من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
ابن رازكه
بكاف معقودة وهي أمه، ويعرف أبوه بمحم وجده بالغاظي (بالظاء والغين المعجمتين تصحيف القاضي) ويعرف أيضا بقاضي البراكنة العالم النحرير، المقدَّم على أهل قطره من غير نكير. كل عن مداه كل جواد، يعترف بذلك الحاضر والباد، وانتشر صيته في تلك الصحارى والأقطار، حتى صار كالشمس في رابعة النهار، وضُرب بفهمه المثل. واستوى في معرفته السهل والجبل.
وكان مولده في أرض القبلة، ثم نشأ بها إلى أن ترعرع، فطمحت نفسه إلى العلوم، فاشتغل بها حتى تضلع. وكان ذلك على طريق خرق العادة، إذ مدة طلبه لما نال ليست معتادة. ثم جعل يرجع إلى بلدة تارة والى مسقط رأسه أخرى. ثم طمحت نفسه إلى الأعتاب السلطانية. وكان ذلك في إقبال الدولة العلوية. فاتصل بأمير المؤمنين مولاي إسماعيل ﵀، فحظي عنده. وكان ذلك وقت نبوغ المولى محمد بن مولاي إسماعيل المعروف بالعالم، الذي اشتهر علمُه وفضله فكان من خاصته. وكان يكرمه بما لم يقصر عما يذكر من إكرام الرشيد وأضرابه لمن توجهوا إليه، فكان يفد إليه ثم يرجع إلى بلاده، فإذا تذكر تلك الشمائل العالمية، والأيادي الحاتمية. تتصاغر عنده الصحراء وأهلها، ثم يرجع إلى الحضرة السلطانية. وكان له صديق من الترأرزه، اسمه أعل شنذوره، جد محمد لحبيب الأمير المشهور. وكان تضطهده أبناء رزك، لشوكتهم في ذلك العصر، فأخذه مرة وتوجه به إلى مكناسة الزيتون حرسها الله، ولما قدماها ونزلا عند المولى إسماعيل أكرمهما، وقال سيدي محمد العالم يرحب بهما:
مكناسة الزيتون فخراً أصبحتتزهو وترفلُ في ملاءِ أخضرِ
فرَحاً بعبدِ الله نجل محمدٍقاضي القضاة ومن ذؤابة مغفرِ
ثم ذكرا للسلطان صولة أبناء رزك في أرض القبلة، فأمدهما بمحلة كبيرة وأمر عليها أعل شنذوره، فسار بها إلى أن وصل أرض القبلة، فأباد أبناء رزك ولم يبق إلا مواليهم من ذلك الوقت.
ولم يزل سيدي عبد الله يعود إلى ارض المغرب مرة بعد مرة، إلى أن ثار المولى محمد صاحبه بأرض السوس على أخيه، وله فيه قصيدتان جيدتان سأورد ما تذكرت منهما.
وكان عبد الله المذكور متفننا في فنون شتى. منها: النحو. والعربية. والبيان. والمنطق. والفقه. والهندسة. والرياضة. والتربيع وغير ذلك، ولم نر من أخذ عليه شيئا إلا ما قيل عن بعضهم، إنه غلطه في فائيته حيث يقول:
قفوت بها الشاميّ في الفاءِ موقناًبأني وإن دون إدراكه ضعفا
قال: لأن الذي تقدمه في هذا الروي واقتفاه، هو ابن هانئ الأندلسي وهو مغربي، فكيف يقول إنه شاميّ، وهذا غير صحيح، لأن الشامي الذي يعني، هو أبو الحسن علي بن أحمد الشامي المغربي، وإنما لقب أبو الحسن هذا بالشامي، لان جده قدم من الشام على حضرة فاس حرسها الله، فاشتهرت بنوه بالنسبة إلى الشام. وأبو الحسن هذا، مات بعد الثلاثين والألف، ويدل عليه أن فائية عبد الله المذكورة في مدح نعال النبي ﷺ، كما أن قصيدة أبي الحسن الشامي كذلك. أما فائية ابن هانئ المعروف بمتنبي، المغرب فإنه مدح بها جعفر بن عليّ صاحب الزاب. قالوا وأخذ عليه أيضا قوله:
ترى عَين الفتى جناتِ عَدْنٍوتُصلى قلبهُ نار الجحيم
لأن هذا البيت هو بيت المتنبي:
حَشايَ على جمرٍ ذكيّ من الغضىوعَينايَ في روضٍ من الحسن ترتع
وهذا غير صحيح، لان قوله جنات عدن، أبلغ من روض من الحسن، ولأن نار الجحيم أحر من جمر الغضى، فاستحق هذا المعنى بما زاد فيه. قالوا وأخذ عليه أيضا قوله - وكان: يقرأ بين يدي المولى إسماعيل أو ابنه مولاي محمد العالم - فقال: الوخيذ بالذال المعجمة، فأرجعه السلطان أو ابنه. فقال: إنه بالذال المعجمة وبالمهملة، فطلب منه شاهدا على ذلك فارتجل:
أقولُ لصاحبي لما ارتحلناوأسرَعنا النجائبَ في الوخيذِ
تمتّع من لذيذ كلام حورافما بعدَ العشيةِ من لذيذِ
وهذا مغالطة منه، والجواب عن هذا أن ذلك يغتفر كما وقع لأبي العباس المبرد فإنه ورد الدينور زائرا لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل عليه وقضى سلامه. قال له عيسى: أيها الشيخ! ما الشاة المجثمة التي نهى النبي ﷺ عن أكل لحمها. فقال: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة. فقال: هل من شاهد؟ قال نعم، قول الراجز:
لم يبق من آل الحميد نسمهإلا عنيز لجبة مجثمه
فإذا الحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدينوري، فلما دخل عليه قال: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهينا عن أكل لحمها؟ فقال: هي التي جثمت على ركبها، وذبحت من خلف قفاها، فقال: كيف تقول ذلك، وهذا شيخ أهل العراق يقول: هي مثل اللجبة، وأنشده الشعر. فقال أبو حنيفة: إيمان البيعة تلزم أبا حنيفة أن كان هذا التفسير سمعه هذا الشيخ أو قرأه، وإن كان هذا الشعر إلا لساعته، هذه فقال أبو العباس: صدق الشيخ، فإنني أنفت أن أرد عليك من العراق، وذكرى ما قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه، فاستحسن منه هذا الاعتذار. ولعمري أن بيتيه أحسن من بيت أبي العباس عند المنصف.
ولنبدأ بقصيدته التي مدح بها نعله ﷺ وهي:
غرام سقى قلبي مدامته صرفاولمّا يقمٍ للعذل عدلا ولا صرفا
قضي فيه قاضي الحب بالهجر مذ غدىمريضاً بداءِ لا يطبُّ ولا يُشفى
نهاريَ نهرٌ بين جَفنيَ والكرىوليلىَ بحرٌ مرسَلٌ دونهُ سَجفا
جريحُ سهام الحب عاث به الهوىفأبدى الذي أبدا وأخفى الذي أخفى
توطّنتِ الأشواقُ سوْداَء قلبهُفترفعهُ ظرْفاً وتخفضهُ ظرْفا
يحاولُ سلواني الأحبة عُذَّلىوهل يجد السلوان مَنْ يفقد الإلفا
سهرنا فناموا ثم عابوا جفوننالقد صدقونا المُرهُ لا تشبه الوُطْفا
فحسبُ المحبّ الصادقِ الودّ قلبهُجفاء بشكواهُ مرارة ما يخفى
وما ضرّ أوصالَ المحبّ مقوّتاًرجاء وصال الحب إسناتُها عجفا
لئن فاتنا عين الحبيب فإنمابآثاره الحسنى اكتفاء من استكفى
فإن لم تر النعل الشريفة فانخفضلتمثالها واعكف على لثمها عكفا
وقف رائماً إشمام ريا عبيرهاحشاشة نفس ودّعت جسمها وقفا
ولا ترض في تقبيل إلف تحبهُإذا أمكن التقبيل ألفاً ولا ضعفا
بدت روضة مسكية النشر أوشكتلطيب شذاها العين أن تحسد الأنفا
أيمكن رس ضمه الفم دونهاأيملك جفن غضه دونها الطرفا
ترد الردى المخشىّ وشْكُ بلائهولولا قضاءٌ سابقٌ ردّت الحتفا
وتجلب في سوق التكسب طرْفةًوتجنب في مضمارِ نيل العلى طرْفا
ورمحاً ردينياً وسهماً مفوَّقاًوسيفاً سريجياً وسابغة زَغْفا
فشمِّر وأظهرْ كل شرّ تضمهُوإياك والإضمارَ في الشرح والحذفا
وحكم لها من هنَّ بالفصلِ حُكَّمثلاثتهن الشرع والعقل والعرفا
مضى سلف في خدمة النعل صالحفكن خَلَفاً فيما تعاطوه لا خَلْفا
رأوا تلك في الدنيا الدنية قربةإلى الله في الأخرى مقربةً زلْفى
أرى الشعراء الهائمين تشببوابذكر المحاكي من يحبونه وصفا
يُذيعون ذكر البان والحقف ذي النقيويطرون ذات الخشف بالقول والخشفا
فها أنا في تمثال نعليك سيديمضيت على التحقيق في الوصف كالأشفا
وإني وتوصافي بديع حلاهماكمن همَّ بالبحرين يفنيهما غرفا
موازي ترابَ النعل بالتبر سائمٌجبال شروري السمَّ أن تزن الزفا
أيا من سَقَتْ ألفاً ظماء بنانهُكما وهبت ألفاً كما هزمت ألفا
يد سميت في فادح الفقر راحةكما سميت في كفها للعدى كفا
ومن قام في الإسراء والحشرِ خلَفهنبيؤ إله الحق كلهم صفا
نبي وقانا صرفيِ الدهر يمنهفها نحن لا أزلا نخاف ولا عنفا
له مكنة في علم كل خبيئةيقيناً ولم يخطط على مُهْرَقٍ حرفا
تناهي إليه علم ما كان أودعتبنات لبيدٍ بيرَ ذروان والجفا
وما في ذراع الشاة مما تعمدتيهود ولكن ما أعفّ وما أعفا
وما ملكوت العرش عنه مغيباًيعاينه والعين نائمة كشفا
يجوز عليه النوم شرعا وما سهىله قلبه اليقظان قط وما أغفا
وما أرضة البيت الحرام تعقبتكتاب قريش إذ نفت كل ما ينفي
لمولدك الميمون آيٌ شهيرةٌشفت غُلَّةَ الراوين من قولها الشفا
وفيما رأت عينا حليمة مذ رأتتبنيك هو إلا حظي شفاء من استشفى
ولو لم يجبك البدر لما دعوتهُلما شئت لم ينفكُّ نصفين أو نصفا
ولم تك أمّ المؤمنين وإن سختلتفنى لولا كيلها ما على الرفا
إلى معجزات أنجم الجوِّ دونهانُمُوًّا وحُسناً وارتفاعاً ومُصْطَفا
فلا الدهرُ يحصيهنَّ عدًّا ولو غدتمداداُ لياليه وأيامه صُحْفا
بك الله نادى عالم العقل باليًافأغواهُم عدلا ووفقهم لطفا
تأثل منك النجم كيفية الهدىوشمس الضحى الإشراق والعنبر العرقا
ورشدك ما أبداه فانكشف العمىووجهك ما أبهى وقلبك ما أصفا
ونوَّرت أضغان العدوّ موالياًعليهم هدى الآيات يشرقن والزحفا
ولي فيك عيم ما أن العين ثرةحكتها ولا هامى الحيا مثلها وكفا
وخد كما تحت المحيط من الثرىفآليته لاجف إلا إذا جفا
وفكرة حيران الحجا قذفت بهنَوًى شُطُرٌ من حيث لم يحتسب قذفا
وقلب تولى الحب تصوير شكلهصنوبرة ثم استبد به حلفا
فكان سواء عذبه وعذابهعليه فما استعفاه قط ولا أعفا
وشعر بديع لو حوى الفتح شينهتمنت عذارى الحيّ وارده الوحفا
فإن لم يكن حق النبيّ فزخرفإذا زلزلت للحشر ألفيته كهفا
قفوت بها الشاميّ في الفاءِ موقناًبأدنى وإن دون إدراكه ضعفا
أنا التابع النعّات فيك مؤكداًبيانهمُ أرجو به عندك العطفا
تخذتك كهفاً دون ما أنا خائفٌفلم أخش في أعقاب حادثة لهفا
فرشني ومن راشت يداك جناحهيكن آمناً ما عاش من دهره النتفا
وأطلق سراحي من ذنوب عظيمةتعاظمني إبثاقها ليتني أكفى
عيك صلاة الله جمعاء كلهاوتسليمه ما طاش عقلٌ وما ألفى
وآلك والصحب للذين علاهُمأقلتهمُ أرضاً أظلتهمُ سقفا
وهذه قصيدة علي بن أحمد الشامي المغربي التي تقدمت الإشارة إليها:
دعوا شفة المشتاق من سقمها تشفىوترشف من اسآر ترب الهدى رشفا
وتلثم تمثالا لنعل كريمةٍبها الدهر يستسقى الغمام ويستشفى
ولا تصرفوها عن هواها وسؤْلهابعدلكم فالعدل يمنعها الصرفا
ولا تعتبوها فالعتاب يزيدهاهياماً ويسقيها مدام الهوى صرفا
جفتها بكتم الدمع بخلا جفونهافمن لامها في اللثم فهو لها أجفى
لئن حجبت بالبعد عنهم فهذهمكارمهم لم تبق ستراً ولا سجفا
وإن كان ذاك الحيف ملفى وصالهمفها نفحة الإفضال قربت الملفى
فحركت الأشواق منا لروضةأباح لنا الإسعاد من زهرها قطفا
زماناً به موصولنا نال عائداًوأكد نعت الوصل من نحوهم عطفا
تولى كمثل الطيف أن زارفى الكرىوإلا كمثل البرق أن سارع الخطفا
ومنها:
كأنا وما كنا نحوب منازلايود بها المشتاق لو راهق الحتفا
ولم تبصر الأبصار منها محاسناولم تسمع الآذان من ذكرها هتفا
كذاك الليالي لم تحل عن طباعهامتى واصلت يوما تصل قطعها ألفا
فلا عيش لي أرجوه من بعد بعدهموهيهات يرجو العيش من فارق الإلفا
ومنها:
أيا من نأت عنه ديارُ أحبةٍفمن بعدهم مثلى على الهلك قد أشفى
لئن فاتنا وصل بمنزل خيفهمفها نفحة من عرفهم للحشا أشفى
وهاذيك أنفاس الرياض تنفستبرياهُم فاستشفينَّ بها تشفى
وقل للأولى هاموا اشتياقاً لبابهمهلموا لعرف البان نستنشق العرفا
فصفحة هذا الطرس أبدت نعالهموصارت له ظرفاً فيا حسنه ظرفاً
تعالوا نغالى في مديح علائهافرُب غلوٍ لم يعب ربه عُرفا
ولله قوم في هوانا تنافسواوقد غرفوا من بحر أمداحها غرفا
وإنا وإن كنا على الكل لم نطقنحاول بعض البعض من بعض ما يلفى
لئن قبلوا ألفاً نزد نحن بعدهمعلى الألف ما يستغرق الفرد والألفا
وإن وصفوا واستغرقوا الوصف حسبنانجيل بروض الحسن من وصفهم طرفا
ونقبس من آثارهم قدر وسعناونركض في مضمار آثارهم طِرْفا
ومن مديحها في سيد البشر، الشافع المشفع في المحشر، ﷺ:
أُناديك يا خير البرية كلهانداء عبيد يرتجى العفو واللطفا
وأين محق في هوى حبك الذييفل جيوش الهم أن أقبلت زحفاً
وما أنا فيه بالذي قال هازلاأليلتنا إذ أرسلت وارداً وحفاً
وأشار بهذا إلى قصيدة ابن هانئ الاندلسي، التي تقدمت الإشارة اليها ومطلعها:
أليلتنا إذ أرسلت وارداً وحفاًوبتنا نرى الجوزاَء في أذنها شنفاً
وهي مشهورة فلا نطيل بذكرها، وإنما الغرض تبرئة المترجم من الغلط.
وقال أيضا ملغزاً في قوله تعالى (ثم استخرجها من وعاء أخيه) ويخاطب علماء فاس عموما، ويخص العلامة ابن زكري:
شيوخ البيان الذائقين حلاوةمن العلم لم تطعم لغير ذويه
سلام من الله السلام ورحمةيعمانكم من خامل ونويهِ
سؤال غريب دون شنجيط أرضهمن البعد تيه يتصلن بتيه
إذا شبَّه الهادي بها وجه مرشدتشابه في عينيه وجه مُتِيهِ
قِراهُ لديكم أهْل فاس جوابهُبنص بيان في البيان وجيهِ
سما بكمُ علم البيان وحقهإذا ما هوى ظن بمختلجيهِ
أسائلكم ما سر إظهار ربناتبارك مجداً من وعاءِ أخيهِ
فلم يأت عنه منه أو من وعائهلأمر دقيق جلّ ثم يخيهِ
فإن تك أسرار المعاني خفيةفمرآتها أفكار كل نبيهِ
وأنت ابنَ زكريّ نبيهٌ محققتفرَّدْتَ في الدنيا بغير شبيهِ
إذا غصت في بحث حصلت بدرهوخليت عن سفسافِه ورديهِ
يمدك في إتقان علم تبثهقياس أصوليّ ونص فقيهِ
وقاك الذي أبداك كالنجم يتقىبه الغيَّ من يبغي الهدى ويعيه
وقد أجاب هذا اللغز، محمد بن سعيد اليدالي الديماني، بقصيدة طويلة. قال في الذهب اقتصرنا منها على محل الفائدة وهو:
سؤال بليغ في البيان نبيهأديب من أرباب الهدى وذويهِ
عليه مدار العصر في العلم سيماعلوم المعاني وهو قطب رحيه
سبوق لدى قيد الشوارد راكبمن الفهم متنيئ لاحق ووجيه
عن السرّ في إتيان ربي بظاهرٍمكان ضمير في وعاء أخيهِ
معَمًّى قد أعيا أهل فاس وغيرهمفكنا بحمد الله مفتتحيهِ
وكلَّفني نصحُ البرية فكّهُفأعْظِمْ بما قد كان كلفنيهِ
فقلب وبالله الصَّوَابُ مجاوباًله بقياسِ في الأصول وجيه
ولكنه صعْبُ المدارك معْسِرٌعلى ضُعفَاءِ الفهم مُنْتَقَصَيه
فهذا بحمد الله إيضاح لُغْزِهِمساوٍ له في بحره ورويهِ
فلو قال فرضاً ربنا من وعائهفذالكم بعد التفكرِ فيهِ
يؤدي إلى عود الضميرِ ليوسفٍفيفسد معناه لمختبريه
لأنّ الضميرَ في الصناعة عائدلأقرب مذكور هناك يليه
وإن قال منه اختل أيضاً لأنهيؤدي لعود مضمر لأخيه
فتنزع منه الصاع لا من وعائهوتأنف من ذا نفس كل نزيه
لما في انتزاع من أذىً ومهانةٍولم يرد الرحمن من ذا بنبيهِ
ونص على هذا السيوطي فهاكهبوجه بياني ونص فقيه
ويعرف هذا الذائقون حلاوة المعاني ومن يدري الهدى ويعيه
وفي فضلك اجمع شملنا ربنا كمافعلت بيعقوب النبي وبنيهِ
وصل على الهادي وسلم وآلهوأصحابه طرًّا ومتبعيه
وقائل هذا ابن السعيد محمدمحبُّ النبيَّ المصطفى وسميه
وله أيضا يشكو حال بعض علماء وقته:
سقى دمن الحي الحيا المتفائضوفي وجهه برقٌ من البشرِ وامض
يَصُبُّ عليهنّ المياهَ كأنهلما دنّس العصران منهن راحض
معاهد أرآم الأنيس فأصبحتوفيها لأرآم الفضاء مرابض
رياض لوى بيض العمائم حزنهاكما قمِّصَت خضر الملاء الربائض
تذكرنا هاتى بتلك تشابهاًيبين فيخفيه الشوى والمآبض
فتلك التي يغذو صناب وناطفوهاتى التي يغذو كباث وبارض
أثار الدكارُ العنبرية حبهاففاض على الأحشاء والصبر غائض
وليل قضينا فيه للأنس حقهُفتمت بما نهوى الأماني الغوائض
تدوِّم غربان الدجى فتردهاإلى الجوحيات الشماع النضائض
زمان توانى في المصالح أهلهوكلهم نحو المفاسد راكض
يقولون خير الدين والعلم سعيهموسعيهمُ للدين والعلم هائض
عجزت فأظهرت القبول كتابععجوزا يصلى خلفها وهي حائض
فلو كنت أرجو الودَّ منهم تواخياًوما منهمُ إلا عدُوٌ مباغِضُ
لكنت كراج للنوافل حفظهالدى مَنْ مضاعاتٌ لديه الفرائض
وراج لداءٍ طب من هو مشكلعليه مريض الماءِ والمتمارض
كما خض ماء الشنّ جرَّا إتائهومُطّلب عنّاهُ أبلق ماخض
إلى كم وهذا الجور يبرم حكمهُولم يتعقبه من العدل ناقض
ولم يبق إلا مغمض متباصريخاف أذاه مبصر متغامض
يروح جراب الباطل الفعم جهدهوما في جراب الحق إلا نفائض
على صورة الإنسان غطيت صورة الحمارِ وغطتها الثيابُ الفضافض
سأعصى عذولي في السُّرى وهو ناصحوأغتشه في نصحه وهو ماحض
وتطوى عواصى القفر عيسى بأذرعطوال التمشي بالخضم النضائض
إلى حيث صيرُ الشرع لا نهج ظاهرولا باطل من حكمه متناقض
ومن عد للجُلّى وحملان عِبْئِهاتأَرَّضَ عنه المُسْتَطيلُ الجُرائض
إذا ما اللحى لم تَسْعَ في النفع أهلهالأهليهمُ فلتسع فيها المقارِضُ
ولىّ حفيّ بالمريد فعذقهبجنته والداء أدوءُ نابض
يرجيه عند البسط والله باسطويخفيه عند القبض والله قابض
وقال أيضا يمدح أبناء أحمد من دامان في أول القصيدة، ثم عاد إلى الغزل، ثم استأنف مدح العلامة محمد كريم الديماني الفاضلي، مجيباً له عن قصيدة مدحه بها لم تحضرني:
تخافقت البروق على الغميمشفاؤك يا مقيلة أن تشيم
مخيّم جيرة شُمّ كرامطهارى أوجهٍ بيض وخيم
أعزاءُ القنا حيٌّ لَقاحٌيرون الموت في عيش المضيم
مُسِيموا الغضْيَبات بكل أرضٍحَماما الخوْفُ غاشيةَ المسيم
فوارس يركضون بنات عوجأتوا وأتين بالعجب الجسيم
حقيقة أن جنس الليث يعدوإلى الهيجا على جنس الظليم
بُناتُ الرَّيط في الفلوات يبدوعلى الأميال كالرمل العظيم
خيام الناسِ لكن كل سجفيزاوج بين قسورة وريم
سقاةُ الضّيفِ ألبان المهارىومن عادوه بالآن الحميم
ففي أسيافهم حنف الأعاديوفي راحاتهم كسب العديم
نأوا بخريدة غيداَء رأدٍونيم للغواني أيُّ نيم
طَوتْ كشحِي على جمرٍ تلظىغضى طيانةُ الكشح الهضيم
أثيثَةُ وحْفِها الحاكي اسوداداًوطولا ليل عاشقها السليم
يصول إلى مُخلخلها هُوِيًّالينقذه من الحِجْلِ الفصيم
ترى عين الفتى جناتِ عدنوتُصلى قلبه نار الجحيم
قواطع في حشا المصغي إليهامقاطع درّ منطقها الرخيم
وتسرى في حُشاشته فيحيىحميا الكأس في قلب النديم
أقرَّ الحُسْنُ ملكا في يديهاوتيرةَ ذي الأناة المستديم
أردتُ وصالها طمعاً فهِمنابأودية الغرام المستهيم
وحالت دُونَ رُقباها خيالاعوارضُ من عذاب هوىً أليم
مُبينةُ خُلْفِ عُرقوب وحقٌّلديها واجبٌ مَطْلُ الغريم
ثنا القرطان أذنيها وأصغاهما الشنفان للواشي النميم
لرِدْفيها وخصْرَيها اختلافرجاجةُ مقعدٍ وضوًى مقيم
وأنوارُ الدَّرَاري والزهاويتلاشت في محياها الوسيم
رَدَاحٌ فَعْمَةُ اللاذي اليمانيروى ماَء الشبيبة والنعيم
وما أدرى أعارت أم أعيرتمحاجرها بنات مها الصريم
أألبسها الكمالَ كما اكتساهُمحمدٌ الكريم بن الكريم
إمامٌ بلغت يده المعاليمحلاً لم تَرُمْهُ يَدا أريم
كأنْ قد خُوطبت فيه استقرىلديه كيف شاَء ولا تريم
يدافع عن حقائق كل مجدٍمدافعة الغيور عن الحريم
لآل الفاضل الفضلاءِ أيدشددن على عُرى المجد الصميم
كُسُوا حُلَلَ التقى الضُّفْيا وأعطوا تمام الخُلق والخَلق التميمي
هم الأمثال في الآفاق سارتمسير الشمس بالضوء العميم
لشرحِهمُ خبايا كل فنجهلنا ما البليد من الفهيم
فما نخشى الضلال وهم نجومٌترينا الهدْى في الليل البهيم
أئمة حِزْبِ أحمد ما نعيهممكايد حزب إبليس الرجيم
سعت في الخدمة الدنيا عليهموهم في خدمة الدين القويم
ثِمالُ الناسِ في اللأواء يسلىبهم فقدان كلّ أب رحيم
جميلٌ ليس معزواً إليهمبلا حاءِ ولا دال وميم
بيانُ محمدٍ صبحٌ منيرٌفأفحم كل ذي جَدَلٍ خصيم
مُجَلَّي حلْبة الأدب المسمىمسابقة المبرز باللطيم
أبو الطلاّب لا ينفك منهمحنانَ الأمِّ بالطفل الفطيم
أقول لحاسدٍ رام اعتسافاًيسابقه ركبت على مليم
تيقظ من كرى حسد مخلٍّشبعت به من البنج المنيم
فأمَّ كوالديك بوالديهبه أمُّ الصراط المستقيم
عسيرٌ ما تعالجه فأولىعلاجك داَء خاطرك السقيم
فما ساع إلى مجد بجدٍكمتكل على عظم رميم
أترضى ويح أمك ما يؤدِّيإلى تعقيب أقضية الحكيم
زَعمنك بيننا ملكا مُطاعاًلِيهنئكَ الخُرَاجُ بغير جيم
ظنناك الزعيم وما صدفْناوفزنا منه بالرجل الزعيم
شفى السُّؤَّال إلا حاسديهوهل يشفى الزلال غليلَ هيم
أسيدىَ العزيز علىَّ قدراًرضيتُ له بمسكنة الخديم
أخلت فتاك محظوظاً بعلمفخفتَ عليه تعلاك الشكيم
أفادك محض وُدِّك فيه ظنَّاجميلا صنع ذي قلب سليم
فَلِمْ ولديك روض العلم غضًّارعاك الله تُعنى بالهشيم
وكائنْ حزت من مرعىَ مريئٍفأيَّةُ حاجةٍ لك بالوخيم
وشرٌّ إصابة الدنيا كريماإذا ما أحوجته إلى لئيم
ينال ابن الكريمة شَرُّ خطبولا يرضى التخلص بالذميم
أجلْ درجات أهل العلم شتىتناهيها إلى الله العليم
لأمرٍ في ازدياد العلم سارتإلى الخضر العزيمة بالكليم
عدمنا قبل شعرك كون شعرقوافيه من الدرّ اليتيم
جواب عنه جهد أخ مقلجزاء الترب عن تبر فخيم
ترى العينان في رشّات مسكلأول وهلة شبه الوَنيم
فتفصل مِسْك تُبّتَ دون لَبْسٍمن الحتيتِ جارِحَةُ الشميم
وما العرّارُ كالرئبال بطشاًوإن حاكاه في رجع النئيم
إليك فأغض جحمرشٌ عجوزتقص معالم الزمن القديم
لها في اللهو ضرب بعد ضربعلى آذان أصحاب الرقيم
فتاة حين جُرهم استعاذواوطافوا بالمقام وبالحطيم
وإذ بكرت على طَسْم جديسٌوإذ خربت ديار بني أمِيمِ
وإذ صَليت تميم نار عمرومُضيِف البُرْجُمي إلى تميم
هدية عبدك البادي المساويفغطَّ مساويَ العبد الجريم
خدمتُ مقامك الأعلا امتداحاًأتيت به على نمط عقيم
لشعري منهُ عزاً وارتفاعاًنصيب السلك من شرَفِ النظيم
ودادك في مشيج دمي ولحميوفي عظمي وفي ضاحي أديم
صلاة الله أزكى ما يحيىِّزُجاجةَ ذلك الوجهِ الوسيم
مطايا الشوق في قلب المعنىإليك الدهرَ عاملةُ الرسيم
وفضَّ تحيتيك ختامُ مسكيُذيع أريجَه طيب النسيم
وقال أيضا يرثي أعمر آكجيل (بكاف معقودة) ابن هد التروزي:
هو الموت عضب لا تخون مضاربهوحوض زعاف كل من عاش شاربهْ
وما الناس إلا واردوه فسابقٌإليه ومسبوق تخِبُّ نجائبهْ
يحبُّ الفتى إدراك ما هو راغبٌويدركه لابد ما هو راهبهْ
فكم لابس ثوب الحياة فجاَءهعلى فَجْأَةٍ عادٍ من الموت سالبهْ
ولم يقه فرعونَ عونٌ أعدهولا مُرْدُ نَمْرُودٍ حمت وأشائبهْ
وهل كان أبقى بُخْتَنَصَّر بَخْتُهوأنصاره لمَّا تحدّاه واجبهْ
فما صان حبراً علمه وكتابهولا ملكا أعلامه وكتائبُهْ
ولسنا نسب الدهر فيما يصيبنافلا الدهرُ جاليه ولا هو جالِبُهْ
مضى مشرق الأيام حتى إذا انقضتْليالي أبي حفص تولت غياهِبُه
نقيبٌ نسينا كل شيءٍ لرزئهِتُذكرناه كلَّ أن مناقِبُه
أناعيَه أرسلت عزلاء مهجتيفهادَمها حملاق جفنىَ ساكُبهْ
طوى نعيه وعيى فها أنا غائبعن الحسّ فيه ذاهل العقل ذاهبه
تمكن من نفسي بنفس سماعهجوىً فيه كُلّى ذاب قلبي وقالَبُه
فلاقيته لقيا شج متعلّلٍبصدق الأماني والأماني كواذبه
عزاء حيٍّ عمه الشجو لا ينيتساوره حياتُه وعقاربُه
أعاتبه فيما أقام ولم يقمعلى حجة المعذور فيما أعاتبهْ
أهاذي السحاب الغر وهي مُلثَّةٌبواكيه أم تلك الرعود نواديه
تضعضعتِ الدنيا فسلمى رأيتهلفقد ابن هَدِّ هُدَّ بالهم جانبه
فلا حَيَّ إلا وهو أصبح مأتماًتداوله أشياخه وكواعبه
فقد صح موت المكرمات بموتهوصرح ناعيه ولوَّح ناعبه
إلى أين منْ أيامه العيد كلهامآكله مصفوفة ومواكبه
دعاه السميع المستجاب وطالمادعي الأجفلي والعام أشهب آدبه
ألازمه المكتوب أن حل رأبناولكن نظام العالم انحل كاتبه
وما مثل الدنيا وراء خصالهبشيءٍ سوى ليل تهاوت كواكبه
فيا طِرفه ما كنت كالخيل لا أرىسواكَ غداة الهيعة البدُّ راكبه
هو السيد الممتد في الناس ذكرهوفي البُؤْس كفاه وفي البأس قاضبه
يلاين مرتاضاً أريباً وينبريهزبراً أبا أجرٍ على من يغاضبه
فتىً يهب الآلاف عفواً وتنكفيمخافته الآلاف حين تحاربه
تنوع فيه الناس بوع فكلهمإلى كل جنس كامل الوصف ناسبه
فللأبحر الراوون أخبار جودهوللقمر الراؤون كيف مناصِبُهْ
وللأسُد الواعون شدة بأسهوما دافعت في كل هيجا مَناكِبُهْ
مذاهب من يولى الجزيل ويقتنىبه الوفرَ مَنْ أعيت عليه مذاهبه
يجد فيفنى من يناوي مهابَةًويجدي ويفني من يوالي مواهبه
علانية يأتمه الجم وارداًفيضربه أو مارداً فيضاربه
يناجى بما في نفس عافيه قلبهفيتحفه ما فيه نيطت مآربه
أبا فَضْلُهُ الحذّاقَ أن يحذقوا بهفلا اليد تحصيه ولا الفم حاسبه
فلم يغنه المجد الذي هو حائزتراثاً عن المجد الذي هو كاسبه
علا حزمه من طبعه متعقبيباعده الأمر الملوم مقاربه
فما سَدُّه مستأنساً ما يريبهمحاكيه السد الذي شادَ ماربه
معاطفه ما ضقن ذرعا بحادثجليل وإن كانت تخاف مَعَاطبه
إمامُ نديً في جامع المجدِ راتبٌتحيل القضايا أن تنال مراتبه
منّور مرآت الفؤادِ مَوفّقٌتراءى له من كل أمر عواقبه
تفرِّق ما يكفي البرِيَّة كفُهوتجمع من فوق التراب ترائبه
نسوجٌ على منوال ما كان ناسجاًعلى ذكره من عهد يحيى عناكبه
على يده الطولى تقمَّصت مِطرفامن العز والإثراء ها أنا ساحبه
أيجتمع البحران إلا إذا رساسفينٌ مدنّات إليه قواربه
يحكمه ربَّاته في نفيسهاويدعوه فيما يصطفى فيجاوبه
فيصدر ركبا بعد ركب ثقيلةبما وهبت تلك اليمين ركائبه
فنبصره عذبا فراتا غطمطمايذِلُّ له حقو الاجاج وغاربه
تزاحم في بث الجميل تسابقاًإلى شكره أفواهه وحقائِبُهْ
إلى بابه في كل تيهاَء منهجيؤدي إليه طالبَ العرف لاحبُهْ
عجبتُ لأيدٍ كيف وارت بمضجعغمام أيادٍ يوعبُ الأرض صائِبُهْ
سقى الله قبراً ضمُه وبلَ رحمةٍمن الرَّوح والرَّيحان تهمى سحائبه
وأوفض في وحش التراب بروحهِإلى حيث أترابُ الجنانِ تلاعبه
فصاحب علىَّ الصبرَ فيه وآخِهفمحمودة عقبي من الصبر صاحبه
فما حان حتى بان منك سميذعيجاريه في ميدانه ويجاذبه
هو الفاعل الخيرات قدِّر حتفهفثق بوجوب الرفع إنك نائبه
تبارَيتما بدرين في أفُقِ العُلاوقد سُرَّ باديه وأحْزَنَ غائبه
وما قلدوك الأمر إلا تيقناًلإدراكك الأمر الذي أنت طالبه
فقم راشداً واقصد عدوَّك واثقاًبفتحكه إذ همُّ خوفك ناصبه
فيؤيدكَ الله الذي هو باسطيديك فمغلوب به من تغالبه
فلا يَثْنِكَ الحساد عما تشاؤهفلن يمنع الحساد ما الله واهبه
فأموالهم ما أنت بالسَّيْنِ واهبٌوأعمارهم ما أنت بالسيف ناهبه
كما لك يا إنسان عين زمانهتكنفه حفظ من الله حاجبه
وقال أيضا يرثي العلامة أحمد بن يوسف البوحسني:
هو الأجل الموقوت لا يتخلّفُوليس يرد الفائتَ المتأسِفُّ
رضينا قضاء الله ﷻوإن ضَلَّ فيه الجاهلُ المتعَسِفُّ
هو الحق يحزينا ثواب صنيعهوننفق من خيراته وهو يُخْلِفُ
يعافى ويعفو عن كثير ولم يزلحليما وما زلنا نسئُ ونسرِفُ
فكيف يؤدّى حمدَهُ حق حمدِهكما ينبغي مجداً لِسانٌ وأحرفُ
إلهي عجزنا دون ما أنت أهلهوخفنا ونرجو ما لديك ونرجفُ
أشارت يد الدنيا بتوديع أهلهاوكدنا نرى الأشراطَ والله يلطف
رجوناك مِفضالا وخفناك عادلافهب ما نرجِّى واكف ما نتخوّف
هي الجسر للأخرى فِسر ضيف ليلةعليها فكلْ ما تْستضاف وتعلَفُ
تكلفنا أشياَء لا نستطيعهاونعلق فيها بالمحال ونكلفُ
فأما هوانا طولها فلأَنفسشديد عليها ترك ما كان تألفُ
تصرَّفت الهوجاء فينا على عَمًىفلا غرض تبغيه فيما تصرف
وما ذاك إلا أنها جد كلبةوما طبعت إلا على الكلب تصرفُ
يبشُّ محياها إلى كل ناقصوتعْبِس في وجه الكريم وتصدفُ
وليس يفي فيما يفيدُ سرُورهابأحْزانها فيما تبيد وتتلفُ
فلا ترضها جمعاَء كتعاء جملةًتحلّةَ ما تولى عليه وتحلفُ
ولا دار سكنى وهي قصرٌ مُشَيَّدٌفكيف وهذا قاعُهَا وهي صفصفُ
وما الزهدُ في إلغَائها وهي علقمٌزعاقٌ ولكن وهْيَ صهباء قرقفُ
مضت غير ما سوف على زَرَجُونهاولكن على مثل ابن يوسف يؤسف
فتانا ومفتينا المصيب وشيخناونبراسنا فيما يهم ويسدف
يعاين أعقاب الأمور فراسةإياسيه تلقى إليه وتهتفُ
وتسمع عنه بالعجيب وما ترىبأحسن مما كان يروى وأظرفُ
تهم قلوب الحاسدين بغمصهفتسبقهم أفواههم فتشرِّفُ
بصيرٌ بحل المشكلات كأنمايكاشف عن أسرارها ثم يكشفُ
حكيمٌ تلاشى فيه سَحبان وائلٍوقس وأفعى الجرهمي وقِلطفُ
ورسْطا وقسْطا وابن سينا وهُرْمِسٌوإقليدس ذو الجوسقين وأسقفُ
غمامٌ بماءْ المزن ينهل مزنهوبحر بأصداف المكارم يقذفُ
تملك أطراف القضاء وفقههوما هو إلا مالك أو مطرفُ
تخاطبنا كبرى ابن يوسف عندهدعوا كثرة الآراءِ هذا المصنفُ
درى في اللغَى والنحو ما شاَء في الصبّافشبَّ على تحقيقه يتفلسَفُ
يجوّدُ آيات الكتاب فصدرُهلِمَجْموع ذي النورين عثمانَ مصحفُ
عواطل آذان من العلم لم يكنيقرّطها تدريسه ويشنفُ
يفسرُه تفسير حبر موفقيسنى له فيض العلوم فيغرفُ
نضت جودها في كفّهِ كفُّ حاتموزرَّ عليه جبة الحلم أحنفُ
أشَمُّ المعالي همه وهو همهاويشغف فيها مثل ما فيه تشغفُ
قَصرن عليه الطَّرف وهو كأنمابرؤيا سواها كان يقذى ويطرفُ
وما كنت أدرى قبله الموت زعزعايدك جوديّ المعالي وينسفُ
ولا حاجياً أن يستهلَّ ابن ليلةعلى الناس بدراً كاملا ثم يكسفُ
توغلت سجن الهم فاصبره حسبةيجازيك من مجزيِّ يوسفَ يوسفُ
أراد بك الله التي هي عندهأحَظُّ وأحظى بالمفاز وأشرفُ
ولو أن آثام البرية كِفَّةٌلخفت بما فيها ثوابك يصرفُ
وبَخْ بَخْ وبشّرِ أمّ أحمد بالذييثنى لها من أجرها ويضعّفُ
فلا تجزعا يا ولديه فربهبرُّ به من والديه وأرأفُ
وخلى ومن أصفيت ودي ومن بهأقيم اعوجاجي كله وأَثَقّفُ
وأفرشتني شوك القتاد وإنمافراشاك في الفردوس لاذٍ ورفرفُ
وجازاك عنها خير خير ينالهويُجْزَى به الدَّيانة المتحنِفُ
وخلَّي لمولاه الحضيضَ وأهلَهفليس له إلا إليه التشوّفُ
وتعزوه للأحداث سن صغيرةويعزوه للأشياخ علم يؤلفُ
تعجبت من تقديمه عند عدهموهم وهو عقد السؤدد المحض نيفُ
تغلغل في علم التصوّف آخذاًعلى نفسه دون الحظوظ التصوفُ
وأدناك إذ لم ترض نفسك حيةبما ليس يدنى من رضاه ويزلفُ
وغل لساني فيك ما غمّ خاطريفها أنا أرسو في الكلام وأرسفُ
ولم أقض أدنى حقه غير أننيأبهرج في تأبينه وأزخرفُ
رثاه الذي لا يسخط اللهَ قولُهُويحزن منه القلب والعين تذرفُ
تمنيت ولو أعطيت في القول بَسْطةفأهتف فيه بالذي أنا أعرفُ
نعم كيف يفْنى غارف متحفِّنٌبغرفته البحر المحيط وينزفُ
له شيمٌ مثل النجوم عديدةفمنهن موصوفٌ وما ليس يوصفُ
وغايات سبق في الكمالات تنتهيجياد القوافي دونهن وتوقفُ
وقال أيضا يمدح سيدي محمد بن مولاي إسماعيل الذي اشتهر فضله بين الخاصة والعامة (ومن أراد أن يقف على بعض مآثره فلينظر في كتاب الاستقصا، ومن سمع ما ترويه مشايخ الصحراء علم إنه ما استقصى):
دع العيس والبيداء تذرعها شطحاوسِمْها بحورَ الآل تسبحها سبحا
ولا ترعها إلا الذميل فطالمارعت ناضر القيصوم والشيح والطلحا
ولا تصغ للناهين فيما نويتهوخف حيث يخفى الغش من يظهر النصحا
فكن قمراً يفْرى الدجى كل ليلةولا تك كالقمريّ يستعذب الصدحا
وقارض هموم النفس بالسير والسرىعلى ثقة بالله في نيلك الربحا
وأمّ بساط ابن الشريف محمدمبيد العدا ذكرا ومبدي الهدى صبحا
فتى يسع الدنيا كما هي صدرهفأضحى به صدر الديانة مندَحّا
ومن هو غيث أخضل الأرض روضهفلا يظمأ الآوي إليه ولا يضحى
فتى يستقل البحر جود بنانهعلى حالة استكثار حاتم الرشحا
تزيد على الفاقات فيضات كفهفيغرق في التيار من يأمل النضحا
وَمنْ هديه ساوى النهار وليلهفأمسى ينير الخافقين كما أضحى
أميرٌ ملوك الكفر أضحت بسيفهكما تتبغّى الذبح في عيدها الأضحى
مساعيه في الخطب الجليل يرومهكآمال من يرجوه تستصْحب النجحا
صفات كدُرِّ البحر صفواً ولجهحساباً فمن تأتى على مائه نزحا
وآيات علم أغمد الجهل نورهاوغايات جد ليس تطلابها مزْحا
وكَفٌّ تُرى وكْف الحيا كيف ينهميإلى خُلْق يرى نسيم الصبا النفحا
وبشرُ محيا علَّم الصبح ما السناوقبض أرى النار التأجُّجَ واللفْحا
وتأليفه أشتَات كل فضيلةومكرمة غراء تعجزنا شرحا
ومنها:
أبوك لحكم الشرع ولاّك عهدهفلم تلق كدًّا للسؤال ولا كدحا
وأعطاكه إذ ليس غيرك أهلهوللعقل نور ميز الحسن والقبحا
كفى باتخاذ المال في القصد يمنهفلسنا نخط الرمل أو نضرب القِدْحا
مهيب مخوف بطشه تحت حلمهعفوٌّ يرى إلا عن الباطل الصفحا
فهل كان معزوا إلى الحلم قبلهنعم أو كريم يَدَّعِى غيره السمحا
فأقدم حتى فارق الجبن صافرٌوجاد إلى أن عاف مادِرٌ الشحا
ولم تُذْعِنِ الأعداء محض مودَّةإليه ولكن إنما كرهوا القرحا
رأوا ضيغما يعطى الحروب حقوقهاوإن تضع الأوزار يُبْرِمْ لها صلحا
ويستغرق الأوقات في الجد كلهاولا يهب التَّلعاب ما يسع اللمحا
مواصلة حبل الجهاد جيادهووقفا على غزو العدا عدوها ضبْحا
معادية مُعْطىً بالحياة منيةوبالجنة الأخرى وبالسُّنْدس المُسْحَا
أبي ابن أمير المؤمنين وسيفهوصمصامه أن يرفع الضرب والنطحا
تشابهه خَلْقا وخُلْقا فسامهإلى الفلك الأعلى فإنك لا تلجا
تهندست العليا فأحرزت جسمهالإحرازك النقطات والخط والسَّطْحا
ومنها:
فأعطيتني الأعيان والعين والكسىوبيض الظبا والنوق والخيل والطلحا
فخذها ابنةَ الحاء التي الحمد مبتدألها وبها خلاّقها كمل المدحا
وقال يمدحه أيضا:
أثار الهوى سجع الحمام المغَردوأَرَّقني الطيف الذي لم أطِرّدِ
ومسرى نسيم من أكَيْناف حائلوبرق سقى هاميه برقة ثهْمِدِ
وذكر التي بالقلب خيَّم حبهاوألبسني شوقا علالة مكمد
فبت أقاسي ليلة نابغيَّةتعرفني هم السليم المُسَهَّدِ
طويلة أذيال الدجى دب نجمهاإلى الغرب مشْىَ الحائر المتردِّدِ
ويزعج وُرَّاد الكرى دون مقلتيبُعُوث غرامٍ من لدنْ أم مَعْبَدِ
بنفسيَ عرقوبية الوعد ما نوتوإن حلفت قط الوفاء بموعدِ
تردُّ إلى دين الصبابة والهوىفؤاد الحليم الراهب المُتَعَبِّدِ
وتقصد في قتل الأحبة قربةبشرعة ديان الهوى المتأكّد
سبتني فقبَّلت الثرى متخلصاأمام امتداح ابن الشريف محمد
هو الوارث الفضلَ النبيئيَّ خالصامن المجد والعليا ومن طيب مَحتِدِ
بمال اليتامى والأيامى موكلٌبتفريج غماءِ الشجيّ المكمدِ
وضاع أكثرها من حفظي. وله أيضا:
يَتَفَيْهَقُ الغمر المغمر مُسْهَباًوالمِصْقَعُ العِدُّ القريحة موجزُ
كالوعد يقوى المخلفون بحملهويهاب عهدةَ عقده مَنْ يُنْجِزُ
وله أيضا:
إلى الله أشكو طوع نفسيَ للهوىوإسرافها في غيها وعيوبَها
إذا سقتُها للصالحات تَقَعَّسَتْودبَّتْ على كره إليها دبِيبَها
وتشتد نحو الموبقات نشيطةإذا فاوقتها الريحُ فاقت هبوبَها
وما هي إلا كالفراشة إنهاترى النار ناراً ثم تصلى لهيبَها
ومن بديع قوله:
ألا إني خليلك يا حويريومبسمك المُبَرِّدِ للغليل
فقولي للنحاة حمايَ عنهدعوا بين المبرد والخليل
وسواء فتحت راء المبرد أو كسرتها كما ضبط بالوجهين. ومما أنشدني له العلامة أستاذنا المختار بن ألما الديماني رحمه الله تعالى من أبيات:
إذا جلت فكراً في العلوم عويصهاومادت به الأفراح كل مميدِ
تصاغرت الدنيا لدىّ وأهلهاوجئتُ بما يشفى غليل مريدِ
ونلتُ لذيذ العلم بالذوق وحدهوكل لذيذ غيره كهبيدِ
هذا ما علق في الخاطر من شعره ومحاضراته، سوى قصيدة ستأتي في ترجمة اليدالي ولم ننقل شيئا من الغرائب التي تتداولها العامة من أخباره لعدم صحتها. وكان رحمه الله تعالى موجودا في صدر القرن الثاني عشر.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع