تجاوز إلى المحتوى

من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)

ذكر من سماه روح في قصيدته

فأما نصيب: فكان عبداً لرجل من بني كنانة، من أهل ودان، هو وأهل بيته. وكان مقدماً عند الملوك، يجيد مدحهم ومراثيهم. وكان أهل البادية يدعونه نصيباً، تفخيماً له، ويروون شعره. وكان كبير النفس. وقيل: إنه كان عبداً لبني كعب بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف، وزعم الجاحظ مثل ذلك. وفي ذلك يقول:

رأتْ لأخي كعبِ بن ضمرةَ هجمةًثمانينَ يعطى الضيفُ منها، وينعمُ

وقيل لنصيب: قد تعرض لك جرير، فأرسل حصته من الهجاء، فلم يفعل. ولما اجتدى الملوك وأخذ جوائزهم وتمول، تتبع من كان بينه وبينه مودة يشتريه، أو من العبيد أقاربه يبتاعه. وجعل يبتاعهم ويعتقهم. فكان ممن اشتراه ابن عم له يقال له سحيم بأغلى ما يكون من الثمن. فمر به يوماً، والنانس مجتمعون عليه، وسحيم بينهم وهو سكران يزمر ويرقص، فلما رآه نصيب ناداه: ويك يا سحيم ما هذا لعنك الله وخزاك، ويك لهذا اشتريتك وأعتقتك؟ فقال: إن كنت أعتقتني لما أحب، فهذا الذي أحب. فقال نصيب:

نسيتَ إعمالي لكَ الرواحلا

وقرعيَ الأبوابَ فيكَ سائلا

وليتني منكَ القفا والكاهلا

أخلقاً شكساً، ولوناً حائلا

فسوفَ أعدو لسحيم طائلا

إن سحيماً لم يثبني طائلا

وكان نصيب ذا عبلة ودين ومنطق، وكان لا يهجو أحداً، وكان عبداً أسود.

وسئل جرير عنه فقال: هو أشعر أهل جلده. وذكر عند الفرزدق فقال: سهام صوائب. وذكر أن نصيباً أنشد جريراً شعره، وقال: كيف ترى يا أبا حرزة؟ قال: أنت أشعر أهل جلدتك.

ومن جملة شعره:

فما ضرَّ أثوابي سوادي، وإننيلكالمسكِ لا يسلو عن المسكِ ذائقهْ
ولا خيرَ في ودِّ امرئٍ متكارهٍعليكَ، ولا في صاحبٍ لا توافقهْ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «ولا خير في ود امرئ متكاره»
إذا المرءُ لم يبذلْ من الودِّ مثلمابذلتُ له، فاعلمْ بأني مفارقهْ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وقلن وقد يكذبن فيك تعيف»

وقيل: إن شخصاً عيره بسواد فقال:

ليسَ السوادُ بناقصي ما دامَ ليهذا اللسانُ، إلى فؤادٍ ثابتٍ
منْ كان تعليهِ منابتُ بيتهِفبيوتُ أشعاري خلقنَ منابتي
كم بين أسودَ ناطقٍ من كلةٍماضي المقالٍ، وبين أبيضَ صامتِ
إني ليحسدني الرفيعُ ببيتهِمن فضل ذاكَ، وليس لي من شامتِ

ويروى أن سكينة بنت الحسين ﵇ عتبت على نصيب في شيء، وقالت له: إذهب فلست أكلمك حتى يشيب الغراب. فرحل وأقام بالحجاز حتى شابت لحيته. وجاء ووقف بابها، وقال: قاق، قاق، قاق، ها قد شاب الغراب. فأذنت له، وأحسنت جائزته.

وقل مسلمة بن عبد الملك لنصيب: يا أسود أمدحت شيئاً؟ وعنى به رجلاً من أهل بيته، قال: نعم. قال: فهل أعطاك شيئاً؟ قال: لا والله، قال: فلم لا تهجوه؟ قال: نفسي أحق بالهجاء منه، حين دعتني إلى مدح مثله. فأعجبه جوابه، فقال له: تمن ولا تشطط، فقال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال: لأني أعلم أن كفك بالعطية أبسط من لسني بالمسألة. فأعطاه عشرة آلاف دينار.

وقال أبو الأسود الدؤلي: امتدح نصيب عبد الله بن جعفر، فأجزل له من كل صنف. فقيل له: تعطي لمثل هذا العبد الأسود؟ فقال: أما والله إن كان جلده أسود، إن مدحه وثناءه لأبيض، وقد استحق بما قال أكثر مما نال، وإنما أخذ رواحل تنضى، وثياباً تبلى، ودراهم تفنى، وأعطى مديحاً يروى، وثناء يبقى، وذكراً لا يبلى.

وكان، هو وكثير، أمدح شعراء الإسلام للملوك عند الرواة، كما أن النابغة أمدح شعراء الجاهلية عندهم للملوك. وقال كثير: ما تمنيت شعراً قط أ، أكون قلته، كما تمنيت بيتين سمعتهما من نصيب، وهما:

من النفر البيضِ الذين إذا أنتجواأقرتْ لنجواهم لؤيُّ بنُ غالبِ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «من النفر البيض الذين اذا انتجوا»
محيونَ بسامينَ طوراً، وتارةًمحيونَ عباسينَ شوسَ الحواجبِ

قال الزبير: بلغ كثيراً وجميلاً أن نصيباً يشبب ببنات العرب، فقال جميل لكثير: إمض بنا إلى نصيب حتى نملأ أسيافنا منه. فقل كثير لجميل: أخر هذا لأمر حتى نلقاه، فإذا لقيناه أفضناه في التشبيب، فإذا سمعنا منه وأنشدنا، يكون قد اعترف، فتلزمه الحجة، فنملو عذرنا عند الناس في الفتك به، ونشكر على ذلك لصيانة أعراض الحرم. فبيناهما يسيران يوماً إذ لقياه، فأخذا بيده، وقالا له: إنا قد عزمنا على القول فتساعدنا. قال: قولا حتى أقول. فقال جميل:

لطافُ الحشا، بيضُ الخدودِ، أوانسٌعذابُ الثنايا قد مثلنََ بنا مثلا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لطاف الحشا بيض الخدود أوانس»

فقال كثير:

إذا دفنَ بالجاذيِّ مسكاً أنلنهُعرانينَ شماً دنيت حدقاً كحلا

فقال نصيب:

وقربنَ للأحداجِ كلَّ عذافرٍكأنَّ كحلا

فقالا: نحن نشبب، وأنت تصف الإبل؟ قال: أنتم مدحتم بنات عمكم، وأنا حملت سيداتي. فأمسكا عنه، وفارقاه.

وقيل: دخل الفرزدق، ومعه نصيب على سليمان بن عبد الملك، فقال للفرزدق: أنشدني، فأنشده:

وركبٍ كأنَّ الريحَ تطلبُ عندهمْلها سلباً من جديها بالعصائبِ
إذا استوضحوا ناراً، يقولون: ليتهاوقد خصرتْ أيديهمُ، نارُ غالبِ

فأسود وجه سليمان، وكان يظن أنه إذا استنشده أنشده مديحاً له. فلما رأى ذلك نصيب قال: يا امير المؤمنين ألا أنشدك؟ قال: بلى، فأنشده:

أقولُ لركبٍ قافلينَ لقيتهمْعلى ذاتِ أوشالٍ، ومولاكَ قاربُ
قفوا، أخبرونا عن سليمانَ، أننيلمعروفهِ من أهلِ ودانَ طالبُ
فعاجوا، فأثنوا بالذي أنتَ أهلهُولو سكتوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

فقل له سليمان: احسنت، وامر له بصلة، وقل: كيف تسمع يا فرزدق؟ قال: هو أشعر الجاهلية. وما أعطى الفرزدق شيئاً، فخرج وهو يقول:

وخيرُ الشعرِ أكرمهُ رجالاًوشرُّ الشعرِ ما قالَ العبيدُ

وقال جعفر بن سعيد: قال نصيب: مااجترأت، أنشد شيئاً من شعري حتى قلت:

بزينبَ ألممْ قبلَ أنْ يظعن الركبُ

وروى المبرد أن جريراً قال: لوددت أن نبيت هذا العبد لي بكذا وكذا من شري، يعني قوله:

بزينبَ ألممْ قبلَ أنْ يظعنَ الركبُ

وقيل لنصيب: إيما أشعر، أنت أم جرير في البيت الذي نازعك فيه؟ قال: ما هو؟ قيل: قولك:

أضرَّ بها التهجيرُ حتى كأنهابقايا سلالٍ لم يدعها سلالها
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «تظل وراء الستر ترنو بلحظها»

أو قول جرير:

إذا بلغوام المنازلَ لم تقيدْوفي طولِ الكلالِ لها قيودُ

قال: قاتل الله ابن الخطفي حيث يقوله. قيل: قد فضلته على نفسك! قال: هو ذاك وقال نصيب:

لقد كانتِ الأيامُ إذْ نحنُ جيرةٌتحسنُ لي، لو دامَ ذاك التحسنُ
ولكنَّ دهراً بعدَ ذاكَ تقلبتْلنا من نواحيهِ ظهورٌ وأبطنُ
وإني، على أني تعزيتُ بعدكموأعرضتُ لما كان ذو الضعنِ يفطنُ
لكالمدنفِ المنبي العوائد أنهُإلى صحةٍ مما بهِ، وهو مثخنُ

وأما عبد بني الحسحاس: فهو سحيم بن هبد بن سفيان بن عصاب بن كعب بن سعد بن ثعلبة بن دودان. وكان رقيق لحواشي، أسود، فعير بذلك فقال:

إن كنتُ عبداً فنفسي حرةٌ كرماًأو أسودَ الخلقِ إني أبيضُ الخلقِ
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «أشعار عبد بني الحسحاس قمن له»

ويقال: إن أول شعر قال: أنهم أرسلوه رائداً، فجاء وهو يقول:

أنعتُ غيثاً حسناً نباتهُكالحبشيِّ حولهُ بناتهُ

فقالوا: شاعر والله.

وأنشد:

عميرةَ ودعْ إنْ تجهزتَ غادياكفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

فقال له عمر: أما أنك لو كنت قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. فلما أنشده فيها:

وبتنا وسادانا إلى علجانةٍوحقفٍ تهاداهُ الرياحُ تهاديا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
وهبتْ شمالٌ، آخرَ الليلِ، قرةًولا ثوبَ إلا درعها وردائيا
فما زال بردي طيباً من ثيابهاإلى الحولِ، حتى أنهجَ البردُ باليا
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «فما زال بردي طيبا من ثيابها»
توسدني كفاً، وترفعُ معصماًعليَّ، وتحنو رجلها من ورائيا
أميلُ بها ميلَ النزيفِ، وأتقيبها الريحَ، والشفانَ من عن شماليا

فقال عمر: زنى العبد.

ومن قصيدته هذه:

فما بيضةٌ باتَ الظليم يحفهاويرفعُ عنها جؤجؤاً متجافيا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
ويجعلها بين الجناحِ ورفهِويفرشها وحفاً من الريش عافيا
بأحسنَ منها يومَ قالتْ: أراحلٌمع الركبِ، أمْ ثاوٍ لدينا لياليا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
ألكني إليها، عمرك الله، يا فتىبآيةِ ما جاءتْ إلينا تهاديا
ألا نادِ في آثارهنَّ الغوانياسقينَ سماماً، ما لهنَّ وماليا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
وراهنَّ ربي مثلَ ما قد وريننيوأحمى على أكبادهنَّ المكاويا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألا يا ديار الحي بالسبعان»
أشارتْ بمدراها، وقالتْ لتربهاأعبدُ بني الحسحاسِ يزجي القوافيا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
رأتْ رجلاً رثاً، وسحقَ عباءةٍوأسودَ، مما يملكُ الناسُ عاريا
كأنَّ الثريا علقتْ فوقَ نحرهاوجمرَ غضىً هبتْ بهِ الريحُ ذاكيا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
فإنْ تقبلي بالودِّ أقبلْ بمثلهِوإنْ تدبري أدبرْ على حالِ باليا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

وكان نصيب وسحيم أشعر شعراء العبيد، ومن نذكر بعدهما لم يكن في طبقتهما، ولبعضهم الأبيات القليلة. ونحن نذكرهم: ذكر وزر: كان عبداً لبني العنبر، من تميم. وهو القائل:

لعمرُ بني الملوكِِ، ما عاشَ، انهُوإنْ أعجبتهُ نفسهُ، لذليلُ
ترى الناسَ أنصاراً عليهِ، ومالهُمن الناسِ إلا ناصرونَ قليلُ

وأما ميسرة وميسرة: فهما عبدان لبني العنبر. أحدهما ميسرة أبي الدرداء، وهو الذي رثى معاوية فقال:

فهاتيكَ النجومُ، وهنَّ خرسُينحنَ على معاويةِ الشآمي

والآخر: ميسرة أبي نصر، وكان عبداً لعمر بن شريك. ولطمه رجل من بني دارم، فافترى عليه ميسرة، فقدمه إلى صاحب اليمامة، فجلده أربعين سوطاً. قال: والله لئن لم تجلدني ثمانين، لأهجونك هجاء تتمنى أنك لم تكن سمعته. فوفاه ثمانين، فأنشده:

قذفتَ أخا زيدٍ فكملتَ قذفهُفكملْ، هداكَ الله، جلدَ أبي نصرِ
للشاعر ميسرة أبو نصر، اقرأ القصيدة
ولا تتركني ناقصاً، فتعيبنيتميمُ بنُ مرٍّ، والقبائلُ من قسرِ
للشاعر ميسرة أبو نصر، اقرأ القصيدة
فلستُ بعبدٍ يلطمُ الناسُ وجههُويلفى، غداةَ الروعِ، منتفخَ السحرِ
للشاعر ميسرة أبو نصر، اقرأ القصيدة

وإنما كان غرضه أن يحده تمام الحد، ليحقق أنه حر، لأن العبد يحد نصف الحد. وقد كان حد القذف عندهم الثمانين. وقد روي أنه أتى عمر بن الخطاب، ﵁، بسكران، فقال: ما سمعنا من النبي ﷺ حد الخمر. فاستدعى علياً ﵇، فقال: ما عندك في حد الخمر؟ فقال: الشاؤب إذا شرب سكر، وإذا سكر افترى، فاجعل حد الخمر حد القذف، أربعين جلدة.

ولما قال الفرزدق:

وقدرٍ كحيزومُ النعامةِ أحمستْبأجذالِ خشبٍ، زالَ عنها هشيمها

قال ميسرة: ما حيزوم النعامة؟ والله ما يشبع رجلين. ولكني أقول:

وقدرٍ كجوفِ الليلِ أحمشتُ غليهاترى الفيلَ فيها طافياً لم يفصلِ
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

ولما قال الفرزدق أيضاً:

وقدرٍ كجوفِ العيرِ ملآنَ مترعٌيطيفُ بهِِ ولدانُ قيسٍ وخندفِ

قال ميسرة: وما جوف العير؟ ومن يذكر من ولدان قيس وخندف مع هذا القدر؟ ولكني أقول:

وقدرٍ كجوفِ الباقري تحجهُعلى العسرِ والإيسارِ أهلُ المواسمِ
للشاعر ميسرة أبو نصر، اقرأ القصيدة

وقال ميسرة للفرزدق:

لقد ذلُّ من يحمي الفرزدقُ عرضهُكما ذلتِ الأخنافُ تحتَ المناسمِ
للشاعر ميسرة أبو نصر، اقرأ القصيدة

فلما بلغ الفرزدق ذلك غضب، وتطلب ميسرة، فسمع ميسرة فقال:

متى تلقني تلقَ امرءً غيرَ طائلٍوليسَ بنجاءٍ من الغمراتِ
للشاعر ميسرة أبو نصر، اقرأ القصيدة
يرى المجدَ أنْ يلقى أصرةَ ذودهِمنفخةَ الأطرافِ، مستوياتِ
للشاعر ميسرة أبو نصر، اقرأ القصيدة

فرآه الفرزدق يوماً فشد عليه بالسيف، وقال له: استغث بمولاك، فصاح بمولاه، فقال مولاه للفرزدق: ليس هو عبداً، إنما حر. قال الفرزدق: ذلك أردت. وكان غرضه يشيع أنه حر. فأدناه وأعطاه.

وميسرة الذي يقول:

لعمري لإعرابيةٌ في عباءةٍلها حسبٌ زاكٍ كريمٍ، ومنصبِ
أعييتْ باسلامٍ وعتقٍ وصبغةٍوإنْ يكُ سوءٌ، فهو عنها مجنبِ
أحبُّ إلينا من ضناكٍ ضفنةٍعليها من الكتان والقطنِ منهبِ
لعمري وشيخٌ قاعدٌ وسطَ هجمةٍتروحُ عليهِ بالشياءِ، وتغربِ
أحبُّ إلينا من صفنٍّ نرى لهُعظاماً وأثواباً تصانُ وتحجبِ

وأما ورك: فكان عبداً لبشر النهشلي. ويقال: إن مولاه سلم إليه ناقة عسراء، وقال له: إياك أن تحمل عليها شيئاً. فحمله فأجهضت. فأنشأ عند ذاك يقول:

ألا لا أبالي أنْ يضيعَ جنينهاإذا لم يلمني، في اللمامِ، رفيقُ
يخوفني بشرٌ، وبشرٌ محكمٌوليس ببشرٍ، إنْ تشاءَ، صديقُ

وله:

لا أخمدُ النارَ أخشى أنْ يضلَّ بهاعانٍ، يريدُ سناها، جائعٌ صردُ
لكنْ أقولُ لمن يعروا مناكبهاألقوا الضرامَ عليها، علها تقدُ
إما أقومُ إلى سيفي فأشحذهُأو يستهلُّ عليكم محلبٌ زبدُ
إني لأحمدُ ضيفي حين ينزلُ بيأن لا يكلفني فوقَ الذي أجدُ

قال مؤلف الكتاب: لقد سمعت هذه الأبيات من جماعة من الفضلاء وأهل الأدب، وأسألهم عن قائلها، فيعزونها إلى غير قائلها. وكذا في هذا الكتاب أبيات كثيرة تضرب بها الأمثال، ويتداول بها، ولا يعلم لمن هي.

وأما ذكوان: فكان عبداً لمالك الدار مولى عثمان بن عفان. فعتق ذكوان، وعظم شأنه، وولي بعض أطراف الشام في زمن معاوية. وكان شاعراً خطيباً، وكان أشد الناس سيراً، لم يدرك أسير منه. سبق الحاج إلى المدينة، فدخلها في يوم وليلة، فقدم على أبي هريرة، وهو خليفة مروان على المدينة، فصلى معه العشاء، فقال له: حجك غير مقبول، قال: ولم؟ توشك أنك قد نفرت قبل الزوال. فأخرج كتباً كانت معه، وهي من بعد الزوال، فقال في ذلك:

فأقسمُ لا تنفكُّ، ما عشتُ، سيرتيحديثاً لمن وافى بجمعِ المحصبِ

وذكوان الذي يقول للضحاك بن قيس الفهري:

تطاولَ لي الضحاكُ حتى رددتهُإلى نسبٍ، في قومهِ، متقاصرِ
فلو شهدتني من قريشٍ عصابةُقريشِ البطاحِ، لا قريش الظواهرِ
لغطوكَ حتى لا تنفسَ بينهكما غطَّ في الدوارِ والمتزاورِ
ولكنهم غابوا، وألفيتَ حاضراًفقبحتَ من حامي ذمارٍ، وناصرِ

قال أبو عبيدة: ذكوان أول من فرق بين قريش البطاح، وبين قريش الظواهر. فقريش البطاح قبائل كعب بن لؤي، وقريش الظواهر بنو محارب والحارث ابني فهر، وبنو الأدرم بن غالب بن فهر، وعامة بني عامر.

وأما مورق: فكان عبداً لرجل يكنى أبا الحوساء من مذحج، وكان شجاعاً. فضربه يوماً مولاه ضربة آلمته، وما كان يعرف أنه يقول الشعر، فقال:

خفتُ أبا الحوساءِ خوفاً يقلقُ

كأنهُ موجٌ محيطٌ محدقُ

فبتُّ، والقلبُ مروعٌ يخفقُ

يكادُ من بين الضلوعِ يمرقُ

فقال له مولاه: والله إنك لم ترد مدحي، وإنما أردت أن تعرفني أنك شاعر فأتقيك. فلما سمع ذلك مورق هرب. فبلغه أن مولاه يطلبه، فخافه، وخافه أيضاً مولاه، خوفاً أن يهجوه. فزاد مورق في أرجوزته يتوعد منه ويسخر أخرى:

قد علمَ الغربيُّ والمشرقُ

أنك في القومِ صميمٌ ملصقُ

عوداكَ نبعٌ وهشيمٌ بروقُ

جدٌّ لئيمٌ، وكريمٌ معرقُ

فأنتَ نارٌ وربيعٌ مغدقُ

وأنتَ ليلٌ ونهارٌ مشرقُ

كيفَ الفواتُ، والطلوبُ مورقُ

شيخٌ مغيطٌ، وسنانٌ يبرقُ

وحنجرٌ رحبٌ، وصوتٌ ملصقٌ

وشدقُ ضرغامٍ، ونابٌ يحرقُ

وشاعرٌ باقي الرسومِ، مغلقُ

وأما ذو الركبة: فكان عبداً. وسمي ذا الركبة بقوله:

سخرَ الغواني إذْ رأينَ مويهناًكالبوّ، أكهبُ شاحبٌ منهوكُ
والركبتانِ مفارقٌ رأساهماوالظهرُ أحدبُ، والمعاشُ ركيكُ
سئمَ الحياةَ، ولاحَ في أعطافهِقشفُ القتيرِ، وذلةُ المملوكِ

فجنى جناية، فباعوه في بعض الأسواق إلى رجل، فضربه يوماً، فقال:

ولولا عريقٌ فيَّ من حبشيةٍيردُّ إباقي بعدَ حولٍ محرمِ
وبعدَ السرى في كل طخياء حندسٍوبعدَ طلوعي مخرماً بعدَ مخرمِ
علمتَ بأني خيرُ عبدٍ لنفسهِوأنكَ عندي مغنمٌ، أيّ مغنمِ

وأما المندلث: فكان عبداً لبني عبد شمس، فقتل عبداً آخر فخاف، فلحق بحاجب، أحد بني الخطاب بن عبد شمس، فقال:

أقولُ لأدنى صاحبٍ أستشيرهُوللأخطلِ الطائيِّ ما تريانِ
فقال الذي يبدي النصيحةَأرى اليومَ أنْ تختارَ أرضَ عمانِ
فإنْ لا تكنْ في حاجبٍ وبلادهِنجاةٌ، فقد زلتْ بكَ القدمانِ
للشاعر السمهري العلكي، من قصيدة «أقول لأدنى صاحبي نصيحة»
فتىً من بني الخطابِ يهتزُّ للندىكما اهتزَّ ماضي الشفرتينِ، يمانِ

وأما الحيقطان: فكان شاعراً وخطيباً، وكان عبداً أسود. وهجاه جرير فقال:

كأنهُ لما بدا للناسِ

أسودَ في بيضٍ من اللباسِ

أيرُ حمارٍ لفَّ في قرطاسِ

فقال الحيقطان:

إنْ يكُ لوني حائةً في الناسِ

فذاكَ في قومي، وفي أجناسي

فلم ينكسْ ذكرهُ براسي

ولي لسانٌ، وحجابي آسِ

لكلِّ ما أعيا على النطاسِ

وبه ضرب الشاعر المثل فقال:

وما كان شاعرهم دغفلٌولا الحيقطانِ، ولا ذو الشفهْ

دغفل ابن حنظلة. وذو الشفة: خالد بن سلمة المخزومي.

وأما زامل: فإنه كان عبداً لمعقل بن صبيح، ثم اشتراه جعفر بن سليمان الهاشمي. وكان فصيحاً يروي عن الأصمعي. وله:

أرى معقلاً لا قدسَ الله معقلاًيريدُ زبالي كلما قلَّ حاملهْ
ويكلحُ في وجهي، ويخبطُ بالعصاولوشئتُ قد أضحتْ فقاراً منازلهْ
فما أنتَ في الأمحالِ أضيقُ حالةٍمن العبدِ، إلا أن يحطمَ كاهلهْ

وأما أبو التيار: فكان إعرابياً فصيحاً، وراجزاً، محسناً، وكان مكاتباً لإسحق ابن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي، وكان اشترى نصفه فاعتقه، فقال:

إسحاقُ يا أكرمَ أهلِ الأرضِ

أعتقتَ بعضي، وتركتَ بعضي

فأتبعِ البعضَ ببعضٍ يمضي

وأما المثلم: فكان عبداً لبني سعد، فاشتراه زائدة من مزيد الأشعري وانتقل إلى الحارثي فضربه يوماً اذلالاً فشكاه إلى زائدة فلم يشكه فقال:

أغركَ مني أنَّ مولاي زائداًسريعٌ إلى داعي الطعامِ، ضروطُ
غلامٌ أتاهُ الذلُّ من نحو شدقهِله حسبٌ، في الموغلينَ، بسيطُ
له نحوَ دورِ الكأسِ إما دعوتهُلسانٌ كنصلِ الزاغبيّ، سليطُ
وإنْ تلقهُ في غارةِ الصبحِ، تلفهُخضباً عليه برقعٌ وسموطُ
فلو كنتَ في سعدٍ أرنتْ نوائحٌعليكَ، وحاشى بعد ذاك َربيطُ
فليتَ مليكي من خراسانَ أغتمٌأرب، طوال الساعدينِ، حبوطُ
وليت مليكي بين كوثى وبارقٍوكانَ مكان الأشعرينَ ينيطُ

وأما الهزر: فهو القائل:

ولما رأيتُ العامَ عامَ شضيةٍأغيبرَ محلاهُ، تصرُّ جنادبهْ
شددتُ له أزري، وأيقنتُ أنهُأخو الهلكِ من سدتْ عليهِ مذاهبهْ

وأما أبو عطاء: فمشهور وهو أبو عطاء السندي، وكان عبداً لبني أسد. وهو القائل في يوم من بني عبد المطلب:

لا بكتْ عين الذي تبكي لهمآفةُ الدينِ، وأعداء العربْ

وكان حائل اللون، في لسانه عجمة لا يكاد يفصح عن شئ. فكان إذا عمل شعراً استعام بمن يورده عنه. فعمل بعض الأيام شعراً، وأعوزه من ينشده عنه، فكتب إلى صديق له معلم، يسأله أن ينفذ إليه غلاماً ينشد له شعراً، كان امتدح به بعض الأشراف:

أعوزتني الرواةُ يا ابن سليمٍوأبى أنْ يقيمَ شعري لساني
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة
وغلا بالذي أجمجمُ صدريوشكاني من عجمتي شيطاني
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة
وعدتني العيونُ أنْ كان لونيحائلاً سيئاً من الإلوانِ
فضربتُ الأمورَ ظهراً لبطنٍكيفَ أحتالُ حيلةً لبياني
وتمنيتُ أنني كنتُ بالشعرِ فصيحاً، وبانَ بعضُ بناني
ثمَّ أصبحتُ قد أنختُ ركابيعندَ رحبِ الثناءِ والأعطانِ
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة
عندَ منْ إن سألتَ أعطى، وإنْ يعطِ جزيلاً، فليسَ بالمنانِ
فألى من سواك يا ابن سليمٍأشتكي حيرتي وفكّ عناني
فاكفني ما يضيقُ عنه روائيبغلامٍ من صالحِ الغلمانِ
يفهمُ الناسَ ما أقولُ من الشعرِ، فإنَّ البيانَ قد أعيياني
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة
ثمَّ خذني بالشكر يا ابنَ سليمٍحيثُ ما كنتَ حاضر البلدانِ
فقديماً ما كانَ مني جزاءًكل ُّذي نعمةٍ بما أولاني

وأما دهيقين: فكان عبداً لبني سعد، وكان أهله يجفونه، فقال:

وماليَ من أمٍ، إذا جئتُ، برةٍولا من أبٍ يكفينيَ الجفواتِ
سوى أنني يوماً إذا جئتُ ساغباًتقدمُ لي الحثانَ في النقباتِ
وأطعم في كفي، وإخرجُ صاغراًأبادرُ أولاهنَّ في الستراتِ
فما في كتابِ اللهِ أنْ يجفواننيوأنْ يعملا ساقي على الكسلاتِ

وأما مادم: فكان عبداً لنزار، وكان به جافياً، فإبق وأنشأ يقول:

أقرانُ هل لي من رسولٍ إليكمُأخي ثقةٍ يقري السلامَ ويخبرُ
أأنكرتمُ أنْ تعتقوني، وإننيلإنْ تملكوني، آخرَ الدهرِ، أنكرُ

وأما بسطام: فكان عبداً لبني عدي، وهو الذي يقول:

لئنْ قصرتْ في أعينِ الناسِ قامتيفأنَّ لساني في النديّ طويلً
أطال لساني طائلٌ لا أغبهُووجهٌ كمصباحِ الظلامِ، جميلُ
وعرضٌ كأنَّ النجمَ لا يستطيعهُوأبيضُ من ماءِ الحديدِ، صقيلُ
وما ضرني إنْ كنتُ عبداً، وناصريعزيزٌ، ورأيٌ، يعد ذاكَ، أصيلُ
وحول قناتي عصبةٌ عدويةٌتميلُ على الأعداءِ حينَ أميلُ

وأما لهذم: فكان عبداً لبني منقر، وكان مكاتباً، وهو القائل:

بقبر ابنِ ليلى عذتُ حيرانَ، بعدماخشيتُ الردى، أو أنْ أردَّ على قسرِ
بقبرِ امرئ ٍيقري المئين عظامهُولم نر، إلا غالباً، ميتاً يقري
فقال لي: استقدمْ أمامكَ، إنمافكاككَ أنْ تلقى الفرزدقَ بالنصرِ

وأما المر قال: فكان عبداً مكاتباً لزياد، وهو القائل:

يا فارجَ الهمّ وكربِ الكاربِ

إليكَ أشكو طالع المكاتبِ

وعضَّ غرمٍ في زمانٍ كاربِ

وزاهداً في الأخرِ غير راغبِ

وله في العار:

لم يعجلِ الرحمنُ بالعقابِ

لعامراتِ البيتِ بالخرابِ

حتى تسرعنّ إلى الثيابِ

كحلَ العيونِ، وقصَ الرقابِ

مكتسياتٍ دكنَ الحبابِ

مستتبعاتٍ خلفها الأذنابِ

مثل مداري الحصن السلابِ

أهوى لهنَّ أنمرُ إهابِ

مهرت الشدقِ، حديد النابِ

كأنما يوثقُ بالحرابِ

وأما شنير: فكان عبداً، وهو القائل:

ما زلتُ أرعى كلَّ نجم يسري

حتى إذا لاحَ عمودُ الفجرِ

خرجتُ منهمْ في الفضاءِ أجري

فواحدٌ ملتزمٌ بصدري

وآخرُ ملتزمٌ بنحري

وآخرٌ ملاصقٌ بفكري

أسبقهمْ إلى أصولِ الخدرِ

كأنهم خنافسٌ في حجرِ

إذا بكوا عللتهمْ بالنحرِ

لم يتشكوا تخمةً في الدهرِ

وكلهمْ في ساعةٍ يستمري

ليس لهم باللحمِ بعد الفطرِ

عهدٌ، ولا يرجوهُ حتى الحشرِ

وأما جندل: فكان عبداً، وهو القائل:

وما فكَّ رقي ذاتُ دلٍّ خبرنجٍولا شانَ مالي صدفةٌ وعقولُ
ولكنْ نماني كلُّ أبيضَ ماجدٍفأصبحتُ أدري اليومَ كيفَ أقولُ

وأما أبو دلامة: فكان عبداً لفضافض الأسدي، وملكه فأعتقه، فكان من صحابة أبي جعفر المنصور. وكان أبو دلامة غزير الشعر، مفتناً في أساليبه، وكان مع ذلك كثير النادرة والهزل. ويروى أنه مثل بين يدي أبي جعفر المنصور، فأنشده:

إني أرقتُ، وقد باتتْ تعاتبنيأمُّ الدلامةِ لما شفها الجزعُ
لا والذي، يا أمير المؤمنينَ، حوىلكَ الخلافةَ، في أكنافها الرفعُ
ما زلتُ أكسبها مالاً فتأكلهُدوني، ودونَ عيالي، ثمَّ تضطجعُ
ناشدتها بكتابِ الله حرمتنافلم تكنْ بكتابِ الله ترتفعُ
فاخرنطمتْ، ثمَّ قالتْ، وهي معرضةٌأأنتَ تتلو كتابَ الله يا لكعُ
إذهبْ تبغَّ لنا نخلاً ومزدرعاًكما لجيراننا نخلٌ ومزدرعُ
واخدعْ خليفتنا، إنْ كنتَ سائلهُإنَّ الخليفةَ للسؤالِ ينخدعُ

فقال له الخليفة: قد انخدعنا لك، سل حاجتك. قال: جريب مساحه في بيت المال، قال: هو لك. فخرج إلى الخزان فخط ستين في ستين، فدخلت بيوت الأموال فيه، فقال الخزان: يا أمير المؤمنين ورد اليوم أمر من أمرك احتجنا فيه إلى مناظرتك، قال: وما هو؟ قالوا: إن أبا دلامة أتانا فخط ستين في ستين وقال: قد أمر أمير المؤمنين بهذا صلة تحوي بيوت الأموال. فقال: علي به، فقال: ويلك تسألني مسألة محال؟ فقال: والله، يا أمير المؤمنين، لقد علمت أن ذلك لا يسوغ لي، ولكن لك ضيعتين على شاطئ الفرات، إحداهما نورا، والأخرى برنورا، وهما مشتقان من اسم النار، وأبو دلامة عياله أحق بالنار منك. فقال: خذهما، لا بارك الله لك، فهما ومغلهما خمسون ألف دينار. فكانت في يدي أبي دلامة وورثته إلى أن بادوا. وفي رواية أخرى أنه قال له المنصور: قد أقطعتك أربعمائة جريب، نصفها عامر ونصفها غامر، قال: وما الغامر؟ قال: الذي لا شيء فيه، قال له: فقد أقطعتك من العذيب إلى الثعلبية. فضحك منه، وأقطعه ما أراد.

وروى ابن عائشة قال: خرج المهدي إلى الصيد، ومعه علي بن سليمان الهاشمي، فرمى المهدي ظبياً فصاده، ورمى علي آخر فأخطأه وأصاب الكلب. فقال المهدي: من ها هنا من الشعراء؟ فقالوا: أبو دلامة، فقال له: قل في هذا شيئاً، فأنشأ يقول:

قد رمى المهديُّ ظبياًشكَّ بالسهمِ فؤادهْ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»
وعليُّ بنُ سليمانَ رمى كلباً فصادهْ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»
فهنيئاً لهما كلُّامرئٍ يأكلُ زادهْ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»

فقال المهدي: صدق والله، لتأكلنه أو لتفدينه. ففداه علي بن سليمان ألف درهم دفعت إلى أبي دلامة.

وقيل: إن أبا دلامة كان ليلة عند المنصور، فقال له المنصور: أشتهي أن أقيم معك غداً، وفلان وفلان، ولا يدخل إلينا أحد، فبكر إلي. فلما سمع ذلك علي بن سليمان قال له: يا أبا دلامة أنت تبكر إلى الدار وأنا أبكر، فبت عندي الليلة، فقال: أخاف أن تسقيني خمراً، فأبطئ عن المصير إلى أمير المؤمنين. قال له: لا تشرب شيئاً أصلاً. فلما صار إلى منزل علي بن سليمان، دعا بالعشاء، ثم دعا بالستائر فضربت، وغناء المغاني، وأمر علي بن سليمان برطل فشربه، فقال أبو دلامة: لو شربت رطلاً واحداً ما كان به بأس، فقال له ابن سليمان: لا تفعل. فما سمع منه، وأخذ وشرب، وأمر الجواري لا يقطعن الغناء. فشرب أبو دلامة حتى سقط سكراً، وأمر الجواري لا يسكتن، والشموع لا تطفأ، والطعام لا يزال، وأبو دلامة في عيش طيب. فبقي كذلك ثلاثة أيام، وهو يظن أنه في ليلته، حتى تطلبه المنصور فلم يجده، فأمر بهدم داره. فقال له ابن سليمان: هو، والله يا أميرالمؤمنين، عندي. وقص عليه قصته، فأمر به، فأحضر وهو سكران لا يعي بنفسه. فأمر به فضرب ضرباً وجيعاً، وحبسه في المطبخ، في بيوت الدجاج. فبقي نائماً والدجاج يسلح عليه وعلى وجهه، وينقر أنفه. فانتبه في الليل فصاح إلى جواريه: فلانة، فلانة، وإلى خدمه: فلان، وفلان، ما جاوبه أحد، وهو يظن أنه في منزله. فقال له الطباخ: أتدي أين أنت؟ قال: لا والله. فقص عليه القصة، وعرفه ما اعمد المنصور معه، فبقي حائراً. فما كان إلا ساعة، وجاء رسول المنصور يطلبه. فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

أميرَ المؤمنينَ وقتكَ نفسيعلامَ ضربتني، وخرقتَ ساجي
وفيم حبستني من غيرِ جرمٍكأني بعضُ عمالِ الخراجِ
فلو فيهم حبستُ، لكانَ ذاكمْولكني حبستُ مع الدجاجِ
وقد كانتْ تحدثني ذنوبيبأني من عقابكَ غيرُ ناجِ
على أني، وإنْ لاقيتُ شراًلخيركَ، بعدَ ذاكَ الشرِّ، راجِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
أفي صفراءَ صافيةِ المزاجِكأنَّ شعاعها لهبُ السراجِ
وقد طبختْ بنارِ الله، حتىلقد صارتْ من النطفِ النضاجِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»

فقال ابن سليمان: شرب الخمر يا أمير المؤمنين، فسله بأي نار طبخت؟ قال أبو دلامة: بنار الله الموصدة، التي تطلع على فؤاد من علمك. فضحك المنصور منه وأجازه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.