من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر الحسن وسليمان ابني وهب
كان الحسن كثير الشعر الحسن، وإنما كان يطول فيسقط من شعره كثير. وأما سليمان فليس بغزير الشعر، وله أبيت صالحة المعاني، حلوة الألفاظ. ومنها أنه لما حبس الواثق سليمان والحسن ابني وهب، كتب الحسن إلى المتوكل كتاباً في اسفله:
أقولُ، والليل ممدودٌ سردقهُوقد مضى الثلثُ منه، أو قد انتصفا
ودمعُ عيني على الخدينِ منحدرٌوليسَ تملكُ في الأجفانِ إن وقفا
يا ربِّ ألهمْ أميرَ المؤمنينَ رضىًعن خادمينِ له قد شارفا التلفا
فإنْ يكونا أساءا في الذي سلفافلنْ يسيئا، بإذن الله، مؤتنفا
وقال يذكر أخاه سليمان:
خليليَّ من عبد المدانِ تروحاونصا صدورَ العيسِ حسرى، وطلحا
فإنَّ سليمانَ بن وهبٍ بمنزلٍأصابَ صميم القلبِ مني، فأقرحا
أسائلُ عنه الحارسينَ لحبسهإذا ما أتوني: كيفَ أمسى وأصبحا
فلا يهنئ الأعداءَ أسُر ابن حرةٍيراهُ العدى أندى بناناً وأسمحا
وأنهضَ في الأمر المهمِّ بعزمهِوأقرعَ للباب الأصمِّ، وافتحا
فإنَّ أمورَ الملكِ أضحى مدارهاعليه، كما دارتْ على قطبها الرحا
وكتب إلى سليمان أخيه:
صبراً أبا أيوبَ حلَّ مجلجٌوإذا جزعتَ من الخطوبِ، فمن لها
إنَّ الذي عقدَ الذي انعقدتْ بهعقدُ المكارهِ فيهِ، يملكُ حلها
فاصبرْ، فعلَّ الصبرَ يعقب راحةًوعسى تكون قريبةً، ولعلها
فأجابه سليمان:
صبرتني، ووعظتني، فأنا لهاوسنجلي، بل لا أقولُ: لعلها
ويحلها منْ كانَ صاحبَ عقدهاثقةً به، إذ كانَ يملكُ حلها
وللحسن شعر يلتحق بشعر العرب، كتب به إلى أبي عبد الله أحمد بن ابي دؤاد الإيادي:
يا واحدَ العربِ الذي كرمتْ لهمنها منابتها، وطابَ حجورها
وعميها المأمولَ فيها نابهافيه، إذا وهنتْ، تناطُ أمورها
ومقيمَ حكم الله في توحيدهِبمقالةٍ قد كانَ خيف وقورها
حتى تلافاها الإمامُ، وحاطهابكَ، فاكتستْ عزاً، وأشرقَ نورها
وخبتْ من التشبيهِ نارُ ضلالةٍقد كانَ أضرمَ، بالنفاقِ، سعيرها
هل أنتَ سامعُ دعوةٍ، فمعيرهاغوثاً، ومنقذُ أمةٍ، فمجيرها
تحتَ الحوادثِ من رجالك عصبةٌما إنْ ينام ُمن الهمومِ سميرها
هل غيرَ أنْ ربعوا مرابعَ وخمةًقد كان َغيبَ عنهمُ محذورها
فأذاقهم حكمُ الإمامِ وبالهابنوازلٍ كانَ الزمانُ يديرها
فليعفِ عنهم، إنما هي عثرةٌما إنْ يعزُ على الأمام جبورها
أترى الأمامُ، ابنُ الأئمةِ، والذيبطحاءُ مكةَ بيتهُ، فثبيرها
وهو المرددُ في الخلافةِ عودهامنها، ومنبرها له، وسريرها
يعطيكَ يوماً في تخلصِ أنفسٍتسعى لفكِّ رقابها، فيثيرها
فإذا لينتصحنَّ رأيكَ فيهمُويسرهُ، في ملكهِ، تدبيرها
فليحم أنفكَ للكرامِ، فإنمانعشُ الرجالِ شريفها وخطيرها
ولكَ الذؤابةُ في نزارٍ كلهاوعليكَ ترخى حجبها وستورها
لا زلتَ في نعمٍ، يعمكَ حفظهاودوامها، وسرورها، وحبورها
فأصلح ابن ابي دؤاد مرهما عند الواثق، فقال الحسن فيه يمدحه ويشكره:
وإذا الزمانُ أرادني بملمةٍيوماً، دعوتُ لها الوزيرَ الأكبرا
لا زالَ حظكَ، في الحياةِ، موفراًوعدوكَ الباغي عليكَ مثبرا
أضحى سليمانُ بنُ وهبٍ شاكراًنعماكَ، حقَّ لمثلها أنْ يشكرا
ومن مشهور غزل الحسن:
بأبي كرهتُ النارَ حتى أبعدتفعرفتُ ما معناكِ في إبعادها
هي ضرةٌ لكِ في التماعِ ضيائهاوبحسنِ صورتها لدى إيقادها
وأرى صنيعكِ بالقلوبِ صنيعهابسيالها، وأراكها، وعرادها
شركتكِ من كلِّ الجهاتِ بحسنهاوضيائها، وصلاحها، وفسادها
يا بؤسَ نفسٍ أولعتْ بسعادهالعبتْ سعادُ بعقلها وفؤادها
ما إنْ حوتْ من قبلها مثلاً لهاكفا محمدها، ولا حمادها
غادِ المدامةَ، يا خليلي، غادهاوأنعمْ بظلماءِ الدجى، فسوادها
واجعلْ شهادكَ في احتساءِش سلافهاإذْ حظُّ عينك في طويلِ سهادها
وإنما جعل يذكر بناناً جارية محمد بن حماد، لأنه كان يعشقها عشقاً مبرحاً، وكان يكني عنها بسعاد، فاجتمعا في مجلس فيه نار، فكرهتها وتأذت بها، فأمر الحسن بإخراجها، وقال ما تقدم.
ومن شعره:
قالتْ: تصنعَ بالبكاءِ، فقلتُ: هلْيبكي الفتى إلا لما في قلبهِ؟
فلقدْ ألفتُ الدمعَ، حتى ربماجرتِ الدموعُ به، ولم أعلمْ بهِ
وكتب إلى بعض أصدقائه:
سركَ الله بمن تلهو بهِوبنوروزكَ يومَ الجمعهْ
وبدجنٍ ألبسَ الشمسَ، علىأنها طوراً ترى ملتمعهْ
كفتاةِ الخدرِ أبدتْ وجههامن أعالي قصرها، مطلعهْ
عندنا وردٌ ومسكٌ عبقٌورياحينٌ لنا مجتمعهْ
خبرٌ خبرتهُ، فاسمعْ، ولاتقعدنْ من بعدِ أن تستمعهْ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع