تجاوز إلى المحتوى

من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)

باب بن أحمد بيب

بن عثمان بن سيدي محمد بن عبد الرحمن بن الطالب، ويقال له الطالب محم، يجتمع فيه مع الذين قبله. هو العالم الأوحد الذي أغار ذكره وأنجد.

وفي البغية، لسيدي العربي بن السائح الرباطي في ترجمة التجاني ابن باب المذكور.

واسم والده بابا حسبما تقدم مصرحا به في النظم. وكان عالما ناسكا فاضلا، مشار اليه في بلده وجيله، ملحوظا بعين التعظيم في معشره وقبيله.

وأخبرني ولده الناظم ﵀، أن له شرحا للتحفة العاصمية، وتكملة التكملة للديباج، انتهى فيها إلى ذكر أهل القرن الثاني عشر، فترجم الشيخ التاودي ابن سودة، والشيخ أبا حفص الفاسي وغيرهما. وستأتي بقية ما في البغية، في ترجمة التجاني بن باب المترجم. وكلما في البغية من نقله صحيح، إلا إنه كان يكتب بابا بألف مقرون بالباء الأخيرة، وقد رأيت خط صاحب الترجمة مرارا هكذا: باب بن أحمد بيب، وقد سقط من نسخة البغية اسم سيدي محمد بن عبد الرحمن، ويبعد أن

يكون سقط من إملاء التجاني على صاحب البغية، لأنه هو جده الثالث. وكان من أعلم أهل وقته، بعد عمه القاضي الذي تقدم.

كان باب، ﵀، يناظر العلماء وعمره ثلاث عشرة سنة، وكان الناس يتعجبون منه، وكان ابن عمته حرمة الله بن عبد الجليل المتقدم، يقول إذا زار أخواله أمسكوا: عني بابتكم وعيش ذؤابتكم. وكان يقول لا تذاكرني بعلمك هذا الفرخ، والفرخ الولد الذي لغير رشدة، فصار الجهال يحملون ذلك على غير معناه،

ويجعلونه طعناً في علم آباء صاحب الترجمة، وهذا محال، لأن والده كان من أفقه قومه. وأما جده الأدنى، فإنه كان بتيرس، فلما كُفَّ عمه القاضي، لم يجد من أولاده من ينوب عنه في قراءة الحديث، فأرسل إليه فترك أولاده، ولم يزل هو النائب عنه حتى مات. والمعنى عند حرمة الله، إنه لم يتلق علمه عن شيخ، لأن أساتذته كانوا أقل منه منزلة في العلم، ولأن مدة طلبه تقتضي أن لا يناظره، لما اشتهر عنه من العلم، وهذا قريب مما كان أبو حيان يقول عن ابن مالك، فإنه قال: بحثت عن شيوخ ابن مالك فلم أجد له شيخا مشهورا يعتمد عليه، ويرجع في حل المشكلات اليه، الا أن بعض تلامذته ذكر إنه قال: قرأت على ثابت ابن حيان بجيان، وجلست في حلقة أبي على الشلو بين، نحوا من ثلاثة عشر يوما، ولم يكن ثابت بن حيان من الأئمة النحويين وإنما كان من الأئمة المقرئين. قال وكان ابن مالك لا يحتمل المباحثة، ولا يثبت للمنافثة، لأنه إنما أخذ العلم بالنظر فيه بخاصة نفسه، ومن تتبع شرحه للتسهيل، وجد كثيرا من طعنه عليه، عفا الله عنه، حتى قال معرضا به:

يظن الغمر أن الكتب تهدىأخا فهمٍ لإدراكِ العلومِ
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة
وما يدري الجهول بأن فيهاغوامض حيّرتْ عقل الفهيمِ
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة
إذا رُمت العلوم بغير شيخضللت عن الصراط المستقيم
للشاعر أبو حيان الأندلسي، اقرأ القصيدة
وتلتبس الأمور عليك حتىتصيرَ أضلَّ من تُوما الحكيم
للشاعر أبو حيان الأندلسي، اقرأ القصيدة

ولم يحط هذا من قدر ابن مالك، ولا صدّ الناس عن كتبه المفيدة، ومن تتبع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، علم أن هذا الداء قديم في العلماء من أئمة المذاهب فمن دونهم. وبالجملة فكان باب هذا، من أعاجيب الدهر في العلم والإنفاق في سبيل الله، والرجوع إلى الحق، وقد سمعت من بعض الشيوخ إنه ذاكره في مسألة. فشدد صاحب الترجمة في النكير عليه، فلما أمعن النظر في المسألة، علم إنه مخطئ، فترك الناس حتى فرغوا من الصلاة في المسجد، فقال لهم: لا يخرج أحد

فجعل يشرح لهم غلطه وإصابة من خالفه. أما الأنساب فإنه كان دغفل زمانه فيها.

قال محمد محمود بن أكتوشن من قصيدة يرثيه فيها:

سل الآي والخبر الصحيح كليهماوالفقه والتاريخ والأنسابا

وكان إذا ألقى كلكله على مسألة، لا يقدر أحد أن يفوقه فيها. واشتد الخلاف بينه وبين حرمة الله في مرجع حبس، وانضمَّ إلى كل واحد منهما طائفة من العلماء، فمن انضمَّ إلى صاحب الترجمة، العلامة محنض بابه بن أعبيد الديماني. وممن انضم إلى حرمة الله، إديبج الكمليلي.

قال باب من جملة أبيات:

فحجتي وصحابي غير داحضةمن نص بهرام والتوضيح والكاف
صدعت بالحق لكن من يقله لكميا دييج يوطأ بأخفاف وأظلاف
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة
فالحق أمسى فوالهفا ووا أسفامثل الديار التي يسفى بها السافي
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة
فمالكٌ أن تصف عما يقول فإِنى لست عن قوله يوماً بصيّاف
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة
إني أوافقهُ حقاً وأتبعهُهل مهتدٍ ناعلٌ كالحائرِ الحاف
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة

ولا دييج من أبيات يخاطبه فيها هو ومحنض بابه:

فوافقا حُرْمَ فيما قال ويحكمافإن شيخكما أدرى بالأوْقاف
فحجة الشيخ في بهرام ناهضةلو كان يكفيكما ما كان في الكافي

ومن جيد شعره قصيدته التي أوَّلها:

ألوى بصبرك لاعج الأشواقأن الأحبة آذنوا بفراقي
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة

إلى أن يقول:

يا مَنْ يسابقني ويطلب عثرتيإني لعمري سابق السبَّاق
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة
وإذا قرنت ابن اللبون وبازلاملَّ القرين ولم يزل بخناق
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة
وإذا المسائل أحجمت وتمنعتوأبت مشاكلها على الحُذَّاق
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة
أعملت سيف الفكر نحو عويصهافحنَت علىَّ خواضع الأعناق
للشاعر بابه بن أحمد بيبه العلوي، اقرأ القصيدة
فتبوح لي بسرائر مكتومةٍحتى عنِ الأسطار والأوراق

وقلما مات أحد ممن يشار إليه من قبيلته إلا رثاه. ووقعت بينه وبين إديبج مشاعرة كثيرة، وكذلك إجدود بن أكتوشن العلوي، وحرمة الله بن عبد الجليل كما تقدم. وتوفي رحمه الله تعالى، بسبب سقطة سقطها من فوق، جمل ثم تطاول مرضه بعدها سنة. وكان ذلك قبل الثمانين من القرن الثالث عشر. وكان أعجوبة في تعبير الرؤيا. أخبره شخص بأنه رأى إنه يؤذن، فقال: ستحج، وكان الأمر كذلك. وأخبره آخر بأنه رأى مثله، فقال له: ستثبت عليك سرقة وكان الأمر كذلك أيضا. وكانت بين طائفتين مناوأة، فقدم عليه شخص، فأخبره أن بني فلان أرادوا قتل فلان وفلان، فقتلوا رجلا اسمه بيبات، فكتب اسمه على الأرض وقال: تاء التأنيث زائدة، سيموت خمسة عشر فيهم، امرأتان وأجنبي، فقال له المخبر: أن هذا ليس برؤيا، فقال له: أعهدتني لا أفسر غير الرؤيا، والله ليقعن هذا، وكان الأمر كما قال. وهذا يصدق من كان يقول: إنه يستتر بتعبير الرؤيا من الكشف.

ومن عجيب استحضاره، إنه في وقعة لمليح، بين إدوعل وإذا بلحن، سعت بينهم

وفود الزوايا في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع، وحكموا بحكم الشرع، وحكموا عالما ديمانيا فاستظهر أن يقتل أربعه من إدوعل، بأربعة من إدابلحسن قتلوا في تلك المعركة. فقال صاحب الترجمة: أن مثل هذا لا قصاص فيه. فقال القاضي: أن هذا لا يوجد في كتاب، فقال هو لم يخل منه كتاب. فقال القاضي: هذا القاموس، يعني إنه يدخل في عموم كتاب، فتناول صاحب الترجمة القاموس، وأول ما وقع نظره عليه والهيشة الفتنة وأم حبين، وليس في الهيشات قود، أي في القتيل في الفتنة لا يدرى قاتله فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار، في ذلك الموقف الحرج.

النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من قَبيلَةُ إِدَوْعَلِ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.