تجاوز إلى المحتوى

من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)

حرم بن عبد الجليل العلوي

ويقال له حرمة الله وحرمة الرحمن بن الحاج ابن سيدي الحسن بن القاضي، يجتمع فيه مع الذي قبله علامة عصره. وأعجوبة دهره. جدَّ واجتهد حتى ظفر

بمناه، وأقام بمدينة شنقيط وآطار لطلب العلم. وكان أبوه من أمثل قبيلته يقطن أرض القبلة، فلما تأخرت عنه المؤونة لقلة القادمين، كتب إلى أهله يعرض لهم، بأن كثرة مالهم لم يحصل منها على طائل في وقت الحاجة إليه فقال:

عليكم سلام مارست ضمُّ يذبلوما جال ذكر الزاد في قلب مرمل
وما انشرحت نفس امرئٍ متغربلثوب قشيب ناله بعدَ مسمل
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
وبعد فبرق خلب متألقعلى البعد لم تمرع به أرض ممحل
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
ومن لا يغادر ثلمة في المَنِيل لايسدُّ جداه ثلمة المتنوّل
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة

ويحكى عنه من الاجتهاد في طلب العلم، وتحمل المشاق والصبر، شيء عجيب. ومن شعره في جواب أبيات لمحمد بن الطلبة اليعقوبي، يسأله إعارة كتاب التبصرة لابن فرحون.

يا ابن المشايخ والأشياخ أسلافهجزاء من يسعف العافين إسعافُهْ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
لكنَّ تبصرة الحُكَّام مَبْخَلَةٌولؤلؤ وسواد القلب أصدافُهْ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
ومن أعار سواد القلب أتلفهلكن يهون علينا فيك إتلافُهْ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة

ومن أشهر مشايخه المختار بن بون، وكان عليه اعتماده من كل طلبته، ولم يحمل عنه أحد من علمه ما حمل، وكان يساعده في نظم التسهيل حتى إنه قال: لو أخذت ما يخصني لم يبق منه ما يسمى به.

وكان حرمة الله هذا ﵀، من عجائب الدهر، ولما تضلع من ابن بون، جلس لإفادة الناس، وضربت إليه أكباد الإبل، وانتفع به خلق كثير، ولم يبلغ أحد من تلامذته مبلغ الشيخ سيدي ومحنض بن سيدي عبد الله الشقروي، وكانت له اليد الطولى في جميع العلوم. أما النحو فاشتهر به بعد ابن بون. وأما الفقه فكان المرجع فيه إليه أيضا، ويدل على تفننه قوله، وقد مر بربع خلا كانوا يطلبون العلم فيه على بن بون:

دمن دعتك إلى القريض فإن تجبفلمثلها يهدى القريض ويندبُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
وإذا سكتّ عن الجواب لشِرَّةٍفاضت فذاك من الإجابة أصوبُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
أما النسيبُ فلا يسوغك ذكرهُعصر التعلم والمشايخ يعذبُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
كنا مع البونيِّ في عرصاتهاهالات بدر لم يشبها غيهبُ
فيها تجمَّعَ سيبويهِ ويوسفٌوالكاتبي والأشعريّ وأشهبُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
شاقتك أطلال يَلِين لهم وماشاقتك سعدى إذ نأتْكَ وزينبُ

ومن عجيب أمره، إنه لما كبر أصيب ببصره، فكان لا يميز الناس ولا الدواب ولكنه يقرأ الكتب، وقد حدثني عمنا العلامة البركة مأمون، إنه كان يكتفي في الليل بضوء قليل يقرأ الكتب عليه، وهذا شائع هناك. وله شواهد منها قول العلامة باب الآتي يرثيه من منظومة:

أغناه نور القلب عن نور البصريطالع الكتب ولا يرى البشر

وقال ابن عيد الجكني يخاطبه ويشكو إليه ناسا من أقاربه هجوه:

يا حرمة الله يا نبراس ذي العُصُرىيا من بصيرته أغنت عن البصرِ
ماذا تقول لمن أمسى يخاطرنيمن خاطر البزل لم يسلم من الخطرِ

وكان مع علمه وصلاحه يجيد النسيب. ومن بديع قوله:

إلى متى تظهرُ السلوان والفكرُتعلو بقلبك أحياناً وتنحدرُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
ما أنت أوّل من أفنى تجلدهوصبره دعج العينين والحورُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
ولو مرّ أهيفُ مجدولٌ على حجرصبا له أن رآه ذلك الحجرُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
هيف الخصور خدال السُّوق قد صرعتقَيساً وقِيساً وغيلانا وما انتصروا
جرَّ عن عروة كأس الموت قبلهموقال فيهنَّ ما قد قاله عمرُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
عراك منذ شهور ما ألمَّ بهمرِدْ مثل ما ردوا واصدر كما صدروا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
لا يصدر الطرف عن جيدا منعمةإلا امرؤ لم يكن في وجهه بصرُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
واجعل سريرك رحلا فوق يعملةمن شدة الخطو لا يبدو لها أثرُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
ساير براحا عليها كل هاجرةوأدلج كما تدلج الجوزاءُ والقمرُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
حتى تُؤَوِّب غزلاناً تسامرهايا حبذا تلكم الغزلان والسمرُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
إن شاكلت كل خضر أدمنة زَهَراًيا حبذا الدمن اللاتي بها الخضرُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
ماذا تضرُّ عروقٌ غير طيبةأن طاب للمجتني أثمارها الثمرُ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة

ومن جيد نظمه:

لقد عادني ما خلته غير عائديبساسية الأنساب في حيي عائدِ
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
ضنَى من هواها واصلي وهي لم تصلولابد للموصول من عود عائد
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة

وقال أيضا في حرب أهل شنقيط وأهل وادان:

إذا الدهر بالمكروه سامك فاصبراولا تجزعن منه أقلَّ أو أكثرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
فما دام شجو لامرئٍ أو مسرَّةأرى الدهر من هذا وهذاك أكثرا
لقد كنت أحجو الهجر أكبر فاجعفألفيته من أصغر البين أصغرا
أرى البين عن ساقيه أضحى مشمراوشجوك لما شمر البين شمرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
وليس يرد الحزن مَنْ شط ولْيُهافأقصر عن الأحزان أن كنت مقصرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
تغيرت أحوالا كما أن رسمهاوحق له من بعدها قد تغيرا
غداً رائح الأرواح والمغتدى بهإذاً بدلا منه أصمَّ أو أعورا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة

ومنها:

تقول وقد أضمرت ما بي أن رتضىهوى لم يزل في مضمر القلب مضمراً
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
فقلت لها أضحى وأصبح أمرهُمن الشمس أو من فتح وادان أظهرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
أقرّ بذاك الفتح من كان منكراًله وغدا من كان يخفيه مظهرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
وأدلج إدلاجاً به كل راكبعلى رغم أنف الحاسدين وهجّرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
فصير في الآفاق أمر وقائعتطيل إذا فكرت فيها التفكرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
دعا عاجل الآجال للحين معشرابوادان لن يدعى مدى الدهر معشرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
فشنجيط ظنوا هدمه متبسرافألفوه من إحياء كبَّادِ أعسرا
كأنهم لم يعرفوا بأس أهلهولو سألوا بان أمُّ والمسك أخبرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
لئن وردت شنجيط يوماً ظماؤهملقد شربوا زعقاً من الموت أكدرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
وكان لهم شر الموَاردِ موْرِداًوكان لهم شرُّ المصادرِ مصدرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
همُ حزب الأحزابَ من كل جانبكما حَزّبت أحزابها أهلُ خيبرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
أتوا بالرعايا ينشرون وعيدهمفصاروا على البطحاء لحماً منشرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
وفاض أتىٌّ من نجيعِ دمائهمبه شجر البطحاءِ أصبح مثمرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة

ومنها:

غدت كنتَ تقضى دونهم ما ينوبهممن الأمر كانوا غائبين وحُضّرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
أتوا بخميس لم نكن خمس خمسهفقل فيه لو ساواه أو كان أكثرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
وأقبل من آكان جند لنصرهموقد فرَّعنه النصر إذ فرَّ مذعَرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
فمن كرًّ منهم قد تكسر عمرُهومن فرَّ منهم صبره قد تكسرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
نجا مذعراً مما رأت عينه ومانجا من نجا من مأزِقِ الحرب مذعرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
إذا هو في المرآة أبصرَ وجههُتوهم وجه القِرن ما كان أبصرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
وإن نام لو حفته منه عساكرٌرأى مشرفياً فوق فوديه أحمرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
بدا إذ رأى ما قد رآه تواضعٌلمن كان منهم طاغياً متكبرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
فقال زعيم القوم أصبحت راضياًبما كان في أمر القديرِ مقدّرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
فنالوا إذاً عبداً ببعض دمائهمونيما وتنُّورَيْن والبعض أهدرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
دمٌ أهدرتهُ سادة علويةوما كان فيهم مثل ذلك منكرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
وما استنصروا غير الصوارم ناصراوأغنتهم عمن أتى متنصرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
يخوضون يوم الروع في لجج الردىلأنّ منالَ العز فيهنّ أبحرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
يسابق عَزْرائيلَ وقعُ سيوفهمإذا ما مُحَيَّا الحرب أصبح مسفرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة

فكم مشهد في الحرب يثنى عليهمُ وكم معشر من بأسهم كان أزورا

تراهم وليس الدهرُ إلا نوائباًإذا كبرت تلك النوائب أكبرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
سما للمعالي من تقدَّم منهمويسمو على آثاره من تأخرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
مآثرهم حَلْيُ الزمان لو إنهعلى صورة الإنسان كان مصوّرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
فكم من فتى منهم يروقك علمهويهزم من أنجاد وادان عسكرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
ويجعل في إحدى يديه مهنداطريراً وفي الأخرى كتاباً مطرَّرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
يحب الردى يوم الوغى فكأنهإذا مات فيه لا يزال معمَّرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
بطرفك فانظر كَيْ ترى بعض مجدهمإذا أنت عن إدراكه كنت مُقْصرا
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة

وأنت ترى كيف نزه شعره عن هجو أعدائه مع ظفر قومه.

وله من أبيات يخاطب فيها العلامة بُلاَّ بن مكبد الشقروى، وكان مدحه بقصيدة فأطال غزلها، ثم نال من ابن أحمد دام، وسأذكرهما في موضعهما أن شاء الله تعالى:

دع التطويل في ذكر الغوانيودع عنك البكاء على المغان
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
أسن الدهر عن هذا فقصِّرْعنان الشوق وأنن من العنان
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة
فإن المرَء يحسن في زمانٍعليه ما يشنَّع في زمان
للشاعر حرمة بن عبد الجليل العلوي، اقرأ القصيدة

ووقعت بينه وبين ابن عمه باب الآتي، مناظرات ومشاعرات في مسائل فقهية، ومع محنض بابه الديماني. وكنت أظنه ممن أدرك المائة الثالثة عشرة، فوجدت في رسالة للعلامة ولى الله، سيدي أحمد بن محمد الآتي، يخاطب فيها العلامة الحارث بن محنض ما نصه: (وقبولك لكلام الدسوقي، وهو ووالدك متعاصران منه أقدم، لأنه ينقل في حاشيته عن الأمير، من غير سماع منه، معبرا عنه بخاتمة المحققين، والأمير وحرم ولدا في عام واحد، فقد قال في مجموعه: شرعت فيه

وأنا ابن إحدى وعشرين سنة في القرن الثاني عشر، ثم تم تبيضه سنة ست وستين ومائة وألف، وحرم مات عام ثلاث وأربعين قبل لمليح بأربعة أعوام، وهو شيخ والدك، فهلا نقلت عن والدك) انتهى.

وهذا لا ينافى ما كنت أعتقده، بل لنا قرائن كثيرة، تدل على إنه كان في القرن الثالث عشر، منها أن لمليح الذي أرخ به، نعرف من أدركه، وهو رجل كان موجودا من نحو خمس عشرة سنة. فذلك دليل على أن لمليح كان في القرن الثالث عشر، ومنها أن الشيخ سيدي الآتي بعده، كان معاصرا لصاحب الترجمة، وقرأ عليه، وقد مات الشيخ سيدي في حدود سبع وسبعين أو نحو ذلك من القرن الثالث عشرا.

النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من قَبيلَةُ إِدَوْعَلِ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.