من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر إبرهيم بن العباس
كان إبراهيم مولى لبني المهلب بن أبي صفرة. فلذلك كان يفخرفي شعره بالعرب، ويذهب فيه مذهبهم. ورأيت جماعة من أدباء أهل الموصل خاصة يقدمون إبراهيم لى شعراء الكتاب، ويقولون: قد جمع مع رقة شعره فخامة اللفظ وجزالته وإصابة المعنى. ولشعره ديباجة ورونق ظاهر فيه. وشعره لا يفرق بينه وبين شعر العرب في الجاهلية والمخضرمين. فمن شعره قوله:
لنا إبلٌ غنٌّ يضيقُ بها الفضاوتفترُّ عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباحَ دماؤناومن دوننا أن تستذمَّ دماؤها
حمىً وقرىً، فالموتُ دونَ مرامهاوأيسرُ خطبٍ، يومَ حقَّ فناؤها
وله ايضاً:
تلجُ السنونُ بيوتهم، وترى لهاعن بيت جارهمُ ازورارَ الناكبِ
وتراهمُ بسيوفهم وشفارهمْمتسرعينَ لراغبٍ، أو راهبِ
حامينَ، أو قارينَ حيثُ لقيتهمنهبَ العفاةِ، ونهزةً للراغبِ
ومما يتمثل به من شعره:
خلِّ النفاقَ لأهلهِوعليكَ فانتهج الطريقا
واذهب بنفسكَ أن ترىإلا عدواً، أو صديقا
وقوله في الفضل بن سهل:
لفضلِ بن سهلٍ يدٌتقاصرَ عنها المثلْ
فنائلها للغنىوسطوتها للأجلْ
وباطنها للندىوظاهرها للقبلْ
وقوله:
أسدٌ ضارٍ إذا ما نعتهُوأبٌ برٌّ إذا ما قدرا
يعلمَ الأبعدُ إنْ أثرى، ولايعلمُ الأدنى إذا ما افتقرا
وله أيضاً:
ولكنَّ عبدَ الله لما حوى الغنىوصارَ له من بين أخوانهِ مالُ
تلقى ذوي الخلاتِ منهم بمالهِفساهمهم حتى استوتْ بهمُ الحالُ
ومما يسحسن له من المراثي قولهك
لئنْ كنتَ ملىً للعيون، وقرةًلقد صرتَ قرحاً للقلوب ِالصحائحِ
وهونَ ما بي أنَّ يومكَ مدركيوأني غداً من أهلِ تلكَ الضرائحِ
أخذ هذا البيت من دريد بن الصمة في قوله يرثي أخاه:
وهونَ وجدي أنما هو فارطٌأمامي، وني واردُ اليومِ، أوغدِ
وأخذه الآخر فقال:
وهون ما ألقى من الوجدِ أننيمجاوره في قبرهش اليومَ أو غدا
وقال إبراهيم في إخوانه:
يا منْ رمانيَ لمارأى الزمانَ رماني
ومنْ ذخرتُ لدهريفصارَ ذخرَ الزمانِ
لو قيل لي: خذْ أماناًمن أعظم الحدثانِ
لما التمستُ أماناًإلا من الأخوانِ
وله أيضاً:
بلوتُ الزمانَ، وأهلَ الزمانِوكلٌ بلومٍ وذمٍ خليقُ
وله أيضاً:
دعوتكَ عن بلوى ألمتْ صروفهاوقدرتُ من ضغنٍ عليَّ سعيرها
وإني إذا أدعوكَ عندَ ملمةٍكداعيةٍ، بينَ القبورِ، نصيرها
وله أيضاً:
وإني وإعدادي لدهري محمداًكملتمسٍ إطفاءَ نارٍ بنافخِ
أخذه من قوله:
والمستعينَ بعمروٍ عند شدتهِكالمستغيثِ من الرمضاءِ بالنارِ
وله أيضاً:
لئنْ صدرت بي زورةً عن محمدٍبمنعٍ، لقد فارقتهُ ومعي قدري
أليستْ يداً عندي لمثلِ محمدٍصيانته عن مثل معروفهِ شكري
وله أيضاً:
منْ يشتري مني إخاءَ محمدٍبلْ منْ يريدُ إخاءهُ مجانا
بلْ منْ يخلصُ من إخاءِ محمدٍولهُ مناهُ كائناً من كانا
وله أيضاً:
كانَ إخاءٌ، فصارَ لي أملاًفبتُّ بين الرجاءِ والأملِ
تصبحُ أعداؤهُ على ثقةٍمنهُ، وأخوانهُ على وجلِ
وله ايضاً:
ولربَّ خدنٍ كانَ إنْعدَّ الصديقُ، يعدُّ وحدهْ
رفعتهُ عيني رتبةًفذممتُ خلتهُ وعهدهْ
فالدهرُ كم من صاحبٍإبتزنيهِ، ثمَّ ردهْ
وكتب إبراهيم إلى إسحاق بن إبراهيم:
ولي ثناءانِ فاخترْ، والخيارُ لمنفي مثلك أنْ لا تأخذ الفينا
واعلمْ بأنكَ ما أسديتَ من حسنٍأو سيءٍ، أبداً، أوفيتكَ الثمنا
وكتب لرجل طلب شفاعته إلى عانمل السند، وركب في البحر:
إن امرءاً رحلتْ إليكَ بهفي البحرِ بعضُ مراكبِ البحرِ
تجري الرياحُ به فتحملهُوتكفُّ أحياناً، فلا تدري
ويرى المنيةَ كلما عصفتْريحٌ به للهولِ، والذعرِ
للمستحقِّ بأنْ تزودهُكتبَ الأمانِ له من الفقرِ
وكتب لأبي الهذيل المتكلم إلى أحمد بن يوسف:
إنَّ الضميرَ، متى سألتك حاجةًلأبي الهذيل، خلافُ ما أبدي
فألنْ له كنفاً ليحسنَ ظنهُفي غير منفعةٍ، ولا رفدِ
وامنعهُ دفعَ اليأسِ، ثمَّ امددْ لهُحبلَ الرجا بتخلفِ الوعدِ
حتى إذا طالتْ شقاوةُ جدهِبترددٍ، فأجبهُ بالردِ
ثم ختم الرقعة. وكان أبو الهذيل قد كف بصره، فلما خرج من عنده دفعها إلى من قرأها. فلما سمع ما فيها رجع إلى إبراهيم، فقال: ما هذا؟ قال: وما أنكرت؟ قال: كل ما كتبت. قال: يا ابا الهذيل أنت متكلم، والذي كتبت إليه كذلك، و، ما قلت:
إنَّ الضميَر متى سألتكَ حاجةًلأبي الهذيل، خلافُ ما أبدي
فأبديت فيك المكروه، وضميري على خلافه، فإذا وقف على ما كتبت عاملك بخلاف ظاهره، فبرك وأكرمك، وأحسن سراحك. فانقطع أبو الهذيل.
وله في مغنية:
وغريرةٍ لما تغنت خلتناوكأننا، مما ننودُ، يهودُ
تمتْ محاسنها، وساعدَ صوتهاإذ رجعتهُ زميرها والعودُ
وكأننا في الخلدِ نسقى قهوةًمشمولةً، وكأنها داودُ
وله أيضاً:
أما من معينٍ لصبٍّ حزينِكثير الأنينِ، طويلِ الحنينِ
وقد أثرَ الحزنُ في خدهِأخاديدَ تجري بماءِ الشؤونِ
عدوِّ الرقادِ، صديقِ السهادِصحيحِ الجفونِ، قريحِ الجفونِ
أخي زفراتٍ، تأوبنهُصباحَ، مساءَ لريبِ المنونِ
وله أيضاً:
نجومَ سماءِ الله تشهدُ أننيإذا رقدَ العشاقً، أكلأها فردا
وآرقُ حتى لو تكلفتُ عدهالأحصيتها، في ليلتي، كلَّ ما عدا
فيا ويلتي كم ذا العذابُ الذي أرىأبعدَ خرجِ الروحِ تلعقني شهدا
وله أيضاً:
يا صديقي بالأمسِ صرتَ عدواًسؤتني ظالماً، ولم ترَ سوا
صرتَ تغري بيَ الهمومَ، وقد كنتَ لقلبي، من الهمومِ، سلوا
أيُّ واشٍ وشى، وأيُّ عدوٍّنمَّ حتى نبوتَ عني نبوا
كلما ازددتُ ذلةً لك في الحبِّ، تزايدتَ جفوةً وعتوا
وله أيضاً:
يمضي الأمورَ على بديهتهِفيعمُّ شاهدها، وغائبها
فتريه فكرتهُ عواقبهافيظلُّ يوردها، ويصدرها
وله أيضاً:
سلكتَ بي منهجاً أعيت صوادرهُفلستُ أدري، أأمضي فيهِ، أم أقفُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع