من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر يعقوب بن الربيع
كان يعقوب شاعراً حلواً، طريفاً، مقبولاً. وأكثر شعره، الذي اشتهر عنه، ما رثى به ملك جاريته. ولها وله قصة عجيبة، وحكاية غريبة. وذلك أنه هوى جارية اسمها ملك، هوى كاد يتلفه. وبقي سبع سنين يجتهد في تحصيلها، ويبذل في ثمنها كل ما يقدر عليه، فلا يتهيأ له. فلما رأى أهله ما يحل به، ويقاسي من البكاء والحزن، عذلوه ولاموه، ثم حثوه على مداومة اللهو ومعاقرة الشراب، والتسلي بغيرها، لعسى يجد في ذلك بعض سلو وراحة مما هو عليه من عذاب المحبة. فأجاب إلى ذلك اياماً، فما رؤي يزداد إلا غراماً على غرامه، وهياماً على هيامه. فترك ذلك، ورفض اللهو والشراب، وقال:
زعموا أنَّ من تشاغلَ باللهو، سلا عن حبيبهِ، وأفاقا
كذبوا، ما كذا بلونا، ولكنلم يكونوا، فيما أرى، عشاقا
كيف شغلي بلذةٍ عنكِ، واللذاتُ يحدثنَ لي إليكِ اشتياقا
كلما رمتُ سلوةً، تذهبُ الحرقةَ، زادتْ قلبي عليكِ احتراقا
وله أيضاً:
زعموا أنَّ منْ تشاغلَ باللذاتِ عمن يحبهُ يتسلى
كذبوا، والذي تقادُ له البدنُ، ومن طاف بالحجيجِ وصلى
لرسيسُ الهوى أحرُّ من الجمرِ على قلبِ عاشقٍ يتقلى
والناس في طريق السلو على اختلاف. فمنهم من زعم أن التشاغل يسلي، ومنهم من زعم أن الأسفار وإدمان السير يسلي، ومنهم من زعم أن قطع الرجاء واستعمال اليأس يسلي ومنهم من زعم أن العاشق إذا تسلى بمن يماثل محبوبه، أو يماثله ويشغل قلبه بمحبوب آخر يتسلى. وسنذكر في ذلك ما يسنح.
فمن صرف الهوى إلى غير من يهوى، زعم أن ذلك زاد غرامه وصبابته، وهيج شوقه وكآبته. وقال دعبل:
ولما أبى إلاّ جماحاً فؤادهُولم يسلُ عن ليلى بمالٍ، ولا أهلِ
تسلى بأخرى غيرها، فإذا التيتسلى بها تغري بليلى، ولا تسلي
وقال الآخر خلاف ذلك:
ولما رأيتكِ خوانةًترينَ القبيحَ فعالاً جميلا
تسليتُ عنكِ بما لا أحبُّودبَّ السلوّ قليلاً قليلا
وقال الآخر:
سألتُ المحبينَ الذينَ تكلفواتكاليفَ هذا الحبِّ في سالفِ الدهرِ
فقالوا: شفاءُ الحبِّ حبٌّ يزيلهُلآخرَ، أو نأيٌ طويلٌ على بحرِ
وقال الآخر:
إذا ما شئتَ أنْ تسلو حبيباًفأكثرْ دونهُ عددَ الليالي
وقال الآخر يرد ذلك:
وقد زعموا أنَّ المحبَّ إذا دنايملُّ، وأنَّ النأي َيشفي من الوجدِ
بكلٍّ تداوينا فلم يشفَ ما بناعلى ذاكَ قربُ الدارِ خيرٌ من البعدِ
فقال دعبل يرد ذلك:
فلا البعدُ يسليني، ولا القربُ نافعيوفي الطمع الأدناءُ، واليأسُ لا يبري
وقال الآخر:
تداويتُ من ليلى بليلى من الهوىكما يتدوى شاربُ الخمرِ بالخمرِ
يقولونَ عن ليلى صبرتَ، وإنمابيَ اليأسُ من ليلى، وما بيَ من صبرِ
وقال الآخر، وهو مليح:
فإنْ تسلُ عنكَ النفسُ، أو يذهلُ الهوىفباليأسِ أسلو عنكِ، لا بالتجلدِ
وقال الحارث بن حلزة:
ويئستُ مما قد شغفتُ بهِمنها، ولا يسليكَ كاليأسِ
وقال الآخر يرد هذه الأقاويل:
أرى الألفَ يسلو للتنائي وللهوىولليأسِ، إلاّ أنني لستُ ساليا
وقال الزبير بن بكار:
ولما بدا لي أنها لا تحبنيوأنَّ فؤادي ليسَ عني بمنجلِ
تمنيتُ أنْ تهوى سوايَ، لعلهاتذوقُ حراراتِ الهوى، فترقُّ لي
ثم قال الآخر: طريقنا إلى السلو وبرد الأكباد من الغرام والاكتئاب، وكأنه أصاب في هذا الباب:
شفاءُ الحبِّ تقبيلٌ وضمٌّ
وقال بعض أهل العصر:
والله ما يشفي المحبَّسوى اعتناقٍ والتزامِ
ودوامِ ما تختارهُحتى تملَّ من الدوامِ
رجعنا إلى قصة يعقوب بن الربيع وقصة ملك، التي كان يهواها. قال: فلما جاوز السبع سنين ظفر بها، فلم تلبث عنده إلا ستة أشهر، ثم ماتت. فناله من الحزن والجزع عليها أكثر مما كان يلقاه من حبها. فما رثاها به قوله:
إنما حسرتي، إذا ما تفكرتُ، عنائي بها، وطولُ طلابي
لم أزلْ في الطلابِ سبعَ سنينٍأتأتى لذاكَ من كلِّ بابِ
فاجتمعنا على اتفاقٍ وقدرٍوغنينا، من فرقةٍ، باصطحابِ
أشهرٌ ستةٌ صحبكِ فيهاكنَّ كالحلمِ، أو كلمعِ السرابِ
فأتى في شعره بجملة خبره. وقال في شعر آخر:
خلسَ الزمانُ أعزَّ مختلسِويدُ الزمانِ كثيرةُ الخلسِ
لله هالكةٌ فجعتُ بهاما كانَ أبعدها عن الدنسِ
أتتِ البشارةُ والنعيُّ معاًيا قربَ مأتمها من العرسِ
فشاركه في هذا المعنى جماعة. وألطف ما سمعت قول لبابة بنت علي بن المهدي، وكانت زوجة الأمين، فقتل ولم يدخل بها:
أبكيكَ لا للنعيمِ والأنسِبل للمعالي والرمحِ والفرسِ
أبكي على فارسٍ فجعتُ بهِأرملني قبلَ ليلةِ العرسِ
ولإبراهيم بن المهدي يرثي ابنه أحمد:
بكيتُ على أحمدَ المختلسْبدمعٍ يردُّ مجاري النفسْ
وناديتُ في القبرِ جثمانهُفلا الرمسُ ردَّ، ولا المرتمسْ
ويومُ وفاتكَ يومُ الملاكِويومُ الختانِ، ويومُ العرسِ
وممن أجاد وبرز في وصف قرب الحياة من الممات محمد بن حسان، في قوله يرثي ولده أحمد، وقد توفي طفلاً:
هيي لأحمدَ في الثرى بيتُوخلا لهُ من أهلهِ بيتُ
فكأنَّ مولدهُ ومأتمهُصوتٌ دعى، فأجابه صوتُ
ولمحمد الأموي يرثي طفلاً له:
فطمتكَ المنونُ قبلَ الفطامِواعتراك اَلنقصانُ قبلَ التمامِ
بأبي أنتَ ظاعنٌ، لم أمتعْبوداعٍ منهُ، ولا بسلامِ
ومن أحسن ما سمعت في هذا الباب للتهامي في طفل له:
يا كوكباً ما كان أقصر عمرهوكذا تكون كواكب الأسحار
وأحسن من هذا لابن رومي:
بنيَّ الذي أهدتهُ كفاهُ للثرىفيا عزةَ المهدى، ويا خسرةَ المهدي
لقد قلَّ بين اللحدِ والمهدِ لبثهُفلم ينسَ عهدَ المهدِ، إذ ضمَّ للحدِ
عجبتُ لقلبي كيفَ لم ينفطرْ لهُولو أنهُ أقسى من الحجرِ الصلدِ
وهذا باب يطول. وقال يعقوب، أيضاً، يرثي ملكاً:
أمرُّ بقبرٍ فيهِ ملكٌ مجانباًكأنيَ لا أعنى بصاحبةِ القبرِ
أمرُّ إذا جاوزتهُ متلفتاًتلاحظهُ عيني، ودمعتها تجري
فلو أنني إذْ حلَّ وقتُ حمامهاأحكمُ في عمري، لشاطرتها عمري
فحلَّ بنا المقدارُ في ساعةٍ معاًفماتتْ ولا أدري، ومتُّ ولا تدري
فإن ْتبقني الأيامُ للدهرِ لعبةًفقد كنت، قبل اليومِ، ألعبُ بالدهرِ
وهذا معنى مليح جداً. وقد تقدم في ذلك قول بشار:
الله صيرها وصورهالاقتكَ، أو أتبعتها ترها
نصباً لعينكَ لا ترى نزهاًإلا ذكرتَ بها لها شبها
إني لأشفقُ أن أؤخرهابعدي، وأكره ُأنْ أقدمها
وقول الآخر مطبوع:
لا متُّ قبلكَ، بل حيينانكوي قلوبَ الحاسدينا
نحيى جميعاً، والسرورُ لنا جميعاً ما حيينا
فإذا المنيةُ أقصدتْكنا جميعاً ميتينا
ومن هاهنا أخذ محمد بن يزيد:
لا متُّ قبلكَ يا أخي، لا بخلةًبالنفسِ عنكَ، ولا تمتْ قبلي
وبقيتَ لي، وبقيت منكَ كذامتمتعينِ بأجمعِ الشملِ
حتى إذا حضرَ الحمامُ لبيتنافرمى لمدةِ غايةِ المهلِ
متنا جميعاً، لا يؤخرُ واحدٌعن واحدٍ، لحرارةِ الثكلِ
وكفاكَ من نفسي شهيدٌ صادقٌيا صاحِ إنكَ عندها مثلي
وحكى الأصمعي قال: عرضت على الرشيد جاريتان، فقالت الأولى منهما وسابقت: السابقون السابقون، أولئك المقربون. ثم تقدمت الثانية فقالت: وللآخرة خير لك من الأولى، فاشتراهما لظرفهما. فقلت: يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن أفاكههما؟ قال: شأنك. فقلت لإحداهما: من أحسن عيشاً؟ قالت: من قنع ثن ساعده القدر، فاستمتع بهواه قبل أن تخلفه الأيام. ثم أقبلت على صاحبتها لأسألها، فقالت: يا بغيض، الجواب واحد، والقلوب متفقة، ولا فرق بيننا، ونحن كما قال الشاعر:
نحيى معاً، ومعاً نموتُ، ولا نموت، كذا، سريعا
وكما اجتمعنا في الحياةِ، نفارقُ الدنيا جميعا
وله أيضاً فيها:
يا أعظمٌ بليتْ في قعرِ مظلمةٍفي حفرةٍ قد سلا عنا بواكيها
لو تسمعينَ دعائي لاستجبتِ لهوهلْ تجيبُ عظامٌ منْ يناديها
صوتٌ يناديكِ أنْ لو تعلمين بهِأغررتِ دعوتهُ ألا تجيبيها
هذا الذي كنتِ في الدنيا ضجيعتهُلم تستعضْ نفسهُ إلفاً يسليها
وله أيضاً:
حتى إذا افترَّ اللبانُ، وأصبحتْللموتِ قد ذبلتْ ذبولَ النرجسِ
وتسهلتْ منها محاسنُ وجههاوعلا الأنينَ تحثهُ بتنفسِ
رجعَ اليقينُ مطامعي يأساً، كمارجعَ اليقين مطامع المتلمسِ
فلما أكثر يعقوب المراثي وأفرط، وبقي لا ينام الليل، وقل أكله، وكثر جزعه، خيف عليه الهلاك. وكان لملك رفيقة يقال لها طرب أنس بها، فاشتروها له، وأمروها بمداعبته وملازمته، ليسلو بها عن ملك. فكان ذلك كما راموا، أن طرباً تمكنت من قلبه. فقال:
فجعتُ بملكٍ وقد أينعتْوتمتْ، فأعظمْ بها من مصيبهْ
فأصبحتُ مغترباً بعدهاوأمستْ بحلوانَ ملكٌ غريبهْ
أراني غريباً، وإن أصبحتْمنازلُ أهلي مني قريبهْ
حلفتُ على أختها بعدهافصادفتها ذاتَ عقلٍ، أديبهْ
وقلتُ لها: مرحباً، مرحباًبوجهِ الحبيبةِ أختِ الحبيبهْ
سأصفيكِ ودي حفاظاً لهاكذاك الوفاءُ بظهر المغيبهْ
أراكِ كملكٍ، وإنْ لم تكنْلملكٍ من الناسِ عندي ضريبهْ
فلم تلبث، أيضاً، طرب أن لحقت بملك. فلقي جهداً، واشفى على الموت، وقال:
لقد سخنتْ عيني بملكٍ، وسهدتْفما رقدتْ حتى وصلتُ سهادها
وكانتْ لنا نارٌ توقدُ في الحشافما خبأتْ، حتى شببتُ وقودها
أنستُ بروعاتِ المصائبِ بعدهاوبعدكِ، حتى ما أبالي مزيدها
رأيتُ ثيابَ الناسِ في كلِّ مأتمٍإذا اختلفوا، بيضَ الثيابِ وسودها
وإني على ملكٍ لبستُ ملاءةًمن الحزنِ لم يبلِ الزمانُ جديدها
قال مؤلف الكتاب: وجدت أبا الحسن محمد بن عبد الله الموصلي، مؤلف كتاب أصناف الشعراء قد أطنب في وصف بيت واحد في هذه القطعة، وهو:
أنستُ بروعاتِ المصائبِ بعدهاوبعدكِ، حتى ما أبالي مزيدها
وذكر أنه من نادر الشعر، مع ما فيه من الجزالة والرقة. وللخنساء في معنى هذا البيت، ولليلى الأخيلية، ولخرنق بنت هفان، وعقيل بن علقمة. فأما الخنساء فقالت:
وقائلةٍ، والنفسُ قد فاتَ خطوهالتدركه: يا لهفَ نفسي على صخرِ
ألا هبلتْ أمُّ الذينَ اغتدوا بهِإلى القبرِ، ماذا يحملونَ إلى القبرِ
فشأنُ المنايا إذ أصابكَ ريبهالتغدو على الفتيانِ بعدكَ، أو تسرى
وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة:
فأقسمتُ أبكي بعدَ توبةَ هالكاًوأحفلُ من دارتْ عليهِ الدوائرُ
وقلت خرنق ترثي زوجها بشراً:
فلا، وأبيكَ، آسي بعدَ بشرٍعلى حيٍّ يموتُ، ولا صديقِ
وقال عقيل:
كأنَّ المنايا تبتغي في خيارنالها ترةً، أو تهتدي بدليلِ
لتأتِ المنايا حيثُ شاءتْ، فإنهامحللةٌ بعدَ الفتى بن عقيلِ
فتًى كانَ مولاهُ يحلُّ بنخوةٍمحلَّ الموالي بعدهُ بمسيلِ
أخذ هذا المعنى جماعة، منهم الأحنف، فقال:
لئن كانتِ الأحداثُ أطولنَ عبرتيلفقدكَ، أو أسكنَّ قلبي التخشعا
لقد آمنتْ نفسي المصائبَ كلهافأصبحتُ منها آمناً أنْ أروعا
فما أتقي للدهرِ، بعدكَ، نكبةًولا أرتجي للدهرِ، ما عشتُ، مرجعا
فسلمْ على اللذاتِ، واللهو، والصبىتولى بها ريبُ الزمانِ فأسرعا
فأخذه ابن المقفع، فقال يرثي أبا عمرو بن العلاء:
رزينا، أبا عمروٍ، ولا حيَّ مثلهفللهِ صرف الحادثاتِ بمنْ يقعْ
فإنْ تكُ قد فارقتنا وتركتناذوي خلةٍ، ما في السوادِ لها طمعْ
فقد جرَّ نفعاً فقدنا لكَ، أنناأمنا على كلِّ الرزايا من الطمعْ
وأخذ هذا يعقوب بن الربيع فقل:
لئنْ كانَ قربكَ لي نافعاًلبعدكَ أصبحَ لي أنفعا
لأني أمنتُ رزيا الدهورِوإن جلَّ خطبٌ، بأنْ أجزعا
وأخذه أبو نواس فقال:
طوى الموتُ ما بيني وبين محمدٍوليسَ لما تطوي المنيةُ ناشرُ
وكنتُ عليه أحذرُ الموتَ وحدهُفلم يبقَ لي شيءٌ عليه أحاذرُ
لئن عمرتْ دورٌ بمن لا نحبهُلقد عمرتْ ممنْ نحبُ المقابرُ
وقال العتبي:
فيا فجعةَ الدنيا بمن شبتُ بعدهُفسيانَ مضنونٌ به وضنينُ
وقال مروان:
رمتنا المنايا، يومَ بانَ، بحادثٍبطيءٍ تداني شعبه المتبددِ
فقلْ للمنايا ما أردتِ بقيةًعلينا، فعيشي كيفما شئتِ، وافسدي
وأنشد مؤرج:
وفارقتُ حتى ما أبالي من النوىوإن بانَ جيرانٌ عليَّ كرامُ
فقد جعلتْ نفسي، على النأي، تنطويوعيني، على فقد الصديقِ، تنامُ
وقول الآخر:
روعت بالبينِ، حتى ما أراعُ لهوبالمصائبِ في أهلي وجيراني
لم يتركِ الدهرُ لي شيئاً أضنُّ بهإلا أتاهُ بموتٍ، أو بهجرانِ
ولله قول أبي الطيب إذ قال:
فصرتُ إذا أصابتني نصالٌتكسرتِ النصالُ على النصالِ
وها أنا لا أبالي بالرزايالأني ما انتفعتُ بأن أبالي
وقوله:
أنا الغريقُ، فما خوفي من البللِ
وقوله:
أنكرتُ طارقةَ الحوادثِ مرةًحتى ألفتُ بها فصارتْ ديدنا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع