاء لدائي لو ظفرت بهاوليس منها شفاء الدّء مبذول
فصل في اعتذار عن هدنة:
" قامت بيننا حروب, وقامت فيها خطوب الخطوب, وبقيت الدست قائمة فلا غالب ولا مغلوب, ونهك القتال إلى أن ضعف الطالب والمطلوب, فالتجأنا جميعا إلى المهادنة وفي النفوس ما فيها, وحسنّا بادي الوجوه وقبح الحقد خافيها, وأينعت حسائك أنبتتها الصدور, وانعمرت حزازات لا تهدمها الدهور/ أ/
فالظواهر سليمة, والبواطن سقيمة, والسيوف مغمدة, ولكنها في الأكباد مسلولة, وأيدي الضغائن مبسوطة, وأن كانت أيدي الفتك مغلولة:
وفينا إن كنّا اصطلحنا تباغضكما طرّ أوبار الجراب على البرّ
فصل في دعاء:
"أدام الله دولته وأدامها ومدّ مدته وأطالها, وصرف إليه الآمال وأمالها, وأمتعه بشكر النعم التي أنالها, ولا زال يستخدم الأفلاك, ويستعبد الأملاك, ويعفر بعرصات جباه الجبابرة, ويفضل بسيرته الفاضلة سير الملوك الغابرة. ويقتطف زهر النصر الأبيض من ورق الحديد الأخضر, ويسل على الأعداء نصل نصر لا يزال رائع المخبر رائق المنظر, وسهل الله للملوك لقاه الذي يجمع بين فمه وتراب موطئه, ويتخلص من بحر الهموم إلى جنابه الذي هو كشاطئه, ويحكم آماله في أمواله, ويهاجر من الهجير إلى ظل إقبال:
فمن لم ينل منه الغنى فه عاجزومن لم يعش في ظلّه فهو خائن
فصل في ذكر أحباب رحلوا:
"فأما جيراني فيا ما جاروا لما ساروا, ويا ما عملوا لما احتملوا, ويا ما أمرضوا لما قوّضوا, ويا ما فعلوا لما رحلوا.
شتتوا والله شمل الدموع, ونثروا نظم الظلوع, وأنزلوا على القلوب كيّات الإكتئاب, وقطروا القلوب إلى أذناب الركاب. وكان الأنس بهم مصقول الترائب, والعيش بهم مخضر الجوانب, والجذل بهم أحمر الوجنة, والربع بهم أزهر الدّمنة, والسرور بهم باسم المباسم, والأيام بهم كلها مواسم. وكان الدهر قد غمض عينه عنهم مدة, وعقد بينهم وبينه مودة, ثم نكث وغدر عليهم القدر, وختم صفوفهم بالكدر, وفرقتهم أيدي سبا, وأذهلهم عن التذكير لعهود
الحمى, والتلفت إلى أيام الصبا, فالدار بعدهم داثرة, وكم دارت عليهم دائرة وبائدة, وكم حلّت بها بائدة, وقد بكى أ/ عليها السهى والفرقد, وخجل منها الغراب الأسود, ومشى عليها الدهر وهو مقيد:
بانوا فبانت أسفا بعدهموإنّما النّاس نفوس الدّيار
هبة الله بن حاتم بن عبد الجليل بن عبد الجبار بن جعفر بن علي بن سليمان بن سيد بن أبي قحافة, أبو القاسم الأنصاري.
من أهل الديار المصرية.
كانت ولادته سنة خممس وستين وخمسمائة.
سمع الحديث على البوصيري وابن أحمد الأرتاحي, وحدّث عنهما. وكان كاتبا في بعض دواوين مصر, وفيه فضل وأدب وينظم شعرا لا بأس به.
أنشدني أبو محمد عبد الواحد بن عبد الله بن أبي جرادة الحلبي بها, قال: أنشدني أبو القاسم لنفسه بمصر:
يا سيدا إن يغب غابت مسرّتهوإن لمحناه عاد البشر والفرح
وكلّ حالاتنا في بعده نصبوكلّ أوقاتنا في قربه ملح
إذا بقيت فثغر الجود مبتسملطالبيه وصدر المجد منشرح
هبة بن حامد بن أحمد بن أيوب بن علي بن أيوب, أبو منصور النحوي اللغوي, الملقّب بعميد الرؤساء.
من أهل الحلة المزيدية, بها ولد ونشأ. وكان أهله كتابا متصرفين يتعرضون لخدمة السلطان, وأصلهم من النعمانية, وبقي في الحلة منذ ولد إلى بضع عشرة سنة. وتعلم الخط عند أستاذ كان بالحلة, يقال له خزيمة بن محمد الأسدي, وتأدب عليه إالى سنة تسع وأربعين وخمسمائة, ومضي إلى مدينة السلام يطلب العلم والأدب, وله من العمر عشرون سنة فأقام بها قريبا من عشر سنين زائدا فناقصا يعاني الفقر والفاقة ويجد ويدأب في الإشتغال.
وتخصص بأبي الحسن علي بن عبد الرحيم بن العصار الرقي اللغوي تخصصا عظيما, وقرأ عليه كتبا كثيرة في اللغة وفنون الأدب, وروى عنه جميع ما يرويه. ولقي الإمام أبا محمد عبد الله بن أحمد ابن الخشاب النحوي, وأبا العز محمد بن محمد بن الخرساني, وأبا محمد إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الجواليقي/ أ/ وابن خضير الصيرفي وغيرهم من شيوخ العلم والأدب, وروى عنهم وبرع في علم اللغة, وصار يعدل بشيخه أبي الحسن علي بن العصّار ويفضل عليه وشاع ذكره في الآفاق. وكان خطّه مليحا ونسخ لنفسه نحوا من مائة مجلد في اللغة وعاد إلى الحلة فأقام بها إلى أن مات يوم عيد الفطر سنة عشر وستمائة.
وكان أديبا بارعا نحويا ولغويا شاعرا شيخ وقته, ومتصدر بلده, وعنه أخذ أهل تلك البلاد الأدب وعلم اللغة. وكان قد تزوج بالحلة بامرأة صالحة خيرة من قوم أمائل يعرفون ببيت الدربي, فبورك له فيها ورزق منها عدة بنين وبنات ماتوا جميعهم في
حياته, وبقيت منهم بنت واحدة ماتت بعده.
وكان قد وفد على أبي عبد الله بن شعبان متوسلا بالخؤولة, لأن أمه كانت من بني شعبان فواصله بما مبلغه مائة دينار, فقبلها لمكانته عند الناس, وأثرى من بعد فقر, وعاش عنيا موسرا, وبقي نيفا وثمانين سنة.
وكان شعره شعر الأدباء لينا سهلا ومنه قوله يرثي زوجته/ ب/ المقدّم ذكرها من أبيات:
لم تذهبي فأقول الذاهب امرأةوإنّما ذهب المعروف والكرم
بي مثل ما بك إلاّ أنّ ذلك بلىمغيّر وجهك الحالي وذا سقم
ومن شعره أيضا ما كتبه إلى أبي الفتح محمد ابن أحمد بن حيا الكاتب الحلّي:
يا أيها الماجد الموفي على شرفمن العلاء تطاطا دونه الرّتب
ضمنت لي وضمين الشيء غارمهقضاء ديني وديني ثابت يجب
وأنت ذو الفضل لا منّ ينكّده .. والقول لا يعتريه الزّور والكذب
ما فات طالب عرف منك مطلبهإلاّ واعيا عليه ذلك الطّلب
وكيف يبخل بالنّزر القليل فتىكثيره بأكفّ النّاس ينتهب
فاعجب لهذا وأكثر من تدبرهإن كنت لو تدر قبل اليوم ما العجب
وله أشعار غير ما ذكرته, إلاّ أنّه لم يصل إليّ منها شيء عند توريقي هذا الكتاب.
هبة الله بن أبي الحسن بن أبي الخير بن بطرس بن بلوطس بن بيمك, أبو البركان الصرانيّ.
من أهل الديار المصرية.
كان يخدم الملك الأشرف مظفّر الدين شاه أرمن أبا الفتح موسى بن أبي بكر بن
أيوب في دولته متصرفا, فعرض عليه الإسلام, فأبى فاعتقله فخرج من السجن وقصد إربل فولّاه سلطانها الفقير إلى الله أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين –رحمه الله تعالى- الإشراف بديوان الارتفاع الخاص.
وكان له تقدم في وضع الحسابات الديوانية والأحكام الخراجية, ويقول الشعر الحسن المطبوع على سبيل الإنبساط والمداعبات, ولو يزل مقيما بإربل إلى أن توفي عصر يوم الإثنين ثامن عشر ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وستمائة.
وقد ذكره الوزير الصاحب العالم أبو البركات المستوفي –﵁ في تأريخه الذي ألفه لإربل, وقال: سألت أبا البركات بن بيمك عن مولده, فقال: ولدت في دمنهور الوحش سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
ور إربل ب/ بعد أن اعتقل مدة طويلة. وكان يلي بعض أعمال الملك الأشرف ... بن أبي بكر بن أيوب, فنقم عليه, وأخذ ماله, فورد إربل والتحق بالملك المعظم أبي سعيد كوكبوري بن علي لما كان في بلاد العجم سنة إحدى عشرة وستمائة, ووصل إلى إربل فتوصل إلى أن صار له إشراف الديوان بالقلعة, يكتب حسنا. وزعم بعض المصريين, ا، ّ بيمك امرأة نسبوا إليها.
وأنشدني, قال: أنشدني أبو البركات بن بيمك لنفسه:
دعيني والسّرى ومجال عيسيلعلّي مدرك ما في النّفوس
فلم يك بالغا أمرا نفيسافتى ما لم يغرّر بالنّفيس
وخلّ لكلّ ذي عزم ضعيفمعاقرة المواطن والجلوس
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن وهرام بن بكران البوازيحي الإربليّ بها –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني أ/ أبو البركات هبة الله بن أبي الحسن بن بيمك النصراني لنفسه, وقد ورد عليه كتاب من بعض أصدقائه:
وقفت على الكتاب فهمت شوقاكأنّي قد شربت من السّلافه
وبتّ سمير شخصك منه مولىبقلبي أنت مع بعد المسافه
فرحت يهزّ أعطافي سروركأنّي قد ملكت به الخلافه
وقاك الله من غير اللّياليومن ثوب الحوادث كلّ آفه
فكلّ حديث أهل الودّ عنديسواك إذا سمعت به خرافه
وأنشدني أيضا من لفظه, قال: أنشدني أبو البركات هبة الله بن أبي الحسن بن أبي الخير بن بطرس المصري لنفسه بإربل:
/ ب/ لو كان يدرك بالتّركّض سائرما فاته في يومه أو أمسه
يحوي هلال التّمّ وصلا لو يزلأبدا يحاوله بدارة شمسه
لكنّه لما توغّل في السّرىلقي الكسوف من الرّدى في نفسه
والسّعي إذا لم تعط فيه سعادةمتحرّك أبدا يعود بنحسه
هبة الله بن أبي سعيد بن أبي الكرم بن أبي سعيد بن أبي الخير بن أبي اليمن, أبو البركات النصراني, المعروف بابن ستّوتة.
من أهل مصر.
كان ذا نظم ونثر وخطّ مليح حسن, ومعرفة جيدة بالحساب, ولديه فضل وأدب يتصرف في الأعمال الديوانية, وأقام بحلب مدة, واتصل بخدمة الأمير مبارز الدين يوسف بن ختلخ الحلبي. ثم انتقل عنه وخدم لعض الولاة في مفر طاب, ومات في عاشر رمضان سنة خمس وعشرين وستمائة.
أنشدني الأجل نظام الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عبد المنعم ابن المولى الكاتب المنشيء بديوان حلب بها –أسعده الله تعالى- لفظا, قال: أ/ أنشدني أبو البركات بن ابي سعيد بن ابي الكرم المصري لنفسه ما كتبه إلى الوزير أبي الحسن علي بن يوسف القفطي يستعفي من عمل التصرف:
أنا أشكو إلى معاليك حاليووقوعي ما بين شيب وشين
ليس لي قدرة على أن ألاقيروعات الحساب في الدّرين
ذاك فيه عيب يخاف هذافيه جور فالويل من هذين
هبة الله بن عبد الرحمن بن محمد بن محمود بن الشيرازي, يكنّى أبا الفضل.
من أهل مدينة السلام.
شيخ لقيته بها بمجلس الشيخ الحافظ أبي عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار البغدادي –رحمه الله تعالى- وذكر لنا أّنه دخل البلاد الخرسانية, وتجوّلها. وكان تاجرا.
ولد بالنيل وسألناه عن ولادته, فقال: إنّ له من العمر سبعين سنة. وكان سؤالنا له والاجتماع به يوم الخميس ثاني رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة, فيدل انّ مولده في سنة سبعين وخمسمائة.
يعاني قول ب/ الشعر, وله في نظمه طبع صالح, وقريحة ما بها بأس يتشيّع.
أنشدنا من قوله –وكان قد سجن- ما كتبه إلى أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبي العباس أحمد –رضوان الله عليه- يتألم من السجن ويشكو إليه حاله, وما يلقى من المحبوسين ومن المقام بينهم:
خليلي إنّني أوليك نصحاوصايا للكهول وللشباب
إذا ما شئت أن تدعى رشيداوترمق بالسّداد وبالصًواب
تجنّب ما استطعت وكنت حيّالواوات ثلاث في كتاب
فواو وصيّة لا خير فيهافتلقى في السّجون وفي السّباب
وواو وكاله وّكلت فيهابسوء الظّن من كلّ الصّحاب
وإن رمت الثّواب وحسن فعلفما فيها لعمرك من ثواب
تصّبر واعتبر إن كنت طبّابما قدّ حلّ بى ولسوء ما بى
نصحت فمأ رايت النّصح يجدىومن قّد خان ممنوع الجواب
أرى حبسى وبالا ليس فيهسوى إثم تضاعف في الرّقاب
/ أ/أيا مولاى دعوة مستغيثإلى ربّ السّماء من العذاب
ومن سجن تجمّع فيه حولىأناس في التهارش كالكللاب
فإن عاشرتهم دنّستعرضىوإن جانبتهم بزّوا ثيابى
ونحن بجمعنا في قعر لحدموات فاتنا طم التّراب
إذا اشتدّ الهجير بهـ علينايسيل صديدنا سيل السّحاب
وإن جرت النّسيم تجرّ فيهاروائح في المعاطس كالحراب
وقد تغدو النّفوس بها سكارىيميل بها ولا سكر الشّراب
تعجّل ما تأجّل من عذابفكيف وما أى يوم الحساب؟
فبتّ معاتبا دهرا رمتنىنوائبه وما يجدى عتابى
أقول له ودمع العين يجرىكما وهت العقود من الكعاب
اتقصدنى وقّد الجأت ظهرىولذت بظلّ ممنوع الجناب
عنيت النّاصر المنصور عضدىخليفة احمد كأبى تراب
إماما يملأ المحراب زهداوفى يوم الكريهة ليث غاب
فأوجس خيفةّ دهرى وطابتمذاقّته وكان كطعم صاب
/ ب/ وقالوا وقد لجأت إلى جنابتلين لبأسه كل الصعاب
فيا خير البريّة لا أحاشىويا خير الآنام ولا أحابى
بمن أدنى النبىّ بقاب قوسواظهر دينه بعد احتجاب
وطهّرمن كل رجسّوانت من السلالة واللّباب
اغثنى إنّنى بك مستجيرلتنقذنى من الظّلم العجاب
فلو أنى استطعت شرحت ما بىوما عند الرّعيّة من شغاب
بقيت على الرّعيّة في سرورودمت لها على مرّ الحقاب
وما ناحت مطوّقة بأيكوما حجّ الحجيج على الرّكاب
وأنشدنى أيضا ما كتبه إلى الوزير مؤيد الدين أبى الحسن محمد بن عبد الكريم
بن برز القمى- وكان يومئذ يتقلد الوزارة للإمام أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبى العباس أ/ رضوان الله عليه-ويتظلم إليه من القاضي شهاب الدين أبى المناقب
محمود بن أحمد بن بختيار الحاكم بمدينة السلام- وكان ينبز بابن عروس لقصر كان في رقبته:
يا وزير الإمام في الحلّ والعقــد لقد ضاع في اختيارك حسّى
مسخ النّاس في زمانك فأرافتولّى عليهم إبن عرس
جدّه قنفذ وعرس ابوهليت شعرى فبزره اىّ جنس
قال قوم لمّاـ رأوه بدستنافذ الخكم في القضاء والدّرس
وخراج البلاد يجبى إليهبعد ما كان لا يرى نقش فلس
مثل هذا ون حاكم بغدادوعار يكون هذا ببرس
/ ب/ انقذوا الشّرع من يديه فقد أصــبح من سوء فعله في رمس
فرح القائلون بالأب والإبــن وموسى ومن يرى للشمس
فرحوا إذا رأوه للشّرع قدمات فهم من عزائنا قفى عرس
يا إمام الهدى ويا حجّة اللــه ومن حبه مخالط نفسى
ما أرى ناصحا لك اليوم في النّاس فينهى إليك من غير لبس
انّ هذا ابن عرس قد فرس المال ولا فرسة الأسود الشّرس
قد حوى جلده ثلاثين الفافخذوها منه بأهون لمس
واجعلوا يومه الّذى هو فيهمثل ما كان مدبرا بالأمس
وإذا رمتم زيادة مالفاجعلوا جلّ صحبه في الحبس
من وكيل ومحضر وغلامقلعوا النّاس مثل قلع الضّرس
من لمال الآيتام يحنّو عليهاذهبوه ما بين اكل ولبس
هبة الله بن علىّ بن عيشى بن المقلّدين بى علوىّ، أبو المعالى بن أبى القاسم النيلى.
كانت ولادته بالنيل ثالث عشر صفر من ستة أربع وستين وخمسمائة، وعاش أ/ إلى قريب سنة عشرين وستمائة.
كان عاما فاضل يترامى إلى علوم الحكمة وأصنافها، وله معرفة باختلاف المذاهب
والأديان وأقاويل الحكماء وارباب المقالات. وأنشأ رسالة نظما ونثرا سماها"القاصمة القاصلة والفاصمة الفاصلة"، وصنع رسالة أخرى وسماها بـ"المذهبة الكاسفة’ لمذاهب الفلاسفة"، عملها ردا على فلاسفة يونان وأصحاب المنطق وإبطال أقوالهم، وكشف ما ستروه من العقول، وقال أشعارا في المواعظ والزهد والاعتبار وما يجرى مجرى هذه الفنون.
أنشدنى الصاحب الوزير شرف الدين أبو البركات المستوفى الإربلى بها-رضى الله عنه-قال: أنشدنى أبو المعالى النيلى لنفسه:
يارّب هذى القدرة القاهرهوالحكمة البالغة الباهره
يارّب ذا اللّيل الّذى قد سجاورّب هذى الأنجم الزّاهره
يا منشئ الخلق كما شاءهويا معيد الّرميم النّاخره
/ ب/اسألك الأمن غداه اللّقاإذ تجمع العالم بالسّاهره
والعفو عنّى وجميل الرّضافي هذه الدّنيا وفى الآخره
وأنشدنى، قال: أنشدنى هبه’ الله بن على النيلى لنفسه في الإنقطاع إلى الله ﷿:
إلهى ليس لى جلد فاقوىعلى نار الجحيم ولا أطيق
وإلا تعف عنّى او تجرنى .. فإنى بحار ردى غريق
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع