من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
الإماء من شواعر النساء
وهن: عنان، والذلفاء، ورييم، وفضل، وملك، وخنساء، وصرف، ومخنثة، ومدام، وخشف، وعلم، وريا، وسكن. وسكن أغزرهن وأشهرهن ذكراً، وإنما أكثرهن افتناناً عنان، جارية الناطفي.
عنان جارية الناطفي وهي صاحبة أبي نواس، وبينهما معاتبات ومضاحكات، وتهاجيا في آخر أمرهما. وكان لها ظرف بارع، وأدب كامل، في سرعة جواب. وكان لها مجلس ينتابه السراة والشعراء وأهل الأدب، يطارحونها الأشعار ويناشدونها.
فمن شعراها ترثي مولاها:
يا موتُ أفنيتَ القرونَ، ولم تزلْحتى سقيتَ، بكأسكَ، النطافا
يا ناطفيُّ، وأنتَ عنا نازحٌما كنتَ أولَ منْ دعوهُ فوافى
وقالت:
نفسي على زفراتها موقوفةٌفوددتُ لو خرجتْ من الزفراتِ
لا خيَر بعدكَ في الحياة، وإنماأبكي مخافةَ أنْ تطولَ حياتي
قال محمد بن سليمان الكاتب: إفتصد الرشيد يوماً، فأهدى له يحيى بن خالد جارية عوف الخياط. فأقامت عنده شهراً، قم وهبها لخزيمة بن خازم.
ففي ذلك تقول عنان، تمدح يحيى، وتطلب أن يبتاعها:
نفى النومَ عن عينيَّ حوكُ القصائدِوآمالُ نفسٍ، همها غيرُ واحدٍ
إذا ما نفى عني الكرى طولُ ليلتيتعوذتُ منهُ باسمِ يحيى بن خالدِ
وزيرِ أميرِ المؤمنينَ، ومنْ لهفعالانِ من جودٍ: طريفٍ وتالدِ
على وجهِ يحيى غرةٌ يهتدي بهاكما يهتدي ساري الدجى بالفراقدِ
بلغتَ الذي لم يبلغِ الناسُ مثلهُفأنتَ مكانُ الكفِّ من كلِّ ساعدِ
تعودَ إحساناً، فأصلحَ فاسداًوما زال يحيى مصلحاً كلَّ فاسدِ
وكانتْ رقابٌ من رجالٍ تعطلتْفقلدها يحيى كرامَ القلائدِ
على كلِّ حيٍّ من أياديهِ نعمةٍوآثارهُ محمودةٌ في المشاهدِ
ففعلكَ محمودٌ، وكفكَ رحمةٌووجهكَ بدرٌ، نورهُ غيرُ خامدِ
مننتَ على أختيَّ منكَ بنعمةٍصفتْ لهما منها عذابُ المواردِ
فمنَّ بما أنعمتَ منها عليهماعليَّ، وقاكَ الله كيدَ المكائدِ
أعوذُ من الحرمانِ منك بخالدٍوطيبِ ترابٍ، فيه أعظمُ خالدِ
وذكرها يحيى لهارون الرشيد، فأمر بشرائها، فاشتراها بثلاثمائة ألف درهم، وأمر صاحب بيت المال برفع المال إلى مولاها. فقال لمولاها: اجعل لي من هذا المال عشرة آلاف درهم، فأبى أن يفعل. فأمر صاحب بيت المال بثلاثين حمالاً، فحملت البدر، وأدخلها على الرشيد، فقال: ما هذا؟ قال: هذا ثمن عنان. قال: ويلك هذا كله سرف، رده إلى بيت المال. وأبطل شراءها. ثم بعد ذلك عزم يحيى على معاودة الرشيد في أمرها، فعاق عن ذك حادثهم.
وقال: أحمد بن إبراهيم: هويت عنان فتى من أهل بغداد، لا نبات له بعارضيه، في غاية من الحسن، وكان يدعي النسك والعفاف. فطلبت وصاله فأبى. ثم أن الفتى بعد ذلك نبتت لحيته، وضجر من طول الزهد، فأتاها يلتمس منها ما كانت تلتمس منه، فأنشأت تقول:
هلا وأنتَ بماءِ وجهكَ تشتهيرؤدَ الشابِ، قليل شعرِ العارضِ
ألآن إذْ نبتتْ بخدكَ لحيةٌذهبت بملحكَ، ملءُ كفِّ القابضِ
مثلُ السلافةِ عادَ خمرُ عصيرهابعدَ اللذاذ خلًّ خمرٍ، حامضِ
وقالت:
إلى الله أشكو طارقاتٍ من الهوىلها في فؤادي جمرةٌ تتضرمُ
فلا مشتكى إلا إليهِ، فأنهأرقُّ، وأحفى بالعبادِ، وأرحمُ
وحكى عنها أبو ثابت قال: خطر بقلبي بيت شعر قلته، وتعسر علي ثانيه، وطلبت من يجيزه. فتذكرت عنان جارية الناطفي، فأتيتها وأوردت عليها الشعر، فقلت:
وما زال يشكو الحبَّ حتى سمعتهُتنفسَ في أحشائهِ، أو تكلما
فأطرقت، ساعة، ثم قالت:
ويبكي فأبكي رحمةً لبكائهِإذا ما بكى دمعاً بكيتُ له دما
ويروى عن زريق الشاعر قال: أتيتها يوماً، فلما رأتني قالت: مرحباً يا عم، لقد جاء الله بك على حاجة إليك. قلت: وما ذاك؟ قالت: إن هذا الأعرابي الذي تراه سألني أن أقول بيتاً، وقد صعب علي الابتداء، فابتدئ علي بالقول.
فقلت:
لقد عزَّ العزاءُ، وغيلَ صبريغداةَ جمالهم للبينِ زفتْ
فقال الأعرابي:
نظرتُ إلى أواخرها ضحياًوقد رفعوا لها عصياً فرنتْ
فقالت عنان:
كتمتُ هواهمُ في الصدر منيعلى أنَّ الدموعَ عليَّ نمتْ
قال: ودخلت إلى بعض الأمراء فكتب إليها:
ماذا تقولينَ فيمن شفهُ سقمٌمن فرطِ حبكِ، حت ظلَّ حيرانا
فكتبت تحت هذا الشعر:
إذا رأينا محباً قد أضرَّ بهِجهدُ الصبابةِ، أوليناهُ إحسانا
وعرضت على عيسى بن جعفر، فأعجبته، فغمزها وقال:
جودي لصبٍّ حزينٍيكفيهِ منكِ قطيرهْ
فقالت:
إيايَ تعنيبهذا؟ عليكَ فاجلدْ عميرهْ
ودخل عليها أبو نواس، وقد ضربها مولاها، وهي تبكي، فقال:
بكتْ عنانً فجرى دمعهاكالدرِّ قد توبعَ في خيطهِ
فقالت:
أجلْ، ومنْ يضربها ظالمٌتيبسُ يمناهُ على سوطهِ
وقالت تهجو أبا نواس:
يا نواسيُّ، يا نفايةَ خلقِ اللهِ، قد نلتَ بي سناءً وفخرا
متْ متى شئتَ، قد ذكرتكَ في الشعرِ، وجررْ أطرافَ ثوبكَ كبرا
لا تسبحْ، فما عليكَ جناحٌجعلَ الله بين لحييكَ دبرا
فإذا ما أردتَ أن تولي اللهـ على ما أبلى وأولاك، شكرا
فاذكر الله بالضمير وبالايما، ولا تذكرنَّ ربكَ جهرا
فأخذ هذا المعنى البلاذري فقال:
يسبحُ لا من تقىً أحمدٌيحبُّ التظرفَ بالسبحةِ
ويخرجُ أنفاسهُ كالفسايفتقهُ السرمُ عن سلحةِ
أبا جعفرٍ فتوقَّ الإلهولا تذكرِ الله من فقحةِ
وقالت تمدح جعفرا بن يحيى:
يا لائمي، جهلاً، ألا تقصرُمنْ ذا على حرِ الهوى يصبُر
لا تلحني أني شربتُ الهوىصرفاً، وممزوجُ الهوى يسكرُ
أحاطَ بي الحبُّ، فخلفي لهبحرٌ، وقدامي له أبحرُ
تخفقُ راياتُ الهوى بالردىفوقي، وحولي للردى عسكرُ
سيانَ عندي، في الهوى، لائمٌأقلِّ فيهِ، والذي يكثرُ
أنتَ المصفى من بني برمكٍيا جعفرَ الخيراتِ، يا جعفرُ
لا يبلغُ الواصفُ في وصفهِما فيهِ من فضلٍ، ولا يحصرُ
ما عصرتْ عوداً يدٌ لامرئٍأطيبَ من عودكَ إذ يعصرُ
منْ وفرَ العرضَ بأموالهِفجعفرٌ أعراضهُ أوفرُ
ديباجةَ الملك على وجههِوفي يديهِ العارضُ الأحمرُ
سحتْ علينا منهمُ ديمةٌينهلُّ منها الذهبُ الأحمرُ
لو مسحتْ كفاه جلمودةًنضرَ فيها الورقُ الأخضرُ
لا يستتمُّ الحمد إلا فتىًيصبرُ للبذلِ، كما يصبرُ
يهتزُّ تاجُ الملكِ من فوقهِفخراً، ويزهز تحتهُ المنبرُ
يشبههُ البدرُ إذا ما بداأو غرة في وجههِ تزهرُ
والله ما ندري أبدرُ الدجىمن وجههِ، أم وجههُ أنورُ
يستمطرُ الزوارُ منكَ الغنىوأنتَ بالزوارِ تستبشرُ
عودتَ طلابَ الندى عادةًإن قصروا عنكَ، فما تقصرُ
قال جامع الكتاب: لقد طربت لهذه الأبيات، حتى كررتها فحفظتها.
وأما الذلفاء: فكانت أمة لابن الطرخان، وكان الشعراء أيضاً يأتونها ويطارحونها، وكانت حسنة الجواب. ودخل عليها مروان بن أبي حفصة، وعندها أبو نواس وغيره من الشعراء، فقال مولاها لمروان: يا أبا يحي إختر لها بيتاً لتجيزه. فقل: قول جرير:
غيضنَ من عبراتهنَّ، وقلنَ ليماذا لقيتَ من الهوى، ولفينا
فقالت، وكانت تشبب بالرشيد:
هيجتَ بالبيتِ الذي أنشدتنيحباً بقلبي، للإمامِ، دفينا
قال: فقام أبو نواس مغضباً، وهو يقول:
عجباً من حماقةِ الذلفاءِتشتهى ... الخلفاءِ
فقالت:
إنَّ أحرى الأمورِ عندي منالاًشهواتُ الأكفاءِ للأكفاءِ
ويقال: إن العباس بن الأحنف دخل على الذلفاء يوماً، فقال: أجيزي:
أهدى له أحبابهُ أترجةًفبكى، وأشفقَ من عيافةِ زاجرِ
فقالت:
متطيراً مما أتاهُ، لأنهالونانِ: باطنها خلافُ الظاهرِ
وأما ريم: فكانت جارية إسحق بن عمرو السلمي. وكانت شاعرة مجيدة. فامتحنها أبو اليدين عبد الرحمن، وكتب إليها:
ألا منْ لعينٍ لا ترى أسودَ الحمىولا ناضرَ الريانِ إلا استهلتِ
طروبٍ إذا حنتْ، لجوجٍ إذا بكتْبكتْ فأدقتْ في الهوى، وأجلتِ
فكتبت الجواب في ظهر الرقعة:
فليسَ مدنيهِ البكاءُ من الحمىوإنْ كثرتْ منه الدموعُ، وقلتِ
يحنُّ إلى أهلِ الحمى، فدموعهُتسحُّ، كما سحتْ سماءٌ تدلتِ
فلم يصدق أن الشعر لها، فكتب إليهاً شعراً لجحاف لا يعرفه أحد، وهو:
كيف المقام بأرض لا أشد بها صوتيإذا ما اعترتني سورة الغضب
فكتبت في الجواب:
ما إن يطيبُ مقامُ المرءِ في بلدٍفيه يخافُ ملماتٍ من العطبِ
فاحللْ بلادَ أناسٍ لا رقيبَ بهافما يطيبُ لمرٍ عيشُ مرتقبِ
وأما فضل الشاعرة: فقد قال أحمد بن أبي طاهر: كنا نجتمع معها كثيراً. فجلسنا يوماً، أنا وهي وسعيد بن حميد الكاتب، فكتب إليها سعيد:
علمَ الجمالِ تركتنيبهواكِ أشهرَ منْ علمْ
فجابته:
وتركتني يا سيديغرضَ العواذلِ والتهمْ
صلةُ المحبِّ حبيبهُالله يعلمها كرمْ
وكتبت إلى سعيد بن حميد، وقد رأته يكثر العبث بقينة:
يا حسنَ الوجهِ، سيءَ الأدبِشبتَ، وأنتَ االغلامُ في اللعبِ
ويحكَ إنَّ القيانَ كالشركِ اللمنصوبِ بين الغرورِ والعطبِ
بينا تشكى إليكَ، إذ خرجتْبعدَ التشكي منها إلى الطلبِ
لا يتصدينَ للفقير، ولايطلبنَ إلا معادنَ الذهبِ
تلحظُ هذا وذا، وذاكَ وذالحظَ محبٍّ، ولحظَ مكتسبِ
وكتبت إلى آخر كانت توده:
يا منْ تزينتَ العلومُ بفضلهِوعلا، ففاتَ مراتبَ الأدباءِ
ما هكذا يجفو الأديبُ أديبةًحلتْ، وحلَّ مراتبَ العلماءِ
صرفَ الإلهُ عن المودةِ بينناوعن الإخاءِ شماتةَ الأعداءِ
وقالت فضل: استدعاني يوماً أميير المؤمنين المتوكل، فلما دخلت عليه قال: إن بعض الجواري قالت بيتاً فما يجيزه سواك. فقلت: ما هو؟ فقال:
أقامَ الإمامُ منارَ الهدىوأخرسَ ناقوسَ عموريهْ
فقلت:
فأضحى بهِ الدينُ مستبشراًوأضحتْ زنادُ التقى موريهْ
وأما خنساء: فكانت جارية للفضل بن يحيى بن خالد. قال أبو عمرو: كتبت إلى خنساء:
خنساءُ، يا خنساءُ حتى متىيرفعُ ذو الحبِّ، وينحطُ
وكيف منجاتي، وبحرُ الهوىقد حفَّ بي، ليس له شطُّ
قكتبت:
يدرككَ الوصلُ فتنجو بهِأو يقعُ الهجرُ فتنغطُّ
وأما ملك: فكانت جارية لأم جعفر. وروى أبو زيد مر بن شبة، قل: كتب بعض الشعراء إلى ملك، وكان يهوها:
يا ملكُ قد صرتُ إلى خطةٍرضيتُ فيها منكِ بالضيمِ
يلومني الناسُ على حبكموالناسُ أولى منكِ باللومِ
أشكو إليكِ الشوقَ يا منيتيوالموتُ من نفسي على سومِ
فكتبت إليه:
إن كانتِ الغلمةُ هاجتْ فقمْوعالجِ الغلمةَ بالصومِ
ليس بكَ الشوقُ، ولكنماتدورُ من هذا على كومِ
وأما صرف: فكانت مملوكة لابن عمرو، وكانت شاعرة مصافية لعبد الصمد بن المعذل. قال أبو زيد: كتب إليها عبد الصمد يوماً:
حبوتُ صرفاً بهوى صرفِلأنها في غايةِ الظرفِ
يا صرفُ ما تقضينَ في عاشقٍبكاؤه يبدي الذي يخفي
فكتبت له:
لبيكَ من داعٍ، أبا قاسمٍيا غايةَ الآدابِ واللطفِ
صرفُ التي أصفتكَ محضَ الهوىيقصرُ عن حبكمُ وصفي
وأما خشف: فكانت جارية للعباس بن الفضل. وهي القائلة في رجل كانت تهواه:
لو كنتُ رزقي ما أردتُ زيادةًولقلتُ: أحسنَ رازقي وأصابا
وأما علم: فكانت جارية لأحمد بن يزداد. ومن شعرها، وروى عنها المبرد، قولها:
شكى صاحبي أتعابهُ العيسَ في السرىفلمْ يلفَ في الشكوى عليَّ معولا
وأتعبَ عندي من مطايا بقفرةٍوبعدها منها شقةً وترحلا
حشاً يمتطيها الشوقُ في كلِّ ساعةٍتقربها البلوى إلى الحتفِ منزلا
وأما مدام: فكانت جارية، وكانت للعباس بن الفضل مواصلة. فكتب إليها:
كوني بخيرٍ، وإنْ أصبحتِ في شغلٍالقلبُ قلبكِ أعيتْ دونه حيلي
لو كنتُ أحسنُ هجراً ما هجرتكمُأوْ كنتُ أعرفُ غيرَ الوصلِ لم أملِ
أقررتُ بالذنبِ، خوفاً من عقابكِ ليوقلتُ: ما الذنبُ إلا لي، ومن عملي
لما لحظتِ سوائي لحظَ مكتتمعلمتُ أنكِ قد وفيتني أجلي
كتبتُ، والدمعُ في القرطاسِ منحدرٌوإنْ شككتِ تبينيهِ في البللِ
فأجابته:
كم قد تعللتُ بالتسويفِ والأملِوكم تجرعتُ من لومٍ، ومن عذلِ
وكم رجوتُ، إذا ما الدهرُ باعدنيبأنْ أدالَ على قلبي، فلم أدلِ
لم يكفِ أن حزتَ نومي عن مسالكهِفليسَ يطرقُ في ريثٍ، ولا عجلِ
إن كنتُ خنتكَ في عهدي مختالةًأو عمدَ عينٍ، أو استبدلتُ من بدلِ
فلا رأيتكَ يوماً إذاًعني بغير، ولا من أملي
أمسى كتابكَ مبلولا، وقد درستْمنه السطورُ، ورسمُ الدمعِ لم يزلِ
إذا بي، أو خنتَ خالصتيأو غبتَ عني، فذا أقصى عقابكَ لي
وكتب إليها أيضاً:
تبرمتُ بعذاليوبثِّ القيلِ والقالِ
فما يخطرُ من بعدكِ في الحبِّ على بالي
فكفي من تجنيكِالذي هيجَ بلبالي
وعودي كالذي كنتِلنا في الزمنِ الخالي
وإلا كانَ شكواناإلى الشاهِ بنِ ميكالِ
فكتبت إليه:
بنفسي أنتَ من قالِوبالأهلِ، وبالمالِ
إذا ما كنتُ أرعى لكَ حبيكَ، وترعى لي
ولم تسألَ من واشٍفما الشكوى إلى الوالي
وأما ريا: فكانت جارية لابن القراطيسي، وكانت شاعرة. أنشد السيد بن أنس التليدي:
وإذا ترعرعَ من تليدٍ ناشئٍجعلَ الحسامَ ضجيعهُ في المسهدِ
فكتبت:
قومٌ لهم شرفٌ وعزٌّ تالدٌيفنى الزمانُ وعزهم لم ينفدِ
الله خصَّ قديمهمْ وحديثهمدون البريةِ بالعلى والسؤددِ
أضحى يقرهمُ بكلِّ فضيلةٍمنْ كان يجحدهمْ، ومن لم يجحدِ
وتمامُ فخرهمُ إذا ما فاخروايومَ التناصلِ بالنجيبِ السيدِ
وأما مخنثة: فكانت جارية لزهير. وقال ابن أبي خلصة: بعث يوماً زهير إلى أبي نواس فأحضره، وعرض عليه مخنثة، وكانت من أطرف الناس. فلما رآها قال:
للحسنِ فيهِ صنيعُله القلوبُ تريعُ
فما إليهِ سبيلٌولا إليهِ شفيعُ
فقالت في وقتها:
أبو نواسٍ خليعٌله الكلامُ البديعُ
وواحدُ الناسِ طراًله أقرَّ الجميعُ
وقالت ترثي ابن مولاها، وقتل ببغداد مع الأمين:
أسألُ ناعيهِ، والذي شهدَ الليثَ عليهِ الكلابُ تقتتلُ
تنهشُ شلواً، أعززْ عليَّ بهِيسحبُ طوراً والمتنُ منخذلُ
أأنتَ أبصرتهُ يلابُ بهِفي أرضِ بغدادَ أيها الرجلُ
إنْ كنتَ أبصرتهُ كذاكَ فماينجو شديدُ القوى، ولا فشلُ
فلو تراهُ عليهِ شكتهُوالموتُ دانٍ، والحربُ تشتعلُ
لخلتَ أنَّ القضاءَ في يدهِأو المنايا في كفهِ رسلُ
كأنهُ آمنٌ منيتهُفي الروعِ لما تشاجرَ الأسلُ
فانظر، بالله، أيها المتصفح هذا الكتاب ما أحسن هذه المعاني العجيبة، والألفاظ المرققة العذاب! فما الذي أبقت هذه المرأة العبدة للرجال الأحرار؟.
وأما سكن: فكانت جارية لمحمود بن الحسن الوراق الشاعر. وكانت شاعرة مجيدة، حسنة النظر في العلوم. وهي القائلة تمدح أبا عدنان دلف بن أبي دلف:
أهدتْ لقلبكَ غصةَ التلفِودعتْ إليكَ دواعي الأسفِ
عاداتُ مقلتها إذا نظرترشقُ القلوبِ بأسهمِ الشغفِ
كم من أسيرِ هوىً لمقلتهابادي الصبابةِ، ظاهر الكلفِ
وقفٌ على الأسقامِ مهجتهُسمحُ المقادةِ، غيرُ منتصفِ
إنَّ المكارمَ بعدَ قاسمهاألقتْ أعنتها إلى دلفِ
ما من أبي دلفٍ سوى دلفٍفي البأسِ والأفضالِ من خلفِ
جادتْ يداهُ بفضل نائلةٍحتى رماهُ الناسُ بالسرفِ
يمضي عزيمتهُ، وراحتهُتقضي على الأموالِ بالتلفِ
أوفتْ على قللِ العلاءِ بهِهماتُ ذي هممٍ، وذي شرفِ
أبلغْ أبا عدنانَ عن سكنٍشعراً، قريبَ العهدِ بالصحفِ
لكنهُ ستطولُ مدتهُويسيرُ سيرَ الراكبِ العنفِ
إذ كنتَ تمتدحُ المديحَ كماقد كانَ يمدحهُ أبو دلفِ
فمديحهُ إعطاءُ نائلةٍعفواً، بلا منٍّ، ولا سرفِ
ومن أشعار الإماء وأخبارهم مما لا يعرف كثير. وقد بلغني أن بعض الجواري كانت تهوى سيدها، فباعها، فاشتد وجدها عليه، فقالت:
نأتْ دارُ من أهوى فما أنا صانعُأمصطبرٌ للبينِ، أم أنا جازعُ
كفا حزناً أني تحنيتُ عامداًولم أخشَ فجعَ البينِ، والبينُ فاجعُ
فإن تمنعوني أنْ أبوحَ بحبهِفليسَ لقلبي من جوى البين مانعُ
فلما سمع المشتري شعرها ردها إلى مولاها. وبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، فكتب إلى نائبه أبي القاسم، يأمره أن يتعرف خبرها ويمتحنها. فركب أبو القاسم إلى مولاها، فأقرأه الكتاب، فأخرج إليه الجارية، فامتحنها عنتاً، وقال:
بديعُ صدٍّ، قريبُ هجرٍجعلتهُ منه لي ملاذا
فقالت:
فعاتبوهُ، فقال كبراً،إنْ ماتَ عشقاً يكونُ ماذا؟
فقال:
قد ماتَ من قبلهِ جميلٌوعروةٌ ماتَ قبلَ هذا
فقالت:
فكلهمْ ذواقَ كأسَ حتفٍوالحبُّ، يا عاذلي، على ذا
فكتب نائب عبد الله بن طاهر بما شاهد، فأمره أن يشتريها. فورد الكتاب، وقد ماتت الجارية.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع