من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر محمد بن عبد الملك الزيات كاتب، ووزير
كان شاعراً حلو الألفاظ، عذب المعاني. له أشعار في ايام المأمون، ومدائح في المعتصم والواثق. وكذلك له أهاج بينه وبين عبد الله بن طاهر، وابن ابي دؤاد مشهورة، وغير ذلك من غزل وعتاب، واشعار وهو معتقل، وفي فنون أخرى. وسنذكر من ذلك لمعاً، ومختصراً.
فمن شعره ما وجه به إلى المأمون، لما هم بالصفح عن إبراهيم بن المهدي، يذكر ما كان منه في طلب الملك، ويحرضه عليه، وهو قوله:
فإنْ قلت قد رامَ الخلافةَ غيرهُفلم يؤتَ، فيما كاَن حاولَ، من جدِّ
فلم أجزهِ، إذ خيبَ الله سعيهُعلى خطأ، إنْ كانَ منه، ولا عمدِ
ولم أرضَ بعد العفوِ حتى فقدتهوللعمُّ أولى بالتغمدِ والرفدِ
فليسَ سواءً خارجيٌ رمى بهإليكَ سفاهُ الرأي، والرأيُ قد يردي
تعادتْ له من كلِّ أوبٍ عصابةٌمتى يوردوا، لا يصدروهُ عن الوردِ
وآخر في بيتِ الخلافةِ تلتقيبه وبكَ الآباءُ في ذروةِ المجدِ
فمولاكَ مولاهُ، وجندكَ جندهُوهل يجمعُ القينُ الحسامينِ في غمدِ
وقد رابني من أهلِ بيتكِ أننيرأيتُ لهم وجداً بهم، أيما وجدِ
وجردَ إبراهيمُ للموتِ سيفهُوأبدى سلاحاً فوق ذي منعةٍ، نهدِ
فأبلى، ولم يبلغْ من الأمرِ جهدهُفليسَ بمذمومٍ، وإن كانَ لم يجدِ
وهذي أمورٌ قد يخافُ ذوو النهىمغبتها، والله يهديكَ للرشدِ
فهذا تحريض حسن في تلويح جميل، وتعريض مشبع لا يعرف لمحدث مثله. ومن شعره المطبوع في برذون أشهب، كان المعتصم أخذه منه، وكان أحمد بن ابي خالد وشى به إليه، وفي هذه الأبيات أبيات لو أنها مرثية في ولد لحق لها، وهو قوله:
قالوا: جزعتَ، فقلت: إنَّ مصيبةًجلتْ رزيتها، وضاقَ المذهبُ
كيفَ العزاءُ، وقد مضى لسبيلهِعنا، فوعنا الأحمُّ الأشهبُ
دبَّ الوشاةُ فباعدوهُ، وربمابعدَ الفتى، وهو الحبيبُ الأقربُ
لله يم عدوتَ عني ظاعناًوسلبتُ قربكَ، أيّ علقِ أسلبُ
نفسي مقسمةٌ، أقامَ فريقهاوغدا لطيتهِ فريقٌ يجنبُ
الآنَ إذ كملتْ أداتكَ كلهاودعا العيونَ إليكَ خلقٌ معجبُ
أنساكَ؟ لا برحتْ، إذاً، منسيةًنفسي، ولا زالتْ بمثلكَ تنكبُ
أضمرتُ منكَ اليأسَ حين رأيتنيوقوى حبالي من حبالكَ تقضبُ
ورجعتُ، حين رجعتُ منك، بحسرةٍلله ما صنعَ الأصمُّ الأشيبُ
ومن مديحه في المعتصم ﵁:
حلفتُ، ومن حقِّ الذي قلتُ إننيأقولُ واثني بعد ذاكَ، وأحلفُ
لما هابَ هلُ الظلم مثلكَ سائقاًولا أنصفَ المظلومَ مثلك منصفُ
وكان الذي بينه وبين أحمد بن ابي دؤاد سيئاً جداً في ايام الواثق، وبسببه حبس، وأخذت ضياعه، وناله ما ناله من العذاب المشهور، مرة في صندوق، ومرة في تنور. فمن قوله في أحمد:
يا سائلي عن أبي عبد الإلهِ لقدْسألتَ عن رجلٍ، جمِّ الخساراتِ
اللئيمِ، بكتْعليهِ أهلُ قرى هيتٍ وعاناتِ
فأجابه أحمد:
قلتُ لها حينَ أكثرت عذليويحكِ أزرت بكِ الموداتُ
قالتْ: فأينَ الكرامُ، قلتُ لها:لا تسألي عنهمُ، فقد ماتوا
قالتْ: ولم ذاكَ، قلت: فاعتبريهذا وزيرُ الإمامِ زياتُ
وقال محمد فيه:
إنَّ الجديدَ إذا ما زيدَ في خلقٍتبينَ الناسُ أنَّ الثوبَ مرقوعُ
ولعبد الله بن طاهر في محمد:
أحسنُ من تسعينَ بيتاً هجاجمعكَ معناهنَّ في بيتِ
ما أحوجَ الملكَ إلى مطرةٍتذهبُ عنها وضرَ الزيتِ
فأجابه محمد:
يا أيها المأفونُ في رأيهِعرضتَ حوباءكَ للموتِ
قيرتمُ الملكَ، فلم ننقهِحتى غسلنا القارَ بالزيتِ
ومن أشعاره وهو في الأعتقال:
ربتَ دارٍ بعدَ عمرانهاأضحتْ خلاءً، ما بها أهلُ
لم تدخلِ البهجةُ دارَ امرءٍإلا وما يهدمها داخلُ
ما يأمنُ الدنيا وأيامهابعديَ، إلا عاجزٌ جاهلُ
أما ترى العيشَ بها زائلاًتباً لدنيا عيشها زائلُ
وقال في ذلك، وكان المتوكل يأمر إبراهيم بن العباس أن يكتب فيه كتاباً، فكتبه، ثم أرسل إليه نسخته. فقرأها محمد، فقال يعزي نفسه:
أرى الدهرَ لا تفنى عجائبُ صرفهِوأيامهُ ليستْ تقضى غرورها
لئن راعني يوماً كتابٌ قرأتهُلقد نفدتْ كتبي، فحلتْ أمورها
وقد سارَ في الأمثالِ بيتٌ لخالدٍوسرُّ أقاويلِ الرجالِ فجورها
فلا تجزعنْ من سنةٍ أنتَ سرتهافأولُ راضٍ سنةً منْ يسيرها
ومما يتمثل به من شعره النادر:
يا سوأتي لفتىً له أدبٌأمسى هواهُ قاهراً أدبهْ
يأتي الدنيةَ، وهو يعرفهاأعمى عن العيبِ الذي ارتكبهْ
وكتب رجل من الكتاب يقال له عيسى إلى محمد بن عبد الملك رقعة يذكر فيها حرمته، وأنه من أهل البلاغة والأدب، ووقع على موضع العنوان: عيسى. فوقع محمد على ظهر رقعته:
أنى تكونُ بليغاًونصفُ إسمكَ عيّ
ونصفُ إسمكَ أيضاًثلثا حروفِ مسيّ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع