من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
محمد بن سيدي عبد الله
بن الفغ سيدي أحمد بن محمد بن القاضي المتقدم العلوي. كان وحيدا في العلم والصلاح، وله اليد الطولى في العربية والفقه والبلاغة وغير ذلك. وكان غاية في جودة الشعر، ولولا ما هو متصف به من العبادة والاشتغال بطريق الصوفية، ما اشتهر في قطره أحد سواه بالشعر، ولولا دفاعه عن الصوفية لم ينظم بيتا واحدا.
كان لا يشتغل بما لا يعنيه، جواداً يعطى الناس ولا يأخذ منهم، وهو شيخ طريق، والمعتمد عنده الكتاب والسنة.
وقال سيدي العربي بن السايح، في كتاب البغية في ترجمة التيجاني بن باب العلوي: وأخذ الطريقة عن العلامة الأوحد الفاضل الأمجد، أبي عبد الله سيدي محمد المدعو مُحمد الملقب بالخليفة، لقيامه بالخلافة في إعطاء الطريق، بعد وفاة شيخه سيدي محمد الحافظ ﵁، وله خمسة جدود، كل واحد منهم أعلم أهل زمانه وهم: أبوه سيدي عبد الله بن سيدي أحمد الفغ بن سيدي محمد بن سيدي عبد الله المعروف بالقاضي، وهو الذي تقدم لنا إنه قرأ على الشيخ على الأجهوري
انتهى المراد منه. وهذا صحيح، غير أن قوله سيدي أحمد الفغ، فيه تقديم وتأخير إذ الصحيح الفغ سيدي أحمد.
وقال في أناس مخصوصين:
وارْثُ أن كنت راثياً لأناسفتنوا ليس فيهمُ من رشيدِ
أصبحوا بعد نورهْم وهداهمحسبنا الله في الضلال البعيد
مثل القوم إذ تولوا سراعاعن طريقٍ معبَّدٍ معهودِ
مثلُ ظمآن سار حتى إذا ماكان من منهل قريب الورود
رجع القهقهري يأُمُّ الفيافيتائهاً نائياً عن المقصود
أو كصبٍّ رجا وِصالَ حبيبٍبعد حرص على اللقاء شديد
منعت وصله مقالةُ واشٍتركت حِبَّه مديمَ الصُّدود
أو كراءُ شمس الظَهيرةِ صَحْواًقام يسعى لدرْك أمر نكيد
بينما هوَّ مبصرٌ قال أعمىإنه الليل مال للتقليد
صاح من يرتددْ على عقبيهمعرضاً عن وفائه بالعهود
لم يضر غيره فنقض عهود الققوم في الله بالمعاهد مود
وأهل الخبرة بالشعر، يفضلونه على ابنه الآتي بعد، وإنما فضل ابنه عليه عند أكثر الناس لكثرة شعره، غير أن والده شغلته العبادة وإفادة الناس، مع ما كان متصفا به من التصوف الحقيقي، وكفاه شاهدا، أن نابغة قطره وجرير عصره، إدييج المشهور، هاجى كثيرا من فطاحل تلك البلاد فظهر عليهم، حتى تصدى للشيخ سيدي أحمد التجاني ومريديه، فشمر له عن ساعده وقاومه مقاومة شديدة. والناس مختلفون منهم من يقول: أن محمد ظهر عليه، ومنهم من يقول: تكافأ، أما العكس فلم أر من قال به. ومن بديع قوله فيه من قصيدة:
ادييج إذ صار كالعصفور صال علىباز حديد شبا منقاره قرم
أو كالضفادع في أحشاء ذي زبدنَقَّتْ فصال عليها سالِخُ الرُّقْم
وله فيه أيضا، من قصيدة:
وإني لحسان الطريق وأهلهاأزوُدُ أبا جهل النكيرِ وأوزجرُ
أقيس ذراعاً كلما قاس إصبعاًأخب إذا يعي عليهم وأحضرُ
ووقعت بينهما أشعار كثيرة، لم يقع لي بها اعتناء. وفي البغية، لسيدي العربي ابن السائح بعد كلامه السابق:
وكان لهذا السيد على ما أخبرني به الناظم - يعني التجابي ابن باب الآتي - باع في العلوم، وله في مدح شيخه الحافظ، ومولانا الشيخ ﵁، قصائد كثيرة. وكان يقال له حسان الطريق، لقوله في قصيدة يمدح بها الشيخ ﵁، ويرد على المنتقدين على أهل طريقتنا:
وإني لحسان الطريق وأهلها
البيت المتقدم.
وله أيضا يسلم على أهل تيشيت:
سلامٌ كعُرْف الروض غبَّ وكِيفِوإلاّ فنخلٌ آذنتْ بقطُوفِ
وإلاّ فطعمُ الرَّاح مسك مزاجهيعُمكمْ مِنْ طالبٍ وشريف
وكلِّ أخ ليست بتيشيتَ دارهوكل صميم منكم وحليفِ
سلامُ محبٍّ ليس ينسى ودادَ كمعلى حين ينسى الودَّ كلُّ أسيفِ
أخَلّى لجمع الشمل بيني وبينكمبلادي وأعطى تالدي وطريفي
فكم بكِ يا تيشيتَ من ذي بلاغةٍأديبٍ فصيحٍ في المقال طريفِ
يغوص ببحر الشعرِ يخرج دُرَّهُبسيط طويل كامل وخفيفِ
له وافرٌ من حمظهِ متقاربٌسريع إلى الخيراتِ غير عنيف
له رملٌ للشاردات يردهابمنسرح للمعضلات كشوفِ
ويرمى بِمُجتَثِّ الخظوط لظهرهله هزج للذكر غيرُ ضعيف
وفارس علم لا يُشَقُّ غبارهُوذي خشية عالي المقام عفيف
وذي قلم أزرى بخط ابن مقلةٍوكان على الحرَّاق أي منيف
وذي شرف من بضعة نبويةموطَّأِ أكناف البيوت ألوف
وذي شرف علماً وآخر جامعلدين جسيم المكرمات نحيف
سقى الله مصراً هْم به كل ممرعمن الودف يغشاه بكل مصيف
ومن جيد نظه، قوله يخاطب وليَّ الله ابن أخته الشيخ سيدي أحمد بن الشيخ محمد الحافظ، وكان صغيرا إذ ذاك:
إنّ السيادة في اثنتين فلا تكنيا بن المشايخ فيهما بالزاهدِ
حمل المشقة واحتمال أذى الورىليس المشمَّرُ للعلى كالقاعدِ
قل للذي طلب العلى بسواهماهيهات تضرب في حديد باردِ
وله أيضا من قصيدة، يتكلم فيها عن حال سيدنا الشيخ سيدي أحمد التجاني رضى الله عنه:
إنْ لم تعاين فضلهُ وكمالهُوغدوت منه في محل نازح
طالع لتعرفه شوارد علمهتظفر بنور كالمجرة لائح
وإذا تكلم في الحقائق مرةبهر العقول كلام عبد صالح
وله أيضا من قصيدة أخرى:
طالع جواهره واصحب رسائلهوما يَبُثُّ من الأنوار والحكمِ
وما يدل على المولى الكريم وماأبانه من مقام الصادق القدمِ
تجدْ ولايته لاحت معالمهاكما تُرَى في الدُّجى نارٌ على علم
تجد كلاما جلا عن شأنِ صاحبهأن الزمان بمثل الشيخ ذو عُقُم
قد يحجب الله أقواما ويظهرهُلآخرين وشتَّ الناس في القِسَمِ
و (شت) هذه فصيحة، يقال أمر شت أي متفرق. قال الطرماح بن حكيم:
شت شعب الحيّ بعد التآموسجال الربع ربع المقام
وله أيضا من قصيدة نونية يتشوَّق بها إلى فاس. ويبث ما يكابده من شدة الأنفاس وما ذاك إلا لقوله:
وما حبُّ الديار شغفن قلبيولكن حب من سكن الديارا
ومطلع القصيدة:
حيّ داراً لدى أبي سمغونوأسقها من مصون ماءِ الشؤون
وهي طويلة، يحن فيها إلى زيارة الشيخ سيدي أحمد التجاني ﵁، وأبو سمغون المذكور قرية من عمل الجزائر.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع