تجاوز إلى المحتوى

من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)

ذكر سعيد بن حميد ابن سعيد بن بختيار الكاتب

كان سعيد بن حميد كاتباً مجيداً، وشاعراً مفلقاً، وكان كلامه عذباً، ومعانيه حلوة. فمن مختار شعره الذي كتب به إلى بعض إخوانه في عتاب:

أقللْ عتابكَ، فالبقاءُ قليلُوالدهرُ يعدل مرةً، ويميلُ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
لم أبكِ من زمنٍ ذممت صروفهُإلا بكيتُ عليهِ حين يزولُ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
ولكلِّ نابيةٍ ألمت مدةٌولكلِّ حالٍ أقبلتْ تحويلُ
وأراكَ تكلفُ بالعتابِ، وودناصافٍ، عليه من الوفاءِ دليلُ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
ولعلَّ أيام الحياةِ قصيرةٌفعلامَ يكثرُ عتبنا ويطولُ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

وأما قوله: لم أبك من زمن ذممت صروفه فمأخومذ من قول القائل:

ربَّ دهرٍ بكيتُ منه، فلماصرتُ في غيرهِ بكيتُ عليهِ

ومن قول الآخر:

عتبتُ على سلمٍ، فلما فقدتهُوجربتُ أقواماً، بكيتُ على سلمِ
للشاعر نهار بن توسعة، اقرأ القصيدة

وقول الآخر:

كم من أخٍ يتشكى من خلائقهِناسٌ عليه، وتبكيهِ إذا بانا

وقول محمود الوراق:

لم أبكِ من خبثِ دهرٍإلا بكيتُ عليهِ

وقوله:

ولعلَّ أيام الحياةِ قصيرةٌفعلامَ يكثرُ عتبنا ويطولُ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

فهو من قوله:

العمرُ أقصرُ مدةًمن أن يصرمَ بالعتابِ

وقول الآخر في الحث على العتاب:

إذا كنتَ لا تعتبُولا أنا أستعتبُ
تطاولَ هجرانناوأيامنا تذهبُ

وقال أيضاً:

نقضت لباناتي، وأعتبتُ عاذليفلم يبقَ من أيامِ لهوي سوى الذكرِ
وأصبحتُ قد ودعت ما كنت آلفاًكذلكَ أحكامُ الحوادثِ والدهرِ
إذا كنتُ قد أيقنتُ أني راحلٌوقصرتُ في زادِ الرحيلِ، فما عذري

ولسعيد بن حمي أيضاً:

قل لمن شطَّ المزارُ بهِليتَ شعري عنكَ ما خبركْ؟
أعلى حفظٍ لحرمتناأمْ عفى من ودنا أثركْ
لو تكون الدارُ دانيةًنمَّ بالمكتومِ لي نظركْ

وهذا أيضاً قد إشترك الشعراء فيه، غير أن سعيداً دققه. وهو من قول الآخر:

لا شاهدٌ عندي على غائبٍأعدل من طرفٍ على قلبِ

وقال الآخر:

تخبركَ العينُ بكلِّ الذيفي القلبِ من من بغضٍ، ومن حبِّ

وقال الآخر:

إنَّ العيونَ تدلُّ بالنظر الملحِّ على الدخيلِ
إما على حبٍّ شديدٍ، أو على بغضٍ وبيلِ

وقال آخر:

وأعرفُ منها في الحبِّ لين طرفهاوأعرفُ منها البغضَ بالنظرِ الشزرِ

وقال آخر:

إنَّ العيونَ لتبدي في تقلبهاما في الضمائر من بغضٍ، ومن ومقِ
إذا وددنَ امرءاً، أو حزنَ بغضتهُأفضى الضميرُ بما تهوى إلى الحدقِ

وقال سعيد بن حميد:

قربتَ، وما ترجو اللقاءَ، ولا ترىلنا حيلةً يدنيكَ منا احتيالها
وأصبحتَ كالشمسِ المنيرةِ، ضوؤهاقريبٌ، ولكن أين منكَ منالها
كطاعنةٍ ضنتْ بها غربةُ النوىعلينا، ولكن قد يلمُّ خيالها
تقربها الآمالُ، ثمَّ تعوقهامماطلةُ الدنيا بها، واعتلالها
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

أخذ هذا المعنى بعضهم، فقال:

كالشمسِ مخلوعٌ عليك شعاعهاأبداً، وليس لقاؤها لكَ هينا

وقال ابن عيينة:

فقلتُ لأصحابي هي الشمسُ، ضوءهاقريبٌ، ولكن في تناولها بعدُ
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

وقال العباس بن الأحنف:

لعمري لقد جلبتْ نظرتيإليكِ على بلاءً طويلا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «لعمري لقد جلبت نظرتي»
فيا ويحَ منْ كلفت نفسهُبمن لا يطيقُ إليهِ السبيلا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «لعمري لقد جلبت نظرتي»
هي الشمسُ مسكنها في السماءِ، فعزِّ الفؤادَ عزاءً جميلا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «لعمري لقد جلبت نظرتي»
فلن تستطيعَ إليها الصعودَ، ولن تستطيعَ إليكَ النزولا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «لعمري لقد جلبت نظرتي»

آخر:

وأضحتْ مكانَ الشمس يقربُ ضوءهاويا بعدها عن قبضةِ المتطاولِ

ولسعيد بن حميد:

ولو كتمتُ الحبَّ خوفَ العدالأخبرَ الدمعُ بما أضمرهُ
أو يعذلُ العاذلُ في حبهافالوجهُ منها في الهوى يعذرهْ

أخذ هذا المعنى الحسين بن الضحاك، فقال:

فإن عنفني الناسُففي وجهكِ لي عذرُ

وقال آخر:

عذلاني على هواها، فلماأبصرا حسنَ وجهها عذراني

وقل إبرهيم بن المهدي:

ويدٌ لحسنكَ لا أقومُ بشكرهافي بسطِ معذرتي ولومِ العاذلِ

وأخذ هذا البحتري فأجاد:

يلامُ العاشقونَ إذا أحبواويلحى كلُّ ذي كلفٍ سوائي
وذاكَ لأنني أحببتُ بدراًيرهُ الناسُ كلهمُ برائي

وللابن حميد:

وكم من قائلٍ قد قالَ: دعهُفلم يكُ ودهُ لكَ بالسليمِ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
فقلتُُ: إذا جزيتُ الغدرَ غدراًفما فضلُ الكريمِ على اللئيمِ

ولمحمود الوراق:

إني شكرتُ لظالمي ظلميوغفرتُ ذاكَ له على علمِ
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إني شكرت لظالمي ظلمي»
ورأيتهُ أسدى إليَّ يداًلما أبانَ بجهلهِ حلمي
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إني شكرت لظالمي ظلمي»

وقال آخر:

شكرتُ أخي، وقد أبدى جفاءًوبخلاً، ثمَّ فاجأني بظلمِ
فلولا بخلهُ ما بانَ جوديولولا جهلهُ ما بانَ حلمي

ولسعيد:

وكنتُ إذا ما صاحبٌ خفتُ غدرهُصددتُ، وبعضُ الصدِّ في الودِّ أمثلُ
إذا حلَّ ضيمٌ منزلاً لم أقم بهِعلى الضيمِ، إلا ريثما أتنقلُ
أرى الموتَ عزاً، والحياةَ ذميمةًإذا نالني فيه أذىً وتذللُ
أبتْ لي أن أقتادَ للضيمِ همةٌسمتْ، ولها بين السماكينِ منزلُ

وهذه أبيات حسنة جداً، والبيت الثاني منها مأخوذ المعنى. وأول من جاء به امرؤ القيس في قوله:

وإذا أذيتُ ببلدةٍ ودعتهاحتى أقيمَ بغيرِ دارِ مقامِ

واتبعه الشعراء، فأكثروا فيذلك. فمن ذلك قول بعضهم:

وكنتُ إذا دارٌ نبت بي تركتهالغيري، ولم أقعدْ على غيرِ مقعدِ

ولابن منير:

وإذا الفتى لاقى الهوانَ نزيلهفي بلدةٍ، فالعزمُ أنْ يترحلا

ولمؤلف الكتاب:

وإن نبت بكَ دارٌ فانتقل عجلاًفإنَّ رزقكَ يوماً غيرَ منتقلِ

وما بقي أحد إلا وق ألم بهذا المعنى.

وقال سعيد:

إذا نأى عنكمُ، فالقلبُ عندكمفقلبهُ، أبداً، منهُ على سفرِ

وهو مأخوذ من قول ابن أبي عيينة:

جسمي معي، غيرَ أنَّ القلبَ عندكمفالجسمُ في غربةٍ، والقلبُ في وطنِ
فليعجبِ الناسُ مني أنَّ لي بدناًلا قلبَ فيهِ، ولي قلبٌ بلا بدنِ

ومما يستظرف من معانيه قوله:

فرقا بيني وبين الهمِّ بالراحِ الشمولِ
وأصبحاني قبلَ أن يصبحني عذلَ العذولِ
مالَ بي عن طاعةِ العذلِ إلى السكرِ الطويلِ
ما أرى من سخطِ الدنيا على أهلِ العقولِ

وهي مأخوذة من قول الأعرابي حين قال:

لما رأيتُ الدهرَ دهرَ الجاهلِولم أرَ المحرومَ غيرَ العاقلِ
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
شربتُ كأساً من كرومِ بابلِفرحتُ من عقلي على راحلِ

ولابن حميد:

أطعِ الشبابَ، فإنمادنياكَ أيامُ الشبابِ
فإذا انقضى سكرُ الشبابِ، فملْ إلى سكرِ الشرابِ

ومثله لأبي نواس:

لا عيشَ إلا في زمانِ الصبافإن تقضى، فزمانُ المدامِ

وله في وصف مغنية:

غناءُ، ريا، خيرُ ما تسمعُيشفى به ذو السقمِ، الموجعُ
أوتارها تنطقُ حتى ترىأجفانَ ذي الشوق لها تدمعُ
لقد تمنيتُ لها أنَّ ليفي كلِّ عضوٍ أذناً تسمعُ

ومثله لبي تمام:

يودُّ وداداًأنَّ أعضاء جسمهِإذا أنشدتْ، شوقاً إليها، مسامعُ

وللآخر:

غنتْ فلم تبقَ فيَّ جارحةٌإلا تمنيتُ أنها أذنُ

ولابن حمي:

نائي المحلِّ ينالهُ النظرُحلو الشمائلِ، قلبهُ حجرُ
وقفَ الجمال على محاسنهِفبكلِّ جارحةٍ له قمرُ
ضمنتُ محاسنهُ لواصفهألا يكذبَ وصفهُ النظرُ

وهو مأخوذ من قول أبي نواس:

يا منْ رضيتُ من الخلقِ الكثيرِ بهأنتَ القريبُ، على بعدٍ من الدارِ

وقال آخر:

أبلغْ أخاكَ أخا الإحسانِ، بي حسناًأني، وإن كنتُ لا ألقاهُ، ألقاهُ
وأنَّ طرفي معقودٌ بناظرهِوإنْ تباعد عن مثوايَ مثواهُ

ووجدت هذا المعنى سبكاً حسناً، وابلغ لابن منير الأطرابلسي قوله:

وأقربُ ما يكونُ هواكَ منيإذا ما غابَ شخصكُ عن عياني
كأنكَ قد ختمتَ على ضميريفغيركُ لا يمرُّ على لساني

وأما قوله: فبكل جارحة له قمر، فإنه مخوذ من قول الأول:

كأنما أفرغتْ من ماءِ لؤلؤةٍفي كلِّ جارحةٍ من خلقها قمرُ

وأول من ابدع هذا مسلم في قوله:

في كلِّ عضو فيك بدرٌ طالعٌومدامعي من كلِّ عضوٍ تذرفُ

ومن قول سعيد:

بكرتْ أوائلُ للربيعِ، فنشرتحللُ الرياض بجدةٍ وشبابِ
وغدا الحسابُ يكادُ يسحبُ في الثرىأذيالَ أسحمَ، حالك الجلبابِ
يبكي ليضحكَ نورهنَّ، فيالهُضحكاً تبسمَ عن بكاءِ سحابِ
وترى السماءَ وقد أسفَّ ربابهاوكأنما لحقت جناحَ غرابِ
وترى الغصونَ إذا الرياحُ تناوحتملتفةً، كتعانقِ الأحبابِ

وهذا بديع جداً، فأما قوله: فياله ضحكاً تولد عن بكاء سحاب، فهذا المعنى أول من ابتدعه أبو الشيص، حيث قال:

بكتِ السماءُ بها، فقد ضحكتمنها الرياضُ بدمعها السربِ

وذكروا أنه أخذه من قول ابن مطير، حيث قال:

كل يوم يسرنا اقحوانتضحك الأرض عن بكاء السماء

ثم تداولته الألسن. وقال آخر:

إذا ما بكتْ عينُ السماءِ تهللتمضاحكُ وجهِ الأرضِ من كلِّ جانبِ

وقال عبيد الله بن عبد الله:

شموسٌ وأقمارُ من الزهر طلعٌلذوي اللهو في أكنافها متمتعُ
كأنَّ عليها من مجاجةِ زهرهالآلي، إلا أنها منهُ ألمعُ
نشاوى تثنيها الرياحُ فتنتشيفيلثمُ بعضٌ بعضها، ثمَّ يرجعُ

وأنا أحسن قول الآخر في السرو:

حفتْ بسروٍ كالقيانِ تلحفتخضرَ الحريرِ على قوامٍ معتدلْ
للشاعر ابن وهب، اقرأ القصيدة
وكأنها، والريحُ تخطرُ بينهاتنوي التعانقَ، ثمَّ يمنعها الخجلْ

ومن قول سعيد:

تمتعتُ باللهو حتى انقضىولم تبقَ لذةُ ما قدْ مضى
وأغفلتُ ما كنتُ أولى بهمن العملِ الصالحِ المرتضى
أخبُّ وأرفلُ في الظاعنينَقرينَ الكلالِ، قعيدَ الرضا
أرومُ وأطلبُ قربَ البعيدِوهيهاتَ هيهاتَ طالَ الفضا
ولي أجلَّ حنقٌ ثائرٌعلى مهجةٍ شاهر المنتضى
هما للضرابِ، وآياتهفوادحُ شيبٍ، كنورٍ أضا
يحثُّ الفؤادَ على رشدهويأباهُ مستأثراً معرضا
فيا لذةً أورثت حسرةًويا غفلةً أورثتْ مرمضا
ديونكَ من قبلِ أن تنتضىونفسكَ من قبلِ أنْ تقبضا

ومما يستحسن من غزله:

الله يعلمُ، والدنيا مفرقةٌوالعيشُ منتقلٌ، والدهرُ ذو دولِ
لأنتَ عندي، وإن ساءت ظنونكَ بيأحلى من الأمنِ عندَ الخائفِ الوجلِ
وللفراقُ، وأن هانت فجيعتهُعليكَ، أخوفُ في نفسي من الأجلِ
وكيفَ أفرحُ بالدنيا وزينتهاواليأسُ يحكمُ للأعداءِ في أملي

ومما يختار من مراثيه، قوله يرثي عبد الله بن صالح الحسيني:

بأيِّ يدٍ أسطو على الدهرِ بعدماأطارَ يدي عضبُ الذبابين، قاضبُ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
وهاض جناحي حادثٌ جلِّ خطبهُفسدت على الصبرِ الجميلِ المذاهبُ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
ومن عادة الأيامِ أنَّ خطوبهاإذا سرَّ منها جانبٌ، ساءَ جانبُ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
لعمري لقد عاقَ التجلدَ أننافقدناكَ فقد الغيثِ، والعامُ جادبُ
فقدنا فتىً قد كانَ للأرض زينةًكما زينت وجهَ السماءِ الكواكبُ
لعمري لئن كان الردى بكَ فاتنيوكلُّ امرئٍ يوماً، إلى الله، ذاهبُ
لقد أخذتْ مني النوائبُ حكمهافما تركتْ حقاً عليَّ النوائبُ
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
سقى جدثاً أمسى الكريمُ بن صالحٍيحلُّ به، دانٍ من المزنِ، صائبُ
إذا بشرَ الواردَ بالغيثِ ودقهُمرتهُ الصبا، واسحلبتهُ الجنائبُ

ومما يستحسن من هجائه:

يا حجةَ الله في الأرزاقِ والقسمِومحنةً لذوي الأخطارِ والهممِ
ما أن رأيناكَ في نعماءَ سابغةٍإلا وربكَ غضبانُ على النعمِ

ومثل هذا قول أبي هفان:

ليستِ الغمةُ، عبدَ اللهِ في مثلكَ نعمهْ

وله معنى مطبوع، وإن كان فحشاً وسفهاً: أخذ هذا المعنى من قول دعبل في يزيد بن مزيد:

وكان يزيدٌ أبو خالدٍإذا باتَ متخماً عاقدا
يضيقُ بأولادهِ بطنهُفيخراهمُ واحداً، واحدا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وكان أبو خالد مرأة»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من أسماء شعراء الكتاب وما يختار من اشعارهم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.