من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه يحيى (٤)
يحيى بن عيسى بم إبراهيم بن الحسين بن علِّي بن حمزة بن مطروح بن سليمان، أبو الحسين بن أبي البركات الأعرابي الحميريُّ.
كانت ولادته في يوم الإثنين ثامن رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بمدينة أسويط من مدن الصعيد الأعلى بالديار المصرية، وتوفي بمصر في مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة.
وكان أوَّلًا يتولى الكتابة بديوان قرص، ثم هاجر إلى مصر وتولى بها عملًا جليلًا للملك الكامل أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب المستولي يومئذ على الديار المصرية في ديوان الأحباس؛ ولما مات الملك الكامل قربة الملك الصالح أبو الفتح أيوب، وأشخصه من بين نظرائه ورتبه عارض الجيش، ورفع منزلته وازداد ب/ تقدمه حتى كاد أن يكون أجل رتبه من وزرائه.
لقيته بحلب وقرأت عليه قطعة وافرة من أشعاره؛ ومما أنشدني في جمادي الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، يمدح الملك الأشرف شاه أرمن بن موسى بن أبي بكر بن أيوب- رحمه الله تعالى- من قصيدة طويلة:
وافى وأقبل في الغلالة ينثنيفأراك حظَّ المجتلى والمجتني
ورنا فما تغني التَّمائم والرُّقيوأبيك من لحظات تلك الأعين
أغناه ذابل قدِّه عن ذابلٍوبشعره عن بيت شعر قد غني
رشاٌ من الأعراب مسكنه الفلًاولكم له في مهجة من مسكن
كم قلت للعذَّال فيه ألا اقصروالا أرعوي لا انتهًي لا انثني
يا هاجري البستني ثوب الضَّنىواخذتني يا تاركي من مأمني
حتَّى فؤادي خانني ووافى لهوكذا الرُّقاد صبا إليه وملَّني
يا قلب ما آنست بعداك راحًةفمتى أراك ويا كرى أوحشتني
عهدي به ويدي مكان وشاحهوالوجد باق والتَّجلُّد قد فني
/ أ/ وشدا بشعري فافتتنت ويالهامن فتنة شنعاء لو لم أفتن
شعري ومحبوبي يغنِّيني بهوهناك تحًسن صبوة المتِّدين
لا شيء يطب سامعاً بحديثهإلاَّ الثَّناء على علا شاه أرمن
وأنشدني أيضاً لنفسه من قصيدة:
بأبي وبي طيفٌ طرقعطر اللَّمى والمعتنق
ما إن مددت له يديَّ معانقاً حتَّى أبق
ثمَّ انتبهت فما وجدت سوى الصَّبابة والحرق
فطفقت أنشد بعدهولواء قلبي قد خفق:
أوحشت جفني ياكريوعدمت أنسك يا أرق
يا قوم من لمتيِّمٍفتكت به سود الحدق
يا شمس قلبي في هوًاك عطاردٌ وقد احترق
وأذاع عنِّي عاذلٌأنِّي سلوت وما صدق
يا من يزاحم ادمعيأخشى عليك من الأرق
/ ب/ ملك الملامح ترى العيونعليه دائرًة يطق
ومخيِّمٍ بين الضُّلوعوفي الفؤاد له سبق
فاز الوشاح بضِّمهوحكيته أنا في القلق
أخجلت خدَّ الورد منــك بوجنةٍ تحكي الشِّفق
حتَّى تقطَّر دائباًوعلامة الخجل العرق
لا والَّذي اجتمعت علىتفضيله كلُّ الفرق
موسى الذَّي اصطبح السَّماح براحتيه واغتبق
كالمسك طيب ثنائهفمتى نطقت به عبق
وأنشدني أيضاً لنفسه:
بات في أثناء صدريغصنٌ نيط ببدر
بدويُّ نازلُّ منشعره في بيت شعر
حاملٌ نجداً وغوراًمنه في ردف وخَّصر
ما رنا واهتَّز إلَّاكان في بيض وسمر
حبَّذا ليلة وصلمنه في ليلة قدر
/ أ/ أشرقت عن نور كأسوسنى وجه وثغر
وتعانقنا فما قولكفي ماء وخمر
وتعاتبنا فقلما شئت من غنًج وسحر
ثمَّ لمَّا ادبر الَّيــل وجاء الصُّبح يسري
قال: إيَّاك رقيبيبك يدري قلت: يدري
وأنشدني أيضاً قوله:
سقى صوب الحيا تلك المغانيوإن اقوت من الغيد الحسان
ملاعب أنسنا والشَّيب منَّابعيد والشَّباب الغضُّ داني
وربعًا ما مررت عليه إلَّالواني الوجد لي الخيزران
ولا أنسى وإن أنسي التَّصابيمصاحبه الشَّباب وإن جفاني
. العهد من شيمي وغيريتغيِّره تصاريف الزمان
ولا روضاً جررت به ذيوليخلىَّ البال منطلق العنان
يذكرني زماناً لو صفا ليخليلٌ مثله فيه كفاني
فلو ذابت لياله لكانتتنوب عن العوالي والغواني
/ ب/ فما أبقت صروف الدَّهر منهسوى مثل المودَّة في القيان
وإلاَّ كالتَّجلُّد من محبٍّوكالإقدام من قلب الجبان
وليلا بتُّ ساهر ولكنعلى نغم المثالث والمثاني
تطوف علىَّ ولدانٌ وحورٌوتخدعني أحاديث الجنان
فما قبَّلت إلاَّ بدر تمَّولا عانقت إلاَّ غصن بان
فأحييت الدُّجى لعباً ولهواًعلى أنِّي سفكت دم القناني
وباكرني اخلاَّءٌ كرامُّيشار إلى علاهم بالبنان
فجشَّمنا خدود الورد ظرفًاوضاحكنا ثغور الأقحوان
وأنشدني لنفسه:
بروحي من فتنت بهعلى ما فيه من صلف
شبيه الطَّبي في كحلنظير الغصن في هيف
وقالوا البدر يشبههوحاشاه من الكلف
وكم يوم خلوت بهيطول لذكره أسفي
وكم عانقًت قامتهعناق اللاَّم للألف
/ أ/وأقسم لا سلوت هواهـ ولو أفضى إلى تلفي
وأنشدني لنفسه في غلام لابس أصفر:
أقبل يختال في غلائلهوالسُّكر باد على شمائله
وقد غدا ساحبًا ذوائبهقوموا انظروا البدر في حبائله
وماس في حلَّة مورَّسةيا من رأى الغصن في أصائله
لو أدَّعى عاشقٌ عليه دمًاعنَّى بخدَّيه عن دلائله
أسأله رحمةٌ فينهرنيما فيه من رحمة لسائله
وأنشدني قوله:
وقالوا: أسل عنه فقد شانهعذارٌ أراحك من صدِّه
فقلت: وهمتم ولكِّنَّنيخلعت العذار على خدِّه
وأنشدني لنفسه:
عانقته فسكرت من طيب الشَّذاغصنًا رطيبًا بالنَّسيم قد اغتذى
نشوان ما شرب المدام وإنَّماأضحى بحمر رضابه متنبِّذا
/ ب/ كتب الجمال على صحيفة خدِّهيا حسنه لا بأس أن تتعوَّذا
يا ناظري أمَّا وقد شاهدتهوالله لا رمدًا تخاف ولا قذى
مهما اكتحلت بخدِّه وعذارهلم تلق إلَّا عسجدًا وزمرُّدا
أضحى الجمال بأسره في أسرهفلأجل ذاك على القلوب استحوذا
وأتى العذول يلومني من بعد ماأخذ الغرام على فيه مأخذا
والله لا خطر السُّلو بخاطريما دمت في قيد الحياة ولا إذا
إن عشت عشت على هواه وإن أمتوجدًا به وصبابًة يا حبَّذا
إني ليعجبني تلافي في الهوىيلذُّ لي ما قدت لقيت من الأذى
لا أرعوي لا أنتهى لا أنثنيعن حبِّه فليهذ فيه من هذى
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بهاء الدين أبي الفضل زهير بن محمد الكاتب يستهدي منه درج كاغد وقليلًا من المداد:
أفلست يا سيِّدي من الورقفانعم بدرج [كعرضك اليقق]
/ أ/ وإن أتاه المداد مقترنًافمرحبًا بالخدود والحدق
وأنشدني لنفسه حين سمع عن الملك الناصر صلاح الدين داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب، قد أخرج الفرنج من البيت المقدس وأزالهم عنه، وصار بيد المسلمين –حمى الله حوزته- وذكر أنه عمل هذه الأبيات ارتجالًا:
المسجد الأقصى له عادةٌسارت فصارت مثلًا سائر
إذا غدا للكفر مستوطنًاأن يبعث الله له ناصرا
فناصرٌ ظهَّره أوَّلًاوناصرٌ طهَّره آخره
وأنشدني له أيضًا في الملك الناصر صلاح الدين داود:
ولو لم يكن في وجهتي غير أنَّنيلثمت يمين النَّاصر بن المعظَّم
/ ب/ وكنت جديرًا أن أمتَّ على الورىبما نلت من يمن وأمن ومغنم
فكيف وقد أمسيت فوق بساطهأقلب طرفي في سماء وأنجم
وأنشدني أيضًا قوله:
قد أثقلت ظهري أوزاريوالويل إن ناقشني الباري
كم ليلة أسرعت فيها الخطىإلى الخطايا حلف إصرار
وكم تجرَّأت على فاحشولا أجتراء الأسد الضَّاري
كيف يكونٌ العذر في موقًفيذُّل فيه كلُّ جبَّار
وتشخص الأبصار في حيث لادارٌ سوى الجنَّة والنَّار
يا ربِّ عفوًا عن ذنوبي فماسألت إلَّا عفو غفَّار
وأنشدني لنفسه في غلام اسمه بدرون:
لك يا بدرون وجهٌفيه عنوان السَّعادة
لا تخف نقصًا ومحقًاأنت بدرٌ وزيادة
وقال أيضًا:
/ أ/ بأبي غزالٌ تائهٌ متصلِّفلأنت معاطفه ولا يتعطَّف
سكران لا يصحو ولست بمنكرقد صحَّ أنَّ الرِّيق من قرقف
حلو الشَّمائل والتَّثِّني واللُّمَّىمن يجتني من يجتلي من يرشف
شاكي السِّلاح وما تكلَّف حملهاللَّحظ سيفٌ والقوام مثقَّف
لمَّا بدا للغانيات وقد بدامن حسنه ما لا يحدُّ ويوصف
قطعن أيديهنَّ حين رأينهلما افتتنًّ وقلن هذا يوسف
هجر الكرى جفني وواصل جفنهيا قوم حتى النَّوم لي يستضعف
وسرى إلى جسدي ضنى أجفانهلا ياضنى جسدي أرق وتضعف
أشكو إليه وما عسى أن أشتكيهو بالَّذي ألقاه منًّي أعرف
كبدٌ يفيض نجيعها من أدمعيحتَّى كأنِّي من جفوني أرعف
ووحقِّه لم يبق في بقيةٌولقلَّما يبقى الكئيب المذنف
وأراه لا يزداد إلَّا قسوةًيا ويح من يشكو لمن لا ينصف
وأرى الخضوع يلذُّ لي في حبِّهوسجيَّتي تأبى الخضوع وتأنف
وإذا سمعت بعاشق متعفِّففأعلم بأنِّي العاشق المتعفِّف
/ ب/ وقال أيضًا:
إن كنت ذا مقدرةحقًا فزد في أجلك
مالك شيءٌ غير مًاقدَّمته من عملك
وقوله:
أسرب المها لا حبَّذا أنت من سربفما فيك من حظٍّ لعيني ولا قلبي
ويا حبَّذا سربٌ إذا سار بي الهوىإليه التقاني بالبشاشة والرُّحب
وأنزلني فوق المنازل رفعًةلأنَّ مكاني منه في الطَّرف والقلب
وربَّ غزال فيه يهوى تغزُّليفبات أسيري وهو يفتك بالغلب
وسمراء كالسَّمراء بتُّ ضجيعهاتزيَّت بزيِّ التَّرك وهو من العرب
سقتني إجلالًا حميُّا رضابهاولم ترض لي شرب الحليب من النُّغب
وقالت أجل عينيك في ورد وجنتيفحمرته تلهيك عن خضر العشب
كريمة حي تبذل النَّفس في الهوىفلا شيء أحلى من مكارمه الحبٍّ
تقول وقد أوجست خيفة أهلهارويدك لا تحفل بأهلي ولا صحبي
وقال أيضًا:
/ أ/ صبا وهو غربيب الذَّوائب ما صباووفَّى التَّصابي حقَّه زمن الصَّبا
فأنِّي وقد لا المشيب بفودهفأهلًا وسهلًا بالمشيب ومرحبا
ولم يبق إلَّا أن ينيب ويرعويويعرض عن ليلى ويهجر زينبا
وفي النَّفس منِّي صبوةٌ بعد ذا وذاإذا اعترضت يهلكن ماد تطربا
ولم أنس لمًّا زارني من أحبُّهنهاراً جهارًا والظُّبا تقرع الظُّبا
وما زارني ليلًا كما زار في الدُّجىحبيب زهير خائفًا مترقبًا
وما زاره حتَّى رأى النَّاس نوَّماًوراقب ضوء البدر حتَّى تغيَّبا
فبادرت إجلالًا الثم الثَّرىوأبسط خدِّي في التُّراب تأدبا
وقلت له: تفديك نفسي وأسرتيتغيَّب من أجلي فأبدى تعجبُّا
وقال: على رأسي أزورك صاغرًاإذا لم يكن إلَّا الأسنَّة مركبا
وعاطيته الصَّهباء حتَّى انثنىوماد كغصن البان مالت به الصَّبا
فنادمت بستانًا وغازلت جؤذرًاوعانقت أملودًا وقبَّلت كوكبا
وتمَّ لنا ما لا سمعت بمثلهوقضيته يومًا من العمر مذهبا
سلامٌ على ذاك الزَّمان الَّذي مضىوسقيًا لهاتيك المعالم والرُّبى
/ ب/ وقال أيضًا:
يا ملاذ المستجير بهلا تؤاخذني بما سلفا
وأعف عنِّي عفو متقدرأنا عبدٌ مذنبٌ وكفى
وقوله:
خذوا حذركم من طرفها فهو ساحروليس بناج من دهته المحاجر
فإن العيون السُّود فهي فواترٌتفلُّ السُّيوف البيض وهي بواتر
ولا تخدعوا من رقَّة في كلامهافإنَّ الحميَّا للعقول تخامر
منعمةٌ لوصافح الورد خدَّهابكت وجرت من مقلتيها بوادر
من القاصرات الطَّرف غارت لحسنهاضرائرها والنَّيِّرات الغرائر
فلو في الكرى مرًّ النَّسيم بطيفهاسرى لبدا من طيبها وهو عاطر
قلائدها تشكو الظما ووشاحهاوإن شرقت في معصميها الأساور
بعيدة ما بين المخلخل والطُّلىترى الطَّرف منها ينثني وهو حاسر
إذا ما اشتهى الخلخال إخبار قرطهافيا طيب ما تجلى عليه الضَّفائر
ويا عاذلي والله ما أنت منصفٌأعن مثل هذا الحسن تصبى النَّواظر؟
/ أ/ وقال أيضًا:
خلائقه والدُّرُّ فيه منضَّدٌومن ذا رأى في العذب درّاً منضَّدا
رأيت بخدَّيه بياضًا وحمرةفقلت: لي البشرى اجتماعٌ تولَّدا
وقوله:
ومهفهف ماس القضيب وقدُّهوكلاهما متأوِّد ريَّان
لكن يروقني الَّذي في خدِّه الــبستان لا ما ضمَّه البستان
ورنا إلىًّ وقد رأى ريم الفلايرنو وكلٌّ منهما وسنان
فاصطادني إنسان من خالستهلا ما تصيد مثله الإنسان
ولقد نظرت إليه يوم شهدتهفتشابها لولا فمٌ وبنان
وذؤابة لولا سلامة من دنامنها حلفت بأنهَّا ثعبان
أفلا أهيم بمن حكت أوصافهالأقمار والغزلان والأغصان
والحسن يعشق حيث كان فكيف لاأصبو لحسن زانه الإحسان
وإذا نسيت فلست أنسى قولهإن خنتني فحسيبك الرَّحمان
وشقائقًا قبَّلتها من خدِّهحتَّى رثى لذبولها النُّعمان
/ ب/ وقال أيضًا:
بعثت إلىَّ بنرجس وبوردةففهمت أفديها حقيقة قصدها
لمَّا تعذَّرت الزَّيارة أرستبشبيه ناظرها إلىَّ وخدًّها
وقال أيضًا:
إن قسته بالبدر ما أنصفتهأو بالغزال وجدته مظلوما
هذا نبيُّ الحسن جاء فكلُّكمصلُّوا عليه وسلُّموا تسليما
وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدين داوود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب:
ثلاثةٌ ليس لهم رابعٌعليهم معتمد الجود
الغيث والبحر وعزِّزهمابالملك النَّاصر داوود
وقال في الملك المسعود بن الملك الكامل محمد حين توفى:
/ أ/ قالوا: قضى الملك المسعود قلت لهم: لا تطمعوا في بقاء الشَّمس والقمر
قل للملوك: استقرُّوا في ممالككممات الَّذي كنتم منه على حذر
وقال أيضًا:
ولمَّا تيمَّمناك قال رفاقناإلى أين تبغي قلت: خير جناب
فقلت لصحبي: شرِّقوا نبلغ المنىفغير صواب قصد غير صواب
وقوله في غلام لسعته أفعى:
قالوا: حبيبك ملسًوعٌ، فقلت لهم: من عقرب الصُّدغ أو من حيَّة الشَّعر
فقيل بل من أفاعي الأرض قلت لهم:من أين ترقى أفاعي الأرض للقمر؟ !
وقال أيضًا:
أصدرتها والعوالي في الطُّلى تردفي موقف فيه ينسى الوالد الولد
وما نسيتك والأرواح سائلةٌعلى السُّيوف ونار الحرب تتَّقد
وقوله مما كتبه إلى بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب من الحصار:
/ ب/ ولقد ذكرتك والصَّوارم لمَّعمن حولنا والسَّمهريَّة شرَّع
وعلى مكافحة العدوِّ ففي الحشاشوقٌ إليك تضيق عنه الأضلع
ومن الصِّبا وهلمَّ جرّا شيمتيهذا الوفاء فكيف عنه المرجع؟
ومما كتبه إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين أبي الفتح أيوب بن محمد بن أبي بكر بن أيوب- صاحب الديار المصرية- حين أنفذه رسولاً إلى الديوان العزيز:
أعلِّل طرفي عنك بالبدر طالعاًوبالظبي وسنانًا وبالغصن يانعا
ووالله ما ازداد إلا صبابةًبفرط حنين قد أقضَّ المضاجعا
أفي كلِّ يوم للتَّفرُّق رحلةٌترى عندها للعاشقين مصارعا
كأنَّ النَّوى تبغي ذحولًا قديمةًلديًّ وألا تقتضيني الودائعا
وموقف بين ضمَّنا لو شهدتهرأيت مقامًا للمحِّبين رائعا
وقلت: أحلِّى الأرض من درِّ أدمعيفجاء العذارى يلتقطن المدامعا
يغرن على تلك اللاَّلي لأنَّهابقية ما أودعن منِّي المسامعا
/ أ/ ففي أين قل لي يا هوًى كنت كامنًالقلبي لقد أبدعت فيه البدائعا
فهل من صديق يشتري لي سلوةًيقلًّدني ما عشت منها الصنائعا
وما كان ذا القرب إلا لذا النَّوىفيا ليت أن الدَّست أصبح مانعا
وكتب إلى عماد الدين بن شيخ الشيوخ بن حموية:
وكلُّ حضاب سوف ينصل صبغةوما لخضاب الودِّ فيك نصول
ووالله ما أنسًى جميلك لو غدتتدافعني عنه قنًا ونصول
وقال فيه أيضاً:
ولو أنَّ قسّاً في إياد أعارنيبلاغته وابن المقفَّع بعده
تجاوزت في الإعياء رتًبة باقلإذا رمت أن أحصي نداه ورفده
وقوله:
ونحن من الله في نعمةتقصر عن شكرها الألسن
وإحسان سلطاننا سابغٌعلينا فلا عدم المحسن
وقال أيضًا:
/ ب/ ولمَّا جفاني من أحبُّ وخاننيحفظت له الودَّ الذي كان ضيَّعا
ولو شئت قابلت التجنِّي بمثلهولكنَّني أبقيت للصُّلح موضعا
وقد كان ما قد كان بيني وبينهأكيدًا ولكِّني رعيت وما رعى
سعى بيننا الواشي ففرَّق بيينالك الذَّنب يا من خانِّني لا لمن سعى
وقال أيضًا:
أنظرت أم فوَّقت سهمافلقد أصبت القلب لمَّا
لا يا معذِّب مهجتيوالله ما أجرمت جرما
أحسبت لي رمقًا وهلأبقى صدودك فيَّ مرمى
أوما لميعاد الرِّضايا هاجري أجلٌ مسمَّى
يا عاذلي وأخو الصَّبابة لا بليت أصمُّ أعمى
عنَّا إليك فما أظنُّــك بالغرام عرفت طعما
لو كنت ثالثنا وقدزار الحبيب عجبت ممَّا
كتم الزِّيارة وجههفوشي العبير به ونمَّا
وبدا الحياءٌ بخدِّهحتَّى خشيت عليه يدمى
/ أ/ وضممت منه مهفهفًاحلو الرُّضاب أغنَّ ألمى
ورددت من شعف أفــِّتت عطفه الممشوق ضَّما
بل لو قدرت أكلتهوشربته عضًا ولثما
ويغيرني المسواك حيــن أراه يرشف منه ظلما
ولقد يعزُّ عليَّ أنيروى البشام به وأظما
ولرُّبما عاطيتهراحًا تفوق سنى وشمَّا
باتت تضيء كأنَّماأودعت منها الكأس نجما
وقال أيضًا:
سمعتها تشتكي لدايتهاشكوًى تذيب القلوب والمهجا
تقول يا دايتي بليت بهوما أرى من هواه لي فرجا
ومثل ما بي به ولا عجبٌهوًى بقلبي وقلبه امتزجا
فهل سبيلٌ إلى زيارتهولو ركبت القفار واللُّججا
وإن درى والدي بقصَّتهأراق يا دايتي دمي حرجا
فرحت ممَّا سمعت في طربكشارب الرًّاح راح مبتهجا
/ ب/ وقال في الغزل:
بديع الحسن كم هذا التَّجنِّي؟ومن أغراك بالإعراض عنِّي؟
حويت من الرَّشاقة كلَّ معنىوحزت من الملاحة كلَّ فنِّ
وأهديت الغرام لكلِّ قلبووَّكلت السُّهاد بكلِّ جفن
وأعرف قلبك الأغصان تجنيفيا غصن الأراك أراك تجني
وعهدي بالظَّبا تصطاد حتَّىتصيَّدني هوى الظَّبي الآغنِّ
وأعجب ما أحدِّث عنه أنِّيفتنت به ولا يدري بأنِّي
ولو أضحى على تلفي مصرالقلت: معذِّبي بالله زدني
فلا تسمح بوصلك لي فإنِّيأغار عليك منك فكيف منِّي؟
وأنتومتُّ حيا ... هوانا بالهوى كم ذا التجنِّي؟
وقال أيضًا:
سألت من أمرضنيفي قبلة تشفي الألم
فقال: لا لا أبدًاقلت له: نعم نعم!
فقال: غصبا، قلت: لاإلا سماحًا وكرم
/ أ/ قال: فسرّا، قلت: لاإلَّا على رأس علم
فقال: خذها بالرضامنِّي حلالًا وابتسم
فلا تسل عمَّا جرىاستغفر الله وثم
فظنَّ ما شئت بنافالحبُّ يحلو بالتُّهم
ولا أبالي بعد ذاباح حسودٌ وكتم
وقوله:
أسائل عنك القادمين فكلُّهميبشِّرني من بشر وجهك بالقرب
وقالوا: نراه بالسُّويداء نازلًافقلت: صدقتم في السُّويداء من قلبي
وقال أيضًا:
أصبحت عبدك رقَّالا أبتغي منك عتقا
يا من تملَّك رقِّيأما ترى أن ترقَّا؟
قدمت فيك غرامًاتعيش أنت وتبقى
من السُّهاد معافىمن الغرام موقَّى
يا ناعم الخدِّ قل لي:إلى متى بك أشقى؟
/ ب/ وقد لقيت من العذل فيك أعظم ملقى
زدني قلى وصدودًاأزدك حبًّا وعشقا
لا عشت إن قلت يومًامن فرط جورك: رفقا
وقال أيضًا:
لا وعينيك ويكفي ذا القسمما رأت عيناي نومًا منذ كم
أيُّها الرَّاقد في لذَّاتهنم هنيئًا إنَّ طرفي لم ينم
ويح قلبي من هوى مستهترما رأى صبًّا بكى إلَّا ابتسم
شاهدوا مبسمه مع أدمعيتنظروا أيَّ أقاحٍ مع عنم
بدويُّ الزِّيِّ إلَّا أنَّهلا يخاف العار في خفر الذِّمم
ربما همَّ بلثمي هازئًافإذا ما سمته اللَّثم التثم
أشتكي سقمي إلى أجفانهومتى يشفى سقامٌ بسقم
قمرٌ نمَّ على عشَّاقهكلُّ كيد منه لمَّا قيل تم
لا تراه ناسيًا لفظة لامثل ما يوسف لا ينسى نعم
وقال أيضًا:
/ أ/ هي رامةٌ فخذوا يمين الواديوذروا السُّيوف تقرُّ في الأغماد
وحذار من لحظات أعين عينهافلكم صرعن بها من الآساد
من كان منكم واثقًا بفؤادهفهناك ما أنا واثقٌ بفؤادي
يا صاحبيَّ ولي بجرعاء الحمىقلبٌ أسيرٌ ما له من فادي
وبحيِّ من أنا من هواه ميِّتٌعينٌ على العشَّاق بالمرصاد
وأغن مسكيِّ اللَّمى معسولهلولا الرَّقيب بلغت منه مرادي
كيف السَّبيل إلى وصال محجَّبٍما بين بيض ظبًا وسمر صعاد
في بيت شعر نازل من شعرهفالحسن منه عاكفٌ في بادي
قالت لنا ألّف العذار بخدِّه:في ميم مبسمه شفاء الصَّادي
حرسوا مهفهف قدَّه بمثقَّففتشابه الميَّاس بالميَّاد
يا هل أبيت وهل يبيت معانقيكمهنَّدي وذؤابتاه نجادي
واضمُّه ضمَّ المناطق خصرهشغفًا أو الأطواق للأجياد
وأحلُّ فضل لثامه عن كوكبأنا في هواه أعبد العبَّاد
يا حبَّذا سهر الدُّجى في حبِّهإن كان يرضي البدر فيه سهادي
/ ب/ ومن المنى لو دام لي فيه الضَّنىليرقَّ لي فأراه في عوَّادي
ومفنَّد لي في هواه مسمعيوالعذل منه كناظري ورقادي
ماتت يطيل الله عمرك سلوتييا عاذليَّ وضلَّ فيه رشادي
أنا من جبلت على الغرام من الصِّباوبه سألقى الله يوم معادي
فإذا أتى العشَّاق كنت أميرهموجميع من قبل الهوى أجنادي
وقال أيضًا:
من لي بغصن باللَّحاظ ممنطقحلو الشَّمائل واللَّمى والمنطق
مثرى الرَّوادف مملق من خصرهأسمعت في الدُّنيا بمثر مملق
وغريرة زارت على بخلٍ بهالمَّا نعيت لها زيارة مشفق
لم أدر ما قالت وقد لمست يديماذا لقينا منه أو ماذا لقي
لا شيء أكتم من دجنَّة شعرهالو أنَّ صامت حليها لم ينطق
متوسوس حتَّى الحليُّ بحسنهافاعجب بحسن للجماد منطِّق
خدٌّ وقدٌّ إذ ترقرق ماؤهلهفي على المتوقِّد المترقرق
فبحسنها هي زهرةٌ للمجتليوبطيبها هي زهرة المستنشق
/ أ/ ونظرها الغصن النضير إذا أنثنتفي حلَّة خضراء من إستبرق
ويروقني منها أخضرار خضابهاوالغصن ليس يروق ما لم يورق
تعصي العذول على الهوى وتطيعنيفأنا السَّعيد بها وعاذلي الشَّقي
ولكم بها في خلوة في حلوةكرضابها كعتابها كتملُّقي
وأقول: يا أخت الغزال ملاحةًفتقول: لا عاش الغزال ولا بقي
يا شمس قلبي في هواك عطاردٌلولا تعلُّقه بها لم يحرق
ومما كتبه إلى الشيخ عزّ الدين أبي الفضائل عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن محمد بن أبي عصرون الفقيه الشافعي- رحمه الله تعالى-:
يا فاضلا بهرتنا من فضائلهبلاغةٌ لم تكن في قدرة البشر
أرسلتها دررًا حلَّت مسامعنايا بحر حسبك ما أهديت من درر
لفظًا وخطًّا وكلٌّ منهما حسنٌمن محسن فهي مثل السَّمع والبصر
فلم أزل اجتلى ليلي محاسنهاوأجتليها فقل في الزُّهر والزَّهر
/ ب/ وقال مما يكتب على سيف:
أنا سيفٌ على السُّيوفعلى عزِّها خدم
شرفي أنَّ صاحبيصاحب السَّيف والقلم
وقوله فيه أيضًا:
للأماني والمنايابين حدَّيَّ ومتني
يتَّقي الأعداء فتكيويروق العين حسني
فتأمَّل هل ترى فيــما ترى أعجب منِّي
لم يذق جفني غرارًاوغراري ملء جفني
وقال أيضًا:
سكنت عيني فصنها عن مدامعهاإنَّ المدامع يا مولاي تؤذيها
وقد حسبتك من إنسانها عوضًافإنَّ إنسانها من كان يحميها
وإنني حين أرعاها وأكرمهافلست أكرمها إلَّا لمن فيها
وما أوصِّيك في دارٍ سكنت بهاحاشاك تهمل دارًا أنت تأويها
وقال أيضًا:
/ أ/ بحقِّك حدِّث الأحباب عنِّيوشافههم بما شاهدت منِّي
وقل لهم: لقد فارقت يحيىيموت هوىً ويحيا بالتَّمنِّي
وكم أشكو إلى من ليس يرثيولا يلوي على فرحي وحزني
عذولي [إذ تسمِّيه] حبيبًاأميل إليه وهو يميل عنِّي
وقال أيضًا:
سقاك يا دار هطَّالٌ من الدِّيمولا خلوت من اللَّذَّات والنِّعم
وما نسيت وما أنسى بها خلسًاحلَّت ومرَّت كما شاهدت في الحلم
ومجلسًا طلعت في كلِّ ناحيةمنه بدور دياجيها من اللِّمم
وراح يعتبني من بينهم قمرٌجلا محيَّاه عنَّا فاحم الظلم
وخلوةً فسقت فينا نواظرناوإنَّما طهَّرتنا عفَّة الشِّيم
هذا هو الحبُّ أم إثمٌ يدنِّسهأستغفر الله ما تخلو من اللَّمم
كانت لكلٍّ شكاياتٌ فباح بهاثمَّ انتصفنا ولم نحتج إلى حكم
لو كنت تسمع شكوانا ورقَّتهاسمعت أشهى من الأوتار والنَّغم
وبعدها وإلى ذا اليوم ما نسيتأذني حلاوة ذاك المنطق الرَّخم
/ ب/ يا عاذلي قم تأمَّل حسن منظرهفإن نجوت بقلبٍ سالم فلم
قلبي مقامٌ لبعض النَّاس يسكنهفليهنه أنَّه قد حلَّ في حرم
وكيف يجحد قتلي بعدما شهدتله غلالة خدٍّ ضرِّجت بدم
يا فارغ القلب قلبي منك في شغلٍيا نائم العين عيني فيك لم تنم
أهوى العقيق وأهوى الأبرقين وقدأغنى بهذين عن خدٍّ ومبتسم
وقال أيضًا:
أما وبدور الكللحمتها قدود الأسل
وتفَّاح تلك القدودونرجس تلك المقل
وغصن القوام الرَّطيبفوق كثيب الكفل
لأنت وإن ساءنيجفاك وطول الملل
أحبُّ إلى مهجتيمن الأمن بعد الوجل
وليلة وصل حلتفيا عاذل لا تسل
وفي طيِّ ذاك العناق عتبٌ كوشي الحلل
وخلَّيت ذاك الغزالبجوهر هذا الغزل
[فهي عائدٌ لي الصِّبا؟وتلك اللَّيالي الأول؟]
ودولة أنسٍ مضتوهل نافعي قول هل
/ أ/ يحيى بن غانم بن محمَّد بن عليِّ بن يوسف بن صالحٍ أبو زكريا الخزرجي.
من أهل غرناطة، كان رجلًا من أهل القرآن والأدب، يقول شعرًا لا بأس به.
أنشدني من شعره أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الأشبيلي البرزالي- رحمه الله تعالى- بحلب، قال: أنشدني أبو زكريا يحيى بن غانم بن محمد الخزرجي الغرناطي لنفسه:
خليليَّ ما للواله المتغرِّببأرضكما قد فاته كل مطلب
خليليَّ قولا والحديث كما حكواشجونا ودهري ساخرٌ بكما وبي
هل الزَّمن الماضي بما قد مضى بهيعود ولو من كلِّه بالتَّقرُّب
ومنها في المديح:
سأصرف آمالي إلى ذروة العلاوأوقفها بالأسعد بن مقرَّب
هو الملجأ المفضي إلى كلِّ غايةبجد وجدٍّ أشربا بتهذُّب
إمام هدّى أحيا به الله شرعةًمن الدِّين قد نيطت إلى خير مذهب
ومهما دجا ليل الخلاف لشبهةفآراؤه تجلو دجى كلِّ غيهب
/ ب/ أيا من له ألقيت كلَّ مقالديوجبت إليه سبسبًا بعد سبسب
وعوَّلت في نومي على يقظاتهفهنَّ زلالي إن تكدَّر مشربي
أجرني فإنَّ الدَّهر ما قد علمتهوهذي اللَّيالي أولعت بالتَّقلُّب
بقيت مدى الأيَّام ترجى وتتَّقىولا زلت ذخر الواله المتغرِّب
ورمت دوام الدَّهر في خفض عيشةٍوتبليغ آمالٍ ورفعة منصب
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو زكريا لنفسه:
الحمد لله [حمدًا] نستديم بهدوام عافية المولى وراحته
والشُّكر لله شكرًا نستزيد بهفي عمره ونهنِّيه إقالته
يا من به وعوافيه أضاء لناوجه الزَّمان وأولانا سماحته
إنَّ الزَّمان أرانا من تصرُّفهعجائبًا أحكمت فينا إرادته
ولم يزل يا سليل المجد يضربناظهرًا لبطن ويولينا نكايته
وليته إذ سطا أبقى لنا رمقًانأوي إليه ونستسقى بلالته
ومثلكم من شكا مثلي إليه ومنيشكي الغريب ويرعيه رعايته
/ أ/ يا من أنار منار العدل في نفرٍكلٌّ إلى ضدِّه قد مدًّ راحته
بقيت للحقِّ تعليه ودمت أبامحمَّد للعلا تعلي إشادته
ما أمَّ وجهة بيت الله معتمرٌيمحو بخطو خطاياه خطيئته
ونقلت من خطِّه قوله يمدح الصاحب الإمام كمال الدين أبا القاسم عمر بن أحمد ابن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي العقيليَّ:
لولا ملاحظتي عيون العينما كنت أقنع في العلا بالدُّون
ولقد يقال: سلا، ولو كان الَّذيقالوه ما استنجزت وعد ضنين
قل للغواني قد كبرت عن الصِّباوغدت دواعي شأفتي تدعوني
وتركت للشوق الدِّيار وأهلهاوقصدت منتجعًا كمال الدِّين
ربَّ الحمة الأحمى الَّذي نزَّالهألقوه بين قرارة ومعين
والعالم الصَّدر الَّذي بفنائهمأوى الغريب وراحة المسكين
/ ب/ والمنتقى من سادة ما منهمإلَّا مكينٌ ينتمي لمكين
طلق المحيَّا سيِّدٌ متواضعٌبادي السَّكينة شامخ العرنين
وإليكها يا ابن العديم عجالةًمن ذي غرام واله محزون
متحيِّر ما إن يرى مستحسناوكأنه في عقدةً التِّسعين
وقِّيت أسباب الفراق ودمت فيدعة ولا حمِّلت مثل شجوني
وبقيت في حلبٍ على رغم العدافي كلِّ خطبٍ منجدي ومعيني
يحيى بن الفضل بن يحيى بن عبد الله بن القاسم القاضي، أبو طاهر بن القاضي أبي سعيدٍ الشهرزوري.
من أبناء القضاة الشهروزرين وبيت القضاء.
كان قاضيًا بالجزيرة العمريَّة ثلاث عشرة سنة، ثم استعفى من ذلك وتوجَّه إلى الموصل وسكنها إلى أن توفي بها يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة تسع
وعشرين وستمائة، ودفن من الغد بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد- ﵄ وصلّى عليه الخلق الكثير. وكانت جنازته مشهودةً، وأصابه/ أ/ دوسنطاريّا، فبقي بها خمسة أيام.
وأخبرني أنَّه ولد يوم الجمعة بين صلاتي الظهر والعصر ثامن شوال سنة اثنتين وستين وخمسمائة بالموصل.
وكان رجلًا متدينًا متواضعًا كثير الصلاة والذكر لله تعالى، يكره التكبر، ويلبس الملابس الخشنة؛ وكان ينظم الأشعار.
وقد ذكره الإمام أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الفقيه الشافعي الموصلي في تاريخه، وقال: قاضي الجزيرة، ولد بالموصل ونشأ بها وتوجَّه منها إلى عمِّه أبي الفتح المبارك بن يحيى إلى الجزيرة العمريَّة. وكان يومئذٍ قاضيها فأقام عنده وتفقه بها على الرضي إبراهيم بن محمد بن مهران، ثم على محمد بنوزي المدرس بها، وتميز في معرفة المذهب، وتولّى قضاءها في أيام عمِّه أبي الفتح وبعده؛ وبقي على ذلك مدّة، ثم ورد الموصل وأقام بها إلى حين موته. وكان على طريقةٍ حميدة من الديانة والتُّقى والاحتياط في الطهارة والمحافظة على الصلوات الخمس.
وكان فيه فضل ب/ وتميُّز، سهل النظم والنثر، وروى الحديث بالإجازة عن أبي طاهر السلفي، وحجَّ إلى بيت الله الحرام، وتوجَّه بعد قضاء الحجّ إلى زيارة البيت المقدّس.
وكانت تلحقه وسوسةٌ حين يتوجَّه إلى الصلاة ويدخل فيها؛ هذا آخر كلامه.
أخبرني من أثق بقوله، قال: حدثني قاضي الجزيرة أبو طاهر يحيى بن الفضل، قال: شرعت يومًا لأصلي صلاة العصر، فأذّنت المغرب ولم أعقد النيَّة وذلك لما كان يصيبه من الوسواس. وكان ربما ركع الخطيب وهو قائم لم يتم عقد النيَّة. رأيته مرارًا يفعل ذلك يوم الجمعة- رحمه الله تعالى-.
ومما أنشدني لنفسه واملاه عليَّ من لفظه بالموصل في سنة اثنتين وعشرين وستمائة:
أمَّا اصطبارك والسُّلوُّ حراموالدَّمع ما منه إليك ذمام
من بعد ما رحل الَّذين تحبُّهمقومٌ عليك وإن مضوا فكرام
كانوا لعينك قرَّةً فترحَّلوابالرُّغم لمَّا جارت الأيَّام
/ أ/ وكأنَّهم كانوا خيالًا وانقضىسمحت بهم في نومك الأحلام
سلبوا فؤادك والرُّقاد مخافةًأن يجلب الطَّيف النُّفور منام
وتوهَّموا السُّلوان منه بطيفهمكذبت عليك بزعمها الأوهام
كيف السُّلوُّ عن الحشاشة والحشافيه امن البين المشتِّ كلام
ومحبَّةٌ ثبتت بقلبٍ في الصِّباتبقى وإن بليت بها الأجسام
ووجدت له أيضًا قوله:
يا راحلين بمهجتي وبخاطريومحلُّتهم في ناظر من ناظري
ومن العجائب أنَّ بحرًا زاخرًاعذبًا يحلُّ على أجاجٍ زاخر
وقال أيضًا:
يا راحلين وما رأوا توديعيهلَّا تركتم كالوداع هجوعي
وتركتم كالنَّار قلبًا في الحشايبقى ويبقى القلب بين ضلوعي
وقوله:
ورد الكتاب فظلت أنظر خطَّهفوجدته غير الَّذي أنا آمله
فعجبت من منع الكريم وما الَّذيمنع الكريم بأن تجود أنامله
يحيى بن محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن عليِّ بن زيد بن محمَّد بن أحمد بن عبيد الله بن عليِّ- ويلقَّب باغر- بن عبيد الله بن عبد الله بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالبِ النقيب، أبو جعفرٍ بن أبي طالبٍ الحسنيُّ.
من أهل البصرة المعروف بابن أبي زيدٍ.
كان من الشرفاء الفضلاء الأعيان النبلاء، ولي نقابة الطالبين بالبصرة بعد أبيه مدَّة. وكان ذا معرفةٍ بالأدب والأنساب وأيام العرب وأشعارها. وكان شاعرًا مليح الشعر، رائق الكلام، حسن المقاصد. وكان على خاطره أكثر كتابة الأغاني ويذاكر به في محاضراته؛ لأنَّه كان كثير الاعتناء به.
ورد مدينة السلام وامتدح بها الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين أبا العباس أحمد بن الحسن- رضوان الله عليه- وتوفي بها في ليلة الخميس ثالث عشر رمضان سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن يوم الخميس بجانبها الغربي بمقابر الإمام/ أ/ موسى بن جعفر- عليه أفضل السلام-. وكانت ولادته بالبصرة في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
أنشدني أبو الحسن علي بن محمد بن صدقة الخفاجي البغدادي بها، قال: أنشدني نقيب البصرة أبو جعفر لنفسه يمدح الناصر لدين الله أبا العباس- رضوان الله عليه-:
يلوم على محبَّتك العذولوليس للومه عندي قبول
فطوِّل في ملامك أو فقصِّرفإنِّي لست أسمع ما تقول
هوى عاشرته عشرين حولًاتصرُّمه للومك مستحيل
وكيف يطيق صبرًا عنك صبٌيهيج غرامه ليلٌ طويل
وعينٌ في محاجرها دموعٌوقلبٌ في جوانحه غليل
إذا جحد الحبيب هوى محبٍّفإنَّ شهود لوعته عدول
أمارات الهوى وضحت عليهجواه والتَّوُّله والنُّحول
فيا من شيمتي ولهٌ عليهوشيمته التَّجنُّب والذُّهول
سأسلوا والمحبُّ له سلوٌّإذا ما أفرط الحبُّ الملول
/ ب/ وأعتقد الولاء لها شميٍّوفيٍّ لا يملُّ ولا يميل
من القوم الَّذين لهم عهودٌكرامٌ لا تخون ولا تحول
خيار النَّاس آخرهم إمامٌيشرِّفهم وأوَّلهم رسول
تسمَّى باسمه وحكاه هديًاوضمَّهما العمارة والقبيل
فما في المرسلين له شبيهٌولا في الرَّاشدين له عديل
ومنها يقول:
أمير المؤمنين دعاء عبد هواه ظلُّ دولتك الظَّليل
أقام به وغصن العمر نضرٌوقد أودى وأنحله الذُّبول
وإنِّي مثل ما خبِّرت شيخٌضعيف البطش ممراضٌ عليل
فصيِّر حسن رأيك لي وداعًاأسرُّ به فقد أزف الرَّحيل
ومن أولى طوال العُّمر أولىبأن يولي وقد بقي القليل
فكم لك من يد تجزيك عنهاغدًا في الحشر فاطمة البتول
تثيبك بنت عمِّك من أبيهافأنت لولدها برٌ وصول
وجاد الرَّوضة الزَّهراء جودٌسقته وقد تحَّمَّل سلسبيل
/ أ/ ففيها من بني المنصور خرقٌأغرُّ كأنَّه سيفٌ صقيل
وقال أيضًا يمدحه:
ليهنك سمعٌ لا يلائمه العذلوقلبٌ قريحٌ لا يملُّ ولا يسلو
كأنَّ عليَّ الحبَّ أمسى فريضةًفليس لقلبي غيره أبدًا شغل
وإنِّي لأهوى الهجر ما كان أصلهدلالًا فلولا الهجر ما عذب الوصل
وأمَّا إذا كان الصدود ملالةًفأيسر ما همَّ الحبيب به القتل
بنفسي إذا سال العقيق شعابهإذا ابتسم النُّوَّار وأكتهل البقل
ويا حبَّذا خضراء روح بن حاتموما طمَّ واديها وأجرعها السَّهل
فسلَّت على جوِّ العقيق عقائقٌمن البرق لا نزر العهاد ولا حفل
وراح على خضراء روح بن حاتمكجواد أبي العبَّاس أيسره الوبل
إمام هدّى من هاشمٍ في أرومةًزكا الفرع لمَّا طاب من تحته الأصل
كفيلٌ بأرزاق العباد نيابةًعن الله كلٌّ من يديه له كفل
وقال أيضًا يمدحه:
ليلٌ بذي سلم أميروالصُّبح في يده أسير
/ ب/ عبَّا كواكبه جيوشًالا تحول ولا تسير
يا أخوتي من هاشمٍهل لي على ليلي نصير
نمتم وبين جوانحيداءٌ ينمُّ به الزَّفير
مالي وما لبنات نعشٍلا أنام ولا تغور
أشكو الجوى وكأنَّهافي جوِّها درٌّ نثير
والنَّسر مقصوص القوادملا يدُّب ولا يطير
لم أدر طال اللَّيل أمجفني بذي سلم قصير
وغريرةٍ كالظَّبي يحسدــ طرفها الظَّبي الغرير
نشطت عقال صبابتيبلواحظٍ فيها فتور
سمراء تنعم لي بزورتهاإذا رقد السَّمير
حتَّى إذا خفق السِّماكوغارت الشِّعرى العبور
وهوت مع الفجر الكواكبمثل ما تهوي الصُّقور
وعلا السُّبات على الكلابفلا نباح ولا هرير
جاءت كما اهتزَّ القضيبالغضُّ واضطرب العبير
/ أ/ بعدًا لأيَّام الشَّبابفإنَّ أكثرها غرور
مالي وما للَّهو والإقتاريمنع والقتير
من شاء يسأل عن قريشإنَّني بهم خبير
لهم النُّبوة والخلافةوالمنابر والسَّرير
ولهم أبو العبَّاس أحمدــ ناصر الدِّين الغيور
ملكٌ يغار على أقاصيالمسلمين ولا يغير
ويجير من حدث الزَّمان بني الزَّمان ولا يجور
بنداه تبتسم الثُّغوروباسمه تحمى الثُّغور
تدعو أعاديه الثُّبوروحمله الرَّاسي ثبير
وقال مبدأ قصيدة:
هذا العقيق وهذا الجزع والبانفاحبس فلي فيه أوطارٌ وأوطان
آليت والحرُ لا يلوي أليَّتهأن لا تلذَّ بطيب النَّوم أجفان
حتَّى تعود لياليَّ الَّتي سلفتبالأجر عين وجيراني كما كانوا
واهًا لعيش مضى والدَّار جامعةٌوالدَّهر يسعف والجيران جيران
/ ب/ أيَّام أغصان وصلي غير ذاويةوروضها خضلٌ والعمر ريعان
يا حبَّذا شجر الجرعاء من شجروحبَّذا روضه المخضلُّ والبان
إذا النَّسيم سرى مالت ذوائبهكأنَّما الغصن الممطور سكران
فللنسيم على الأغصان هينمةٌوللحمام في الأفق الغربيِّ حيران
وبارق لاح والظلماء داجيةوالنجم في الأفق العربي حيران
هفا فذكرني هيفاء ضاحكةًفلم أنم وعراهمٌّ وأحزان
يا هذه برِّدي بالوصل نار جوىفي القلب فالقلب صادمنك حرَّان
كتمت حبَّك والأجفان تظهرهوليس للحبِّ عند العين كتمان
غادرت بالغدر في الأحشاء نار جوىومذ هجرت ففيض الدَّمع غدران
يحيى بن محمَّد بن عليِّ بن مجاهد بن مجاهد بن عبد الرحمن بن سعيد بن خلف بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سماعة بن سلمة بن مازن بن مالكٍ، أبو زكريا الخزرجي.
من أهل تلمسان من بلاد الغرب.
نزل حلب وسكنها، وأدب سلطانها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد/ أ/ بن غازي- خلَّد الله ملكه-.
شاهدته بحلب المحروسة بمجلس الصاحب الوزير مؤيد الدين أبي نصر
إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني- أدام الله إقباله- في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وستمائة؛ وسألته عن ولادته، فقال: لا أتحققها غير أنَّ لي الآن ثمانيًا وثلاثين سنةً. وهو من أهل الأدب والفضل، ويحفظ القرآن الكريم، ويقول الشعر الحسن.
أنشدني لنفسه يمدح الصاحب مؤيد الدين أبا نصر الشيباني- أسعده الله تعالى-:
سرورك ما هبَّ النَّسيم يدوموعزُّك ممدود الرُّواق عميم
وسعدك ضاف والمؤمِّل طوعهوعيشك صاف والزَّمان خديم
ثنت نحوك الشُّهب الجواري سعودهاوجدُّك فيها بالثَّبات زعيم
ومن كانت العلياء بعض خلالهتشير إليه بالسُّعود نجوم
لك الخير ما ذرَّت شوارق أو سرىنسيم صبًا قد عنبرته غيوم
يمرُّ على زهر الرِّياض مغلِّسًاتصُّح به الأنفاس وهو سقيم
/ ب/ وما طربي من ساجعٍ فوق أيكةيذَّكرني عهد الصِّبا فأهيم
ويعتادني عيد الأماني الَّتي هلتوشمل لذاذاتي بهنَّ نظيم
بأطرب منِّي والمؤيَّد كافلٌذوي الفضل يحيي ذكرهم ويقيم
فتى وشَّح العلياء فاحتلَّ رتبةًحواها له .... أغرُّ وسيم
علا فعلا ناديه أبهج ميسموساد فشاد المجد وهو فطيم
إذا خطَّ في طرسٍ أقرَّت لزهرهوزهر معانيه الحسان فهوم
وينظم في سلك الكلام فرائدًالها في قلوب الحاسدين كلوم
إليه تناهى الفضل لم يزلله وعليه للثناء رسوم
عليك له مغنّى يكسِّبك الغنىفقلَّ امرؤٌ بالمكر مات يقوم
يسرُّ بنجح الحاج من كلِّ قاصدويرتاح للعافين حيث يقيم
له خلقٌ راقت أرقُّ شمائلًامن الماء إذ ما صفَّقته نسيم
تداوى به مرضى الهموم لأنَّهإذا جالسته الرُّوح وهي حسوم
أمولاي خلنا في معاليك غبطةًبأنَّ معاليك الغبيّ ذميم
تهنَّ بها قدًّا وطل واسم سيِّدًافما لك بين الخافقين قسيم
/ أ/ ودم ما بدا نجمٌ وأينع مثمرٌوما ضاع من وادي الأراك شميم
وأنشد لنفسه في الغزل:
ومنزَّه الأوصاف عن نظرائهسلب العقول بحسنه وبهائه
طاوي الحشا ألمي كأنَّ جفونهفي الذَّبِّ عنه صرن من رقبائه
ما رمت منه نظرة إلاَّ انثنىمنها الفؤاد مضرجًا بدمائه
بين القلوب وبينها حرب متىيرنو وما إن هنَّ من أعدائه
لن تفعل البيض الرِّقاق ولا القناكفعاله بفؤاد صٍّ تائه
يرنو فيكلم ثمَّ يسير كلمهبرنوِّه فدواؤه من دائه
وأنشدني أيضًا قوله في غلام شهر سيفًا:
ومهفهف ساجي الجفون أحمَّهادانت للحظته الظُّبا والذبل
شهر الحسام لكي يرى ما طرفهبأخي الصَّبابة .... يفعل
أنشدته لمَّا رأيت فعاله:لفتور طرفك من حسامك أقتل
وأنشدني لنفسه في غلام كاتب:
/ ب/ أنامله خطَّت بسحر كأنَّمالواحظه تملي عليه فيرسم
فمن يده سطر على الطِّرس معربومن لحظه سطر بقلبي معجم
وأنشدني له في الشمعة:
وباكيه لم تعرف الحزن والآسيولا شدَّة الأهوال كيف مراسها
تكاد بأن تقضي لفيض دموعهاوتحيا إذا في الحين يقطع رأسها
وأنشدني لنفسي في البنفسج:
كلُّ الأزاهر إن حسن نضارةفهوى فؤادي دونهن بنفسج
أهواه دون جميعهنَّ لأنَّهيحكي خدودًا بالعضاض تضرَّج
يحيى بن محمَّد بن عبد الكريم بن سعيد بن أبي حصين بن عمرو، أبو القاسم التنوخيُّ.
من أهل معرة النعمان
رأيت من شعره يرثي أبا المعالي محمد بن عبد الواحد بن المهذَّب التنوخي، وكانت وفاته يوم السبت الثامن عشر من ربيع الآخر سنة خمس عشرة وستمائة:
لقد حطَّت عن الرُّتب العواليوقد هدَّت شماريخ الجبال
/ أ/ وقد درست رباع المجد حتَّىعفت وغدت معالمها بوالي
وعادت بهجة الأيَّام جمعًامسوَّدة الأسافل والأعالي
وأصبح خاليًا من كان مليًاوعاد معطًّلا ما كان حالي
وفاضت دمعة مقل العذارىوشبَّت لوعة مهج الرِّجال
فنو حوا يا بني الآمال وابكواعلى الشَّيخ الجليل أبي المعالي
على شيخ المعرَّة والبراياعلى زين الماثر والجلال
على أحلى الورى مرأى وأشهىإلى الظَّامي من الماء الزلال
فتى رام النهى مذ كان طفلاِّونال من العلا أوفى منال
فتى كبت المعاند والمعاديوساءهما بما سرَّ الموالي
أعدَّ لمن يعاديه وبالًاوعوَّد كفَّه بذل النَّوال
وساد النَّاس معروفًا وبرًّاوال إلى الفخار بغير ال
ومما ينسب إليه منأيضًا:
فؤادي عليكم لا على غيركم يحنووطرفي إليكم لا إلى غيركم يرنو
وفي أضلعي نار يشبُّ وقودهاسحاب له من أدمعي أبدًا هتن
/ ب/ وأرق أجفاني بكم قلق الحشاوليس يقرُّ القلب مذ أرق الجفن
فجفني جفاه النوم فيكم ومهجيلفرط نواكم للهوى أبدًا سفن
فيا ويح جسمي إذ تكلَّفه الظَّنىعليكم حوي قلبًا تكنَّفه الحزن
أحباي دار بنتم عن ربوعهاجحيم ودار أنتم أهلها عدن
سقاها من الأنواء هاطل مزنهاوجاد عليها الغيث إذ بخل المزن
إلى الله أشكو من أناس صحبتهمزمانًا فما أحنوا علييَّ ولا حنُّوا
ألفتهم والعيش غضٌّ وغضنهرطيب وفيهم قد ذوى ذلك الغصن
فمالوا إلى غيري وملُّوا تواصليومانوا مواعيدي وبالعود ما منُّوا
وعادوا إلى العدوى عليَّ وبالنوىأعانوا على البلوى عليَّ وما عنُّوا
وحبل الوفا جذُّوا وحالوا عن الهوىوطرق النُّوى سنوا وخيل الجفا شنُّوا
فإن رمت أسلوهم فباعي... وحالي به نقص وعزمي به وهن
ولكنَّني إن بنت عنهم بقالبيفقلبي لهم وقف وعندهم رهن
ألا قاتل الله اللَّيالي لقد قضتعليَّ بأسباب وأيسرها الغبن
وقد ملكتنى دولة الدَّهر للنوى............ كأنِّي لها قنُّ
/ أ/ وقاتلتي بالبعد حتَّى كأنَّماعليَّ له ثأر وعندي له ضغن
أبا الفضل والرَّحمان إنِّي مغرمبكم ولرحى الشَّوق في كبدي طحن
علمتم بأنَّ الوجد عندي مخيِّموللصبِّ عن قلبي لظعنكم ظعن
أما والَّذي يرمي الرِّكاب إلى منيليطوي بها سهل المهامه والحزن
لقد ساءت الدُّنيا عليَّ لفقدكموضاقت فكلُّ الأرض مع وسعها سجن
وعامرها بال وشامخها لقىومؤنسها وحش ونيِّرها دجن
لك الله من ندب تفرد بالعلافطاول ذا فنٍّ وما فاته فن
إذا نشرت بين الأنام صفاتهفمن من العلا عمرو ومن في النَّدى معن
وإن حصروا أهل البلاغة والنُّهيجميعهم يومًا لديك فهم لكن
له في ازدحام الوفد نائل حاتموليس له مطل وليس له منُّ
وفي معرك الأبطال إقدام عنتروليس به نكل وليس به جبن
فإن جاد للعافين غير مماثلوإن جال في العادين ليس له قرن
فيوم الوغى في فيه تعتقر العداويوم النَّدى في حبِّه تعقر البدن
فقم واقعد الأعداء وأرق إلى العلافأنت لها خل وأنت لها خدن
/ ب/ وأنت لها واف وكاف وكافلوأنت لها ركن وأنت لها حصن
فدم أبدا التعري من البؤس والأذىوتعزى إلى عليائك العزُّ والأمن
وتعزى بكسب الحمد والمجد والثناوتعزى بك الأعداء والإنس والجنُّ
وتبقي على مرِّ الزَّمان مخلَّدًاوتنفى بك الأضغان والإفك والإفن
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع