من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
حاله (٢)
هو علم أعلام القضاة، وصاحب الخلال المرتضاة. ورجل الحديث وأسد رجاله. وعلامة العلم وفارس مجاله. وعالم الرّواية، والمحصّل للدراية.
وربّ البلاغة والفصاحة، ومبرّز ميدان الذكاء والسّماحة. وباعه في القراءات مديد، ورأيه في الأحكام سديد. وبيته بيت علم سحب من الصّون ذيلا، وتضوّعت من عرف عرفانه نواسم الجلال نهارا وليلا.
أنشدني لنفسه:
يفنى الهوى وغرام عزّة باقوالشّوق يذهب ما عدا أشواقي
حلف الهوى ألا يفارق مهجتيطول الزّمان إلى بلوغ تراقي
فالوجد ما طويت عليه جوانحيوالدّمع ما جادت به آماقي
أنا فارس العشّاق ما منهم فتىيهتزّ بين يديّ يوم سباق
وإذا هم يعدون خلفي سرّعالم يظفروا يوم الهوى بلحاق
فأنا الذي عرف الرجال مقامهمن بينهم في مصرع العشّاق
قالوا لعاذ لنا وعاذرنا ومابي من غرام منهم ووفاق
قد صمّت اذني عن حديثكم كماعميت إذا شاهدتكم أحداقي!
إن شئت تعلم هل شعرت بأمركمأم لا، فهاك انظر إلى استغراقي
الحال أغلب والدّليل مؤخّروالحكم في ذا الباب للأذواق
دعني وعزّة والغرام فإنّهتثليث توحيد بغير نفاق!
داء الهوى ما إن أدين ببرئهما للطّبيب ولي، وما للرّاقي؟!
هي علة أو سكرة لا ترتجيصحوا، وكيف وما عدمت الساقي؟
لله ساق في حلاوة كأسهللمدنف الهيمان مرّ مذاق
وأمرّ من محن الهوى أن لم أبلبعظيم ما في جنب ذاك ألاقي
يا قلب كم أسعى ومالي مخلصنحو التفلّت من شديد وثاقي
لله ما يلقاه أرباب الهوىمن كلّ ما يفري عرى الأعناق
لا غرو أن يشقى المحبّ ببعدهإن لم يدن محبوبه بتلاق
الموت كلّ الموت أنّي مبتلىبفراق من يشكو أليم فراقي!
يا من فؤادي في وصال جمالهمما زال في طمع وفي إشفاق
إن كان دهر قد قضى بفراقنافعساكم لا تنقضوا ميثاقي!
وأنشدني أيضا لنفسه، يخاطب بعض الطّلبة معتذرا له وقد [غفل عنه] في بعض حلق العلم:
إن كنت أبصرتك لا أبصرتبصيرتي في الحقّ برهانها
لا غرو أنّي لم أشاهدكمفالعين لا تبصر إنسانها!
وأنشدني أيضا لنفسه في البعاد:
قالوا تغّربت عن أهل وعن وطنفقلت لم يبق لي أهل ولا وطن
مضى الأحبّة والأهلون كلّهموليس لي بعدهم سكنى ولا سكن
أفرغت دمعي وحزني بعدهم فإذامن بعد ذلك لا دمع ولا حزن!
وأنشدني أيضا لنفسه:
قد كنت أحسب قدوة في سادةعدّوا بغير رضاي من أكفائي
فاجتاحهم ريب المنون فأصبحوارهن الثرى نبأ من الأنباء
وأقام بعدهم الزمان صغارهمرغما أمامي، والكبار ورائي!
لم أرض بالطّرف العتيق مسابقافبليت بالجريان خلف الشاء!
وأنشدني أيضا لنفسه في المجبّنة:
ومصفرّة الخدّين مطويّة الحشاعلى الجبن والمصفرّ يؤذن بالخوف
لها هيئة كالشّمس عند طلوعهاولكنّها في الحين تغرب في الجوف!
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع