من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
كنيته: (٣٣)
يكنى أبا عبد الله وأدركته ورأيته.
وهو من أهل تلمسان. وأصل سلفه من الأندلس. من بيت أصالة وتعيين. ومحمد والده كان من أهل العلم التام. درّس العلوم بتلمسان وأفتى بها
وكان من عباد الله الصالحين، ومن الأولياء المخلصين. وحسبه من ورعه أنه ولي القضاء بتلمسان سنين طائلة، فلما توفي لم يوجد له غير قطيفة، ووسادة صوف، نفع الله به.
ومن سعة علمه أنه رتب التبصرة للإمام أبي الحسن اللخمي وأتى بها نسقا على أبواب التهذيب؛ ومسائله اعتنى بها فقهاء الأمصار وعرفوا بها قدره في العلوم.
وقدّمه على قضاء الجماعة بتلمسان أمير المسلمين المنصور بالله أبو الحسن علي المريني، فأظهر من التصميم في الحق وإقامة منار الشريعة ما يكل اللسان عن وصفه. وأحمد والد محمد كان أيضا من أهل العلم البارع، ودرّس العلوم، وأفتى، وولي قضاء الجماعة في بعض بلاد إفريقية. وكان علي والد أحمد إماما عالما مدرسا مفتيا محدثا حافظا، وولي قضاء الجماعة بتونس لأمير المؤمنين المستنصر بالله، المنصور بفضل الله أبي عبد الله محمد بن الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص الموحّد؛ وقدمه المستنصر بالله هذا على حجابته، وقلده خطّة علامته.
ونسبه في تميم، ويقال إنه من بني الأغلب التميميين، ملوك إفريقية.
والحاجب أبو عبد الله هذا كان ملازما لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان المريني في الصّحبة بتلمسان، في إمارته حين قدمه
أبوه أمير المسلمين المنصور بالله أبو الحسن عاملا عليها، فلما بويع بها المتوكل على الله أبو عنان، وسار منها إلى فاس مقعد الملك المريني، قدمه حاجبا له وصاحب علامته، وبلغ لديه جاها عظيما لم يبلغه غيره. وكان أحد الأجواد لا يقاس إلا بمن تقدّم من البرامكة وأمثالهم. وكان قد أعطاه مخدومه السّلطان أبو عنان بعد أن حجبه عشرة من الطّبول وعشرة من البنود، وقدمه أميرا ببجاية وقسنطينة فظهر له هنالك من الآثار الجميلة ما أنسى بها من تقدمه من الحجاب والأمراء. وببجاية توفي في سنة ست وخمسين وسبعمائة، وسيق منها فدفن بتلمسان. فوجد لفقده السّلطان أبو عنان حزنا عظيما أداه ذلك لأن بعث أعز بنيه عنده-وهو الأمير أبو زيان محمد-لبحضر جنازته بتلمسان، وأخرجه حزنه أيضا عليه لأن رثاه بقوله:
ألمّا بأجداث العلى والمناصبتحيي ثراها واكفات السّحائب
وعوجا بأكناف الضّريح الذي حوىمن الجود والإفضال أسنى المراتب
ألا بكّيا غيث المواهب والجداوليث الشّرى نجل السّراة الأطايب
وجودا بوبل الدّمع تهمي شؤونهكما هتنت مزن الغيوث السّواكب
وبوحا بأنّ المجد أقوت ربوعهوزلزل منه مشمخرّ الأهاضب
فيا رجل الدّنيا وواحدها الذّيتحثّ لمغناه مطيّ الرّكائب
لقد كنت لي أنسا وخلاّ وصاحبافبنت ولم تثن العنان لصاحب
وقد أنشبت فيك المنيّة ظفرهاوما غادرت يوما منيع الجوانب
سقتك صروف الدّهر كاسات حتفهاوجرّعت منها مفظعات المشارب
ولاقيت مكروه الحمام وقد سرىعبير ثناك في الرّبا والسّباسب
رزئت أبا عبد الإله بفقدكمفها أنا ذا أشكو بريب النّوائب
مسعّرة نار الجوى في جوانحيتذكّرني عهد النّصيح المراقب
لقد رزئت فيك السّماحة والنّدىوضعضع منها جانب أيّ جانب
وما كنت إلا الطّود والبحر والسّنىتضيء ضياء الزّاهرات الثّواقب
وما كنت إلا حائزا كلّ شيمةمن الفضل سبّاقا لبذل الرّغائب
فما اختصّت الأملاك مثل محمّدولا خصّت الأملاك منه بحاجب
ولا نالت الأشراف ما نلت من علاوما هي ندّ في النّهى والمناصب
وإن خصّ منهم ماجد بمزيّةفقد حزت في العليا جميع المناقب
نمتك إلى المجد الأثيل خصائصيقصّر عنها نجل زيد وحاجب
ظعنت من الدّنيا حميدا مقرّباوسرت بريئا من ذميم المثالب
وتالله ما دمع براق وإنّماأكفكف منه كالعهاد الصوائب
تغمّدك الرّحمن منه برحمةوبلّغك الزّلفى وأقصى المآرب
وبوّاك من أعلى الجنان قصورهتحيّيك فيها مسبلات الذّوائب
عليك سلام الله ما لاح بارقوما سجعت ورق الحمام النّوادب
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع