من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
أُبَّدَّ
هو محمد بن محمود، وأُبد لقب غلب عليه، ابن محمد بن أحمد بن خيار بن القاضي المتقدم، شاعر مجيد، شديد متون القوافي، كأنما ينحت من صخر، مع قلة غلط وأمن من السقط، كان متضلعا من العربية قليل الطيش، نشأ في حرب العلويين وإدل بلحسن، ولولا أن الحرب شغلته، لفاق معاصريه في العلم، لشدة فهمه، ولم نر من انتقد عليه شيئا، إلا ما بلغنا أن بعضهم طعن في قوله:
فما راعهم غير قيل الكماةأتى الغرماء وهبْ واخبطا
وما ندرى ما ينتقد في هذا البيت، فإن هب اسم صوت، وهو واسم الفعل من
واد واحد، فإن ادعى المعترض أنهما لا يسندان ولا يسند إليهما، فالحجة قول زهير:
ولنعم حشو الدرع أنت إذادعيت نزال ولج في الذعر
فإن قال: أن بيت زهير، أول بأن المراد دعيت لفظة نزال، فكذلك هذا البيت يمكن أن يؤول، بأن المراد فما راعهم غير قيل الكماة أتى الغرماء، وقيلهم هب، على أن مثل هذا ورد في شعر طرفة وهو قوله:
رِزُّه قدم وهبْ وهلاذي زهاءِ جمَّة بُهْمُهْ
وكذلك قوله اخبطا، أصله اخبطن، وأبدلت نون التوكيد ألفا في الوقف، وأخذ عليه قوله:
جاَءت بحائنهم رجلاه وانقلب الباقي ليؤثر بالملحاة والعار
لأن أصل المثل: جاءتك بحائن رجلاه والأمثال لا تغير. والجواب أن هذا ليس بتغيير، لأن تركيبه فصيح ولم يلاحظ فيه المثل. وهو قليل الشعر، وله قصيدتان
نقض بهما قصيدتي الأحول اللتان ستردان في موضعهما، أو يرد بعضهما، وأكثر الناس يفضل الأحول عليه، وبعضهم يعكس، ولكل وجه، لأن الأحول كان أرق ألفاظا، وهذا أقوى تركيبا منه، كما وقع للناس في جرير والفرزدق، الا أن الأحول أقذع في قصيدتيه، وأما هو فإنه سكت عن الجواب لما كانت الغلبة عليه، فلما انتصر أجاب ولم تحمله سورة النصر على القذع ولا كافأ السيئ بمثله كما سيظهر، وقال من يعترض عليه إنه عجز عن جواب قصيدة الأحول الطنانة التي مطلعها:
تداعت حداة الركب من كل جانبفودّعْ سُلَيْمى قبل سير الركائب
وسنأتي في موضعها. قال من ينتصر لابن محمود: أن سبب عدم جوابه لها، قتل الأحول قبل أن تصل إليه، لأن الأحول قالها في طريقه التي قتل فيها في وقعة تندوج، أو لما قال الكميت بن معروف:
فلا تكثروا فيها الضجاج فإنهمحا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
وقال من قصيدة يرد بها على قصيدة الأحول التي مطلعها:
أَلا بلّغا بابَ عنا جاني الحروبوجان الحروب رهين الخطا
وقصيدته هو هذه:
ألا بلّغَنْ باب عنَّا سلامايناسب منصبه الأوسطا
بأنَّا بتبجِجْك في ذروةمن المجد والعزّ لم تُمْتَطَا
وأهل الجبال يحوطونناجميعا وكنا لهم أحوطا
يجلون ذا الحلم منسا الجليلويخشون ذا الجهل أن يفرطا
وكنا قديماً سراة الأديمنجود ويعطوا لنا من عطا
ونؤمن من سالمَ المسلمينونجفوا ونسطوا على من سطا
ونحن الكماة ونحن القضاةوالعالمون بما اسْتُنْبِطا
متى تتشعب دعاوي الخصوميكن حكمنا الفاصل المسمَطا
وأنا أغرنا على معشرلدى تغررَيت وإيشنكطا
وأخرى أغرنا على آخرينبتندَ يْجمار وآغَوْرَطا
حملنا الخيام وأنضادهاوسرنا جميعاً ثقالا بِطا
نَجُرُّ العجاف رويداً لئلاتخُبَّ فتبهر أو تثْلطا
فجاَءت عُمَيْر وما جَمّعتوجاَء حُمَيْدٌ وما جَمَّطا
وفرَّط في الحزم إذ جاَءناولو يعلم الغيب ما فرّطا
وقد أقسموا جهد أيمانهم لايردون حلفة من أسخطا
وقد يقلب الله قلب العزوموقد يحنث الحالف المُحْلِطا
وبالبئر صبَّحهم بُكرةكما نبه الورد سِرب القطا
عذاب رجال يحسونهمرأوا ذلك الأمثلَ الأقسطا
بأجرِى فرانص فيها صواعق تصمى الفتى قبل أن يسقطا
أنخنا بحيث نرى نارهمطرائف ما أن عليهنّ طا
إذا رجعتنا اسْتأسْنا بهاكل أغلبَ ذي ضاغط أعيطا
معوّدة أن تسير النهاروأن تدلج الليل ما اخروّطا
وينجاب عنها الدجا رُسَّماًونحبسها ريث أن نعبِطا
ويحتز كل امرئٍ فِلْذَةبجلدتها قبل أن تكشطا
فما راعهم غير قيل الكماةأتى الغرماء وهبْ واخبطا
كأنا غدَاةَ إذٍ إذْ نُقَتَّلأشْرافَهُمْ ثائِرٌ سُلّطا
ومنها:
قتلنا سراة بني أحمدوفتيان أولادِ لِمْرَيْبِطا
ولم نُرْدِ شيخاً ولا يافعاًولم ينقذِ الأمردُ الأشمطا
رجالا وعشرين من ضئضئ لانعد حليفاً ولا أشرطا
سقونا ذنوباً سقيناهموهبضعف وكنا لهم أضغطا
وردوا لحافرة في السجالكذى لعب رد من صَلبطا
فأنت تراه مع ظفره، وما سبق من هجو الأول لوالده خصوصا، ولقومه عموما، لم يذكره بسوء مع نصفه إياهم، فانظر إلى قوله:
سقونا ذنوباً سقيناهموه
... الخ
مع قول الأحول:
لما رأوا عابد الرحمن منقبضاًتحت العجاجة مثل الضيغم الضار
ولوْا تباديد مثنى وفراد ولميثنوا من الرعب وجهاً بعد إدبار
تعلم إنه كان أعلم منه يسيرة العرب، إذ من تتبع أيامهم، يجد منهم من الثناء على أعدائهم، ما يدل على كمال أخلاقهم، كما قال العباس بن مرداس في حربه لبني زبيد:
فلم أر قوماً صابروا مثل صبرهمولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أكرّ وأحمى للحقيقة منهموأضرب منا بالسيوف القلانسا
وقال أبَّدَّ أيضا في وقعة تندوج:
ما بال عينك تذرى دمعها الجارِكأنّ جفنك مكحول بعُوّارِ
من ذكِرِ سَلْمى وقد شط المزار بهاإلا ملمات أحلامٍ وتذكارِ
لم ألقها بعد أيَّام المُلَيْحِ وقدْقامت لتصميني من بين أنصار
إلى أن يقول:
وذكرْ بلاَء علىّ في بنى عُمَربين الأجارع من تِنْدَوْجَ والغار
جاَءت بحائنهم رجلاهُ وانقلب الباقي ليؤثر بالملحاة والعار
ينجو نجاَء نجاة الوحش صِيح بهامن كلّ فرّارةٍ تبرى لفرّار
ومنها:
واستنشدوا الأحولَ الهجاَء كلمتهجادتْ بطيفٍ سرى لي أمُّ عَمَّارِ
والعلويون ركبان تنوشهمبالأندرية تردى كلَّ ختَّارِ
حتى إذا اثخنوهم محنقين وهمْما بين ملتزمٍ أو واجب خار
ولوْ انباديد مقنى وفراد ولميثنوا من الرُّعب وجهاً بعد إدبارِ
غرَّتهم غدَرَات غير معذرةٍكانت رجال علىّ غير حُضَّارِ
ووقعة في براءٍ في مساجدهملم يحملوا من سلاح غير أسفارِ
إن يغدروا بعد إيمانٍ ومقسمةٍويحتووا نَهَب العلاّمة القارِ
فإنَّ ذلك أمرٌ من شمائلهمنكث اليمين وأخذ الجارِ بالجارِ
فاليوم قد أصبحوا لحماً على وضمٍمستضعفين بحمدِ الخالق البارِ
لا يدفعون يداً منّا تنالهمُكذلك الله يجزى كل غدّارِ
وقال أيضا بعد انعقاد الصلح الأخير:
عفونا عن القوم إذ أصبحواكطالع نِيق ترقى بعيدا
فأعيا فأصبح لا يستطيع الهبوط ولاَ يستطيع الصعودا
غدوا مستكنّين لا يبعثون الوفود ولا يدفعون الجنودا
ولا يستطيعون للسلم حولاولا للمصيبات إلا الجحودا
أبدْنا سراتهم الأكبرينوأهل المدافع فيمن أبيدا
ولو أمسكوا قدح الحرب شيئاً وليس شهاب يُديم الوَقودا
لما زلتُ أغزوهُم لا أنِىإلى أن أبيدهُم أو أبيدا
أبحنا حريم عُمَيْر ومن كلّ خير أنلناه إلا الخلودا
حمدناك ربي على ذللك نرجو رضاك ونرجو المزيدا
وله أيضا من قصيدة، يمدح بها ولىّ الله، الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن لحبيب العلوي، وقد ضاع منى أولها:
كانتثار الدُّرّ من أسلاكهأو كجري الماءِ في الحوض اللّقيفْ
هجر النوم فما تطعمهحَجْمتاه غيرَ تهجاع خَفيفْ
من غزالٍ صادَ قلبي بعدماأن تصوَّفتُ فغزلي اليوم صوفْ
يوسفيُّ الوجهِ والبيع لهُخلفُ عرقوب وقلب الفيلسوفْ
وتراَءت بين أترابٍ لهاتتهادى مثل ما ناَء النزيفُ
خدلة الساق عروب لدنةتَطَّبى القلب بمصقول مشوفْ
أسْمُ يا قاتلتي في غير ماتِرَةٍ ماذا جزائي لا تحيفْ
بأبي أنت وأمّي ما كذايُشْكم العاشق والوجدُ اللَّهيفْ
عمرك الله صليني ثم لاتصرميني لا تزيريني الحستوفْ
واعلمي أنك أن لا تفعليأترك البيض وربات الشُّنُوفْ
وأصلا حبلى بأقوى سبببالشريف ابن الشريف بن الشريف
حافظ العصر مربى عصرهمن له الفضل علينا والشفُوفْ
وهو الغيث إذا ما أخلَفَتْوهو العُدّةُ في كل مَخُوفْ
بارك الله على أستاذناليس بالواني ولا الواهي الضعِيفْ
قام بالسنةِ لما جعلتقَدَحَ الراكب والدين الحنيفْ
ما رأى الراؤون خلْقاً مثلهخُلُقاً أكمله البر الرؤوفْ
لم يزل منذ عرفناه علىخلق لم تتخونه الصُّرُوفْ
ذاهبات وافرات وافياتبالمواعيد ولا وعْدَ مُوفْ
قدمته العلويون ومنيَسِمُ الطَّامن صميمٍ أو حليفْ
سادهْم بالعلم والحلم معاوطعام الضيف أيام المَصيفْ
صادفته غير مجزاع ولاوكلٍ نعم مناخ المستضِيفْ
مُعْتِدٌ لِلضَّيفِ ما يُحْسِبُهمن حليب وحقين وسَدِيفْ
وقدورٍ راسياتٍ لا تنىوجفان كالجوابي الجوف جُوف
شيخنا آثرك الله علىمن يناويك على رغم الأنوفْ
وتفرّعت مقامات عُلاًأنْتَ في الذروة منها والسُّقوفْ
دونك الأقطاب فيها رُتَباًوعلى قنتها العلياءِ مُوفْ
من تحدّثه بها النفس فقدحدَّثتهُ بأحاديث النزوفْ
كلُّ عالٍ ومجيد مَجْدُهُوعلاه مَع ما خُوِّلْتَ فُوفْ
ما على من جاَءكم مستعطفاًعالما أنك للجاني العَطوفْ
قائلا يا سيدي خذ بيديطال قرعى وعنائي والوقُوفْ
وإلى الرحمن أشكو قائلاًيا قريبٌ يا مجيبٌ يا لطيفْ
سَيئاتٍ شفَّ جسمي ذكرُهاوبراه مثل تعْريق الصَّليفْ
وعلى هادى العبادِ المصطفىوإمام الحق والدين الحنيفْ
صلوات ما شدت قمريةوتغّنتْ فوق مياد قَصيفْ
وعلى المختارِ مصباح الهدىمن شآبيب رِضي اللهِ وكِيفْ
وعلى أستاذنا وارثهوسقاه اللهُ من نَؤْءِ الخريفْ
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع