من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر أحمد بن يوسف كاتب المأمون
وأحمد أقدم من إبرهيم وسعيد، واجل مرتبة، غير أنهما أشعر منه. فمن شعره:
يا أبا عيسى إليكَ المشتكىوأخو الضرِّ إذا اعتلَّ شكا
ليسَ لي صبرٌ على هجرانكموأعافُ المشربَ المشتركا
ومما يستظرف من شعره:
ألا إنَّ قلبي له خلقةٌقليسَ أرى مثلها في الخلقْ
سريعُ العلوق إذْ ما اشتهىسريع النزوع إذا ما علقْ
فبينا يرى عاشقاً إذْ صحاوبينا يرى صاحياً قد عشقْ
رأيتُ الوصالَ وهجرانهُيكونانِ منه معاً في نسقْ
فصرتُ إذا ما هوى لم أخفْهواهُ، وإما صحا لم أثقْ
وأخذه بعض المتأخرين فقال:
رأيتُ فؤادي على شؤمهِكثيرَ الولوعِ، كثيَر النزوعِ
كثيرَ التصرفِ في حبهِلموحاً إلى كلِّ برقٍ لموعِ
يحبُّ ثلاثينَ في ساعةٍويقطعُ بالغدرِ قلبَ الجميعِ
وأخذه ابن ابي طاهر، فقال:
عدمتُ فؤادي من فؤادٍ، فما أشقىوأكثرَ ما يبلي، وأكثرَ ما يلقى
فلو كانَ يهوى واحداً لعذرتهُولكنهُ، من شؤمهِ، يعشقُ الخلقا
أرى ذا فأهواهُ، وأبصر غيرهُفأبلى بذا سقماً، وأبلى بذا عشقا
ثمانونَ لي في كلِّ يومٍ أحبهموما في فؤادي واحدٌ منهمُ يبقى
ومما يستجا من شعره:
وجوارُ الديارِ نأيٌ سحيقٌحين ينأى الجوارُ بين القلوبِ
وأخذه أبوتمام فقال:
إذا باعدَ قلبي عنكَ منحرفاًفليسَ يدنيك مني أن تكونَ معي
وممن المستحسن قوله:
تطاولَ باللقاءِ العهدُ مناوطولُ العهدِ يقدحُ في القلوبِ
أراكَ، وإن نأيتَ بعينِ قلبيكأنكَ نصبُ عيني من قريبِ
وهذا المعنى خذه من قول الأول:
أما والذي لو شاءَ لم يخلقِ النوىلئن غبتَ عن عيني، لما غبتَ عن قلبي
يوهمنيكَ الشوقُ، حتى كأنماأناجيكَ من قربٍ، وإن لم تكنْ قربي
وأنشد ابو عبيدة في هذا المعنى:
إني لأضمرُ ذكرها، فكأنهادونَ النديمِ نديمتي في المجلسِ
وقال آخر:
وغائبةٍ عن مقلتيَّ، ولم تغبْعن القلبِ في حالٍ لمستحلمِ الودِّ
يمثلها قلبي لطرفي، فأشتكيإليها الذي ألقى، وأحسبها عندي
آخر:
فإنْ حجبتْ، ولم أرها بعينيوأحرمتُ الزيارةَ من لقاها
فلي قلبٌ يمثلها لعينيفعيني، كلما نظرتْ، تراها
وله أيضاً:
الناسُ في الدنيا أحاديثُتبقى، ولا تبقى المواريثُ
فرحمة الله على دارجٍطابتْ له فيها الأحاديثُ
أخذ هذا المعنى محمود الوراق، فقال:
المرءُ، بعدَ الموتِ، إحدوثةٌتبقى، وتفنى منه آثارهُ
فأحسنُ الحالاتِ حال امرئٍتطيبُ، بعدَ الموت، أخبارهُ
يفنى ويبقى ذكرهُ بعدهُإذا خلتْ، من شخصهِ، دارهُ
وقال أيضاً:
وسيبقى الحديثُ، بعدكَ، فانظرْخيرَ أحدوثةٍ تكونُ، فكنها
وغيره:
وكنْ أحدوثةً حسنت، فإنيرأيتُ الناسَ كلهمُ حديثا
وقال أحمد بن يوسف:
تركتكَ والهجرانَ، لا لملالةٍورددتُ يأساً من إخائكَ في صدري
وألزمتُ نفسي من فراقكَ خطةًحملتُ بها نفسي على مركبٍ وعرِ
فإني، وإن رقت عليكَ جوانحيفما قدرُ حبي أن أذلَّ له قدري
سأحمدُ مني، ما حييتُ، عزيمتيويعجبُ، طول الدهرِ، هجركَ من صبري
وقال آخر في ضد هذا المعنى، وهو إبراهيم بن عباد المكي:
تعيرني قومي بذلي في الهوىوكم من ذليلٍ، في الهوى، اكتسبَ العزا
إذا كنتَ تهوى فاجعلِ الذلَّ جنةًفإني رأيتُ الكبرَ من ذي الهوى عجزا
وقال آخر:
أذل لمن هوى لا درك عزةفكم عزة قد نالها المرء بالذل
ومن مستظرف قول أحمد:
قلبي يحبكَ يا منىقلبي، ويبغضُ من يحبكْ
لأكونَ فرداً في هواكَ، وليتَ شعري كيف قلبكْ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع