من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
خنساء بنت عمرو
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هى تماضر بنت عمرو بن الشّريد، وكان دريد بن الصّمّة خطبها، وذلك أنّه رآها تهنأ إبلا لها فهويها، فردّته وقالت: أترانى تاركة بنى عمّى كأنّهم عوالى الرياح، ومرتثّة شيخ بنى جشم؟! ففى ذلك يقول دريد.
حيّوا تماضر واربعوا صحبىوقفوا فإنّ وقوفكم حسبى
أخناس قد هام الفؤاد بكموأصابه تبل من الحبّ
ما إن رأيت ولا سمعت بهكاليوم هانئ أينق جرب
متبذّلا تبدو محاسنهيضع الهناء مواضع النّقب
فخطبها رواحة بن عبد العزّى السّلمىّ، فولدت له عبد الله، وهو أبو شجرة، ثم خلف عليها مرداس بن أبى عامر السّلمىّ، فولدت له زيدا ومعاوية وعمرا.
وهى جاهليّة، كانت تقول الشعر فى زمن النابغة الذّبيانىّ، وكان النابغة تضرب له قبّة حمراء من أدم بسوق عكاظ، وتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، فأنشده الأعشى أبو بصير، ثم أنشده حسّان بن ثابت، ثم الشعراء، ثم جاءت الخنساء السّلميّة فأنشدته، فقال لها النابغة: والله لولا أنّ أبا بصير أنشدنى (آنفا) لقلت إنّك أشعر الجنّ والإنس، فقال حسّان: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك ومن جدّك! فقبض النابغة على يده، ثم قال: يابن أخى، إنك لا تحسن أن تقول مثل قولى:
فإنّك كاللّيل الّذى هو مدركىوإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
ثم قال للخنساء: أنشديه، فأنشدته، فقال: والله ما رأيت ذات مثانة أشعر منك! فقالت له الخنساء: والله ولا ذا خصيين!! وكان أخوها صخر بن عمرو شريفا فى بنى سليم، وخرج فى غزاة فقاتل فيها قتالا شديدا، وأصابه جرح رغيب، فمرض (من ذلك) فطال مرضه، وعاده قومه، فكانوا إذا سألوا امرأته سلمى عنه قالت: لا هو حىّ فيرجى، ولا ميّت فينسى، وصخر يسمع كلامها، فشقّ عليه، وإذا قالوا لأمّه: كيف صخر اليوم؟ قالت أصبح صالحا بنعمة الله، فلمّا أفاق من علّته بعض الإفاقة، عمد إلى امرأته سلمى فعلّقها بعمود الفسطاط حتّى ماتت، وقال (غيره: بل قال: ناولونى سيفى لأنظر كيف قوّتى وأراد قتلها، وناولوه فلم يطق السيف، ففى ذلك يقول: أهمّ بأمر الحزم البيت. وأوّل الشعر):
أرى أمّ صخر ما تملّ عيادتىوملّت سليمى مضجعى ومكانى
وما كنت أخشى أن أكون جنازةعليك، ومن يغترّ بالحدثان
فأىّ امرئ ساوى بأمّ حليلةفلا عاش إلّا فى أذى وهوان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنّزوان
لعمرى لقد أنبهت من كان نائماوأسمعت من كانت له أذنان
وللموت خير من حياة كأنّهامحلّة يعسوب برأس سنان
ثم نكس بعد ذلك من طعنته فمات، فكانت أخته خنساء ترثيه، (ولم تزل تبكيه حتّى عميت).
ودخلت خنساء على أمّ المؤمنين عائشة، وعليها صدار لها من شعر فقالت لها عائشة رضى الله عنها: يا خنساء إنّ هذا لقبيح، قبض رسول الله ﷺ فما لبست هذا، قالت: إنّ له قصّة، قالت: فأخبرينى، قالت: زوّجنى أبى رجلا، وكان سيّدا معطاء، فذهب ماله، فقال لى: إلى من يا خنساء؟
قلت: إلى أخى صخر، فأتيناه، فقسم ماله شطرين، فأعطانا خيرهما، فجعل زوجى أيضا يعطى ويحمل، حتّى نفد ماله، فقال: إلى من؟ فقلت: إلى أخى صخر، (فأتيناه)، فقسم ماله شطرين، فأعطانا خيرهما، فقالت امرأته: أما ترضى أن تعطيها النصف حتّى تعطيها أفضل النّصيبين؟! فأنشأ يقول
والله لا أمنحها شرارهاولو هلكت مزّقت خمارها
وجعلت من شعر صدارها
فذلك الذى دعانى إلى أن لبست هذا حين هلك.
وكانت تقف بالموسم فتسوّم هؤدجها بسومة، وتعاظم العرب بمصيبتها بأبيها عمرو بن الشّريد وأخويها صخر ومعاوية ابنى عمرو، وتنشدهم فتبكى الناس.
وكان أبوها يأخذ بيدى ابنيه صخر ومعاوية ويقول: أنا أبو خيرى مضر، فتعترف له العرب بذلك. ثم قالت الخنساء بعد ذلك: كنت أبكى لصخر من القتل، فأنا أبكى له اليوم من النار.
وممّا سبقت إليه قولها:
أشمّ أبلج تأتمّ الهداة بهكأنّه علم فى رأسه نار
(وفيها تقول:
مثل الرّدينىّ لم تكبر شبيبتهكأنّه تحت طىّ الثّوب إسوار
لم تره جارة يمشى بساحتهالريبة حين يخلى بيته الجار
فما عجول لدى بوّ تطيف بهقد ساعدتها على التّحنان أظآر
أودى به الدّهر عنها فهى مرزمةلها حنينان إصغار وإكبار
ترتع ما غفلت حتّى إذا ذكرتفإنما هى إقبال وإدبار
يوما بأوجع منى يوم فارقنىصخر، وللدّهر إحلاء وإمرار
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع