من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
محمد بن سيدي محمد
المتقدم، برع في عنفوانه في العلوم، وصرف همته إلى نظم الشعر، وبلغ صيته في قطره مبلغا لم يبلغه أحد ممن عاصره، فإذا قيل: ابن محمد، خضعت له رقاب الأدباء وفطاحل البلغاء، وأنا أسوق عنه بعض ما يبرهن عما ذكرت، وغطت شهرة شعره على علومه، مع أن له اليد الطولى في العربية والفقه، وكان ينظم القصيدة، فيقدمها إلى العلامة باب بن أحمد بيب العلوي، فينشده إياها فيأمره
بسترها، فيمتثل أمره ثم يعود إليه بغيرها، حتى قال قصيدته التي رثى بها محمد الدنبج التندغى وهي:
لا عذر للقلب أن يقنى السلوّ ولاللعين أن تبق في آماقها بللا
فأنشده إياها فاستحسنها، وجعل يزحف عن مجلسه استحسانا لها، وهي في غاية الانسجام. ومنها بعد المطلع:
انَّ النعيّ بقيه الترب فاه بماأسهى وأسهر من تبريحه المقُلاَ
رمى القلوب بما لو كان صادفهرَضوى ولبنان دهدى منهما القُلَلا
نعى محمدنا الناعي فقلت لههلا عطفت عليه العلم والعملا
ومنها يخاطبه:
يا هالكا وقسيُّ الموت ما برحتترى وأغراض رامى نبلها النُّبَلاَ
إن تعتبرها قنى أم اللُّهَيْم لكمْنفست معضلها المرهوب أن نزلا
أوسرت عن هذه الدنيا الغداة لقدسارت مزاياك في أقطارها مثلا
نفاد زادك من دنياك زودناحزنا وإن كنت مسرورا به جذلا
ووردك الموت روانا الزعاقَ وإنرواك مورده الصهباء والعسلا
ومنها يخاطب قومه، وكانوا يلقبون بحلة أربعين جوادا:
يا أربعين جوادا أن حسبكملطف المهيمن فلترضوا بما فعلا
ولْتذكروا الرزء لا ضاعت أجوركمبخاتم الرسل تنسوا خاتم الفضلا
ولما نبغ محمد، طار صيته في ذلك القطر، وكان صغير السن يدهش الناس بسلاقته وحدة ذهنه. ولما كان محمد بن الطلب المشهور في تلك البلاد موجودا إذ ذاك، فاجتمع به يوما، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
فيمنْ أهيم بها لاموا ولوْ هاموابمن أهيم بها يوما لما لاموا
هامَ الفؤاد بمن لولا ملاحتهاما سفّهتْ من ذوى الأحلام أحلامُ
هامَ الفؤاد بخيتِ الناس بحت بهاإذ في الكناية تلبيسٌ وإبهامُ
حتى أتى على آخرها، فقال له امحمد المذكور: الحمد لله الذي جعلك في غير زمني، وكان امحمد إذ ذاك شيخا كبيرا. ولما حدقت إليه العيون، نزعته أعراقه إلى طاعة الله والتفكر في أمر الآخرة، فاشر أبت نفسه إلى حج بيت الله الحرام وزيارة نبيه ﷺ، فوازره على ذلك صديقه وابن عمه، سيدي أحمد بن حرمة ابن الصبار العلوي، وكان فاضلا عاملا. وكان لهما ابن عم آخر، فوافقهما على ذلك ثم بدا له فيه، فجلس وجعل يثبط همة محمد فقال فيه:
يا مُشفقاً من رحيلي لجَّ في كمدِهل أنت من دون ربي آخذ بيدي
أمسى يفنّدُني فيما أرى وأرىمفَنّدِى فيه منسوباً إلى الفَنَد
دعني وعزميَ والبيدا وراحِلتيوما جرى من بناتِ الفكر في خلدي
الله حسبيَ لا ألوى على أحدٍكلاّ ومثليَ لا يلوى على أحدِ
وعقدة العزم منى لا يحلُّ بهاحل إذا حُل عزم محكم العُقَدِ
وقال أيضا لما عزم على الحج:
نَجلَّدْ جهْدَ نفسك للفراقوكفكف غَرْبَ سافحةِ المآق
وجرّد من عزِيمك ما يوازيمُتِرَّات المهندة الرقاق
ونِكّب عن مقال أخي الهويناوعنها فهي خاسرة الصفاق
وعن باكٍ وباكية أراقادموعا ليس واكفها براق
إلى البيت العتيق بنص إحدىعتاق الكوم أو أحدِ العتاق
بنص شِمِلَّة تعدو بعاليقَراها عدو منفرد لَهاق
أجادت خلف غاربها بناءيدا صفو المراتع والمساق
تبارى الريح جافلة وتطوىعَرِيضات الفلا طيّ البطاق
لو أرسلها وقد لحقت كُلَهاعلى خرجاء أيقن باللَّحاق
فلا تبرح تروحُ بها وتغدووتدلج لا تناخ سوى فَوَاق
إلى أن تستحيل على حنايافقار الظهر لاصقةَ الصفاق
وتحسبها إذا بغمت لُغوبامن الادلاج ثاغية العَنَاق
وعاشرْ كل منتدب ليرقىمن ابنيى العلى صعب المراق
به حملت مفزعةً نوارٌعلى الإحكام من حُبُك النطاق
أأحبابي أعاد الله منيومنكم بعد فُرقتنا التلاق
إلى أرض الحجاز أحَلْتُ عنكمصفيحة وجه وجدي واشتياقي
سلوت أحبتي واشتاق قلبيبتلك الأرض نُجْلِ الحداق
ولا بيض الترائب والثنايامديرات الجُمان على التراقي
بزمزم غُلتي تغلى فمنْ ليبكأسٍ من مُدامتها دِهاق
صفا نفسي الصفا ومِنىً مُناهاوبالجَمَرات قلبي ذو احتراق
ألا يا ركبُ حُقِّقَ ما رجوتمعلى حسن التلاطف والوِفاقِ
ثِقوا بالله واعتصموا وسيرواخِفاقا فالمهيمنُ خيرُ واقِ
فلا الإِقدامُ يجلبُ ما كُفيناولا الإحجامُ يصرفُ ما نلاقي
وشدوا الميس من قود النواحيبجنبي كلِّ يَعْمَلة دِفاقِ
وذوقوا السهد فَوقَ ذرى المطايالذيذا والكرى مرَّ المذاقِ
وشجوا البيد عازفة النواحيوجنح الليل مندل الرُّوِاقِ
وخوضوا في الهواجر كل آلطمى والشمس لافظةُ البصاقِ
وإنْ عرضَ العباب فمنشآتٌمواخر لا تزال على اختراقِ
هوابط من جبال الموج طَوْراًوطوراً في بواذخه رواق
إذا جاشت دواخنها تناهتصواعدها إلى السبع الطباق
نجائب لا تعرّس في مبيتٍولا ترعى ولست لها بساق
إلى حيث النجاحُ وحيث يغدوأسيرُ الذنب مفكوك الوثاق
وحيثُ تنيخ حامدةً سُراهالدى الإصباح مُدْلجةُ الرفاق
وحيث نطوف سبعاً ثم نسعىونُسرِع للمواقف في استباق
ونشعرُ بعد وقفتنا ونرمىونأوي للمحلّقِ للحِلاق
ونرجع للطواف وقد أرقنادماء المشعَرَات من النياق
ونُمضي يومنا بمنًى فنقضيبلا عَجَل ليالِينا البواقي
فإن طبنا بطيّتِنا نفوساًتنادَيْنا لطيبة بانطلاق
فوافينا الحبيب وذاك أوفىوأوفرُ ما نؤمّلُ من خلاق
ودُرْنا بالقباب كما أردناودُرْنا بالنخيل وبالزقاق
ألا يا نعم طيْبَةُ والعواليوحيطانُ الحدائق والسواق
هي الدارُ التي شرُفت وتاهتعلى شام المواطن والعراق
على من صاغ منصبه حُلاهاوساق لها العلا كلّ المساق
صلاة الله ما لبَّي حجيجٌوما حُمَّ اللقا عقب الفراق
ولما وصلا إلى مُرَّاكش، نزلا عند محمد الأمين بن أبي ستة، وكان من المقربين عند السلطان مولاي عبد الرحمن، فلم يوصل خبرهما من أوَّل الأمر إلى حضرة السلطان. فقال:
هل حامل أسنى السلام كلهلحاملِ الملك وعبء كلِّهِ
ومتولي عقده وحلهوواضعِ الأمر على محلِّهِ
من لا يجود زمن بشكلهولا يُرى عدلٌ عديل عدله
مأوى الغريب ومَحَطُّ رَحْلهِوملتقى نُزُولهِ ونُزْلهِ
قضى له الله يجمع شملهووطء من خالفه بنعله
ودام خفض العيش تحت ظلهوعزَّ الإسلام وعزَّ أهلهِ
موجبه لا زال فوق سؤلهِما يرتجي سائله من بذله
أنَّا نرجى من جميل فعلهما نرتجي أمثالنا من مثله
ولما ابلغ ابن أبي ستة خبرهما إلى السلطان، أمر باحضارهما، فلما سلما عليه واستقصى خبر الجهة التي قدما منها، أنشده قصيدتيه الآتيتين. وكان السلطان ﵀، شديد الاهتمام بأقصى المسلمين من أهل مملكته، حتى إنه يعلم أهل الخير من كبار أهلها وأهل الشر. ولما أنشد القصيدتين استحسنهما السلطان. وأولاهما:
هل في بكا نازح الأوطان من باسأمْ هل لداءِ رهين الشوق من آسِ
أمْ هل مُعين يعين المستهامَ علىليل كواكبهُ شدَّت بأمراسِ
آهٍٍ لمغتربٍ بالغرب ليس لهُجنسٌ وإن كان محفوفا بأجناسِ
علَّ الإمامَ بفضل الله يمنحهرُحمى فيكشف غم الآسف الآسِ
أقولُ والرَّكب محزون بوحشتناصبراً فكم وحشة أفضت لإيناس
إذا وضعنا بأرض الغرب أرحُلناراح الرجاءُ علينا طارد الياس
إني كفيلٌ بنْيل السؤْل لي ولكمإما بمُرَّاكشَ المحروس أو فاس
أمامنا في كلا المصرين نُورهماإمامنا المستماح المطعم الكاس
خَليفةَ المصطفى وهو ابن بَضْعتهثوبا من المجدِ لم يعلق بأدناسِ
الله منك حقوق الناس قلدهايقظان لا غافل عنها ولا ناسِ
عَمَّرْت عُمِّرْت من عهد الشريعة ماباض النعام بدور منه أدراسِ
داركتها بعدما مالت دعائمُهافاستحكمتْ واطمأنت فوق آساس
وافاك ركب تعاطوا من نعاسهمُعلى متون المطايا قهوة الكاس
حثوا جلاس المهارى لا يُرَوْن علىمنابر الميس منها غيرَ جُلاّسِ
حتى يرى السير منهم كالقْدِاح ومنها كالقسيّ حنتها كفُّ قوَّاسِ
فواسنا بلقا ما اعتيدَ منك ومافضل المقالة إلا قولنا واسِ
وحقق الظنَّ أنَّا سوف تحملناعلى مجوَّفة الحيزوم كالرَّاسِ
لها دُخَانٌ حريقُ الغاب أزعجهُأنفُ الجنوب بأنفاسٍ فأنفاسِ
واسمحْ لنا بدعاءٍ منك صالحهُبيمنه يسهل المستعصب القاس
والقصيدة الثانية:
ألمَّتْ بنا أهلاً بها أمّ سالمعلى نأيها أم تلك أحلامُ نائِم
ألمَّت بنا وهناً وقد ضرَب الدجىعلينا خباءً في مُتِيهِ المخارِمِ
ألمَّت بشُعْث في الفلاة توسَّدوامرافق خوصٍ كالسهام سواهم
نضونا على أنضائها من عزيمناسواهمَ أمضى من شفار الصوارمِ
وجبنا عليها مهماً بعد مهمهٍإلى ابن هشام كي نزور ابن هاشم
إلى أن أنخناها لديه ولم نكنكمن عاقه عن ذاك ضعف العزائمِ
خليفةُ مصباح الهدى وحفيدهومحِييُّ عافى ربعه المتقادمِ
غيور على بيضاء سنته التيأبيحت لها لولاه كلُّ محارمِ
فكم غض عنها طرفَ من رام طرَفهابغضِّ وكم قد كَفَّ من كَفِّ ظالم
أنامَ عيون الناس تحت عدالةٍوقَتْ رجل سار الليل لدغ الأراقم
ومنها يخاطب السلطان:
تعاظمنا هول الطريق ومنكمُعظامَ اللُّهى نعتاد دفع العظائمِ
وثقنا بِرِىٍّ أمت ظماؤناموارد طامى بحرك المتلاطم
ومنها:
أمولايَ لازالت مدى الدهرِ منكمحصون المعالي عالياتِ المعالِمِ
ولا برح التقبيل شغل أكفكموأقدامكم تُحْذى أديم الجماجم
فأصبح ثَغْر الأرض سوقا وأصبحتمَآسِدُها مرعى المخاض السواهمِ
حماها حماهُ الله أن تسبيحهامن أعدائها دُهم الدواهي الدواهمِ
وبشرَنا أن سوف تأتي ركابناأبا فاطم أنَّا أتينا ابن فاطمِ
على جدّه في كل بدءِ ومختممبادي صلاة مالها من مخاتمِ
وقال أيضا يخاطب ابن أبي ستة، ويسأله التوسط في أمر السلطان:
أثار من التذكُّرِ حين زاراخيالٌ من أمَيْمَة ما أثارا
سرى بعد الهدوّ فما أعيرتقلوب العاشقين كما أعارا
وكم بعث الخيالُ لذي انْتِزاحنزوعا للأحبةِ وادِّ كارا
ألا أهلاً بها ولوِ استحالتْعلى قرب زيارتها ازورارا
لئن أنأى أميمة ما اعتسفنارواحا بالنجائب وابتكارا
فقد أدنت مباراةُ المطايانوافخ في البُرى منْ لا يبارا
أزارتنا الفقيه فأنصفتنامن أيدِ النأي إذ مَطلَ المزارا
وغادر طيُّهَا نشر المواميإليه طيَّ حاجتنا انتشارا
قَدَ أهدى الدهر إذ أهدى إلينالقاه من إساَءته اعتذارا
إلى مثل ابن أحمد فليسافرْأخو العزمات أو يدع السّفارا
هُمامٌ سَلَّ صارمَهُ ليحمىمن الحق الحقيقةَ والذمارا
أبى نور الهداية من يديهِلمحيار الضلالة أن يحارا
وشيّدَ للحقيقةِ من زواياتعاطِى الذكر أرفعَها منارا
له خلق يُدير مدى اللياليعليها من معارفه عُقارا
سرى لمحمد في الأرض حمديسير به المسافر أين سارا
حكمنا فيه بالخير امتداحاًإلى أن أصبح الخير اختبارا
فأبصرنا شواهد ما سمعناكمفتوق الصباح إذا استطارا
ومنها:
أسيدنا النبيه ومن تحلّىبما فضه الجواهر والنُّضارا
أسارنا ببابكمُ فبادرْإلى تخليص إخوتك الأسارى
وداركْ بالنجاة ذَماَء غرقىقد اقتحموا بما اقتحموا بحارا
أطاعوا أمرَ غَيِّهِمُ ولَجُّواغرورا في عمايتهم سُكارى
فانهمُ وإن شَحَطت نواهملجارك فارعَ حق من استجارا
رعاك الله من راعٍ نصيحرعاية من قد أودع واستعار
وباركَ فيك ربك من خديمقد أحسن في أوامره ائتمارا
ومنها:
أمتخذ الهدى خذها هَدِيًّابدت في زيّ فارهة العَذارا
تغضُّ الطرف من خجل وتدنىعليها من مهابتك الخمارا
قد اكسبها فَخَارك فَخَارك حين زُفَّتْإليك على نظائرها فَخَارا
وقال أيضا يصف ليلة سهرها عند بعض أفاضل أهل مرَّاكش، ويصف ما اعتراهم فيها من السرور، ويصف منزل صاحب الدعوة وكيفية شرابهم للشاهي:
يا ليلةً راحَ فيها عازب الوطرِبات الصفاءُ بها يسطو على الكَدَر
طابتْ مجالسنا فيها وخامرناحسنُ السرور على موضونة السُّرُر
إذ بات أحمدُ يسقينا على مَهَلأشهى من الراح في أبهى من الدرَر
في منزل تُتْعِبُ الأفكارَ عبرتُهافيه كما يُتْعِبُ الأبصارَ بالنظرِ
فيه النَّهارُ عِشاءٌ والمعايش والأنهار تجرى وفيه مُثْمِرُ الشَّجَرِ
ثم إنه ﵀، بعد مقابلة مولانا السلطان عبد الرحمن وحفاوته به وبمن معه، ركبا البحر متوجهين إلى الحرمين الشريفين وفي الركب ابن أبي الشيكر (بكاف معقودة) قائد أبناء أبي السباع فبدءوا بالزيارة، ثم قضوا حجهم، فتوفى ﵀ بين مكة وجده. ولم نعثر له على نظم في الحجاز، سوى بيتين قالهما لإبراهيم
القاضي صاحب الصولة في الينبوع وضواحيه. وكان تلقى ذلك الركب بما ينبغي، وهما:
يا قاصداً بطحاَء مكة يرتجينيل الطواف ببيتها المرفوع
لا نخش من ينبوع حاجِك غورةًما دام إبراهيمُ باليَنْبوع
وقال يمدح رسول الله ﷺ:
هاج التفرُّق فاعذليني أوْ دَعيشوقاً أصمّ عن العواذل مسمعي
لا تُنكري مني الشحوب فهكذافعلُ الفراق بكل صبٍّ مولع
إنّ الأحبة أوْدَعوا إذ ودَعوافي القلب شجواً لم يكن بمودّع
كيف السلوّ خلافهم أمْ كيف ليبالكف بعد نواهم من مدمعي
بانوا فبتُّ بليلة لم تنكشفمن بعدهم وبمقلة لم تهجع
بانت ببينهمُ الرباب وخلفتبين الجوانح غُلّة لم تنقعِ
دارَ الرباب أربَّ فيك على الرَّبىينهل مرتجس الركام الممرعِ
حيَّى الإلهُ زماننا إذ لم يرعْفيك الصدود ولا نعيبُ الأبقعِ
دهرٌ مضى جمعت لنا أيامهُشمل السرور فهل له من مرجع
أم هل تقرَّبُها النجائب أن ترحعوجاً سواهمَ جائلات الانسُع
من كل مُجْفَرة لها بعد الونىعدوُ الهجفِّ أو الأتان الملمع
يا نفس قد ولىَّ الشباب وأنت عنغيِّ البطالة والصبا لم تنزع
قد تعلمين مصير أمركِ فارعوىفالعلم محض الجهل أن لم ينفع
والموت منتظرُ اللقاء وذو الحجامتأهب للقائه المتوقّع
ما لي أشاهد كل حين عِبرَةًوعن الغواية سادراً لم أقلع
وارحمتا لأسير ذنب تاه فيظُلَمِ الضلالة عن قويم المهيع
إني فزِعت وفكرتي جعلت إلىخير البرية مُشتكايَ ومفزعي
إنسان عين الكون غرَّة وجههحاوي التفرُّد بالمقام الأرفع
ذو الرتبة العليا التي ما للورىمن مطمع في نَيْلها من مطمع
بابُ الإله ومصطفاه لسرهوسراج حجته الذي لم يقْشَع
مَنْ خصهُ بحُلي الكمالِ إلهُهُوالكون واقع أمره لم يوقع
وإلى اسمِه ضمَّ اسمَهُ شرفاً لهمن قبل حيعلة المنادى المسمع
وبه توسل الأنبياءُ إلى الذيحازوه من سرّ النبوَّة أجمع
أسرى الإله به وأودع صدرهفي ستر جنح الليل أشرف مودع
يا مولد الهادي لشهرك نفحةٌأرج الزمان بنشرها المتضوّع
أكرم بمولد ذي الختام بيومهوبشهره وبعامه والموضع
حَلِى الزمان به كما حَلِىَ الرُّبَيبالروض إثر الساريات الهمّع
لله أكملُ خِلقة وخليقةمُنِحا لصفوة هاشم ومُجَمّع
بحر إذا ورد العُفاة وإن بدافالبدرُ ماضي عَشْرِه والأربَع
يغشى الهياج إذا التظى متبسماوالبيض تلمع والفوارس تدَّع
والخيل ثائر نقعها من نسجهِوجه الغزالة مدرج في بُرْقُع
في سرج مشرفة التَّليل طِمرّةأو سلْهَب ظامي المفاصل جُرْشع
حطم الأعادي خطمة جنحتْ بهملِتَبَذُّلٍ من بعد طول تمنع
وبها غدى مَنَ أبا السجود لربهوله سجودٌ بعدها لم يَرْفَع
قَتْلى تَنازَعُ في الوغى أشلاَءهابين الجيوش جيوش طير وقع
فغدت حصون الشرك رسما دائراًلعبت به أنفاس ريح زَعْزَع
لم يُبْقِ فيه المصطفى من قَيْصركلا ولا كسرى ولا من تُبَّع
بهُدى الكتاب دعا فمن لم يرتدعْبهُدى الكتاب فبالكتاب يُردع
فرقٌ هُدِين به وأخرى حُمِّلتمن سيف سطوته الذي لم تسطع
لاَ تألُ مدحا للنبيّ وبله ماتدرى النصارى في المسيح وتدَّع
يا خيرَ من حمل المطيُّ ومن بهِزُجِرَ العتاق بلامعات اليَلْمعِ
أثنى عليك إلهنا فلتعترفبقصورها فكِرُ البليغ المِصْقَع
إني بمدحك أستجيرُ وإننيمنه لفي الحصن الحصين الأمنع
فأمنتُ طارقةَ الحوادث وأثنتعني دواهم كلِّ خطب مفظع
وبك احتميْتُ من المكاره فاحمنيوبك استعنْتُ على الزمانِ فكنْ معي
لتكن معي عند الممات وكن معيعند السؤال وكن معي في مضجع
لتكنْ معي يوم الجزا أن قُدِّمتنفسي لما صنعت وما لم تصنع
صلى الإله عليك ما صدحتْ علىفَنَن مُطوَّقةُ الحمام السُّجّع
ومن غرر قصائده قوله يمدح رسول الله ﷺ ايضا:
زارت عُليُّ على شحط النوى سحرافاعتاض جفنك من عذب الكرى سهرا
زارت فبات نظام الهمّ مجتمعاًشوقاً وبات نظام الدمع منتثرا
فالقلب يغلي وجفن العين يُسعدهبمدمع كلّما كفكفكته انحدرا
يا رب مشتبهات لا منار لهامن خاضها ركب الأهوال والغَررا
خاضت إلى ودوني من هوائلهاما يستتيه عن القصد القطا الكُدُرا
زارت مُعَرَّسَ سَفْرٍ بعد ما ارتحلواشهراً رواحاً وتهجيراً ومبتَكرا
تهوى بهم راقصات العبس طاويةًأخفافها من عراض اليد ما انتشرا
تعلو الهضاب وصمَّ الصخر حافيةَما أن ترى نَقَباً فيها ولا دَبَرا
بُزْلا سمى النيُّ في أثباجها وعلىغِرْبانها لبَّدَتْ أذنابها الخطرا
عهدي بها لم تزر جاراتها كسلاواهاً لها كيف باتت تسلك الوعرا
باتت تشقُّ ظلامَ الليل نحوهمُيا عظم ما كَلَّفَتْ أوصالها الفُترا
ما أنس لا أنس والأيَّامُ مولعَةٌبفرقة الشمل إذ خالستها النظرا
فأومأتْ بكحيل الطرف باسمةنحوي لكيما أرى أن الرقيب يرى
أيام أحسو رحيق الوصل آمنةنفسي أن أحسوَ سمَّ الصرم والصبرا
ما كنتُ أحسب هذا الدهر تُحدث ليأحداثه من ليالي صفوه كدرا
إني إذا الحبل أمسى من عُلَيَّةَ ذاصرْم وأمسى تدانيها نوًى شُطُرا
عديت عنها وعن جاراتها وَخَدَتْبي نجب فكرىَ للمختار من مضرا
من يشغل الذهن منه في محاسنهيستقبح اللعَسَ المعسول والحَوَرا
لمَّا برى كبدي ما قد جنته يدييممته صارفاً عن غيره البصرا
وجهَّتُ وجْهي إلى خير الورى وأرىلنفسيَ الفوز بالمطلوب والظفرا
وجّهت وجْهي إلى مُغْنى الفقير ألاإني لمعروفه من أفقرِ الفقرا
وجَّهت وجْهي لذي الخُلْقُ العظيم وذي المجد الصميم عديم الشكل والنُّظَرا
وجَّهت وجْهي لمحمود المقام ومقصود الأنام إذا الخطب الجليل عرا
مولى الشفاعة في الهول العظيم إذاما صدَّ عنها جميع الرسل واعتذرا
منير صبح الهدى للمهتدين بهمن بعدما جنَّ ليل الكفر واعتكرا
به إلى مَهْيع الحق اهتدى نفرٌوضلّه نفرٌ من قوله نَفَرا
قد أخرست عن مقال الحق لُسْنُهموالضبُّ أخبر لما استُخبر الخبرا
وخالفوه ففاض الماءُ منفجراًلمَّا دعاه ونادى فاندعى الشجرا
والشمس عن صوبها ردَّت له ولهقد أسبل المزن لمَّا استمطر المطرا
من آيه وكفى القرآن معجزةما كان من خارق في بدئه ظهرا
يكفيك أن إله العرش صوَّرهكما يشاءُ ومنهُ صوّر الصورا
لا لا تقس بالورى الماحي فذو خطأٍمن قاسهُ بالورى لو لم يكن بشرا
أثنى عليه بما قد كان ناسبهرب العباد فماذا يبلغُ الشُّعَرا
أهدى إليه قديماً من بدائعهكعب وحسّان والهمزيُّ ما كثرا
أسْدوا به وأناروا ثم ما بلغوا كلاّ لعَمْرُك من مِعشاره العُشرا
لكن أتوا فيه بالقدرِ الذي اقتدرواقبلي فهلْهلْتُ أقفوا منهم الأثرا
لا يوجدُ الدهرَ إلا راكباً خطراًأو قائداً شقراً أو طارداً أخرا
أو قائداً عسكراً أو مفنياً زمراًأو قارئاً سوراً أو قائماً سحرا
ما زال يغزو وجند الله يؤزرهوالنصر يصحَبهُ في كلِّ ما شجرا
حتى استبد وبزَّ الكفر دولتهبالغزوِ واستعبد الأشراف والأمرا
وأصبحت ملة الإسلام واضحةوعمَّ نور هداه البدوَ والحضرا
قد أنكروا ما أتى البر الصدوق بهوالبر أنزلَ تصديقاً له السورا
من صدَّ عن آيه العظمى أعدَّ لهبواتر الهند والخَطّيَّةَ السمرا
والجرد جرد المذاكي القود حاملةرُبْداً ضراغم في زِي الورى جسرا
مستلئمي حَلق الماذيّ يقدمهمْشاكى السلاح يهز الصارم الذكرا
ثَبْتُ الجنان وموج البحرِ ملتطموالحرب رامية من شهبها الشررا
يخوض ثم بحار الموت مبتسماتلك الجراَءة بَلْهَ الضيغم الهصرا
هذا ما بقى في الخاطر منها، وربما وقع فيها تقديم وتأخير. ومن بديع قوله في الغزل:
ولت ليالٍ إلينا ساقها الزمنُما سيق من بعدها للأعين الوسنُ
ولّتْ سِراعاً وولّى البشر يتبعهاعنا وأقبل من إدبارها الحزن
ولّت فقائم ركن الصبر منهدممن بعدها ومصون الدمع ممتَهَنُ
قد غبن بالوصل ممن لم يغب جزعيمن بعد ما غاب عنا وجهها الحسَنُ
بمن إذا قابلت يوماً محدّثةًتحاسَدَتْ عند ذاك العين والأذن
بانوا بها لا سَقى السّاقي مطَيَّهُمُولا رعَتْ ما وَشاهُ العارضُ الهتن
يا ظاعنين ولى نفس تصاحبهمفي بينهم حيثما ساروا وما سكنوا
حملتموني ثقلاً من تحملكميعوق جَلْدَ القوى عن حمله الوهَنُ
إن ظَلْتُ بعدكم أدعو الربوع لِمَاهاجت لقلبي من ذكراكم الدِّمنُ
تعتادني زفرة يرتدُّ صاعدهاعن عبرة ضاق عن منهلَّها الجفنُ
فإنني ببكا غَيْلان ربع لوى حزوىأو أربع وعسى مشرق قمنُ
ليت الأُلى ظعنوا بالقلب إذ ظعنوالم يظعنوا والألى لم يظعنوا ظعنوا
وما وقع بينه وبين سيدي محمد بن الشيخ سيدي رحمهما الله، ذكره اكثر منه. كان محمد هذا رحمه لله في غاية الآداب، ولا يلاحى الناس، ولم تزل الفتن تقه بواسطة أهل الوشاية، ونقل الأخبار على غير وجهها، فاتفق أن أحد الأدباء من تلامذة الشيخ سيدي، أنشد أبياتا لسيدي محمد المذكور وأوّلها:
يا معملين قلاصاً حاكت الحِرَفاصارت وصارتْ لها أنواعه حرفا
فتوقف محمد المذكور في جمع حَرْفٍ على حِرَفٍ، وهو في الحقيقة غير مقيس، ولم ينكر، فابلغ ذلك الأديب سيدي محمد المذكور، أن ابن محمد لحنه، فكتب إليه:
يا منكراً جمعنا حَرْفاً على حِرَفٍلتَتَّئِدْ لا تكن للمرتمي هدفا
إنكار من ليس يدرى اشدد به غَرَراإذ هو من جُرُف الألحان فوق شفا
ينهارُ من هَذَرٍ والصمت يثبتُهُوالفرّ قبل اللحاقِ للجبان شِفا
لو خضت لُجةَ قاموس وجدت بهدرًّا جلا جلوه مصباح الدجى السُّدفا
حرف الكدى لا سزاه جمعهُ حِرَفوزانه عِنَبٌ والجمع قد عُرفا
ثانيه طَلٌّ ولم يجمع على فِعَلٍفَعْل سوى ذَيْن قد كانا به اتّصفا
والعلم ذو كثرةٍ في الصحف منتشرٌوأنت يا خلٌّ لم تستكمل الصحفا
فلما وصلته الأبيات، استغرب ذلك، لأنه لم يتكلم بما يمس كرامة صاحبها، فأمر رجلا كان معه أن يكتب، فأملى عليه ارتجالا أربعين بيتا في ذلك البحر والروي. وكان يملي بيتاً فيكتبه بسرعة، فيأتي بغيره قبل تمام نسخه. ولما بلغت باب
المتقدم الذكر، محا بعضها وأقسم عليه أن لا يتفوه به، حفظا لكرامة ابن الشيخ المذكور. والقصيدة هذه:
منى إلى ابن كمال الدين من خَلَفابين الورَى أحمدَ المختارَ والخُلفَا
أزكى سَلاَمٍ يُحاكي حُسْنَ سيرتِهوطيبَ شيمته لا روْضة أنفا
سِيديَّ قطبِ رحا أهل المعارف مَنْأمسى يُجَدّدُ رسْم الدين حين عَفا
ما زال مُذْ عقدت منه الإزارَ يدٌصبًّا مشوقا بأبكار العُلى كِلفا
فنال منزلةً تعلو السعود إلىأن صارَ للناس من داءِ القلوب شِفا
اعْلَمْ أيا خِلُّ أني لستُ حاسِدَ كموأنَّ مني لكم محضُ الوِدَادِ صَفا
لا تَسْمَعَنْ ما وَشَى بعض الوُشاةِ بهوَاسْمَعْ مقالي فليْسَ الأمر ما وُصِفا
إذ قد حكى البيتَ راويهِ على حِرَفٍفقلت مستفهما لا منكراً حِرَفا
وهل سمعتم بحرف جمعهُ حِرَفٌقد كان ذاعنْ قياسِ الجمع منحرفا
ما كان من شيمتي نكرٌ على أحدٍيأبى لِيَ النُّكرَ طبْعٌ منهُ قد أنِفا
ولا مُجَاناةُ أرْبابِ الجفا شُغُليمثلي إذا ما جفا حِلْفُ الجفا صدَفا
وإن أتى صائلا ذو الضعف يوعدنيفاللهُ يعصمني من صولة الضُّعَفا
قد سرَّهُ جريه في الفقر منفرداًفظن سرعتَهُ فيه وقد دَلفا
أقصر بطرفك لا تطمحْ إلى بهفشأن من ليس يدرى الجريَ أن يقفا
ومن يخض لجة القاموس ليس لهفُلكٌ تقيهُ من الألحانِ قد تلفا
أهدى إلى من الأشعارِ مضحكةللخلق أودعها من لحنه كِسَفا
إذ صَيَّر الهمز همز القطع متّصلاًوقال جلوي وجلوا ثمَّ ما ألِفا
ومنها:
والشعر صعب عزيز ليس يدركهسوى ذكيّ حديد الفهم قد ثقفا
لا يكسب الشعر تبجيل وقولهمُعسى تكون لنا من شيخنا خَلَفا
كلاّ ولا أنا نجلُ الشيخ سيدناأبي وأمّيَ قد فاق الورى شرفا
وهذا ما تذكرت منها، وربما وقع فيها تقديم وتأخير لقدم عهدي بها. ولما شاعت هذه القصيدة، تداولها الناس، فتداعت تلاميذ الشيخ سيدي على هجو ابن محمد، فلم يكترث بهم، ولم يجب منهم غير الشيخ أحمد بن سليمان الديماني، لأنه رآه كفؤا، وهذه العادة قديمة في الشعراء كانوا لا يهاجون من يرون إنه دونهم. فلما بلغ الشيخ سيدي انتصارهم لابنه، دعاهم وقال لهم: أن انتصرتم لابن شيخكم فإني أنتصر لابن شيخي. وكانت أم محمد المذكور، بنت حرم بن عبد الجليل المتقدم. وكان الشيخ سيدي تلميذا له، فهذه إحدى مكارم أخلاق الشيخ سيدي، ولما بلغ الأمر أيضا والد محمد صاحب هذه القصيدة، أقسم عليه ليذهبن إليه ويطلب منه الصفح، فركب وأناخ في مسجد الشيخ، فوجده فيه فأنشده قصيدته الآتية، فقال ليتك هجوتنا في كل يوم، واعتذرت بمثل هذه القصيدة، استحسانا لها، وهي:
هاجتْ رسيس بلابلي وهمومقَسْراً دَوارسُ أرْبُعٍ ورُسُومِ
أودَتْ بهنَّ يَدُ الزمانِ فأسأرتْكالوحْىْ أو كَمُرَجَّعَاتِ وشومِ
كانت لروض اللَّهْوِ مرعةً فانتهتْللعِين مرعة الشيحِ والقيصوم
لله ما جلبتْ له عِصاتُهامن ذكر عهدٍ للشباب قديمِ
فأراد يكتم ما به وبدمعهظهرت ضمائرُ سرّهِ المكتوم
إن ترمني بسهام لحظ غادرتبين الجوانح داميات كُلُوم
فلرُبما سَرَّتْ بمرأى رائقٍعيني أوان مسرَّةٍ ونعيم
ولكم سحبتُ بربعها بُرْدَ الصّباوشرِبْتُ عذْب رحيقه المختوم
ولكم عمدت إلى الملاعب مائساًكالغصن عطفّهُ هبوبُ نسيم
ولكم رشفتُ من الشفاه بربعهاعذب الزُّلال بعاتِق الخُرطُوم
قد خنْتُ عهد عهودها أن لم أقِفْحيرانَ يَلْتَهِبُ الأسى بحَزِيم
بل لم أقمْ بحقوقها أن لم أقمْمنهلَّ جفْنٍ بالدموع جَمُوم
لازال يعهَدُها السّماك مَعاهِداًبأجشَّ مُنْبَجِسِ الصَّبيرِ هزيم
مُرْخى الجوانبِ ذي روايا حُفّلٍتمرى قوادِمَها الجنائبُ شيم
لمَّا رأت دِمَنَ الصَّبابة والهوىسَفّهْنَ حلمي واسْتَبحْنَ حريمي
هبَّتْ تلُومُ وَمَنْ يلمْ مُتذكراًعَهْدَ الشبيبةِ لامَ غَيْرَ مُليم
فأجبْتُها نهْىُ المحبّ كأمرِهِفَدَعِى الملاَمَةَ في الهوى أو لومي
ما خلُتني أجدُ السُّلوّ ولم تزلْذِكَرُ الأحبَّةِ تستثيرُ همُومي
قالت وكنتُ من الضلالِة سائراًفي ظلّ مُسترخِ السُّدُول بَهيم
هلاّ اهتديت بنجمٍ شَيْبَك إذ بدافكم اهتدى ذو حيرة بنجوم
أو ما كبِرْتَ عن النَّسيب ألا ترىعند العدول إلى امتداح كريم
بمحاسنٍ تنسيك ما للبيض منوجهٍ أغرِّ الوجنتينِ وسيم
هذي محاسن من غدا بصفاتهِمستوْجبَ الإجلال والتعظيم
مَنْ بالسيادةِ والمحامدِ وسْمُهُوفق اسمه فالاسْمُ كالموسوم
نالت من الرُّتَب العوالي كَفُّهُما لم تكن لتنال كف أريم
ألفى المكارم قد تهدّد ركنهافأقام ساقطَ ركنِها المهدوم
خلق الإله بنَانه للبحث عنصعب العلوم وكسب كل عديم
ولسانهُ للكف إلا مدمناًلتعلم أو مدمنَ التعليم
وجنانَهُ الماضي المنيرَ لفهم ماعنه قد أكدى فهمُ كل فهيم
وقصائدٍ ودّ العذارى جعلهاحَلْيا مكان اللؤلؤ المنظوم
يا راكباً بدنيهِ ساحة بابهِتقريب دامية الأظلّ رَسُوم
أبشرْ فقد يمَّمتَ من مَنْ ينحهيظفر بنيل مؤمّل ومروم
إن سائلاً يمّمت بحر مواهبٍأو جاهلاً يمّمت بحر علوم
أو مشتكٍ من ذي عداءٍ مَظْلِماًيمّمت رفع شكاية المظلوم
عَلِم المعارف والمعاني والمعالي من أب نَبِهٍ بهنَّ عليم
شيخ هدى من ضلّ عن سنَن الهدىحتى كسى الأنوار كل أثيم
عمَّ الأنام بهديه وأمدَّهمْكلاًّ بفيض من نداه عميم
وردت حياض نواله وعلومههِبمُ الورى فشفى غليلَ الهيم
في كفه رزق الأنام فكلهمساعٍ لموضع رزقه المقسوم
فترى البيوت أمامه مملوأةما بين نأوي رِحْلَة ومقيم
كُلاً بنسبة ما يحاول خصهمن قوت أفئدةٍ وقوتِ جسوم
لم يكفه الميْرُ الكثير لدى القرىكلاَّ ورِسْلُ الكوم نحر الكوم
فترى بساحته الدماَء وفرثَهاولَقي العظام جديدة ورميم
وترى القدور رواسياً وترى الجفان لوامعاً بحواضرِ المطعوم
من قاسه بالأكرمين فإنهفي الشأو قاس مجلياً بلطيم
بل قاس ملتطم البحار بنطفةٍوالروضَ غضاً ناضراً بهشيم
حدّث ولا حرج عن الشيخ الرضاأو دع إذا حدثت بالمعلوم
يا حبذا ذلك الكمال وحبذاجلساؤه من زائر وخديم
ولحبذا تلك القصيدة إنهاحَلِيَتْ بدر من حُلاه يتيم
نالت عظيم الحظ حين تعلقتبمنال حظ لا يُنال عظيم
قد أكملتْ خَلْقاً وخُلقاً وانتمتلأروم صدق فوق كل أروم
عُدمت نظائرها فواجد من لهاشبهٌ لعمرك واجد المعدوم
إن كنت قد أخرتها ذكراً فكممن آخر في رتبة التقديم
يا حائز الشرف الصميم ومنتهىأمل المريد وحيلَة المحروم
حُزّ ما ابتغيت من الكمال فأنت فيزمن بمثلك في الأنام عقيم
لازلت باقي الدهر سالك مهيعفي إثر والدك الكريم قويم
وبقيتما زمناً فكلٌّ منكماغوث المَضِيم وبرءُ كل سقيم
مني إليك تحيةٌ تزداد مابعث التشاجرَ من مشى بنميم
ونفى إساَءته بعتبى معتبوعلا بصون الحلم كل حليم
وعلى النبي من الإِله صلاتُهوسلامهُ في البدءِ والتتميم
ومن رقيق شعره قوله:
شَمِّرْ لعلَّ رَسِيمَ الأيْنُقِ الذُّلُلِمِنْ بعدِ عشرين بُدنى ساكني العُقُلِ
سِرْ مُدْمِناً عبْرَ أمواج الهجير وسِرْتَحْتَ الدُّجى ثالثَ البيداءِ والإبلِ
واعص العذول فمشتاقُ الأحبِة مَنْما أن يُميّزُ بين العذرِ والعَذّلِ
واصحبْ دليلاً من الشْوقِ المُبَرِّح أنمال القطا عن سبيلِ القصدِ لم يَملِ
واجعلْ مِهادَك بَطنَ الرحل من جملٍجون المؤخَّرِ أو وجناَء كالجملِ
رعَتْ من الروض في أكتاف دُومِسَما لم ترَع منُه بِجَنْبَيْ هضبة الوعِلِ
ومنها:
سهلٌ تجَشُّمِيَ البيداَء مُعْتَسفاًلو كنتُ من وصلِ من أهوى على أملِ
إني وإن حلت يا ذي عن مودّتناعما عهدتِ لَدَىَّ الدهرَ لم أحُلِ
سلى فؤاديَ عني هل سلوتكموالجفنَ بعدك هل ذقتُ المنامَ سَلى
بَورْد خدّكِ إلا ما وصلتِ أخابث ألم يأنِ بعد الهجرِ أن تَصلى
صلى أخا كلف كم بات من شغفٍإلى لقاك سمير النجم أو زُحَلِ
ومن رقيق غزله قوله:
بعد الهدوِّ يمين الضَّرْع أسْرَاليطَيفٌ أحَلَّ بِبالِي كلَّ بَلْبالِ
أسرى فنبهني وهنا بتِبرس مِنْبارَيْنَ طيف قَطُوفِ المشي مكسالِ
زارتْك عائشُ والجوازءُ جانِحةٌواللَّيْلُ مُلْتَفُّ أرْواقٍ وأذيالِ
زارت ومن دونها شُم الجبالِ وأوعَاثُ الرمالِ ولمَّاعٌ من الآلِ
وكلُّ مُغبَرَّةِ الأرجاءِ طامِسَة الأعْلاَم حفّتْ بأوجالٍ وأهوال
ومنها:
أما وكل خلوب اللحظ ساعِدُهاوالسَّاق غصَّا بدُمْلُوجٍ وخُلخال
لفي الفؤاد هوى مني لعائش لايَبْلى وكلُّ جديدٍ غيرهُ بالِ
مَلَّ المُعَاتِبُ فيه من معاتبتيفكفَّ عنى وملَّ العذلَ عذالي
وطالما سمتهُ كتما فنمَّ بهدمعي وأخبر عنهُ مخبرُ الحال
دَعْني إليها أجوب البيدَ ممتطياًبزلا تواصلُ إرْقالا لإِرْقالِ
أُدنى بها النازحَ النائي وأسبحهابحر الدُّجى وبحور الآل في الآل
وله أيضا:
أرْضَ العُقيلاتِ يا برقَ الحَيا وعَلىأحْيَائها لعيون الشائمين لُحِ
ولا تُرِقْ دونَها في الأرض مِلَء فَمٍمن سارِياتِ رَوايا ودقك الدُّلُحِ
حوْلَ المُلْيَحَة خيّمْ واغدونَّ ورُحْثمَّ اغدوَنَّ وَرُحْ ثمَّ اغدوَنْ ورُحِ
ولا تَزَلْ مُسْتطيراً مثلَ ما رَمَحتْبُلْقُ العوادي زهاها فادحُ المرحِ
حتى إذا عَمَّتِ السُّقْيا مسارحهافاسقِ المسارح من بارين واسترِحِ
ومن ظريف ما يحكى عنه، إنه كان مسافرا ومعه ناس من أهل الفضل، فنزلوا أمام بيت فيه عبيد لابن جيرفين، أحد من اشتهر في بلده. وكان ابن جيرفين المذكور، موجودا في تلك الليلة عند عبيده، فلم يسلم عليهم ولم يبعث إليهم بفراش ولا قرى، فاجتمعوا به من غد تلك الليلة، فأخبرهم إنه غداً يذهب إلى ابن أحمد بن عيدَّ أمير آدرار، فقالوا له: نريد منك أن توصل اليه هذا
المكتوب، فظن أن المكتوب فيه سلام على الأمير لا غير، فلما ناوله إياه أمر من يقرأه، فإذا فيه:
إنْ يمنع الله رزق العبد ينزلهضيفاً لدى نجل جَيْرِفِّينَ ذي البقر
أهدى إليه بنا عوز الكرام ومالاقَتْ نجائبُنا مِنْ شِدَّةِ السَّفر
لم يأتنا بفراش لا ولا بقرىّولم يُسلّمْ ولم يسألْ عن الخبر
فباتَ ملآنَ بطنٍ حولنا ولنامبيت موسى كليمِ الله والخضرِ
فلما قرئت الأبيات، ضحك الناس ممن يحمل هجو نفسه إلى أمير فهذه الصحيفة مثل صحيفة المتلمس، وكان لابن جيرفين هذا، ابن عم يملك الإبل، فلما سمع الأبيات قال: الحمد لله على أن لم يقل ذي الإبل. وقال أيضا يرحب بأحد أفاضل قبيلته قادما من الحج:
وافى الهمام فتاه الدهرُ وابتهجاوانْزَاحَ همُوم النفس وانفرجا
لم يأتِ دهر لعمري قبلَ حَجتهِبحجَّةٍ أشبهتْ أيَّامها حِجَجا
وافى فزاد به الرحمان شانِئَناكَرْباً وكان لنا من كربنا فرجا
وافى وقد شادَ من بنيان والدِهِوالعمِّ وانتهَجَ النَّهْج الذي ابتَهَجا
قومٌ شِعارُهُم قدماً ودَيْدَنُهمْفي اللهِ أن يبذلوا إلأرواح والمُهَجَا
قد وجَّهَ العِيسَ نحو البيتِ تمرح فيفِيح الفلا والخلايا تعبر اللُّججَا
تَقْتَادهُ همة قُصوى ويَجْذِبهُشوقٌ حَوى الصد منه لوعةً وشجَا
لم يثن همتهُ ظِلُّ البيوتِ ولابيضُ العوارض تجلو الظَلْمَ والفَلَجا
مضى مُذِيلاً لحرّ الشمسِ وجْنَتهُوللموامي إذا الليلُ البهيمُ دَجا
حَتى قضى ما انْطَوى في النفس من أربٍوتمّ ما قد رجا يا نعمَ ذاك رجا
فقرَّتِ العينُ إذا ألقى عصاه لدىحيث الإِلهُ يحطُّ الوِزرَ والحرجا
وطابتِ النفس منه حين فاحَ لهُمن طيبِ طيبة أذكى فائحٍ أرَجا
فنال من زوْرة الهادي وشيعَتهِما نال والصيد كلاّ في الفرَا انْدَرَجا
سقيا ورعيا لعيس بلَّغتهُ علىأين تشكته من أيدي النوى وَوجا
راحت سَوَاهِمَ عوجا بعدما رُحلتغلباً مباريَّة هوجَ الصبَّا هَوَجا
يا ضيعة النَّاجيات القود ليس لهاتحت العجاج بمغبرِّ الفجاج نجا
والحمدُ لله ربي إذ أتيحَ لهُمن ورْطةِ البحر والدَّاءِ العُضال نجا
لازال آخرُ آل الحبر أوَّلَهميقفوُ ولازال يعلو كعبهم دُرجا
ثم الصلاة على المختارِ ما دَلَجَ الرَّكبُ المُجدُّ إلى البطحاءِ وادَّلَجا
وله من قصيدة يرثى بها ولي الله سيدي مولود، قال اليعقوبي:
ما لراجي الخلود نيل خلودِأن وِرد المنون حتمُ الورود
إنما الموت عُرْضَةٌ ليس عنهُمن محيص كلا ولا من محيدِ
إنَّ ليل في جنبهِ لقصيرٌليلُ بنتِ الشريد بابن الشريد
ومنها:
غادروه تحت الصعيد دفينانِعم ذاك الدفين تحت الصعيد
وهي تقرب من قصيدة ابن مناذر، التي رثى بها عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي. ومن غزله:
رَدَّتْهُ بعد تمام الحلم والنَّبهِإحدى الجواري رهين الشوْق والولهِ
إنَّ امرأ سفَّهتهُ بعد كبرتهبنات عشر لمعذور على السَّفَهِ
كَمْ قائلٍ لي إلى كم لا تُرى أبداًمنَ نَوْمَةِ الحُبّ إلاّ غيرَ منْتَبِهِ
فقُلْتُ لا تعجبي مني فكم سلبتْحسناءُ قبليَ لُبَّ الحازم النبهِ
يمينَ حقٍّ بمرآها الملَيح ومابالباطل الحقُّ أن يسمع بمُشْتَبِه
إنْ الذي قد جنى ما كان من ولَهِيلَهى وإنّ شفا برحِ الغرام لهى
وقال في مدة إقامته بفاس حرسها الله، لما زار ضريح الشيخ سيدي أحمد التجاني ﵁.
أبدى الزمانُ من البشاشة والصَّفاسرًّا وأثبت منهما ما قد نفا
إن غاب قبل اليوم عنا سعدُهُفاليوم أسعدَ بالمرام وأسعفا
وقضى بعدل وهو قدما جائرٌووفى وعادته العدول عن الوَفا
وصفا لنا بعد الصدود وصالُهُبوصول قبر المصطفى ابن المصطفى
بالأحمديّ خليقةً وطريقةواسْماً ووسْماً واقتداءً واقْتِفا
الله يمنحه الكرامة كلماذكر المشايخ ما أشفَّ وأشرفا
إن رُمتَ حال مقامهِ ومقامهمفانظر لحال المقتفى والمُقتفى
منه استمدُّوا واستبدَّ بزائدٍفات المعارف كنهُهُ أن يُعْرَفا
قد خصَّهُ الهادي بأنفس تحفةٍولكم أبٍ خصَّ البَنِينَ وانْحفا
يا روضة شمخت بطوْدٍ شامخأنفاً وأكسبها علاه تأنُّفا
ومنها:
يدلي ببرح محبة قد طالمامنها تشوَّف للقاءِ تشوُّفا
وبخدمةٍ سلفت لوالده الذيلو سمتموهُ البيع لن يستنكفا
وهذا ما تذكرت الآن من شعره، وديوانه مجلد ضخم، ﵀ رحمة واسعة، وكان حيا بعد الخمسين والمائتين والألف.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع